في الفترة الماضية، ظلّت الروايات متضاربة بشأن طبيعة التدخلات الإثيوبية في الحرب السودانية، وحجم الدعم الذي يُقال إن أديس أبابا تقدّمه لقوات الدعم السريع. وحتى نهاية عام 2025، بقيت معظم هذه الاتهامات تصدر عن أطراف سودانية، في مقابل نفي إثيوبي رسمي ومتكرر، إذ نفت أديس أبابا نفيًا قاطعًا وجود معسكرات لـ«الدعم السريع» داخل أراضيها، وعدّت تلك الاتهامات محاولة للإضرار بالعلاقات الثنائية بين البلدين.
ولكن في فبراير 2026، برز تحول لافت بعد تحقيق نشرته وكالة رويترز، كشفت فيه عن استضافة إثيوبيا معسكرًا يُستخدم في تدريب آلاف المقاتلين المرتبطين بقوات الدعم السريع، وهو ما عدّته الوكالة أول دليل مباشر على تورط إثيوبي في الحرب الدائرة في السودان.
ومع بدء انتشار الأخبار والتقارير المتعلقة بالدور الإثيوبي، نشطت على منصتي «إكس» و«فيسبوك» حسابات تحمل اسم إثيوبيا أو تضع العلم الإثيوبي في نشر محتوى مضلل ومتضارب بشأن القضية. وبينما روّجت بعض الحسابات روايات داعمة لقوات الدعم السريع، اتجهت حسابات أخرى إلى إعادة تدوير تصريحات قديمة لقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) وغيره من الأطراف الفاعلة، إلى جانب مقاطع فيديو وأخبار خارج سياقها الزمني، وتقديمها باعتبارها تطورات جديدة مرتبطة بالحرب.
يكشف هذا التقرير عن أبرز أنماط التضليل التي صاحبت القضية، والحسابات الفاعلة في نشره، ويوضح كيف تتحوّل المعلومات إلى أداة للتأثير في الرأي العام السوداني وسط تصاعد الحرب وتعقيدات المشهد الإقليمي.
التضليل على «إكس»:
في سياق موجة التضليل التي صاحبت الحديث عن الدور الإثيوبي في الحرب السودانية، استغلت عدة حسابات إثيوبية على منصة «إكس» التعقيدات الجيوسياسية والعلاقات المتوترة بين السودان ومصر وإثيوبيا، لترويج سرديات مضللة تستهدف الرأي العام السوداني والإقليمي.
وتداولت حسابات عديدة مقطع فيديو يُظهر مجموعة من الجنود المصريين، مع ادعاء يفيد بأنّ مصر تشارك على نحو مباشر في القتال داخل السودان إلى جانب «جيش الإخوان المسلمين في السودان»، وأنّ الجنود المصريين في المقطع اعتُقلوا على يد «جماعات مسلحة داخل السودان».
وقدمت الحسابات المقطع باعتباره دليلًا حديثًا على تعاون عسكري بين الجيشين السوداني والمصري، مع وصف الجيش السوداني بأنه «جيش الإخوان المسلمين»، لكن التحقق من الفيديو أظهر أنّ المقطع قديم، تُداول للمرة الأولى في أبريل 2023، في الأيام الأولى لاندلاع الحرب في السودان. وكانت قوات الدعم السريع قد أعلنت وقتها عن احتجاز جنود مصريين في قاعدة «مروي» الجوية شمالي السودان. وبناءً على ذلك، فإن إعادة نشر الفيديو في السياق الحالي يُعد تضليلًا، عبر إخراجه من سياقه الزمني الأصلي، وتقديمه وكأنه حدث جديد.
إلى جانب نشر محتوى مضلل، تروّج هذه الحسابات أجندات وسرديات سياسية موازية، من بينها إعادة توجيه النقاش بعيدًا عن الدور المنسوب إلى الإمارات وإثيوبيا في حرب السودان، والتركيز بدلًا من ذلك على تحميل مصر مسؤولية التصعيد.
وعلى سبيل المثال، نشر حساب باسم Abdi أنّ «الكثيرين يوجّهون أصابع الاتهام إلى الإمارات العربية المتحدة بتأجيج الأزمة السودانية، بينما تكمن الحقيقة الأعمق في مكان آخر»، قبل أن يزعم أن مصر وإريتريا هما المحركان الحقيقيان للحرب عبر تقديم دعم غير مباشر لأطراف النزاع.
ويُبرز هذا النوع من الخطاب البعد الدعائي لسرديات هذه الحسابات التي تسعى إلى إعادة تشكيل النقاش العام وتوجيهه نحو اتهام أطراف إقليمية أخرى.
واصل حساب Abdi نشاطه في نشر محتوى مضلل بشأن الحرب السودانية والسرديات الإقليمية المرتبطة بها. ففي أعقاب استهداف مطار الخرطوم بطائرات مسيّرة، وما تبع ذلك من اتهامات لإثيوبيا بالتواطؤ في الهجوم، تداولت صفحات على «فيسبوك»، من بينها صفحة تحمل اسم «السلام»، منشورًا يزعم أنّ وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) نفت صحة الادعاءات المتعلقة بانطلاق هجمات الطائرات المسيّرة من إثيوبيا لاستهداف الخرطوم. وأعاد الحساب نشر هذا الادعاء، لكن «مرصد بيم» تحقق منه، وخلص إلى أنه مفبرك بالكامل؛ إذ لم يصدر أيّ تصريح عن وكالة الاستخبارات الأمريكية بهذا الشأن.
صفحة «إثيوبيا الآن» وإعادة تدوير المحتوى:
في سياق التطورات الجيوسياسية المتسارعة وانتشار سرديات عن تدخلات إثيوبيا في حرب السودان، رصد فريق المرصد نشاطًا رقميًا متزايدًا لصفحة تحمل اسم «إثيوبيا الآن». ويتركّز نشاط الصفحة على نشر محتوى عن الشؤون السياسية والأمنية في السودان وإثيوبيا ومصر في بعض الأحيان، مع اهتمام خاص بالتطورات في السودان.
كما لاحظ فريقنا تصاعدًا لافتًا في حجم المحتوى المرتبط بالوضع السوداني، خصوصًا ما يتعلق بقوات الدعم السريع وقادتها، إذ تنشر الصفحة، بوتيرة شبه يومية، موادًا وتصريحات متعلقة بـ«الدعم السريع» وقائدها محمد حمدان دقلو (حميدتي). وبالتحليل، تبيّن أنّ جزءًا كبيرًا من هذا المحتوى، تصريحات وأخبار قديمة يعاد تدويرها، وتقديمها بصيغة توحي بأنها حديثة في سياق الأحداث الجارية.
نشاط صفحة «إثيوبيا الآن»:
أُنشئت صفحة «إثيوبيا الآن» عام 2021، وتُدارمن إثيوبيا والمملكة العربية السعودية. وفي عملية الرصد، تبيّن أن الصفحة تعتمد على نمط نشر يومي، يركز في المقام الأول على الشأن السوداني. ويتركز المحتوى على إعادة تداول تصريحات وأخبار قديمة، مع تعليقات مصاحبة تعيد تأطير هذه المواد، بما يوحي بأنها حديثة ومرتبطة بالتطورات الجارية. كما لاحظ فريق المرصد أنّ الصفحة توظّف هذا النمط عبر ربط هذه التصريحات بسياقات سياسية راهنة.
تعتمد صفحة «إثيوبيا الآن» في نشاطها التضليلي على إعادة تدوير المحتوى والتلاعب بالسياق الزمني. وعلى سبيل المثال، نشرت الصفحة، في أواخر أبريل 2026، تصريحًا لحميدتي يقول فيه إنه راجع حساباته مع مصر، وأنه لا بد من حل المشكلات معها عبر الحوار. وعلقت الصفحة على التصريح بأن «حميدتي» أكد عدم وجود خلافات مع دول الجوار، مشددًا على أن تحركات قواته تقتصر على تأمين الحدود داخل السودان. وذكرت أنه أشار إلى سيطرة قواته على المثلث الحدودي بين السودان ومصر وليبيا، بهدف مكافحة التهريب وضبط الأمن. وأضافت الصفحة أن التصريحات تحمل رسائل تهدئة إقليمية في ظل الحرب المستمرة منذ عام 2023. وعدّت الصفحة الخطابَ، في مجمله، جزءًا من إدارة التوازنات الإقليمية وسط تعقيدات الصراع القائم.
وبالبحث، تبيّن أن التصريح صحيح، لكنه قديم، إذ صدر في يونيو 2025. وأثار تضمينه في هذا المنشور من غير توضيح السياق الذي صدر فيه حالةً من الارتباك.
واصلت الصفحة نشر معلومات خارج سياقها الزمني بشأن التطورات الميدانية لقوات الدعم السريع، فقد أعادت، في مطلع مايو الجاري، تداول أنباء تفيد بسيطرة «الدعم السريع» على مدينة «ود مدني» حاضرة ولاية الجزيرة بوسط السودان، مع دعوات للسكان إلى العودة، دون الإشارة إلى أنّ هذه الأحداث كانت في ديسمبر 2023.
ويؤدي إغفال السياق الزمني للحدث إلى تقديمه وكأنه مستجد، بما يخلق انطباعًا مضللًا بشأن الوضع الميداني الراهن، لا سيما في ظل حساسية التطورات العسكرية.
توجهات تعبوية
لتمرير رسائل تعبوية مرتبطة باستمرار العمليات العسكرية، أعادت الصفحة نشر تصريح قديم لقائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي)، يتحدث فيه عن تعرض قواته للهزيمة على يد طائرات أجنبية، دون الإشارة إلى السياق الزمني الأصلي للتصريح. وأرفقت الصفحة تعليقًا بصيغة وسوم تضمن: (#حميدتي: «#سنحشد_قواتنا_لاستعادة..» #خطاب_تعبوي_يعكس_تصاعد_المشهد_العسكري_في_السودان)، مع تقديمه في إطار يوحي بأنه تطور حديث مرتبط بالوضع الميداني الراهن.
ويُظهر هذا النمط توظيفًا لمواد قديمة ضمن سياق تعبوي متجدد، بما يربط التصريحات السابقة بالتطورات الجارية، على نحو يُحدث التباسًا لدى المتلقي.
وتجدر الإشارة إلى أن تصريح «حميدتي» بشأن الطائرات الأجنبية نُشر في عام 2024، كما أنه لم يدعو إلى الحشد والتعبئة وقتها.
المفاوضات:
في سياق آخر، أسهمت الصفحة في خلق حالة من الارتباك المعلوماتي، إذ انتقلت من نشر محتوى تعبوي يدعو إلى الحشد العسكري، إلى إعادة نشر تصريحات تدعو إلى التهدئة والتفاوض، في اليوم الذي يليه. فقد تداولت الصفحة تصريحًا قديمًا لحميدتي يقول فيه إن قواته ستتوقف عن القتال في حال عودة الجيش إلى الثكنات. وعلقت الصفحة على إعلان «حميدتي» استعداده للتفاوض مع البرهان، بشرط وقف إطلاق النار، قائلًا في مقابلة مع «بي بي سي»: «لا نريد الحرب»، وأن الحل السياسي هو السبيل لإنهاء الأزمة، بإضافة وسوم مثل (#حميدتي_يفتح_باب_التفاوض_المشروط #لا_نريد_الحرب #رسالة_للبرهان).
ويُبرز هذا النمط الجمع بين رسائل متناقضة بين التعبئة والتهدئة، ضمن إطار زمني مضلل، مما يسهم في إرباك المتلقي وخلق انطباع بحدوث تحولات سريعة في المواقف، مع أنّ هذه التصريحات تعود إلى سياقات زمنية مختلفة، إذ سبق أن نُشر هذا التصريح ومحتوى المقال المشار إليهما في أبريل 2023.
التداخلات بين السودان ومصر:
تحرص صفحة «إثيوبيا الآن» على التطرق إلى قضايا بعينها، تعد حجر الزاوية في العلاقات المصرية السودانية الإثيوبية، مثل قضية حلايب وشلاتين. وتنشر الصفحة، بانتظام، محتوى عن القضية، كما تنشر باستمرار محتوى عن «سد النهضة» وموقف السودان منه، فضلًا عن نشر محتوى يتناول الدعم المصري للجيش السوداني. كما تحاول ربط هذه الموضوعات بعضها ببعض، ضمن إطار سردي واحد، عبر الإيحاء بوجود علاقات سياسية وأمنية متداخلة بين هذه القضايا.
وفيما يتعلق بمسألة حلايب وشلاتين، تتناول الصفحة الموضوع بصورة متكررة، وتطرح تساؤلات بشأن وضع مثلث حلايب وشلاتين، وما إن كان يتبع مصر أم السودان.
وتشير الصفحة إلى أنّ أهمية المنطقة لا تقتصر على بعدها الحدودي، بل تمتد إلى موقعها الإستراتيجي على البحر الأحمر، وأهميتها في الملاحة البحرية، إلى جانب الاعتبارات الأمنية والإقليمية، مما يزيد من تعقيد الملف. كما تشير إلى تداخل أبعاد السيادة مع الواقع على الأرض، بالإضافة إلى ارتباطها بالعلاقات الثنائية والتوازنات الإقليمية، مما يجعله ملفًا سياسيًا معقدًا.
تتناول الصفحة أيضًا، على نحو متكرر، ملف سد «النهضة» وما يثيره من توترات في دول حوض النيل، وتضعه في سياق أوسع يستحضر الوجود العسكري المصري في السودان قبل الحرب وفي أثنائها، وتصوّره وجودًا محكومًا بالدواعي الأمنية، لا سيما أمن نهر النيل. وتوضح أن هذا الوجود تمليه جملة عوامل متشابكة، أبرزها إسناد الجيش السوداني الرسمي، والحفاظ على استقرار الدولة، وصون الأمن القومي المصري المرتبط بالحدود ونهر النيل، فضلًا عن الحد من النفوذ الإقليمي المنافس داخل السودان.