في 3 أكتوبر الجاري، تقدّم عدد من أطباء مستشفى الأبيض الدولي «الضمان» بمذكرة لإدارة المستشفى، طالبوا فيها برفع الراتب الأساسي إلى 900 ألف جنيه سوداني، وزيادة النسب المالية المستحقة للأطباء، وتحسين بيئة العمل وتوفير الخدمات الأساسية للعاملين. في المقابل، قالت مديرة المستشفى، آمال خليل يوسف، إن الإدارة رفعت الراتب الأساسي للأطباء من 300 ألف إلى 500 ألف جنيه سوداني، مع الإبقاء على الحوافز وتعديل بعض النسب المرتبطة بأعداد المرضى، إلى جانب توفير الوجبات والترحيل والتأمين الطبي للأطباء وأسرهم.
ومع عدم الوصول إلى اتفاق مع إدارة المستشفى «قرر الأطباء العاملون بمستشفى الأبيض الدولي، وفقًا للإجراءات والضوابط القانونية والنقابية المنظمة للعمل، الدخول في إضراب عن العمل اعتبارًا من يوم الأحد الموافق 4 أكتوبر 2026، وذلك في حدود ما يسمح به القانون» – بحسب ما ورد في بيانهم، الذي أكد أن تحركهم يأتي ضمن المطالبة بتحسين الأجور وبيئة العمل بما يحفظ حقوقهم، دون الإضرار بالمرضى أو سلامتهم.
وفي استجابة لإضراب الأطباء، أقدمت إدارة المستشفى على فصل أربعة من الأطباء المضربين. وقالت مديرة مستشفى الضمان الدولي، آمال خليل «الأطباء الأربعة الذين تم فصلهم لم يكتفوا بموقف الإضراب، بل أصروا عليه وحرّضوا بقية زملائهم على التوقف عن العمل في يوم لم يكن أصلاً يوم ورديتهم (شفتهم) الرسمية».
تعكس هذه الأزمة عن التدهور المتصاعد للأوضاع المهنية والضغوط الصحية التي تشهدها المدينة منذ اندلاع الحرب التي أثرت على بنية القطاع الصحي بصورة كبيرة، علاوةً على الضغوط الاقتصادية والمعيشية.
الحرب وتدمير البنية التحتية
يواجه فيه القطاع الصحي في مدينة الأبيض ضغوطًا متزايدة، إذ تسببت الحرب في انهيار شبه كامل للقطاع الصحي ، نتيجة لتضافر عدة عوامل ميدانية وإنسانية، والتي يأتي في مقدمتها استهداف قوات الدعم السريع البنية التحتية، عبر قصف المنشآت الصحية والمرافق الحيوية، ما ألحق أضرارًا بمستشفيات رئيسية مثل مستشفى الأبيض التعليمي ومستشفى الضمان الاجتماعي.
كما أدى استهداف محطة الكهرباء الرئيسية ومحطات المياه والوقود إلى انقطاع التيار الكهربائي ونقص المياه، وشلّ حركة المستشفيات، علاوةً على تقليص خدماتها أو إغلاق أقسام الطوارئ فيها.
كما أدى الحصار المفروض على المدينة إلى قطع سلاسل الإمداد وتعطل وصول الأدوية والمستلزمات الطبية وقطع الغيار للمعدات، الأمر الذي أدى إلى نقصٍ حاد في الأدوية والعلاجات الأساسية، مثل المسكنات والأكسجين وأكياس الدم، بالإضافة إلى انعدام أدوية الأمراض المزمنة ومتطلبات العمليات. لتسبب كل هذه الظروف في خروج غالبية المرافق عن الخدمة، حيث توقفت نحو 70% من المستشفيات والمراكز الصحية عن العمل.
أزمة المياه وانتشار الأوبئة
ضاعفت الحرب من أزمة المياه القديمة، التي تعود إلى سنوات من قبل الحرب في مدينة الأبيض، إذ أدى القصف المدفعي وهجمات الطائرات المسيرة إلى تدمير وتوقف محطات مياه الشرب، تسبب ذلك في اعتماد سكان المدينة على مصادر مياه غير آمنة، خاصةً مع ارتفاع أسعار براميل المياه، علاوةً على صعوبة الحصول عليها في الأساس، لتؤدي كل هذه الظروف مجتمعة إلى انتشار الوبائيات والأمراض و الاسهالات المائية؛ بصورةٍ خاصة وباء الكوليرا.
النزوح والحاجة لتوسيع الخدمات
برغم ما عانته مدينة الأبيض منذ بداية الحرب، من اشتباكات مسلحة على الأرض وقصف للمسيرات والأعيان المدنية، علاوةً على البنية التحتية، في محاولة قوات الدعم السريع السيطرة عليها، ومقاومة هذه المحاولات من قبل الجيش السوداني المستعصم داخل المدينة، إلا أنها كانت وجهةً تدفق إليها تسبب مئات آلاف النازحين الفارين من النزاع المسلح في مختلف مناطق كردفان ودارفور، والذين وصلوا المدينة وهم يعانون من ظروف إنسانية وصحية بالغة التعقيد.
وقد ارتفعت الحاجة إلى جهود أكبر لزيادة الطاقة الاستيعابية للمؤسسات والمرافق الصحية لتغطية الخدمات الأساسية للنازحين الذين أضيفوا إلى سكان المدينة، خاصةً مع الضغط الهائل على المرافق الصحية، بسبب انتشار الأوبئة والأمراض وحاجات الصحة الإنجابية؛ فعلى سبيل المثال، أصبح مستشفى الأبيض للولادة يخدم أعدادًا كبيرة من النساء والفتيات النازحات، مما أدى إلى ارتفاع متوسط الولادات اليومية إلى 25 حالة مقارنة بـ 17 حالة في الأوضاع الاعتيادية، أدت هذه الزيادة إلى الاكتظاظ ونقص أسرّة العناية المركزة وحضانات حديثي الولادة، الأمر الذي تسبب في تسجيل حالات وفاة بين الرضع والأمهات لعدم توفر الأسرّة الكافية أو تأخر تقديم الرعاية العاجلة.
أزمة الكوادر الطبية
تسبب تدهور البنية التحتية في مدينة الأبيض في تدهور بيئة العمل داخل المرافق الصحية، ومعاناة المستشفيات من نقص حاد في الأطباء، ففي يوليو 2026، حذرت منظمة أطباء بلا حدود من أن الهجمات بالطائرات المسيّرة وارتفاع تكاليف النقل وتراجع الوصول إلى مياه الشرب والرعاية الصحية تزيد صعوبة حصول السكان على الخدمات الأساسية، وقد تسببت كل هذه التحديات في صعوبات جمة للمؤسسات الصحية.
من جانبٍ آخر، فإن هذه التحديات تنعكس على الكوادر الطبية والعاملين في القطاع الصحي بصورةٍ متساوية؛ خاصةً مع التحديات الاقتصادية والمعيشية، علاوةً على ضغط العمل نفسه.
وتضع الواقعة ملف أوضاع العاملين الصحيين في قلب النقاش حول تعافي القطاع الصحي السوداني. إعادة تشغيل المستشفيات لا تعتمد فقط على إصلاح المباني وتوفير المعدات والأدوية، بل تتطلب أيضًا الحفاظ على الكوادر المؤهلة، وتوفير أجور وظروف عمل مناسبة، وإيجاد آليات لمعالجة النزاعات المهنية بما يضمن حقوق العاملين واستمرارية الرعاية الصحية.
أزمة صحية واسعة النطاق
مع ما يواجهه السودان من أزمة صحية واسعة النطاق، فإن قدرة المؤسسات على الاحتفاظ بأطبائها جزءًا أساسيًا من قدرتها على تقديم العلاج. ومن ثم، فإن أزمة الأبيض لا تثير تساؤلات بشأن نزاع وظيفي فحسب، بل بشأن الشروط الاقتصادية والمهنية التي تسمح للمرافق الصحية بمواصلة العمل وسط تداعيات الحرب.
وفي ظل هذه الظروف، يطرح الإضراب وفصل الأطباء سؤالًا بشأن قدرة المؤسسات الصحية على التوفيق بين محدودية مواردها، وتحسين شروط عمل الكوادر الطبية، وضمان استمرارية الخدمات.
إن تأثير الحرب وتداعياتها على الخدمات والمرافق الطبية كبير للغاية، وبشكلٍ خاص على المدن التي شهدت معارك عسكرية وحصار. وفي أبريل 2026، أشارت منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 21 مليون شخص في السودان يفتقرون إلى الخدمات الصحية، بينما 37% من المرافق الصحية في البلاد خارجة عن الخدمة. وفي السياق نفسه، وثقت المنظمة 217 هجومًا على الرعاية الصحية منذ اندلاع الحرب منتصف أبريل 2023.