اتهامات بالتدخل في حرب السودان تُعيد رسم خريطة التوترات بين الخرطوم وأديس أبابا

في الرابع من مايو الحالي، وبينما كانت الخرطوم تحاول لملمة جراحها، وذلك بعد أيام من استقبال مطارها أول رحلة دولية منذ اندلاع الحرب قبل ثلاث سنوات، دوّت عدة انفجارات عنيفة في المطار الدولي.

تصاعدت أعمدة الدخان في مطار الخرطوم الدولي ومناطق محيطة به، وفق ما وثّقه سكان، في صباح الاثنين قبل الماضي. وبحلول منتصف الليل، كان مسؤولون سودانيون كبار يعقدون مؤتمرًا صحفيًا في قلب العاصمة الخرطوم، أعلنوا فيه أن طائرات مسيرة انطلقت من مطار مدينة بحر دار الإثيوبية والواقعة في إقليم أمهرا، استهدفت مطار الخرطوم.

وتبعد مدينة بحر دار عن الخرطوم نحو 685 كيلومترًا خطًا جويًا، وفق الإحداثيات المسجّلة لكلتا المدينتين في قاعدة بيانات GeoNames الجغرافية الدولية.

جانب من مطار الخرطوم الدولي قبل اندلاع الحرب

حمّل وزير الخارجية السوداني محي الدين سالم والناطق الرسمي باسم الجيش السوداني عاصم عوض، أديس أبابا وأبوظبي المسؤولية، وأكدا أن الخرطوم قادرة على حماية سيادتها. وأعلن سالم استدعاء السفير السوداني في إثيوبيا للتشاور، بالإضافة إلى تعليق حركة الطيران في المطار لـ72 ساعة.

كل ذلك وسط إدانات عربية ودولية لاستهداف المطار والمنشآت الحيوية في الخرطوم.

وزير الخارجية السوداني محي الدين سالم

في المؤتمر الصحفي المشترك، أعلن كلٌّ من وزير الخارجية والناطق باسم الجيش أنّ السودان يمتلك «أدلة قاطعة» على أنّ طائرات مسيّرة إماراتية انطلقت من مطار بحر دار الإثيوبي لتضرب مطار الخرطوم الدولي ومنشآت عسكرية في العاصمة.

من جانبها، نفت أديس أبابا الاتهامات ووصفتها بـ«الباطلة»، واتهمت بدورها الجيش السوداني بدعم متمردي تقراي، في مشهد متوتر، لكنه ليس جديدًا بالكلية بين البلدين الجارين اللذين يتشاركان تاريخًا عريقًا.

ويُعدّ الاتهام السوداني الرسمي لإثيوبيا الثاني من نوعه منذ اندلاع الحرب في البلاد قبل ثلاث سنوات، فماذا تعرف عن العلاقات السودانية – الإثيوبية؟

علاقات قديمة

تعود العلاقات بين السودان وإثيوبيا إلى ما قبل الدولة الحديثة، إذ تعايش البلدان في سلام على مدار قرون. ومع ذلك، شهدت بعض الحقب والعصور صراعات ونزاعات وتوترات عديدة. 

ويُعد الصدام العسكري بين مملكة كوش السودانية ومملكة إكسوم الإثيوبية في القرن الرابع الميلادي، أحد أقدم الصراعات المسلحة الموثقة بين البلدين. تلاه بعد قرون عديدة الصراع بين الدولة المهدية السودانية وإثيوبيا في أواخر القرن التاسع عشر، والذي قُتل فيه الإمبراطور الإثيوبي يوحنا الرابع، كما دارت صراعات أيضًا في إقليم بني شنقول – قمز الذي كان يتبع للسودان.

وبعد سقوط الدولة المهدية بيد البريطانيين في 1898، بدأت حقبة جديدة من العلاقات بين السودان وإثيوبيا، بترسيم الحكومة البريطانية الحدود بين البلدين والبالغة نحو 1,600 كيلومتر، ومثلت الحدود مصدر توتر مستمر بين البلدين.

الإمبراطور الإثيوبي يتوسط أبيل ألير ممثلا للحكومة (يمين) وأزبوني منديري قوانزا ممثلًا المعارضة المسلحة

عقود من العلاقات الرسمية

انطلقت العلاقات الدبلوماسية رسميًا بين السودان وإثيوبيا بعد استقلال السودان في يناير 1956.

وفي عهد الإمبراطور الإثيوبي هيلا سيلاسي، رعت أديس أبابا مفاوضات السلام بين الحكومة السودانية والمعارضة الجنوبية المسلحة، والتي أسفرت عن التوقيع على اتفاق أديس أبابا في مارس 1972 والذي أنهى الحرب الأهلية الأولى بين شمال السودان وجنوبه، لتتغير وجهة العلاقات بين البلدين مع استيلاء منقستو هايلي مريام على السلطة في أديس أبابا في عام 1974.

ومع انهيار اتفاق السلام السوداني في عام 1983، دعم نظام منقستو الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، فيما آوت الخرطوم المعارضة الإثيوبية. 

وفي عام 1995، بلغت العلاقة قاعًا حقيقيًا، حين اتُّهم السودان بالتورط في محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، في أديس أبابا، فردّت إثيوبيا بدعم مسلح مكثّف للمتمردين الجنوبيين.  

وعادت العلاقة إلى مسار طبيعي بنهاية 1998. وبحلول العقد الأول من الألفية الثالثة كان البلدان مرتبطان بخط كهرباء واتفاقيات تجارية.

جانب من منطقة الفشقة – صورة نشرها مجلس السيادة السوداني

الفشقة

يمثل مثلث الفشقة الغني بالأراضي الزراعية الخصبة بولاية القضارف شرقي السودان على الحدود الدولية مع إثيوبيا، أحد ملفات الخلافات المستمرة بين البلدين. فهي تُعدّ جزءًا من الأراضي السودانية، لكن العديد من الإثيوبيين يزرعون عليها بموجب اتفاق مع الحكومة السودانية أُبرم في عام 1972، وآخر في عام 2008.

قوات الجيش السوداني في الفشقة

وظلت معظم مناطق المثلث خاضعة للسيطرة الإثيوبية منذ منتصف التسعينات، لكن في نوفمبر 2020، نفّذ الجيش السوداني عملية عسكرية في المثلث، استعاد بموجبها أكثر من 95% من مساحته، وذلك بالتزامن مع اندلاع الحرب الأهلية بين الحكومة الإثيوبية ومتمردي الجبهة الشعبية لتحرير تقراي.

افتُتح سد النهضة رسميًا في سبتمبر 2025

سد النهضة

منذ إعلان إثيوبيا البدء في بناء سد النهضة عام 2011 على بُعد نحو 40 كيلومترًا من الحدود السودانية، تأرجح الموقف السوداني بين القلق على سلامة سدوده والاستفادة من كهرباء السد الرخيصة.

ولكن بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع عمر البشير وتشكيل الحكومة الانتقالية في عام 2019، تمسّك السودان، إلى جانب مصر من جهة أخرى، بضرورة إبرام اتفاق قانوني ملزم لتشغيل سد النهضة وإدارته، وهو ما ترفضه إثيوبيا، حتى شغلت السد رسميًا في العام الماضي. فيما تزال الخرطوم متمسكة بموقفها رغم اندلاع الحرب في البلاد قبل ثلاث سنوات.

مواجهة مفتوحة ومحاولة لاحتواء الخلافات

بينما أعلن السودان عن استعداده لمواجهة مفتوحة «إن استدعى الأمر»، تلوح إثيوبيا بما تصفه بانتهاكات سودانية لم تُفصح عنها بعد، لكن المشهد الأعمق يكشف أن كلا البلدين يخوضان حربًا داخلية مدمّرة منذ سنوات، مما يشير إلى أن المواجهة المباشرة بينهما، إن وقعت، ستكون كارثة لا يتحمّلها أيّ طرف. 

وحاول الجانبان سريعًا تجاوز الخلافات، إذ عقد الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيله على هامش مراسم تنصيبه رئيسًا للبلاد في العاصمة جيبوتي في التاسع من مايو الجاري، جلسة مغلقة جمعت بين نائب رئيس مجلس السيادة السوداني مالك عقار ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد. وقال مصدر شارك في الاجتماع لقناة الجزيرة إن الجانبين تفاهما على العمل لاحتواء الخلافات.

مشاركة التقرير

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp

اشترك في نشرتنا الإخبارية الدورية

مزيد من المواضيع