في يوم الخميس 13 أبريل 2023، نظم منتدى صالحة الثقافي آخر فعالياته، قبل اندلاع الحرب، والتي كانت ليلة عرض سينمائي مخصص للأطفال بمدرسة عبد الله الغرقان جوار السوق. وبعد يومين من ذلك الحدث، اندلعت الحرب والتي سيطرت خلالها قوات الدعم السريع على منطقة صالحة، ولاحقًا اتخذتها واحدة من معاقلها الرئيسية، ولا سيّما بعد انسحابها من الخرطوم في أواخر مارس 2025.

ومنذ بداية الحرب إلى لحظة استعادة الجيش السوداني السيطرة الكاملة على ولاية الخرطوم بما في ذلك صالحة، في 20 مايو 2025، عاشت المنطقة تحت وطأة انتهاكاتٍ جسيمة؛ تضمنت التهجير القسري لمئات الأسر، والاستيلاء على منازلهم التي حولت إلى ثكناتٍ عسكرية ومراكز احتجاز، بالإضافة إلى حصار معيشي على حركة المواطنين داخل المنطقة وخارجها، والاعتقال التعسفي والإخفاء القسري لعشرات الشبان من سكان الأحياء المختلفة، تحت ذرائع مختلفة. وفي 27 أبريل 2025، نفذت قوات الدعم السريع إعدامات ميدانية وتصفيات، استهدفت 31 شخصًا، وهي ما عُرفت بـ«مجزرة صالحة»، حيث اعتقل الضحايا ووجهت إليهم تُهم التعاون وإرسال إحداثيات المواقع إلى الجيش السوداني.

أدى كل هذا العنف والمعاناة التي عايشها سكان صالحة في توقف كل مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومن ضمن الأخيرة منتدى صالحة الثقافي.

جانب من آخر فعالية نظمها المنتدى، 13 أبريل 2023

كيف انطلق المنتدى؟

بدأت فكرة المنتدى في العام 2020، ومن ثم ابتدأت أنشطته في العام نفسه، قبل أن يدشّن فعليًا مطلع العام 2021، بادر مجموعة من شبان منطقة صالحة جنوب أم درمان وشاباتها، بتأسيس منتدى صالحة الثقافي، وذلك انطلاقًا من تصور يرى في الثقافة أداةً فاعلة ومهمة في التغيير الاجتماعي.

ووضع المنتدى هدفًا واحدًا نصب عينيه: أن يكون منبرًا رائدًا في دعم الثقافة والفنون، وتمكين الشباب من الإبداع والمشاركة المجتمعية، وذلك من خلال خلق مساحة آمنة تجمع الشباب والمبدعين، وتتيح لهم التعبير عن أفكارهم، وتطوير مهاراتهم، وخدمة المجتمع عبر الأنشطة الثقافية والفنية، بما يسهم في نشر الثقافة والمعرفة، واكتشاف المواهب الفنية ورعايتها، علاوةً على تعزيز العمل التطوعي والاجتماعي. 

واصل المنتدى أنشطته وفعالياته على مدار عامين ونيف، راكم خلالها خبرةً وجمهورًا مختلفًا من المنطقة وخارجها، وكان لدور أنديته المتنوعة إسهامًا كبيرًا في إثراء فعالياته في حقول المسرح والموسيقى والكتابة والقراءة والرسم والسينما. 

يقول عضو المنتدى حسين أسامة لـ«بيم ريبورتس»: «شرفتنا في التدشين الكاتبة استيلا قايتانو، مؤسسة مشروع اصنع فرقًا بكتاب. وتبرعت لنا بعددٍ من الكتب دعمًا لسعينا إلى إنشاء مكتبة للمنتدى».

جانب من تدشين المنتدى، يوم 8 يناير 2021

بعدها باشر المنتدى أنشطته ، ولم يكن له مقر واحد، وإنما كان متنقلًا في العديد من أحياء صالحة.

استئناف النشاط بعد العودة

«استأنفنا عمل المنتدى بعد شهرين من تحرير صالحة. وأول ما فعلناه كان إطلاق مبادرة للدعم النفسي للأطفال بوجه خاص؛ نظمنا فعالية للأطفال في الجموعية، وتضمنت فقرات مسرح عرائس وألعاب، علاوةً على فعالياتٍ أخرى لكل المتضررين من الحرب» – يقول حسين أسامة، أحد أعضاء منتدى صالحة الثقافي.

وقد أقام المنتدى، منذ استعادة نشاطه مطلع العام الجاري، عددًا من الفعاليات الثقافية، انطلاقًا في السابع من يناير، عبر تنظيم فعالية ثقافية واجتماعية للأطفال في مدرسة الكُدي شمال، وبتعاونٍ مبادرة يمن ورعاية منظمة Helping Sudan. يستهدف فعاليات استقطاب جمهور متنوع، سواءًا في عضويته، التي تتضمن أطفالًا في عمر السادسة وشبابًا وكبار السن، أو في الذين يحضرون الفعاليات من داخل وخارج منطقة صالحة، وهو ما نجح فيه المنتدى بعد «مواجهة تحدياتٍ ومضايقاتٍ في بداياته، خاصةً مع المعرفة التي لم تكن متوفرة لكثير من الناس حول المنتديات وأهدافها ونشاطاتها. لكن بعد بدء العمل والفعاليات، أصبح المنتدى وجهةً للكثيرين الذين يتفاعلون معه ويدعمونه بشكلٍ إيجابي، من داخل وخارج المنطقة، إذ كان عددنا في تسيير المنتدى لا يتجاوز الستة أشخاص، والآن يفوق القائمين على المنتدى المائة شخص» – يوضح حسين أسامة. 

مع التفاعل الكبير الذي حظي به المنتدى بعد استئناف نشاطه، من فئاتٍ اجتماعية وأعمار مختلفة، وفتح باب العضوية لجيلٍ جديد من القائمين على أمره، فإنه يسعى إلى مواصلة سلسلة أنشطته وفعالياته المختلفة، ويستعد في الفترة المقبلة لتنظيم عدد من الفعاليات والبرامج والورش المتنوعة، إذ تتضمن ورش في التصوير والفنون الأدائية وفعالياتٍ مخصصة للأطفال، علاوةً على فعاليات التي تصادف أيامًا عالمية؛ كاليوم العالمي للصحة النفسية. 

وبرغم التحديات والصعوبات الاقتصادية والمعيشية التي أفرزتها الحرب، فإن المنتدى يكافح بشكلٍ يومي لمواصلة أنشطته، وربط أواصر شباب المنطقة وخلق حالة من الترابط بينهم، وإبراز التنوع الثقافي والاجتماعي الذي تزخر به المنطقة ودعم المواهب الشبابية في مختلف المجالات. وفي هذا السياق، يقول عضو المنتدى حسين أسامة «تخيل أن يكون لكل منطقة في السودان منتداها الثقافي، ومجتمعًا يناقش قضايا المنطقة، ويستكشف مواهبها ويدعمها، ويوفر ملاذًا للشبان، يلتقون فيه ويتناولوا مسائل ومواضيع الثقافة». ومن أجل ذلك فإن المنتدى يعمل على إنشاء مكتبة إطلاع مفتوحة للجمهور العام، بعد الإقبال الكبير على معرض بيع الكتب المخفضة.

منذ ما قبل اندلاع الحرب، والمشهد الثقافي وبنيته التحتية تشهد تداعيًا كبيرًا، يواجهه الفاعلون والفاعلات في المجالات المختلفة بجهودٍ كبيرة، وعبر مؤسساتٍ مستقلة ومبادراتٍ تبذل ما بوسعها لتدارك ما يحيط بالثقافة والفنون.

 ومن ثم جرفت الحرب بدرجة كبيرة هذه الجهود؛ تهجيرًا ونزوحًا ولجوءًا، لكن في وسط ذلك يحاول الآن السودانيون استعادة مبادراتهم وفضاءاتهم الثقافية في الداخل والخارج؛ عودة جزء من المكتبات إلى العمل، والوراقون الذين زينوا ساحات المدن والقرى، علاوةً على معارض بيع الكتب المخفضة ومبادرات نوادي القراءة التي انتظمت عددًا من المدن.

من ندوة السرد والسلام، في العاصمة الكينية نيروبي

وفي المنفى أيضًا، ما يزال رواد الثقافة، يواصلون مساعيهم، في جعل الثقافة والأدب جزءًا من يومياتهم، بعد أن أجبرتهم الحرب على مغادرة أماكنهم في مدن ومناطق السودان المختلفة، والتي كان آخرها ندوة «السلام والسرد» التي نظمها نادي القصة السوداني، وجمعت عشرات السودانيين المهتمين بالأدب في العاصمة الكينية نيروبي، الاثنين الماضي، في استضافة الروائي السوداني، عبد العزيز بركة ساكن.

شارك/ي التقرير

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp

اشترك في نشرتنا الإخبارية الدورية

مزيد من المواضيع