عقب اندلاع الصراع المسلح في السودان في أبريل 2023 وتردي الحالة الإنسانية وانعدام الأمن في مناطق واسعة من السودان، نزح ملايين السودانيين من مناطقهم بحثًا عن الأمان، وعبَرَ بعضهم الحدود إلى البلدان المجاورة، ومن أبرزها جمهورية مصر العربية.
قصد مصر، بعد اندلاع الحرب في السودان، أكثر من 1.2 مليون سوداني وسودانية، منذ أبريل 2023، وفقًا لإحصاءات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وعلى الرغم من حملات العودة الطوعية التي ساهمت الحكومة المصرية في تسهيلها للسودانيين، لم تتوقف حركة التنقل بين مصر والسودان بالطرق الرسمية المقيّدة بالموافقات الأمنية أو عبر طرق التهريب غير الرسمية.
وفي الآونة الأخيرة، تواردت تقارير عن حملات قبض وتوقيف طالت لاجئين ومهاجرين في العديد من المحافظات المصرية، ما أثار حالة واسعة من القلق والارتباك داخل المجتمعات المتأثرة، وأشعل نقاشًا محتدمًا على منصات التواصل الاجتماعي.
واجه مئات الآلاف من السودانيين المقيمين في مصر خطر الاعتقال والترحيل، مع تواتر أنباء عن حملات مكثفة تشنها السلطات المصرية، تستهدف الأجانب، لا سيما السودانيين والسوريين، في الأسواق والشوارع والأماكن العامة. غير أن هذا النقاش لم يُبنَ فقط على الوقائع الميدانية، بل تَشابك إلى حد بعيد مع موجة من النشاط الرقمي على مواقع التواصل الاجتماعي.
وغلب على هذا النشاط سيل من المحتوى المضلل، بما في ذلك مقاطع فيديو قديمة أُعيد تداولها، وقُدّمت خارج سياقها الزمني والمكاني، بوصفها حقائق دامغة، في عملية خلطٍ بين ما هو حقيقي وما هو مضلل، لم تؤدِّ فقط إلى تضخيم الأحداث، بل أسهمت في تعميق الخوف وسط مجتمع السودانيين المقيمين بمصر، وتشويه الفهم العام لحقيقة ما يجري على الأرض.
يأتي هذا التقرير في محاولة لفك هذا الاشتباك بين الواقع والتضليل، عبر رصد أنماط المحتوى غير الدقيق الذي رافق قضية القبض على اللاجئين في مصر وترحيلهم، مع تسليط الضوء على أهمية التوعية الإعلامية في صون الحقيقة، والدفاع عن القضايا الإنسانية دون الإضرار بها.
الزيف والواقع: اعتقال السودانيين من مصر وترحيلهم
عقب إطلاق السلطات المصرية حملات قبض وتوقيف طالت لاجئين ومهاجرين، بدأت بعض الحسابات تنشر محتوى عما يجري في مصر ضد السودانيين، واستعانت بمحتوى مرئي مضلل وقديم من أجل توسيع نطاق انتشار محتواها.
نشر أحد هذه الحسابات مقطع فيديو لأشخاص يقفزون من نوافذ حافلة متحركة، مدعيًا أنهم سودانيون يقفزون هربًا من حملات السلطات المصرية. وتُداول المقطع على نطاق واسع على منصتي «فيسبوك» «إكس» بصيغ مختلفة، منها الحقوقي والإنساني، ومنها ما حاول ربط الحملة بالحكومة السودانية، ومنها الشامت على ما يجري للسودانيين في مصر.
الصورتان «1» و«2»: توضحان تداول مقطع الفيديو في سياق مضلل على «فيسبوك» و«إكس»
وللتحقق من صحة الفيديو، أجرى «مرصد بيم» بحثًا عكسيًا عن المقطع المتداول، وتوصلت نتائج البحث إلى أنّه نُشر من قبل في عام 2023، وتُداول آنذاك على أنه يوثق فرار مهاجرين غير شرعيين من حافلة، ما يعني أنّ الفيديو قديم، ولا يمت بصلة للادعاء المتداول حديثًا بشأن هروب لاجئين سودانيين من حافلة في أثناء ملاحقتهم من قبل السلطات المصرية، وأعيد تداوله في سياق مضلل.
وفي السياق ذاته، تُداول مقطع فيديو آخر على منصتي «فيسبوك» و«تيك توك» يُظهر مجموعة من الأشخاص وهم يفرون من سيارة شرطة، على أنه مقطع حديث يوثق هروب سودانيين من قبضة الشرطة المصرية.
غير أنّ التحقق من أصل الفيديو، عبر البحث العكسي واستخدام كلمات مفتاحية مرتبطة بمحتواه، أظهر أن المقطع قديم، تُداول في سبتمبر 2025 مع النص: «⭕ الشرطة تداهم أحد أوكار المخدرات ب كوم امبو أسوان»، ولا صلة له بالأحداث الجارية.
الصورتان «3» و«4»: توضحان تداول مقطع الفيديو المضلل على «فيسبوك» و«تيك توك»
دعوات العودة:
بالتزامن مع التطورات الأخيرة في مصر وما صاحبها من تضييق وانتهاكات طالت لاجئين، برزت دعوات متزايدة للسودانيين إلى العودة إلى بلادهم، رُوّجت عبر محتوى مضلل قدّم العودة بوصفها بديلًا عن الإذلال والمعاناة.
ووُظفت معلومات غير دقيقة وروايات مجتزأة لتعزيز هذا الخطاب. ولا يمكن فصل هذا التوظيف المتزامن للمحتوى المضلل عن السياق العام، إذ أسهم في توجيه مشاعر الخوف والضغط النفسي لدى اللاجئين نحو قرارات مصيرية قد تفتقر إلى الحد الأدنى من المعلومات الموثوقة.
وعلى سبيل المثال، رافقت عبارات «ارجعوا لبلدكم، ارجعوا بعزتكم»، هذا المحتوى، إذ نشرت عديد من الحسابات مقطع فيديو يُظهر سيارات شرطة مصرية تلقي القبض على أشخاص، مدعيةً أن المقطع جزءٌ من حملة السلطات المصرية ضد السودانيين في النصف الثاني من يناير الماضي، لكن تبيّن أن المقطع قديم، نُشر في 21 ديسمبر 2025 مع النص: «بالتزامن مع رأس السنة حملات أمنية مكثفة بمحافظة الاسماعيلية»، في وقت لم تكن تنشط فيه أيّ حملات أمنية ضد اللاجئين في مصر.
الصور «5» و«6» و«7»: توضح تداول مقطع الفيديو المضلل على «فيسبوك»
تحقق قبل أن تُشارك:
انتشرت المقاطع المضللة بالتزامن مع الحملات الأمنية ضد اللاجئين في مصر، على نحو واسع، على مواقع التواصل الاجتماعي، مخلفةً حالة من الذعر. ولا تكمن خطورة التضليل فقط في تشويه الحقائق، بل في تأثيراته المباشرة في حياة الناس وسلامتهم، لا سيما في قضايا حساسة، مثل ملف الهجرة غير النظامية والترحيل القسري للاجئين.
إن تداول معلومات غير دقيقة أو غير موثقة عمّا يجري على الأرض قد يفاقم المخاوف ويُربك الرأي العام. ومن هنا، تقع مسؤولية أخلاقية جماعية على الأفراد والناشطين بعدم مشاركة أيّ محتوى قبل التحقق من صحته ومعرفة مصدره، والحرص على مشاركة المعلومات المشتبه بعدم صحتها مع مؤسسات تدقيق المعلومات.