الاحتياطي المركزي.. كيف تواجه قوات قتالية المتظاهرين السلميين؟

عقب الانقلاب العسكري، في الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي، برزت قوات الاحتياطي المركزي، ذات التدريب القتالي، في مواجهة المتظاهرين السلميين. 

وطوال الموجة الأولى للثورة السودانية الممتدة من ديسمبر 2018م، وحتى إسقاط نظام الرئيس المخلوع عمر البشير في أبريل 2019م، لم يُلاحظ مشاركة مُباشرة لقوات الاحتياطي المركزي في تفريق التظاهرات، بل اكتفت بالتمركز والانتشار في المنشآت الرئيسة، خاصة بالعاصمة الخرطوم.

وكذلك طيلة الفترة الانتقالية التي انتهت بانقلاب قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، في الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي، لم يرد ذكر مشاركة لقوات الاحتياطي المركزي في المواجهات مع المتظاهرين.

 ومع استمرار سقوط القتلى وتزايد الضغوط الدولية، وبدء الكونغرس الأمريكي في تصميم عقوبات تستهدف قادة الجيش ومليشيا الدعم السريع، على خلفية الانقلاب وقمع المظاهرات السلمية، بدأ استخدام قوات الاحتياطي المركزي، على نطاق واسع كآلة قمعية في مواجهة المتظاهرين السلميين.

يعتقد ضباط بالشرطة السودانية، ان قوات الاحتياطي المركزي هي قوات قتالية، وليس من مهامها تفريق المظاهرات السلمية، وطبقاً لإفادة ضابط رفيع بالشرطة، تحدث لـ(بيم ريبورتس)، فقد “استغل قائد الانقلاب، عبد الفتاح البرهان، حالة الطوارئ التي أعلنها مع الانقلاب، في إقحام قوات الاحتياطي المركزي في شأن ليس من مهامها المعروفة، خاصة وأنها قوات عسكرية تتلقى تدريباً ذو طابع قتالي، بالإضافة إلى وجود وحدات في الشرطة لديها اختصاص مباشر في التعامل مع التظاهرات”.

ويضيف الضابط الذي طلب حجب اسمه، ان “قوات الاحتياطي المركزي، هي قوة عسكرية من أذرع الشرطة، وتسمى قوات احتياطي، بمعنى أنها تُستخدم في حالات خاصة تحدّدها اختصاصاتها، وتأتي مركزيتها، بمعنى شمول نطاق عملها لكل أنحاء السودان”.

ويتابع الضابط الرفيع، “من بين أهم مهام قوات الاحتياطي المركزي هي؛ حفظ الأمن في مناطق النزاعات الأهلية والنهب المسلح، وحماية المواقع والمنشآت الاستراتيجية في أنحاء البلاد كافة باعتبارها قوة ضاربة، كونها مدربة تدريباً قتالياً ولديها آليات ومدرعات وأسلحة مختلفة ونوعية تمكِّنها من أداء مهام قتالية”. 

ويضيف بالقول “تعتبر قوات الاحتياطي المركزي، القوة العسكرية الضاربة للشرطة، فيما يلي المهام القتالية وحفظ الأمن، وتُشارك مع القوات العسكرية الأخرى، مثل القوات المسلحة في الأعمال العسكرية والقتالية”.

وعملت قوات الاحتياطي المركزي تاريخياً، في مهام قتالية بالأساس، مثل مكافحة النهب المسلح، والقتال ضد الحركات المسلحة إبان حرب دارفور، وإلى جانب الجيش في حرب جنوب السودان.

وفي عام 1992م حدد الرئيس المخلوع، عمر البشير، في القرار رقم (61) عدداً من المهام والواجبات لشرطة الاحتياطي المركزي، من بينها “المشاركة وتقديم المساندة للقوات المسلحة فى مناطق العمليات والإشراف على وحدات الشرطة المستنفرة بمناطق العمليات. وتكوين قوات خاصة ذات كفاءة عالية للتدخل في عمليات الأمن الداخلي الاتحادية”.

وتقع سلطات إدارة قوات الاحتياطي المركزي قانوناً مباشرة عند مدير عام قوات الشرطة، في وقت تنتشر فيه بكل ولايات البلاد، خاصة التي شهدت وتشهد اضطرابات أمنية مختلفة الأنواع، لا سيما في السنوات الماضية، ما قبل سقوط نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير.

المشاركة في حرب دارفور

بجانب مشاركتها المباشرة في القتال ضد الحركات المسلحة خلال الحرب بدارفور، فقد درّبت قوات الاحتياطي المركزي، في مركزها الرئيس بالخرطوم، مليشيات وقوات شبه عسكرية للمشاركة في النزاع المسلح هناك، حيث قاد عمليات التدريب وإنشاء القوات، القيادي بالنظام البائد، أحمد هارون، الذي كان مسؤول أمن دارفور بوزارة الداخلية إبان فترة الحرب.

وهارون، إلى جانب الرئيس المخلوع، عمر البشير، ووزير دفاعه الأسبق، عبد الرحيم محمد حسين، وضابط الصف بقوات الاحتياطي المركزي، علي كوشيب، وقائد عسكري سابق بحركة العدل والمساواة، عبد الله بندة، مطلوبون للمحكمة الجنائية الدولية، بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، في إقليم دارفور، غربي البلاد.

ومن بين القادة الميدانيين الذين لعبوا دوراً عسكرياً في النزاع الدائر وقتها، علي كوشيب الذي يحاكم حالياً في المحكمة الجنائية الدولية، بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور، بين عامي 2001- 2004م.

وكوشيب في الأصل، هو ضابط صف بقوات الاحتياطي المركزي برتبة مساعد، وكان ذراع أحمد هارون على الأرض في حرب دارفور. 

وظلّت القوات شبه العسكرية والمليشيات التي تم تدريبها على يد قوات الاحتياطي المركزي، ترتدي زي الشرطة طيلة فترة مشاركتها في تلك العمليات.

من ناحية أخرى، شاركت قوات الاحتياطي المركزي بزيها الرسمي في العمليات العسكرية أثناء حرب دارفور، على عدة جوانب بما فيها القتالية والتمركز وحماية المقار والمناطق.

ومع تصاعُد حِدة الحرب في دارفور، بدأت تبرُز انتهاكات جسيمة للسطح بما فيها عمليات اغتصاب جماعي للنساء، الأمر الذي أدى إلى تدخل مجلس الأمن الدولي، تبعه إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق مسؤولين في النظام البائد.

وأجبرت الضغوط الدولية الحكومة السودانية (النظام البائد)، على إجراء تحقيق، تبعه تشكيل هيئات قانونية للتعامل مع الجرائم والانتهاكات التي وقعت في دارفور، شملت تشكيل محكمة خاصة لجرائم حرب دارفور وتعيين مدعٍ عام لجرائم دارفور، ومن بين المتهمين في تلك الجرائم، المتدرجة بين القتل والاغتصاب والنهب والسطو المسلح، جنود يتبعون لقوات الاحتياطي المركزي.

وفي عام 2019م، وجهت محكمة جرائم دارفور، تهماً بالقتل العمد والنهب لثلاثة جنود من عناصر قوات الاحتياطي المركزي. 

وأشار تقرير الأمين العام للأمم المتحدة لعام 2012م، الصادر في 14 مارس 2013م، حول حوادث العنف الجنسي في دارفور، المقدّم لمجلس الأمن، أنه بالنسبة لـ13حالة، تمكّن الضحايا من تحديد هوية الجناة المزعومين على نحو واضح، من خلال اقتفاء أثرهم حتى قواعد عسكرية معينة، أو من خلال التعرف على زيهم النظامي.

وشمل الجناة في هذه الحالات، أفراداً من أجهزة الأمن الحكومية السودانية، منها على وجه التحديد قوات الاحتياطي المركزي.

من الحرب إلى قمع التظاهرات السلمية

بينما ظلت قوات الاحتياطي المركزي، المدربة لمجابهة أعمال العنف، وتؤدي مهاماً قتالية وعسكرية، وأخرى تتعلق بتأمين المقار والقوافل التجارية، خاصة في دارفور، وظفها قادة السلطة العسكرية،  لمواجهة المتظاهرين السلميين، ما نتج عنه انتهاكات غير مسبوقة. 

ممارسات قوات الاحتياطي المركزي والشرطة عموماً، تخالف القانون المحلي والدولي، حسب قانونيين. 

يقول الناشط الحقوقي والمحامي عبد الباسط الحاج، إن الخلفية التاريخية لقوات الاحتياطي المركزي، إنها تتبع لجهاز الشرطة ووحدة من وحدات وزارة الداخلية تسند لها مهام عملياتية“.

ويضيف، “خلال فترة نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، تم تزويدها بصلاحيات إضافية لتصبح قوات عمليات قتالية وتم دعمها لوجستياً، لكن بما أنها تتبع لمدير عام الشرطة، فهي قوات شرطية تعمل عمل الشرطة.. وعمل الشرطة هنا؛ هو حفظ الأمن وحماية المواطنين والممتلكات العامة والخاصة وحماية الحقوق الأساسية للأفراد المكفولة بحسب القانون والدستور والمواثيق الدولية”.

وأكمل الحاج “لكن عندما تقوم قوات الشرطة والأمن بمنع المتظاهرين السلميين من ممارسة حقوقهم المشروعة وبناءً على ذلك تستخدم ضدهم العنف المفرط المؤدي إلى القتل والإصابات الخطيرة، فهذا بكل تأكيد يشير إلى وجود خلل كبير داخل هذه القوات، وتصنّف مثل هذه الجرائم بالجرائم الخطيرة، قد تصل إلى أن تكون جرائم ضد الإنسانية كما هي متورطة في جرائم دارفور”.

FLcj0BYWYAEqkok
مشاركة قوات الاحتياطي المركزي في قمع التظاهرات السلمية - مصدر الصورة: مواقع التواصل " تويتر"
ضوابط معيارية للتعامل مع المظاهرات السلمية

من المعروف أن هناك ضوابط ومعايير تُقيِّد تعامُل موظفي إنفاذ القانون مع المظاهرات السلمية. وفي هذا الصدد يقول المحامي عبدالباسط الحاج، أن “القانون الدولي لحقوق الإنسان يمنع منعاً باتاً استخدام القوة والسلاح الناري ضد المتظاهرين مهما كان حجم التظاهر، إلّا إذا كان يخدم غرضاً مشروعاً”.

ويشير إلى أن المادة الثالثة من مدوّنة قواعد السلوك للموظفين المكلفين بإنفاذ القانون والمعتمدة لدى الأمم المتحدة تنص بأنه “لا يجوز للموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين استعمال القوة، إلا في حالة الضرورة القصوى وفي الحدود اللازمة لأداء واجبهم”.

ويستطرد “حتى وإن كانت هناك ضرورة لاستخدام القوة، يجب أن يكون وفقاً لقواعد القانون ومبدأ التناسبية في استخدام القوة. إذ حدّدت المبادئ العامة للقانون الدولي لحقوق الإنسان ضوابط معيارية يجب الالتزام بها في حالة تعامل قوات الشرطة مع المتظاهرين، بحيث يجب أن يكون هناك خطر وشيك الوقوع، وذلك الخطر يجب أن يكون مهدد لحياة الناس”.

“ولكن في الحالات العادية محظور دولياً لقوات الشرطة أن تُطلق الرصاص الحي أو المطاطي أو القنابل الصوتية على المتظاهرين حتى وإن استخدم المتظاهرون الحجارة في رمي الشرطة لا يجوز لقوات الشرطة إطلاق الرصاص عليهم، إلّا في الحالات المحدّدة وفقاً للقانون وهي من حيث المبدأ استثنائية”، يوضح الحاج.

ويعتقد الحاج، أن استخدام قوات قتالية أو شبه قتالية مثل قوات الاحتياطي المركزي في تفريق المتظاهرين السلميين والاستخدام المفرط للقوة التي تصل لحد القتل أو الإصابات البالغة هو أمر مُجرّم دولياً وفي غاية الخطورة، ذلك لأن ما حدث وظل يحدث طوال الأيام الماضية من قتل بالرصاص الحي ضد المتظاهرين ينُم عن القصد الجنائي الواضح والتعمّد لقتل أكبر عدد من المتظاهرين، وهذا يستشف من خلال مكان القنص أو الإصابة، كلها كانت في أماكن قاتلة وبالغة الخطورة.

ويشدِّد على أنه وفقاً للقانون والدستور وكل الاتفاقات الدولية والقانون الدولي لحقوق الإنسان، فإنّ ما تقُوم به قوات الاحتياطي المركزي جريمة كبرى ولا يجب أن تمر بصورة عادية دون محاسبة القادة والأفراد المتورطين بهذه الجرائم، ولا يستفيد أي شخص منهم بالاستثناءات بل يتحملّون كامل المسؤولية، لأنه من غير الطبيعي أن تستخدم هذه القوات السلاح الرشاش أو سلاح القنص الذي يستخدم باحترافية وتهديف مقصود ضد المتظاهرين السلميين.