من (الديم) إلى (ود مدني) .. كيف توسعت خارطة الاعتصامات اللامركزية؟

ضمن تنويع وسائل وتكتيكات المقاومة السلمية، استمراراً للحراك الجماهيري المناهض للسلطة العسكرية الحاكمة في السودان منذ انقلاب 25 أكتوبر الماضي، أعلنت لجان المقاومة بمدينة الخرطوم، عن اعتصام مستشفى الجودة الذي كان مقرراً أن يكون لمدة يوم واحد، بمنطقة الديم، الواقعة على بعد عدة كيلومترات جنوب القصر الرئاسي بالعاصمة الخرطوم.

وتشكل الاعتصام، عقب انتهاكات واسعة النطاق ارتكبتها القوات الحكومية في مواكب 30 يونيو، يوم الخميس الماضي، أثناء تشييع أحد شهداء التظاهرات الذي قتل بالرصاص الحي، ورغم المحاولات العديدة من الأجهزة الأمنية لفض اعتصام الجودة، إلا أنه ما يزال قائماً لليوم الخامس على التوالي.

وسرعان ما انضم إلى الاعتصام، آلاف السودانيين، وهو يأخذ اسمه من (مستشفى الجودة) الذي يتلقى فيه ضحاياً التظاهرات الإسعافات الأولية والعلاج عادةً.

وتمثل المنطقة المحيطة بمستشفى الجودة، ملاذاً للمتظاهرين، عندما يتزايد القمع الأمني شمالاً في نقطة التظاهرات الرئيسية بمحيط (ميدان شروني) الواقع على امتداد شارع القصر الرئاسي.

ويوم الخميس الماضي، قتلت القوات الحكومية 9 متظاهرين سلميين بالرصاص الحي وأصيب واعتقل المئات، وهو الأمر الذي أدانته المعارضة والمجتمع الدولي على حد سواء.

ومع استمرار الجدل، وسط قادة المتظاهرين، حول تسيير موكب إلى القصر الرئاسي يوم الجمعة الماضي، رداً على القمع الأمني، قرروا في نهاية المطاف استمرار الاعتصام، وسرعان ما بدأت تنتظم الاعتصامات في مناطق حيوية بمدن العاصمة ومدن ولائية أخرى.

وتشدد لجان المقاومة، قائدة التظاهرات، على أن الاعتصامات، ستستمر إلى حين إسقاط السلطة العسكرية الحاكمة واستعادة مسار الحكم المدني الديمقراطي، وهو الأمر الذي تؤيده القوى السياسية المدنية المعارضة.

ومع دخول الاعتصام يومه الرابع، تلى قائد الانقلاب عبد الفتاح البرهان، بياناً ليل أمس، قابلته لجان المقاومة بالرفض والانتقادات الواسعة، و تمسكها باستمرار الاعتصامات اللامركزية.

بالإضافة إلى اعتصام الجودة، أعلنت لجان المقاومة بمناطق مختلفة عن عدة اعتصامات أخرى؛ وهي: اعتصام أمدرمان القديمة، واعتصام شارع الشهيد عبد العظيم بأمدرمان، واعتصام محطة الروسي بمنطقة الفتيحاب أمدرمان، واعتصام تقاطع المؤسسة بالخرطوم بحري، وبهذا رسمت لجان المقاومة بمدن العاصمة الثلاثة خارطة واسعة لمناطق الاعتصامات تكاد تحاصر تماماً، مقر القصر الرئاسي، وسط مدينة الخرطوم.

وتمددت خارطة الاعتصامات إلى خارج ولاية الخرطوم، لتضُم مدينة ود مدني، عاصمة ولاية الجزيرة، وسط السودان.

وكانت لجان مقاومة ود مدني قد أعلنت، مطلع الاسبوع الحالي، عن تجهيزها لتنفيذ اعتصام جزئي، والذي بدأ اليوم (الثلاثاء 5 يوليو) من أمام تقاطع أبو جبل وحتى قبة ود مدني. وتوافد المواطنون عبر تسيير مواكب انطلقت من عدة أماكن داخل مدينة مدني.

وبجانب الاعتصامات، شل متظاهرون حركة السير بأجزاء عديدة من العاصمة الخرطوم، من خلال وضع الحواجز على الطرقات الرئيسية بالعاصمة.

ويأتي التصعيد الجماهيري، وسط حالة من الاضطرابات والانشقاقات تواجه السلطة العسكرية الحاكمة في البلاد، المُشكّلة في غالبيتها العظمى، من تنظيمات مسلحة.

فبينما يوجد قائد الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي) في دارفور منذ الشهر الماضي، وهو نائب رئيس مجلس السيادة الذي أعاد تشكيله القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان، في الـ11 من نوفمبر الماضي، اضطر البرهان إلى إشراك الجيش في قمع التظاهرات، كما ألغى زيارة إلى مدينة الفاشر عاصمة ولاية دارفور يوم الأحد الماضي، والتي يوجد فيها نائبه (حميدتي).

وعقب 8 أشهر من انقلاب 25 أكتوبر الماضي، استعدت السلطة العسكرية، لتوجيه ضربة قاضية للحراك الاحتجاجي السلمي، من خلال حملات أمنية عنيفة، في مواكب 30 يونيو الماضي، غير أنه وعلى عكس خططها، أصبحت سلطتها مهددة أكثر من أي وقت مضى، تحت وقع ضغوط المقاومة المستمرة وتنوع تكتيكاتها، التي بدأت ملامحها تظهر للعلن مع تنامي رقعة الاعتصامات بالعاصمة والولايات.

وتواجه السلطة العسكرية ضغوطات على الصعد كافة. فمن ناحية؛ تواجه ضغوطاً شديدة من المجتمع الدولي، خاصة الولايات المتحدة الأميركية، بجانب تفاقم وطأة الأزمة الاقتصادية، واستمرار حركة الاحتجاجات، بالإضافة إلى تنامي التناقضات داخل مكوناتها.

وحركة الاعتصامات المتنامية حالياً، عقب مواكب 30 يونيو الماضي، تُعد الأقوى منذ اعتصام القيادة العامة الذي بدأ في أبريل 2019م، تتويجاً لنحو 5 أشهر من الاحتجاجات ضد نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير.

ويؤكد المعتصمون، أنهم سيستمرون في اعتصاماتهم إلى حين إسقاط انقلاب 25 أكتوبر.

يقول أحد المشاركين في اعتصام الجودة، منذ يومه الأول، محمد أحمد النعسان، إن الاعتصام بدأ في منطقة (الديم)، وأنه اعتمد في البداية على المواكب القادمة إلى مستشفى الجودة.

“كانت الشوارع مترسة (مغلقة بالحجارة وإطارات السيارات) منذ يوم 30 يونيو، وجاءت فكرة الاعتصام بعد الموكب نسبة لضخامة الحشود المرابطة في مستشفى الجودة، بالإضافة للقرب (الجغرافي) لمنزل الشهيد محمد أحمد سيزار”. يقول النعسان لـ(بيم ريبورتس).

ويشير النعسان إلى أن تأمين الاعتصام، عبارة عن “متاريس (إغلاق الطرقات بالحجارة ومواد اسمنتية) في الشارع الرئيسي والشوارع الفرعية، تقف على تنظيم حراستها اللجان بالتناوب”، لافتاً إلى أن “هناك عمل متواصل على تقوية المتاريس كل يوم، لأن أعداد الناس تقل ليلاً، علاوةً على ذلك يتم توسيع نطاق المتاريس، حيث تشمل الآن مناطق واسعة من منطقتي الديم والصحافة”.

ويأتي على رأس مطالب المعتصمين، حسب النعسان، “إسقاط النظام”، متوقعاً استمرار الاعتصام لفترة، خاصة مع التوسع الذي يشهده، وهو يعتمد على التواصل بين المشاركين في الاعتصام، حيث تتبناه لجان مقاومة الديم.

مدينة أمدرمان، انضمت أيضاً إلى خارطة الاعتصامات المنادية بإسقاط انقلاب 25 أكتوبر، حيث بدأت لجان المقاومة بمناطق أمدرمان القديمة، يوم السبت الماضي، حوالي الساعة الرابعة عصراً، اعتصاماً مفتوحاً، بدعوة من (تنسيقية لجان مقاومة أمدرمان القديمة). 

“منذ الأول من يوليو كان هناك شلل كامل في الشوارع بسبب مقتل اثنين من قيادات لجان مقاومة أمدرمان في محيط منطقة أمدرمان القديمة، حيث تم إغلاق شارع الهجرة في حي (ابروف) ومنطقة (سوق الشهداء)، الذي أفرغته اللجان من المواصلات بصورة كاملة، بعد هذه الخطوات أعلنت اللجان عن اعتصام في تقاطع شارع الأزهري وتحركت المواكب نحو الموقع المقترح”، يقول عضو بلجنة مقاومة بيت المال لـ(بيم ريبورتس). 

ويضيف عضو لجنة المقاومة، الذي طلب حجب اسمه: “اجتمعت لجان المقاومة يوم 2 يوليو، وكونت عدداً من اللجان الفرعية الخاصة بالاعتصام، بينها لجان التأمين، إذ تم توزيعها على حدود منطقة الاعتصام والشوارع الفرعية”.

ولفت إلى ان مطالب اعتصام امدرمان القديمة لا تنفصل بأية حال عن مطالب لجان المقاومة في جميع المناطق والاعتصامات، وهي “إسقاط الانقلاب”، وإنهاء الحكم العسكري الذي يسيطر على السلطة بوضع اليد. مشيراً إلى أنه “لم يتم ربط الاعتصام بفترة زمنية، بل سيستمر حتى إسقاط النظام الحالي”.

وفي ذات المدينة، مدينة أمدرمان، تشكل اعتصام آخر، بشارع الشهيد عبد العظيم، القريب من مقر البرلمان السوداني.

“بدأ الاعتصام مساء يوم 30 يونيو، واُعلن عنه بصورة رسمية في صفحة لجنة مقاومة الاربعين والفيل، صباح الأول من يوليو، و دعونا في الاعلان جميع التنسيقيات واللجان في أمدرمان للاعتصام في شارع الأربعين”، يقول بدوي، عضو لجنة مقاومة الأربعين والفيل لـ(بيم ريبورتس).

وأشار بدوي إلى تعاون سكان المناطق المحيطة بمنطقة الاعتصام في توفير الحماية والتأمين للاعتصام، علاوة على تشكيل لجان تأمين لحماية الاعتصام. وأبان بأن لجان المناطق التي شكلت الاعتصام، قد اعلنت بأن “الاعتصام مفتوح حتى اسقاط النظام العسكري وتشكيل حكومة مدنية”. وتتابع العمل بهذه المنطقة لجان مشتركة بين عدة أحياء بمدينة امدرمان.

ومنذ مساء السبت الماضي، أعلنت لجان المقاومة بمدينة الخرطوم بحري، عن اعتصام بـ(تقاطع المؤسسة)، أحد المناطق الحيوية بمنطقة الخرطوم بحري. ويوم الأحد، انضم آلاف السودانيين للاعتصام الذي يتبنى نفس مطالب الاعتصامات الأخرى، التي تنادي بــ”إسقاط انقلاب 25 أكتوبر واستعادة مسار التحول المدني الديمقراطي”.

في السياق نفسه، أعلنت لجان مقاومة مدينة ود مدني، عاصمة ولاية الجزيرة، وسط البلاد، عن إقامة اعتصام بالمدينة، ابتداء من يوم الثلاثاء المقبل، أمام برج العمال حتى تقاطع شارع المحطة.

ودعت اللجان “الجماهير كافة” لــ“التدافع نحو الاعتصام للدعم والمساندة والاستمرار في العصيان المدني واستخدام كل الوسائل الممكنة لإسقاط الانقلاب الذي حانت رايات سقوطه”.

وفي ظل موجة التصعيد التي تشهدها البلاد هذه الأيام، من المنتظر أن يدخل الأطباء في السودان، ابتداء من اليوم الثلاثاء 5 يوليو، في إضراب عام عن العمل لمدة 72 ساعة. في الوقت الذي أشارت فيه تقارير إعلامية محلية، إلى محاولات سلطة الأمر الواقع، فض الاعتصامات السلمية، بالقوة.

وهو الأمر الذي حذرت منه لجان أحياء بحري، والتي قالت في بيان اليوم الاثنين، إن هناك مخطط لـ(القوات الحكومية) لفض اعتصام بحري المؤسسة.  ودعت إلى التوجه نحو ساحة الاعتصام، بجانب إغلاق جميع حدود الإعتصام وحمايته بوضع المزيد من الحواجز، و “تثبيت الكاميرات وتفعيل وضعية التصوير لتوثيق القوات وعتادها وانتهاكاتها”، فيما شددت على أن سلامة المعتصمين أهم من تأمين “المنافذ الآمنة”.

تأتي هذه الاعتصامات اللامركزية من ضمن أدوات متنوعة أخرى، ابتكرتها لجان المقاومة خلال ثورة ديسمبر، والتي كان تتويجاً لها اعتصام القيادة العامة واعتصامات الولايات في 2019م، والآن تأتي هذه الاعتصامات اللامركزية لمقاومة انقلاب 25 إكتوبر.

مشاركة التقرير

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp