حراك مناهض لحظر تأشيرات الطلاب السودانيين في بريطانيا وسط موجة كراهية ضد المهاجرين

«وصلني، في 5 مارس 2026،  قبول رسمي في المنحة التي تقدمت بها إلى جامعة غلاسكو البريطانية، مع متطلب الجلوس لامتحان الايلتس. لكن كل ذلك تغيّر في غضون أسبوع، إذ وصلني إيميل في 11 مارس بإن هناك قرارًا من الحكومة البريطانية يقتضي يمنع الطلاب السودانيين من الحصول على تأشيراتٍ دراسة، الأمر الذي ستسبب في سحب المنحة، إلا في حال كنت أحمل جوازًا من دولةٍ أخرى»- هكذا تروي الطالبة السودانية إسراء، تأثير قرار الحكومة البريطانية بإلغاء منح التأشيرات الدراسية للطلاب السودانيين.

تعد إسراء واحدة من ضمن ما يزيد عن الـ 210 طالب وطالبة آخرين تأكد تضررهم، وأصبحت عروضهم الدراسية في 46 جامعة بريطانية «بما في ذلك إكسفورد وكامبريدج إمبريال كوليدج لندن» في مهب الريح بسبب القرار، ويشمل هذا العدد 23 طالبًا في مرحلة البكالوريوس، بينما البقية هم من طلاب الدراسات العليا. مزامنةً، يخشى أكثر من 200 متقدم سوداني فقدان مقاعدهم الدراسية نتيجة تعليق التأشيرات. يأتي ذلك في وقتٍ لم تكن أعداد الطلاب السودانيين في الجامعات البريطانية كبيرة تاريخيًا، حيث بلغت في العام الأكاديمي الماضي حوالي 280 طالبًا وطالبة.

يُذكر أن هؤلاء الطلاب يواجهون الآن واقعًا قانونيًا معقدًا، حيث أن القواعد الجديدة تقضي برفض طلبات التأشيرة الجديدة بشكل إلزامي، مما يمنعهم من الالتحاق ببرامجهم الأكاديمية التي بذلوا سنوات من الجهد للوصول إليها.

الحكومة البريطانية تسبب قرارها 

وكانت الحكومة البريطانية قد أصدرت قرارًا دخل حيز التنفيذ في 26 مارس من العام الجاري، اقتضى إلغاء منح التأشيرات لمواطني أربع دول بشكل أساسي، وهي السودان وأفغانستان، والكاميرون وميانمار. وتمثل الإجراء في رفض طلبات تأشيرة الطلاب الجديدة المقدمة من خارج المملكة المتحدة لمواطني هذه الدول الأربع. وقد أوضحت الحكومة البريطانية أن القرار يعتمد على جنسية مقدم الطلب الرئيسي، دون التأثر بمكان إقامته أو المكان الذي يتقدم منه بالطلب.

وبررت الحكومة البريطانية قرارها بأنه يستند إلى أسباب عدةُ، منها الارتفاع الكبير في طلبات اللجوء المرتبطة بالطلاب، وقالت وزارة الداخلية إن هناك قفزة هائلة بنسبة 470% في عدد طلبات اللجوء المقدمة من مواطني الدول الأربع «السودان، أفغانستان، الكاميرون، ميانمار» بعد دخولهم المملكة المتحدة بتأشيرات دراسية ما بين 2021 على 2025. 

وصرح مسؤولون بأن الزيادة في طلبات اللجوء تشكل «تهديدًا غير مستدام» وعبئًا كبيرًا على نظام دعم اللاجئين في بريطانيا، وأن هذا القرار يهدف إلى ضمان بقاء نظام اللجوء عادلًا وذا مصداقية وقابلًا للاستمرار، بما يضمن مكافحة استغلال مسارات الهجرة القانونية، بالإضافة إلى أن قرراها يندرج ضمن سياسة أوسع تهدف إلى تعزيز أمن الحدود وجعل المملكة المتحدة أقل جاذبية” للهجرة غير النظامية، على حد تعبيرها.

تحدٍ قانوني وتشكيك في القرار 

استقبل الطلاب السودانيون قرار منع التأشيرة الدراسية بإحباطٍ وصدمة كبيرين، لكن الأمر لم يتوقف هنا، إذ شرع الطلاب في تحركاتٍ قانونية ومدنية للتصدي للقرار، وكانت إحدى هذه التحركات مبادرة أطلقها أمين أبو شام، في 8 أبريل 2026، وتمثلت في عمل عريضة حملت عنوان (إعادة تأشيرات الدراسة للطلاب السودانيين وحماية حقهم في التعليم بشكل كامل)، وهي عريضة مفتوحة للتوقيع للمواطنين البريطانيين والمقيمين، بهدف مطالبة البرلمان البريطاني بالضغط على الحكومة لإعادة منح تأشيرات الدراسة للسودانيين وحماية حقهم في التعليم.

وتستند العريضة في حججها على أن الحظر الشامل يأتي بمثابة عقاب لأغلبية الطلاب الملتزمين بالقانون بالاستناد إلى قرارات البعض بالتقدم للجوء، الأمر الذي يحرم الطلاب من التعليم الآمن، ما يتسبب في الإضرار بمستقبلهم الأكاديمي والمهني، وفي الآن ذاته، فإن العريضة تثير مخاوف جدية تتعلق بحقوق الإنسان نتيجة هذا المنع. كما تطرح بديلًا يتمثل في استبدال الحظر الشامل بصياغة ضمانات تحول دون إساءة استخدام النظام، بينما تحفظ حق الطلاب.

وتأمل العريضة في جمع 10 آلاف توقيع، وهو الرقم الذي يلزم البرلمان البريطاني، بحسب قواعده الداخلية، بالرد رسميًا على مطلب العريضة، بينما إذا وصل عدد التوقيعات 100 ألف، حينها سينظر في  إجراء نقاش داخل البرلمان حول موضوع العريضة.

يذكر أن التوقيع على العريضة سيغلق في 8 أكتوبر 2026، وقد بلغ عدد التوقيعات، حتى لحظة كتابة هذا التقرير، 1341 توقيعًا. 

حراك جامعات داخلي

لم يتوقف الحراك على مواطني الدول المتضررة فقط، بل شمل مؤسساتٍ تعليمية كذلك، إذ انخرطت مجموعة راسل (Russell Group)، وهي واحدة من كبرى الجامعات البحثية في بريطانيا، في الحراك، حيث انتقدت التصريحات الحكومية التي توحي بوجود (إساءة استخدام واسعة النطاق) لنظام التأشيرات دون تقديم أدلة كافية.

وطالبت الحكومة بضرورة تقديم الأرقام في سياقها الصحيح، مشيرة إلى أن بيانات الحكومة نفسها أظهرت انخفاضاً في طلبات اللجوء المرتبطة بتأشيرات الطلاب للدول المعنية بنسبة 54% بين عامي 2023 و2024.

كما أرسلت المجموعة توصيات رئيسية للحكومة تمثلت في باستثناء الطلاب الذين أثبتوا بالفعل التزامهم الأكاديمي والامتثال لقوانين الهجرة، مع شمول ذلك للطلاب الحاصلين على منح دراسية ممولة من الجامعات أو الحكومة، مثل منحة (تشيفنينغ). كما طالبت باستثناء طلاب البرامج التمهيدية، الذين أتموا المرحلة الأولى من دراستهم بنجاح ويرغبون في الانتقال للدرجة الجامعية الكاملة، وأيضًا السماح للطلاب العائدين (الذين أوقفوا دراستهم مؤقتاً وسافروا لبلدانهم) باستئناف دراستهم في المملكة المتحدة.

سياق معقّد يتجاوز الطلاب 

ويتجاوز مرسوم قرار “مكابح التأشيرات” (Visa Brake) الذي أصدرته الحكومة البريطانية بحق الطلاب القادمين من الدول الأربع، مسألة الدراسة في المملكة المتحدة، ويأتي ضمن  سياق سياسي واجتماعي معقد داخليًا، ضمن حزمة سياسات أكثر تشددًا يتبناها رئيس الوزراء كير ستارمر، والتي تهدف وفقًا للحكومة، إلى جعل المملكة المتحدة «أقل جاذبية للهجرة غير النظامية، وتشمل هذه الإصلاحات مراجعة وضع اللاجئين بانتظام وتمديد فترة الأهلية للحصول على الإقامة الدائمة إلى 20 عامًا».

ويعبر قرار الحكومة البريطانية عن نهج دولي متزايد نحو التشدد في قضايا الهجرة في الدول الأوروبية، حيث أصبحت أجندة (أمين الحدود) تهيمن على الخطاب السياسي والاجتماعي فيها، وسط انقساماتٍ حادة في النظر إليه، خاصة مع المخاوف الحقوقية والإنسانية التي يثيرها.

وقد واجه القرار انتقادات اجتماعية واسعة من منظمات حقوقية، كونه يستهدف أشخاصًا يفرون من نزاعات مسلحة وحروب أهلية معترف بها دوليًا في السودان وميانمار والكاميرون، أو أزمات إنسانية كما في أفغانستان. 

ولم تتوقف قرارات الحكومة البريطانية عند الطلاب السودانيين إذ شملت قيود التأشيرة حتى الصحفيين السودانيين، حيث رفضت السلطات البريطانية منح الصحفي السوداني محمد أمين تأشيرة دخول قصيرة الأمد لحضور حفل One World Media Awards في لندن، رغم ترشحه لجائزة (صحفي العام) عن تغطيته للحرب في السودان.

وبررت الحكومة أسباب رفضها منح أمين تأشيرة دخول إلى بريطانيا بعدم اقتناع السلطات بأن الغرض من الزيارة حقيقي ومطابق لشروط تأشيرة الزيارة، بالإضافة لعدم اقتناعها بأن أمين سيغادر المملكة المتحدة بعد انتهاء الزيارة.

في المقابل، وصف الصحفي محمد أمين القرار بغير المعقول والمتناقض مع اهتمام المؤسسات الصحفية البريطانية بما يجري في السودان، معتبرًا رفض التأشيرات للسودانيين يعكس ضعف فهم المجتمع الدولي للأزمة السودانية.

 يذكر أنه سبق لأمين الحصول على تأشيرة دخول إلى بريطانيا عام 2022 لحضور Rory Peck Awards دون أي عراقيل، حيث نال حينها جائزة مارتن أدلر.

وقد أثار القرار انتقادات من المؤسسة الإعلامية التي يعمل بها ومن منظمي الجائزة، الذين اعتبروا أن منع صحفي سوداني بارز من حضور حفل تكريمه يسلط الضوء على العقبات التي يواجهها السودانيون في التنقل والوصول إلى المنصات الدولية.

تجئ هذه القيود على الطلاب والصحفيين السودانيين، رغم تأكيد الحكومة البريطانية أن قرارها غير دائم وسيخضع للمراجعة بشكلٍ منتظم، وأنه سيلغى في حالة واحدة فقط، وهي عندما تعتبر الحكومة أنه من المناسب إلغاءه. ومع ذلك، تستمر بصورةٍ متزامنة حراكات مدنية وقانونية للتصدي له والتعجيل بإجراء تعديلات تحول دون تضرر مئات الطلاب ومصائرهم المعلقة.

اعتداء مهاجر على مواطن بريطاني يثير حملة عنف 

شهد ملف التأشيرات والمهاجرين تصعيدًا كبيرًا، إثر اعتداء مهاجر سوداني في الثلاثين من العمر على أحد المواطنين في عاصمة أيرلندا الشمالية، بلفاست، يوم الأحد 7 يونيو 2026، الاعتداء الذي نُقل ضحيته إلى المستشفى مصابًا بجروح خطيرة في عينيه، وجروح قطعية في ظهره ووجهه.

وعقب انتشار هوية المعتدي تعريفه بأنه مهاجرٍ سوداني، تصاعدت أعمال عنف تجاه المهاجرين في بلفاست، والتي تضمنت الاعتداء على بيوت المهاجرين، وحرق سياراتٍ وتخريب ممتلكاتهم، مع  رفع شعاراتٍ عنصرية لطرد المهاجرين.

تزامنا، صعّدت عدد من الأحزاب السياسية والمجموعات المناهضة للهجرة واللجوء من خطابها، ومن ضمنها حزب إصلاح المملكة المتحدة (Reform UK) بزعامة نايجل فاراج، والذي طالب بإجراءات صارمة وغير مسبوقة ضد الهجرة والمهاجرين، تشمل فرض حظر فوري وشامل على إصدار أي تأشيرات دخول للمواطنين السودانيين إلى بريطانيا.

مشاركة التقرير

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp

اشترك في نشرتنا الإخبارية الدورية

مزيد من المواضيع