Tag: جنوب كردفان

«بيم ريبورتس» تكشف تفاصيل القصف الدامي على «كادقلي» بجنوب كردفان

9 فبراير 2025 – ما يزال العشرات من جرحى القصف المدفعي الذي تتهم الحركة الشعبية-شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، بتنفيذه يوم الاثنين الماضي، يتلقون العلاح في «مستشفى كادقلي المرجعي»، في ظل نقص في الكوادر الطبية في المدينة المحاصرة من أكثر من قوة مسلحة، وتفتقر لأقل الخدمات الطبية والاقتصادية ومقومات الحياة والأمن.

وفي وقت أكد مصدر طبي من كادقلي صحة الاتهامات الموجهة للشعبية بقصف المنطقة والتسبب في سقوط عشرات الضحايا بين قتيل وجريح، نفى متحدث باسم الشعبية لـ«بيم ريبورتس» قصفهم المدينة.

وقال المصدر الطبي لـ«بيم ريبورتس» إن القصف المدفعي خلف ما يزيد عن «50» قتيلًا وإصابة أكثر من «70» آخرين، مشيرًا إلى أنهم بحاجة لتدخل جراحي لإسعاف المرضى المصابين بالكسور، في ظل وجود «جراح واحد» فقط يعمل في مستشفى السلاح الطبي، وأعداد بسيطة من نواب الأخصائيين والممرضين، مما فاقم حجم الكارثة والوضع الانساني.

وأضاف المصدر أن الوفيات بالمدينة ما زالت مستمرة بسبب كون العناية الصحية وتغطية الأحداث الطارئة غير كافية في هذه العمليات، موضحًا أن هناك نقص في المعدات الطبية وأكياس الدم، لأن معظم الجرحى كانوا بحاجة للدم.

وذكر أن الحاجة لإسعاف المصابين جعلت كل الكوادر الطبية وكل مكوناتها ومسمياتها من معاونيين وممرضين معاشيين وغيره تتداعى إلى «مستشفى كادقلى المرجعي» لتدارك الوضع، مشيرًا إلى أن المستشفى يفتقر حتى للمخدر والمحاليل الطبية قبل أن يشير إلى أن المنظمات أحضرت بعض المعينات.

ولفت إلى أنه في ظل الحصار المفروض على المدينة كانت المعينات الطبية تصل إلى كادقلي عبر «تبرعات واجتهادات التجار» بعد دفعهم ضرائب باهظة على المرور وأحيانًا يتعرضون للنهب، مواصلًا : «الوضع الطبي هش».

تبادل للاتهامات

والثلاثاء الماضي، اتهم الناطق الرسمي باسم الحكومة السودانية، خالد الإعيسر، الجيش الشعبي التابع للحركة الشعبية، بتنفيذ عمليات قصف عشوائي استهدف فيها سوق مدينة كادقلي ومراكز الإيواء المؤقتة في مدارس المدينة، بالإضافة إلى مناطق سكنية متفرقة، بينما نفت الأخيرة صلتها بالحادثة ووجهت بدورها اتهامًا للجيش بتنفيذ القصف.

بينما شدد الناطق الرسمي باسم وفد النقاش حول المساعدات الإنسانية بالحركة الشعبية، جاتيقو اموجا دلمان، على أنهم موجودون داخل مدينة كادقلي منذ عام ونصف العام، ولم يستهدفوا خلالها أي مدني وتمسك بأن «ادعاءات الجيش بأن الشعبية قصفت السوق ومواقع أخرى غير صحيح».

لكن المصدر الطبي، قال إن القصف المدفعي الذي تسبب في مقتل واصابة العشرات، جاء من جانب الحركة الشعبية- شمال.

وأضاف «لم يكن هناك تدوينًا مدفعيًا من قبل الجيش في يوم الحادثة»، معتبرًا أن حادثة الإثنين هي «أكبر مأساة تتعرض لها مدينة كادقلي منذ عام 1983 وطوال فترة الحرب بين الجيش السوداني والحركة الشعبية».

وفي منتصف يناير الماضي، تبادل الجيش السوداني والحركة الشعبية لتحرير السودان، الاتهامات بشأن هجمات حول مدينة «الدلنج» التي يسيطر عليها الجيش، وتعد ثاني أكبر مدينة بولاية جنوب كردفان بعد عاصمتها «كادوقلي»، وبشأن عدد من الحوادث الأخرى، في بيانات متتابعة.

وتسيطر الشعبية على الطريق الرابط بين مدينتي كادقلي والدلنج، ما أدى إلى قطع المدينة عن ولاية شمال كردفان، كما أنها تنتشر في الجزء الشرقي والجنوبي من مدينة كادقلي.

ماذا حدث في 3 فبراير؟

مووفقًا للمصدر الطبي، فإن القصف وقع بعد سيطرة الجيش على جبل المك، لافتًا إلى أن المواطنين كانوا محاصرين من جهتين في شمال الولاية بسبب إغلاق الطريق من الدلنج لكادقلي بواسطة الحركة الشعبية، ومن الدلنج للأبيض، بواسطة الدعم السريع مما خلق حالة من المجاعة والمعاناة والفقر.

وقال إن المواطنين، تحركوا في يوم القصف، في موكب من حجر المك للمدينة، في تلك الأثناء، تم قصف الموقع من الحركة الشعبية بـ12 دانة منها ثلاثة في منطقة حجر المك، أصابت هذا العدد الكبير من المواطنين، لافتًا إلى أن من بين الضحايا إمام المسجد العتيق.

في المقابل، قال دلمان، إن قوة تابعة للجيش بجانب – مليشيا – كافي طيارة، تقدمت برفقة عدد كبير من المستنفرين إلى منطقة حجر المك التي قال إن الجيش الشعبي لتحرير السودان يسيطر عليها واشتبكت مع ارتكازات الشعبية على «سفح الجبل».

وأضاف «بعدها أجبرها الجيش الشعبي علي التراجع والعودة إلى داخل المدينة، لكن قوة أخرى من الجيش والمليشيات الموالية له تحركت وتمركزت في منطقة التقاطع شمال مدينة كادوقلي».

وتابع «وتزامنًا مع الاشتباك في جبل حجر المك قامت مدفعية «الفرقة 14 مشاة» التابعة للجيش بقصف المواقع المتقدمة للجيش الشعبي في مناطق: «كيقا، تلو، حجر المك، سرف الضي، الدشول».

واتهم دلمان الجيش بزعزعة الوضع الأمني بغرض عرقلة عملية توزيع المساعدات الإنسانية واستخدامه الغذاء كسلاح، موضحًا أن منظمة سمارتن بريس الأمريكية تنوي توزيع ما يقارب 800 طن متري من الأغذية للمواطنين، مضيفاً:«هذه الإغاثة تم ترحيلها من جوبا إلى كادوقلي بموافقة الحركة الشعبية».

غير أن المصدر الطبي «أكد على أن المواطنين ناقمين على ما تم من قبل الحركة الشعبية وعلى الوضع العام».

وأضاف «حتى المنظمات المتعاونة مع الطرفين في جانب المعينات الطبية استنكرت القصف من بينها منظمة سمارتين الموجودة هنا»، مشيرًا إلى أنهم كانوا «شهودًا داخل كادقلي وعلى أن القصف كان من مناطق الحركة الشعبية»، ناقلًا عنهم استعدادهم لتقديم المساعدات الإنسانية.

ولفت إلى أن القصف تزامن مع «موعد انتهاء مدة اتفاق وقف العدائيات لوصول المساعدات الانسانية».

إنسانيًا، ذكر المصدر أن المواطنين في كادقلي يعيشون في حالة من «التوجس وانتظار الأجل المحتوم»، على حد تعبيره.

أما في الجانب الاقتصادي، أوضح أن الأسواق توقفت وكذلك التجارة ووسائل كسب العيش التي أصبحت محصورة في بيع الحطب والفحم، وأردف «القصف أثر سلبًا بالشكل الذي يستدعى تدخل المنظمات».

وأوضح أن المنظمات الموجودة حالياً في كادقلي هي « المجلس النرويجي، ومفوضية اللاجئين، ويونيسيف، والصحة العالمية، إنقاذ الطفولة، وكونسيرن، العمل ضد الجوع، بالإضافة إلى منظمات إنسانية ووطنية أخرى»، مشيرًا إلى أن عملها ينحصر على الوضع الإنساني وليس الطوارئ ولا تستطيع تقديم الكثير.

ادانة أممية

والخميس أكدت الأمم المتحدة أن الوضع في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق بالسودان، يوشك على الوصول إلى كارثة مع تصاعد المعارك، بين الجيش وقوات الدعم السريع.

وصرحت المنسقة المقيمة ومنسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في السودان، كليمانتين نكويتا سلامي، في بيان لها، إن أحدث التقارير تفيد بأن اندلاع الأعمال العدائية في كادقلي بجنوب السودان، أسفر عن مقتل «ما لا يقل عن 80 مدنيًا وإصابة العشرات».

وأدانت المنسقة الأممية «عرقلة المساعدات الإنسانية واحتجاز المدنيين»، محذرة من أن الاحتياجات الإنسانية تظل ماسة في ولاية النيل الأزرق، مع تزايد التهديدات من تصعيد العنف وتأثيره على حياة المدنيين.

الجوع يفتك بمواطني جنوب كردفان المحاصرين بين ثلاث جبهات عسكرية 

«مع اشتداد الجوع واعتماد معظم سكان المدينة على أوراق الشجر كغذاء رئيسي، تناول ثلاثة من الأطفال أوراق نبتة تعرف بـ “بن بلاش” والتي لم يعرفوا أنها سامة، ليصابوا بالإسهال والاستفراغ المستمر، ويفارقوا الحياة بعدها» – هكذا تحدثت سماح (اسم مستعار) لـ«بيم ريبورتس» وهي تصف وضع مواطني مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان.

فتحت حرب 15 أبريل 2023 الباب واسعًا أمام الصراع المركب في ولاية جنوب كردفان بتعدد الأطراف المتحاربة، فالجيش السوداني والجيش الشعبي يخوضان حربهما الخاصة داخل الحرب الأوسع، فيما يخوضان معًا بشكل غير معلن في بعض الحالات الحرب ضد قوات الدعم السريع، فيما تحارب الدعم السريع الجميع في ولاية جنوب كردفان على رأسهم السكان.

وضع هذا الصراع المركب سكان ولاية جنوب كردفان بين ثلاث جبهات عسكرية تتشارك السيطرة على المنطقة، أثر هذا الأمر بشكل مباشر على إمدادات الغذاء والأدوية على مدينة الدلنج وهي ثاني أكبر مدن ولاية جنوب كردفان، والتي تقع على مسافة 498 كيلو مترًا جنوب غربي العاصمة السودانية الخرطوم والتي كانت تعيش أوضاعًا مستقرة، علاوة على كونها ملجأً لما يزيد على خمسة آلاف من المواطنين الذين نزحوا إثر هجوم الدعم السريع على منطقة هبيلا الزراعية (الواقعة شرق الدلنج).

لكن كل ذلك تغيَر في مطلع يناير 2024، عندما حشدت الدعم السريع قواتها في محاولةٍ لدخول المدينة، ليتصدى للهجوم كلِ من الجيش السوداني والجيش الشعبي التابع للحركة الشعبية قيادة عبد العزيز الحلو، وبينما أشار الطرف الأول إلى وجود تنسيق مشترك بين الطرفين لصد الهجوم، نفت الشعبية وجود هذا التنسيق.

صورة أرشيفية من جبل "الدش" بمدينة الدلنج

الدلنج.. مدينة محاصرة ومعزولة

تأثرت مدينة الدلنج بالمعارك التي دارت بين الجيش السوداني والجيش الشعبية التابع للحركة الشعبية بمدينة كادوقلي (حاضرة ولاية جنوب كردفان) منذ أغسطس 2023، والتي أدت إلى نزوح آلاف المواطنين داخل الولاية وخارجها. علاوة على إغلاق الرابط بين الدلنج وكادوقلي، وهو وضع تعقد بعد هجوم الدعم السريع على مدينة هبيلا ومن ثم الدلنج مطلع يناير 2024، وبذلك أصبحت المدينة معزولة، الأمر الذي فرض خناقاً اقتصادياً قاسياً على المدينة، أصبحت مع معاناة المواطنين أمراً يومياً مستمراً، خاصة فيما يتعلق بالحصول على الغذاء والأدوية والخدمات الصحية.

وقالت بعض المصادر التي تحدثت لـ«بيم ريبورتس» من مدينة الدلنج، إن هناك انعدام شبه كامل للسلع الغذائية، وحتى التجار توقف عملهم بسبب عدم توافر البضائع وإغلاق الطرق من وإلى المدينة، ومعظم الأسر لا تمتلك ما تأكله فأصبحت تعتمد على أوراق الأشجار بشكل رئيسي، الأمر الذي زاد معدلات سوء التغذية وسط الأطفال بالإضافة إلى زيادة نسبة وفيات الأطفال وكبار السن”.

وتشرح سماح في ذات السياق، بأن «إغلاق الطريق وعدم توفر السيولة النقدية تسبب في ارتفاع جنوني لأسعار السلع الغذائية الرئيسية، والتي لا تستطيع معظم الأسر توفيرها أو شرائها في المقام الأول».

وأدناه جدول يوضح أسعار السلع بتاريخ 25 سبتمبر:

السلعة

السعر بالجنيه السوداني

ملوة الذرة

20 ألف 

ملوة البصل

20 ألف 

رطل الزيت

40 ألف 

كيلو الدقيق

9 آلاف 

وفي السياق نفسه، فإن معاناة سكان الدلنج لا تقتصر على عدم توافر السلع الاستهلاكية فحسب، فالجانب الصحي كذلك بالغ الصعوبة، إذ هناك ندرة في الأدوية، خاصة أدوية الأمراض المزمنة (القلب، والكلى، والسكري) علاوة على عدم توفر الأدوية والأمصال الوقائية  لتطعيم الأطفال.

 وتضيف سماح «أدى هذا الوضع إلى تسول أهل المدينة لمأكلهم، وبالرغم من عمل بعض الجهات والمبادرات والمنظمات التطوعية، مثل صدقات وصناع الخير  والنفير وللخير نسعى وأمل بلا حدود، إلا أن الوضع ما يزال كارثيًا، حيث أن حاجة الناس كبيرة للغاية».

وإن كان الوضع قاسيًا على سكان مدينة الدلنج، فإن حدته تتضاعف على النازحين إليها من منطقة هبيلا الواقعة شرقها، إذ نزح الآلاف من يعتمدون على الزراعة وتربية الماشية خالي الوفاض من كل ما بإمكانه مساعدتهم في رحلة نزوحهم، علاوة على إقامتهم في دور الإيواء، والتي تعاني هي الأخرى أشد أنواع المعاناة، وتنعدم فيها أدنى مقومات الحياة.

صورة أرشيفية من مخيم للنازحين بمدينة كادوقلي

كادوقلي.. وجه آخر للمعاناة

لا تختلف حدة الوضع كثيرًا في مدينة كادوقلي، والتي نزح إليها الآلاف حيث يواجهون شتى ضروب المعاناة؛ من ندرة في توفر الطعام ومياه الشرب، إلى جانب تدهور واسع في الأوضاع الصحية.

وهذه المعاناة يعيشها كل سكان المدينة، وتزيد وطأتها على النازحين، والمدينة مثلها مثل الدلنج تأثرت بإغلاق الطرق وعدم وصول البضائع والمساعدات الإنسانية، ما تسبب في تكرار نفس مشاهد الجوع المفزعة وسوء التغذية وموت الأطفال نتيجة تناول أوراق شجر سامة، علاوة على وفاة 19 طفلًا خلال شهر مايو الماضي فقط، نتيجة سوء التغذية والإسهالات المائية، الأمر الذي يزيد من مخاوف السكان، خاصة مع بداية الخريف وانتشار الحميات والأوبئة، بالإضافة إلى الكوليرا التي تفتك بالبلاد.

مناطق سيطرة الشعبية.. إعلان رسمي للمجاعة

في منتصف أغسطس الماضي، أعلنت الحركة الشعبية-شمال عن المجاعة بمناطق سيطرتها في إقليمي جبال النوبة والفونج الجديدة، والتي يبلغ عدد سكانهما، بحسب بيانات الحركة، (3,000,000) نسمة بعد نزوح الفارين من الحرب إليهما من الولايات الأخرى.

وأرجعت الحركة الشعبية أسباب المجاعة في تأثر الإقليمين بالحرب الدائرة، والتي أدت إلى تقلَّص المساحات المزروعة في السودان بسبب الحرب إلى (60%) مما جعل أكثر من (80%) من القوى العاملة في الزراعة يغادرون مناطق الإنتاج وأصبحوا لاجئين ونازحين، ما تسبب في فشل الموسم الزراعي السابق وعدم توفر التقاوي والوقود وقطع الغيار نتيجة لإغلاق الطرق.

صورة من مناطق سيطرة الحركة الشعبية

جوعٌ لا يذهبه تبادل الاتهامات

سبق إعلان المجاعة اختراق مهم لكنه أجهض في مهده، إذ شهدت مسألة المساعدات الإنسانية تطورًا في الرابع من مايو الماضي، عندما وقع كلٍ من نائب القائد العام للجيش السوداني، شمس الدين كباشي، ورئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان، عبد العزيز الحلو، اتفاقاً مبدئياً نصّ على تسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة في جبال النوبة، والتي تسيطر عليها القوات التابعة للطرفين، وهو ما قوبل باستحسان كبير داخل السودان، خاصة وأن الاتفاق مثل خطوة أولى نحو تحسين الأوضاع المعيشية للملايين من السودانيين المتأثرين بالصراع المستمر منذ أبريل 2023.

لكن لم تمر إلا أيام، لتتعثر جولات المفاوضات بعد أيام قليلة من بدء جولات المفاوضات نتيجة الخلافات العميقة بين الطرفين حول طبيعة الاتفاق. فقد اتهم الجيش الحركة الشعبية بإصرارها على إدخال قوات الدعم السريع كطرف في المباحثات، مما اعتبره الجيش محاولة لتبرير الانتهاكات التي ارتكبتها تلك القوات ضد المدنيين. من جانبها، ردت الحركة الشعبية باتهام الجيش بمحاولة استغلال المفاوضات ليس لإيصال المساعدات الإنسانية، بل لتأمين إمدادات عسكرية لقواته المحاصرة في مناطق كردفان، متهمة الجيش بالابتعاد عن الهدف الإنساني للمفاوضات.

 وفي خطوة مفاجئة أمس السبت، 19 أكتوبر 2024، أصدرت اللجنة الوطنية للطوارئ الإنسانية «حكومية» قرارًا أعلنت فيه التزامها بتقديم كافة التسهيلات لانسياب المساعدات الإنسانية وتقديم كل ما من شأنه أن يسهل وصولها إلى المحتاجين في كافة أنحاء البلاد.

كما كشفت اللجنة الوطنية للطوارئ عن فتح مطارات: كسلا ودنقلا والأبيض وكادقلي أمام المنظمات الدولية، بالإضافة إلى 7 معابر برية تمت الموافقة عليها مسبقًا. كما كشفت عن تواصل فعال هذّه الأيام- لم تسم الجهة- لبدء لنقل المساعدات الإنسانية إلى ولاية جنوب كردفان من مطار جوبا إلى مطار كادقلي.

وفي الوقت الذي أشارت فيه في البيان إلى أنها ستكون بهذه الخطوة قد أوفت بكل متطلبات دخول وإنسياب المساعدات الإنسانية عبر الجو والبحر، قال المتحدث باسم وفد الحركة الشعبية شمال، جاتيقو اموجا دلمان، في تصريح لـبيم ريبورتس إن “بيان مجلس السيادة السوداني الغرض منه التنصل من التزامات سابقة تمت ما بين حكومة بورتسودان ووكالات الأمم المتحدة المعنية بالإغاثة ومثلها مع الحركة الشعبية”.

 وأضاف كان يفترض أن يتم استخدام معبر جوبا الدولي لنقل مساعدات إنسانية لأربع مدن في ولاية جنوب كردفان عن طريق الإسقاط الجوي، وهي كادقلي وكاودا والدلنج وجلد وليس مدينة واحدة فقط.

وضع استمرار الحرب بأشكالها العسكرية والسياسية في مدن ولاية جنوب كردفان حياة الملايين من السكان على شفا كارثة إنسانية محققة في ظل انعدام الأمن والغذاء، ومعاناة الناس من الجوع والعوز، مما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض الفتاكة وسوء التغذية، خاصةً الأطفال وكبار السن. ومع تفاقم  الأوضاع المأساوية وإغلاق الطرق وحصار المدن، فإن المدينة المحاصرة من قبل ثلاث قوات عسكرية، تعيش قصة مأساة يومية، تُكتب بحروف من ألم وفقدان.

كيف يدمر التنقيب عن الذهب حياة الإنسان والبيئة بجنوب كردفان؟

أٌقيم في العاشر من أبريل الماضي بمدينة “كادقلي” مؤتمر التعدين الأول بولاية جنوب كردفان، والذي نظمته الشركة السودانية للموارد المعدنية (الحكومية) بمشاركة بعض مكونات الإدارات الأهلية. لكن أجسامَ مهنية ونقابية متعددة، بينها اللجنة العليا لمناصرة البيئة، بالإضافة للجان المقاومة في محليات الولاية المختلفة قاطعت المؤتمر.

وارتفع صدى الأصوات المعارضة بعد نهاية المؤتمر وتقديم توصياته، والتي كان من ضمنها قرار والي جنوب كردفان، موسى جبر محمود، القاضي باستئناف عمل شركات التعدين بالولاية بعد نحو عامين على توقيفها بقرار من رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك في أكتوبر 2019م.

وجاء قرار حمدوك بإيقاف عمل تلك الشركات في أعقاب الحراك الشعبي والنقابي الذي طالب بإبعادها بسبب استخدامها مواد الزئبق والسيانيد -وهي مواد ضارة بالبيئة- في عمليات التعدين، دون الالتزام والتقيد بضوابط وإجراءات السلامة والاشتراطات البيئية والصحية.

آثار بيئية متفاقمة وغياب المحاسبة

في منتصف مايو الماضي، وبعد أقل من شهرين على مؤتمر التعدين، ضُبطت مصانع تعمل في معالجة مخلفات التعدين عن الذهب (الكرتة) داخل مدينة أبو جبيهة بولاية جنوب كردفان. وحسب اللجنة الوطنية لمناصرة البيئة، فإن فحوصات معملية أجريت بمعمل استاك بالخرطوم أثبتت وجود مواد السيانيد والزئبق وحمض الكبريتيك، وهي مواد عالية السمية وتشكل ضرراً على صحة الإنسان والبيئة، وهو الأمر الذي  أثار المخاوف بحدوث تلوث بيئي في مدينة أبو جبيهة، خاصة مع بداية موسم هطول الأمطار.

وتعيد مخالفة اشتراطات التعدين الشكاوى المستمرة لناشطين بيئيين ولجان مستقلة من الآثار البيئية والصحية المدمرة لتنقيب الذهب على حياة المواطنين المحليين في جنوب كردفان، حيث تشير العديد من التقارير لظهور أمراض جلدية ونفوق أعداد من الماشية جراء استخدام مادتي الزئبق والسيانيد في مناطق التعدين، وحالات إجهاض متعددة لنساء حوامل وتشوهات وسط الأطفال حديثي الولادة، علاوة على تلوث مصادر مياه الشرب والمياه الجوفية وتجريف التربة مما تسبب في تدمير الأراضي الزراعية.

وتنسحب الآثار القاتلة والمدمرة لعمليات تعدين الذهب بولاية جنوب كردفان على مناطق التعدين بأنحاء البلاد المختلفة، دون أن تقابلها إجراءات جدية من السلطات المختصة تضمن سلامة الإنسان والبيئة المحيطة به. وفي ظل عدم تلبية الحكومة لاشتراطات التعدين المعروفة، لم يبق أمام المواطنين المتضررين ونشطاء البيئة سوى مناهضة هذه العمليات سلمياً.

توترات مستمرة ومواجهات

والتوتر بين المجتمعات المحلية وشركات ومصانع التعدين في ولاية جنوب كردفان مستمر منذ سنوات، ويتمحور بصورة أساسية حول؛ وجود الشركات والمصانع ومعالجتها للـ(الكرتة).

والكرتة هي الحجارة المتبقية بعد استخراج الذهب عن طريق المعدنين التقليديين واستخدام الشركات لمواد ضارة بالبيئة. 

وأثناء مؤتمر التعدين الأول الذي أقيم في كادقلي شهدت قرية كابوس (شرق محلية رشاد) اشتباكات بين المواطنين وإحدى شركات التعدين التي قدمت للعمل في المنطقة، ووقعت الاشتباكات إثر رفض المجتمعات المحلية عمل الشركة ومطالبتهم بوجود إجراءات سلامة حتى لا تؤثر عملية التعدين على البيئة.

بدء عمليات تعدين الذهب في ولاية جنوب كردفان ليست قديمة حيث كان يمارس التعدين الأهلي بمستويات قليلة في مناطق: تلودي ورشاد والليري وأبو جبيهة. لكن هذا النشاط شهد تفجراً كبيراً في العام 2012م، عقب انقسام السودان في العام 2011م وخروج النفط من قائمة الموارد الأساسية التي تعتمد عليها الحكومة في ميزانيتها، ليتجه التركيز على مورد الذهب كتعويض عن خروج النفط.

عقب تلك الفترة أُدخِلت الآلات الثقيلة والمواد الكيميائية في استخدامات التعدين، وانتشرت شركات ومصانع التعدين عن الذهب في محليات الولاية المختلفة. ومع غياب الاشتراطات البيئية وإجراءات السلامة التي تحدد مناطق استخدام هذه المواد ومقدار استخدامها، فإن قضية آثار التعدين على البيئية في ولاية جنوب كردفان قد شهدت تطوراً كبيراً خلال السنوات الماضية، في كل من مناطق (الترتر) و(بلولة) ومحلية التضامن، وأبو جبيهة، ورشاد، وتلودي وكالوقي، وهي مناطق تقع في الجزء الشرقي من ولاية جنوب كردفان (الجبال الشرقية).

مقاومة ومواجهات مستمرة

صاحب انتشار مساحات التعدين في جنوب كردفان، وزيادة نشاط التعدين الأهلي والمنظم من قبل الشركات والمصانع، دخول الآليات الثقيلة والمواد الكيميائية في عمليات التعدين، والتي شكلت خطراً كبيراً على العاملين في قطاع التعدين والمجتمعات المحلية المتاخمة لآبار ومناجم التعدين. ليثير ذلك الأمر الرعب وسط المجتمعات المحلية، ويجعلها تخوض حراكاً شعبياً للمطالبة بمنع استخدام المواد الكيميائية (الزئبق والسيانيد) في عمليات التعدين، خاصة أن استخدامها لا يخضع لضوابط تراعي البيئة. 

وشهد الحراك ضد عمليات التعدين التي لا تلبي اشتراطات البيئة والسلامة تصاعداً مستمراً بلغ ذروته في العام 2017م، حيث أحرق مواطنو مدينة كالقوي في مارس 2017م مصنع (التقولا) والآليات التابعة للمصنع، وجاء الحريق بعد المهلة التي منحها المواطنون لإدارة المصنع لإغلاقه وترحيله من المنطقة.

لم يكن هذا التصعيد هو الأخير المناهض لشركات ومصانع التعدين عن الذهب بولاية جنوب كردفان، بل امتد إلى محليات أخرى، فبعد سقوط نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، في أبريل 2019م، انفتح الأفق أمام مواطني جنوب كردفان للضغط على الحكومة الانتقالية بضرورة اتخاذ تدابير جديدة فيما يتعلق بالشركات والمصانع، وانتظم مواطنو تلودي في اعتصام استمر لأكثر من شهر، احتجاجاً على عمل شركات التعدين.

ومن تلودي انتقل الحراك الشعبي إلى محلية أبو جبيهة هذه المرة، لتنضم لقائمة الاعتصامات التي شهدتها ولاية جنوب كردفان، وكان مطلب إنهاء عمل شركات التعدين من المطالب الأساسية للاعتصام الذي انتظم المنطقة في يوليو 2020م.

ولا تتعلق قضية التعدين عن الذهب في جنوب كردفان والآثار البيئية المترتبة عليها بإخراج الشركات والمصانع فقط، بل في إعادة النظر لكل هذه العملية والسياسات الحاكمة لها ودخول المواد الكيميائية المستخدمة في التعدين من زئبق وسيانيد ومراقبة طرق استخدام هذه المواد في التعدين الأهلي كذلك.