في مدينة كادقلي، المحاصرة منذ أكثر من عامين، لم تعد عقارب الساعة تشير إلى الزمن، بل إلى حركة «التكاتك» التي تغادر المدينة محمّلةً بوجوهٍ أتعبها الانتظار. ففي مشهد أقرب إلى «الإفراغ السكاني» الممنهج، يفر آلاف المواطنين هربًا من شبح مجاعة تلوح في الأفق وانهيار صحي لم يترك للمدينة من عافيتها شيئًا.
تأتي هذه الموجة من النزوح امتدادًا لحصار مزدوج مشدد، تفرضه قوات الدعم السريع والحركة الشعبية – شمال (قيادة عبد العزيز الحلو)، وضع العاصمة كادقلي بين فكي كماشة. ولم يترك هذا الحصار المزدوج للجيش السوداني سوى التمترس داخل حدود المدينة، مما حول كادقلي إلى منطقة معزولة جغرافيًا ومحرومة من أيّ طرق إمداد برية آمنة منذ اندلاع الصراع، في ظل غياب تام للسلطات والمنظمات الإنسانية التي قُيّد عملها على نحو مفاجئ.
ووصل عدد الفارين من مدينة كادقلي قرابة 90 ألف نازح، بحسب مصادر محلية تحدثت إلى «بيم ريبورتس» من المدينة، الأسبوع الماضي، 95% منهم من النساء والأطفال الذين باتوا يشكلون الوجه الحقيقي للنزوح. وأشارت المصادر إلى أن الفارين لم يتعرضوا لمضايقات على الطريق حتى وصولهم إلى مناطق سيطرة الحركة الشعبية – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو.
في المقابل، ذكر رئيس لجنة الإعلام بمجلس التحرير القومي للحركة الشعبية، جاتيقو أموجا دلمان، في تصريح لـ«بيم ريبورتس»، في منتصف ديسمبر، أن أكثر من 11 ألف شخص وصلوا إلى مناطق سيطرة الحركة، خلال ثلاثة أيام فقط.
ووصف دلمان وضع النازحين بـ«السيئ جدًا»، مشيرًا إلى أن أغلبهم من النساء والأطفال، ولافتًا إلى أنهم يفترشون العراء تحت الأشجار في معسكرات «توبو» و«أم دولو» و«دبي» و«كاتشا» و«أقيري»، بمقاطعات كادقلي وهيبان، في ظل شتاء قارس، يفتقرون فيه إلى أبسط الأغطية والملابس. كما أفاد دلمان بعبور أعداد من المواطنين الحدود نحو معسكري «فامير» و«أجوانق» بإدارية «روينق» بجنوب السودان.
وحذر دلمان من كارثة إنسانية في ظل انعدام الغذاء والأغطية، بالتزامن مع فصل الشتاء، لافتًا إلى أن المنظمات الوطنية العاملة في المنطقة تفتقر إلى الإمكانات اللازمة لمواجهة الاحتياجات المتزايدة.
وفي قلب المدينة، يسود اقتصاد مشوّه يصفه الأهالي بـ«الوفرة الخادعة»؛ فالبضائع تملأ الأرفف بعد فتح بعض المعابر جزئيًا وتهريب البضائع عبرها، لكنها تظل معروضة لمن لا يملك ثمنها. فبينما يتقاضى الموظف راتبًا هزيلًا لا يتجاوز 72 ألف جنيه، يجد نفسه مضطرًا إلى دفع 16 ألف جنيه مقابل كيس صغير من الخبز، في ظل انعدام تام للسيولة النقدية (الكاش) وتوقف شبكات الاتصال، ما جعل الحصول على لقمة العيش معركة يومية خاسرة لكثيرين.
وأكد التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، في سبتمبر 2025، وجود مجاعة مؤكدة في مدينة كادقلي المحاصرة، يصل تصنيفها إلى «المرحلة الكارثية»، لافتًا إلى أنها تهدد حياة 30 ألف نسمة، و240 ألف نسمة في المرحلة الطارئة. ومن المتوقع أن تستمر هذه الظروف حتى يناير 2026.
صحيًا، دفع الواقع المأساوي في المدينة الدواء إلى قائمة السلع المهربة عبر طرق الوعرة، الشهيرة بـ«السمبك»، فوصلت أسعار الأدوية إلى أرقام فلكية، تزيد بنسبة 300% على قيمتها الحقيقية.
أما داخل أروقة مستشفى كادقلي، فإن المأساة، بحسب المصادر، تتجاوز الوصف؛ إذ تحولت غرف العمليات إلى مساحات لـ«الجراحات البدائية» في ظل انعدام الأكسجين وأدوات التخدير والمستلزمات الجراحية. ويضطر الأطباء إلى استخدام «الكيتامين»، المخصص للحيوانات، لتخدير المرضى، في وقت يُدار فيه المستشفى عبر طواقم تمريض قليلة، بعد استقالة إدارتها الطبية وهجرة الأطباء المتخصصين.
ووصل التدهور الإنساني إلى منتهاه، بأن غدا البحث عن «كفن» لدفن الموتى غايةً لا تُدرك، مما اضطر الأهالي إلى مواراة جثامين أحبائهم الثرى بملابسهم التي ماتوا بها.
ميدانيًا، تبدو كادقلي محاصرة بين فكي كماشة؛ فقوات الدعم السريع تحكم قبضتها على المحاور الشمالية والشرقية، وصولًا إلى «هبيلة» و«أبو زبد»، بينما تسيطر الحركة الشعبية على الاتجاهات الجنوبية والغربية.
ولم يسلم حتى العمل الدولي من شظايا الصراع، إذ تعرض مقر بعثة حفظ السلام الخاصة بمنطقة أبيي «اليونيسفا» شمالي المدينة لضربة طائرة مسيّرة، أودت بحياة ستة من أفراد القوة البنغلاديشية، مما سرّع وتيرة إجلاء الموظفين الدوليين، وسط نقص حاد في الوقود والمؤن.
ومع استمرار أزيز الطائرات التي تهبط أسبوعيًا لإجلاء من تبقى من طواقم دولية أو نقل الجرحى، تترسخ عزلة كادقلي يومًا بعد يوم، عزلة إعلامية وعزلة رقابية أممية، بعد ترك المنظمات الإنسانية آلاف المدنيين لمصيرهم في مواجهة الجوع والمرض.
ومع كل طائرة تغادر مدرج المدينة، يزداد شعور السكان بأنهم باتوا وحيدين في مواجهة حصار يطبق بفكيه على مدينة يقتلها الغياب تمامًا كما يقتلها الرصاص.
حرب قديمة
ومنذ يونيو 2011 انزلقت ولاية جنوب كردفان في أتون الحرب بين الجيش الحكومي والجيش الشعبي التابع للحركة الشعبية-شمال إثر خلافات في نتائج الانتخابات الولائية في المنطقة التي منحها اتفاق السلام الشامل الموقع بين شمال وجنوب السودان في عام 2005 وضعية خاصة.
وتسيطر الحركة الشعبية على مناطق واسعة في ولاية جنوب كردفان التي تعد أحد معاقلها الرئيسية، بالإضافة إلى جنوب إقليم النيل الأزرق.
وكانت الحركة الشعبية-شمال قد انقسمت إلى فصيلين في عام 2017 الأول برئاسة عبد العزيز الحلو والثاني بقيادة مالك عقار حيث وقع الأخير على اتفاق سلام جوبا مع الحكومة السودانية في أكتوبر 2020، بينما رفض الأول.
وبمجئ الحكومة الانتقالية في أعقاب إسقاط نظام الرئيس المخلوع عمر البشير في أبريل 2019، حافظت المنطقة على سلام نسبي،بعد أن أعلنت الأطراف المتحاربة وقفًا لإطلاق النار كل على حدة.
لكن بعد أسابيع قليلة من اندلاع الحرب في أبريل 2023 سيطرت الحركة الشعبية على حامية تابعة للجيش في ولاية جنوب كردفان، غير أن انخراطها في تحالف سياسي وعسكري مع قوات الدعم السريع في فبراير 2025، أعاد حربًا شرسة في المنطقة.
ومع اشتداد العمليات العسكرية خلال الأسابيع الماضية، دعت الحركة الشعبية الجيش السوداني إلى تسليم العاصمة كادقلي، متوعدة بالسيطرة عليها قريبًا.