«في العادة، يبدأ الموسم الزراعي في يونيو، إذ تكون معدلات الأمطار جيّدة للغاية، ما يساعد المحاصيل على الإنبات والنمو حتى تصل إلى مرحلة الإنتاج، لكن الوضع كان مغايرًا هذا العام، فقد غابت الأمطار، وتأخرت الزراعة قرابة شهرين»، هكذا يصف المزارع عمر مختار (اسم مستعار) تأثر الموسم الزراعي في جنوب ولاية القضارف، شرقي السودان. وتُعدّ المنطقة من أكبر مناطق الزراعة المطرية في الولاية، إذ تنتج كمياتٍ كبيرة من الذرة والسمسم وزهرة الشمس وحبوب البطيخ (التسالي) والفول السوداني.
لا تقتصر آثار الجفاف على جنوب القضارف فحسب، إذ تشهد مناطق عدة من السودان شحًا في الأمطار والمياه اللازمة للزراعة. وفي هذا السياق، حذّرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) من مخاطر كبيرة تواجه الموسم الزراعي في السودان، نتيجة الجفاف الحاد وتراجع معدلات الأمطار في مناطق الإنتاج. ووفقًا لبيانات المنظمة، سجّلت ولاية القضارف انخفاضًا في معدلات الأمطار بلغت 30% مقارنة بالمتوسط العام، مما عرّض نحو 70% من أراضيها المزروعة لظروف الجفاف. أما في ولاية سنار، فقد تراجعت الأمطار بنسبة 20%، ملحِقةً أضرارًا بنحو 40% من أراضيها الزراعية، خلال الفترة من يونيو حتى منتصف أغسطس.
إنتاج ضعيف وأسعار مرتفعة
تنعكس قلة الأمطار على نمو المحاصيل وإنتاجيتها، ولا تقتصر آثارها على المزارعين وحدهم، بل تمتد إلى أسعار الغذاء وقدرة الأسر على تأمين احتياجاتها.
وبحسب تقرير «الفاو»، يُتوقع أن يلقي تراجع معدلات الأمطار بظلال قاتمة على أسعار الحبوب والأمن الغذائي لآلاف الأسر السودانية، وسط دعوات متزايدة إلى تدخلات عاجلة لدعم المزارعين، من خلال توفير الري التكميلي وتقنيات حصاد المياه قبل انقضاء الموسم.
وعلاوةً على ذلك، من المتوقع أن يمتد هذا التدهور ليهدد سبل عيش العاملين والعاملات في القطاعين الزراعي والحيواني، ويمثلون نحو 80% من السودانيين، ولا سيّما مع تراجع الطلب على العمالة خلال مواسم الحصاد.
وتوضح تجربة المزارعين في القضارف كيف يمكن لتوقف الأمطار في مرحلة حساسة من نمو المحاصيل أن يؤثر في الموسم الزراعي. وفي هذا السياق، يقول مختار: «لا يحتاج العيش [الذرة] إلى مياه كثيرة، لكن ثمة مرحلة من الجفاف ينبغي ألا يصلها، لأن المحصول سيحترق». ويضيف: «مثلًا خلال هذا العام، بدأت زراعة العيش في شهر أغسطس، وكانت المياه معقولة وساعدت على إنباته، لكن الأمطار توقفت بعد ذلك في أغسطس، واستمر توقفها حتى نهاية سبتمبر، وأمطار سبتمبر مهمة للذرة لأنه يكبر فيها ويصل مرحلة إنتاج القناديل».
وتنعكس هذه التحديات المتعلقة بالجفاف وشح المياه على الإنتاج الزراعي، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال قلة كميات المحاصيل الواردة إلى أسواق المحاصيل المختلفة، علاوةً على ارتفاع أسعار المحاصيل بدرجة كبيرة.
دارفور… الوضع ليس أفضل حالًا
ولا يقتصر تأثر الموسم الزراعي بقلة الأمطار على شرق السودان، إذ تواجه مناطق في دارفور غربي السودان ظروفًا مشابهة، مع انعكاسات مباشرة على الإنتاج وقدرة السكان على الحصول على الغذاء.
ففي جنوب دارفور، تأثرت منطقة «دُمّة»، الواقعة ضمن محلية «مرشينج» على بعد 70 كيلومترًا من العاصمة نيالا، بقلة الأمطار وشحها أيضًا. ويقول المواطن جلال محمد (اسم مستعار)، في حديثه إلى «بيم ريبورتس»: «نعتمد في حياتنا على الزراعة المطرية، لكن هذا العام بالذات اختلفت زراعتنا عن سابقاتها، نسبةً إلى قلة الأمطار، التي هطلت مرتين فقط طوال موسم الخريف، مما أدى إلى فشل الموسم الزراعي، وأثقل على مواطني المنطقة وقدرتهم على الحصول على الغذاء، لا سيّما مع بلوغ سعر ملوة العيش 18 ألف جنيه».
صورة تظهر آثار الجفاف في منقطة «دُمّة» – المصدر بيم ريبورتس
التأثير في القطاع الحيواني
ولا تقف آثار شح الأمطار عند المحاصيل الزراعية، بل تمتد إلى القطاع الحيواني، الذي يعتمد بدوره على توفر المياه والمراعي. ويشرح جلال محمد جانبًا من هذه المعاناة قائلًا: «نعتمد بنسبة 10% على تربية الماشية. لدينا القليل من الأغنام، بالإضافة إلى عدد محدود من الحمير نستخدمها في المواصلات وجلب المياه، لكن في هذا الموسم لم يتوفر حتى القش لهذه البهائم، مما يؤكد أن خريفنا غير ناجح البتة».
وتتشارك عدة ولاياتٍ مخاوف مشابهة بشأن القطاع الحيواني. وفي هذا السياق، يقول محمد مختار من القضارف: «أثر الجفاف على الثروة الحيوانية، وأتوقع أن تشهد الأشهر القادمة نفوق كمياتٍ كبيرة من الماشية، نظرًا إلى عدم توافر الحشائش نتيجة للجفاف».
التغير المناخي والزراعة
وتأتي هذه التأثيرات في سياق تغيرات مناخية أوسع، ترتبط بارتفاع درجات الحرارة وعدم انتظام هطول الأمطار وتكرار فترات الجفاف. ويُعد السودان من الدول الأكثر عرضة لهذه التغيرات، التي تظهر آثارها في عدة عوامل، منها ارتفاع درجات الحرارة، وعدم انتظام هطول الأمطار الموسمية، وفترات الجفاف الطويلة، والفيضانات المتكرّرة.
وفي هذا السياق، يقول المهندس والباحث الزراعي أسامة الفكي، في إفادته لـ«بيم ريبورتس»: «يتحدث العالم أجمع، منذ 2015 أو حتى قبلها، عن التغير في المناخ الزراعي وتأثيراته في كل الدول بما فيها السودان، وما يشهده القطاع الزراعي اليوم كان متوقعًا». ويضيف: «مثلًا، بالرجوع عشر سنواتٍ، كانت زراعة الذرة الرفيعة تبدأ منذ منتصف يوليو، والآن نحنُ في أكتوبر وما زال الناس يزرعون، ما يعني تحولًا في الموسم الزراعي».
وأردف الفكي: «نحن جميعًا شركاء في إنجاح الموسم الزراعي في السودان، لذا من الضروري التصدي لقضايا التغير المناخي وتأثيراته في مواقيت الزراعة».
ومن جهته، عزى خبير سياسات التكيف والتمويل المناخي، نجم الدين داؤود، في إفادته لـ«بيم ريبورتس»، تراجع معدلات هطول الأمطار في السودان في السنوات الأخيرة، وخاصة هذا العام، بدرجة أساسية، إلى تأثيرات التغير المناخي في السودان ومنطقة القرن الإفريقي كلها، لافتًا إلى أن السودان يحتل المركز الخامس عالميًا من حيث الدول المتأثرة بعوامل التغير المناخي، مع هشاشة الأوضاع وغياب السياسات وضعف القدرة على الاستجابة لهذه التغيرات.
وخلال السنوات الأخيرة، ارتفعت درجات الحرارة وتراجعت الأمطار التراكمية بنسب تتراوح بين 30% و40% في بعض الفترات والمناطق في السودان، بحسب منظمة «الفاو»، مقارنةً بالمتوسط طويل الأجل الذي كان سائدًا، مما خلّف عجزًا مائيًا شديدًا وانخفاضًا حادًا في رطوبة التربة.
تأثيرات ظاهرة «النينيو»
في إطار تفسير التغيرات المناخية التي يشهدها الموسم الزراعي، يبرز تأثير ظاهرة «النينيو»، التي ترتبط بتغيرات في درجات حرارة سطح المحيط الهادئ وأنماط دوران الغلاف الجوي، ويمكن أن تؤثر في توزيع الأمطار في مناطق مختلفة من العالم.
وتسببت الظاهرة في رفع درجات حرارة مياه المحيط الهادئ واختلال حركة الرياح والتكثف عبر القارات، مما أدى إلى ضعف تدفق السحب الرطبة نحو منطقة القرن الإفريقي والسودان، وتسجيل درجات حرارة قياسية مرتفعة تزيد من معدلات التبخر الطبيعية.
كما تسببت هذه الظاهرة والتقلبات المرتبطة بها في تداخل عدة عوامل جغرافية ومناخية أدت إلى شح الأمطار والجفاف في نحو نصف الأراضي الزراعية في البلاد. ونتيجة لذلك، فشل موسم الزراعة المطرية في عدة ولايات في السودان، ولا سيّما ولايات دارفور وكردفان، مما يفاقم خطر المجاعة القائم أصلًا في البلاد.
وتشير التوقعات المناخية في البلاد، بحسب نجم الدين، إلى استمرار ارتفاع درجات الحرارة وتأرجح معدلات هطول الأمطار مع استمرار ظاهرة «النينيو» حتى عام 2027، في ظل معاناة المجتمعات من نقص حاد في الغذاء وحرب أهلية طاحنة، واعتماد أكثر من 70% من سكان السودان على الزراعة مصدرًا رئيسًا للغذاء. ويؤكد ذلك الحاجة إلى تعزيز قدرة المجتمعات على الصمود والتكيف مع هذه المخاطر، والضغط والمناصرة من أجل توفير التمويل اللازم للتكيف المناخي في السودان.
تقاطع الحرب مع الجفاف
وإلى جانب العوامل المناخية، يواجه الموسم الزراعي تحديات مرتبطة بالحرب المستمرة منذ أبريل 2023، والتي تسببت في نزوح الملايين وتهجيرهم، وتدمير مصادر الرزق، وتعطّل الأسواق. كما عطّلت الحرب دورة الزراعة في الكثير من المناطق، ودمّرت البنية التحتية الزراعية، وصعّبت وصول المواطنين إلى مناطق الزراعة.
ويوضح المهندس أسامة الفكي أثر الحرب في توفر مدخلات الإنتاج الزراعي، قائلًا: «أثرت الحرب بدرجة كبيرة في توفر الأسمدة والمبيدات، إذ خرجت معظم الشركات من السوق لأسباب تتعلق بالسرقات والنهب الذي تعرضت له بداية الحرب. لكن 50% من هذه الشركات عادت إلى العمل خلال عام اندلاع الحرب نفسه، وخلال هذا العام قاربت النسبة 80%».
ويضيف الفكي: «الآن المبيدات والأسمدة متوفرة بدرجة كبيرة، لكن ثمة عوامل أخرى أسهمت في ارتفاع أسعارها، وهي تتعلق بارتفاع سعر الدولار إلى جانب ارتفاع تكاليف الشحن، إذ بلغت تكاليف شحن حاوية واحدة خمسة آلاف دولار».
وينذر الموسم الزراعي الحالي في السودان، وما يواجهه من تحديات تتعلق بالجفاف والظواهر البيئية المرتبطة بالتغير المناخي، بصعوبات كبيرة تواجه القطاعين الزراعي والحيواني في المستقبل. ويستدعي ذلك جهودًا لمواجهة هذه التحديات، ولا سيّما مع ما يشهده العالم من تغيرات مناخية متسارعة.
وفي هذا السياق، يقول أسامة الفكي: «نفكر، في الشعبة، ونعمل على تكوين منصة مشتركة، وندعو كل المهتمين بالتغيرات المناخية إلى المشاركة معنا، لأن كل الدراسات تشير إلى أن المواسم القادمة أيضًا ستشهد شحًا في الأمطار والمياه».