أعلن وزير الخارجية السوداني، محي الدين سالم، الخميس، الترحيب بمبادرة قدمها المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، بيكا هافستو، تهدف لتبادل الأسرى بين الجيش والدعم السريع، وهي أول مبادرة دولية من نوعها منذ اندلاع الصراع في البلاد قبل أكثر من ثلاث سنوات. فماذا تعرف عن عمليات تبادل الأسرى، وفقًا للقانون الإنساني الدولي، والجهات التي تضطلع بمثل هذه العمليات؟
مبادرة المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافستو، والتي لم تعلن بشكل رسمي، كشف عنها وزير الخارجية السوداني، محيي الدين سالم، في تصريح نشرته وكالة السودان للأنباء. بينما لم تعلق قوات الدعم السريع من جهتها رسميًا على المبادرة الأممية.
سالم أكد في تصريحه «حرص حكومة السودان على أرواح مواطنيها في كافة أرجاء البلاد»، مشيرًا إلى التزام الحكومة بالإجراءات القانونية والدولية المتبعة في مثل هذه الحالات.
وتدعو المبادرة، بحسب وزير الخارجية السوداني، للتعاون بين حكومة السودان ومكتب المبعوث واللجنة الدولية للصليب الأحمر.
من هو أسير الحرب وفق القانون الإنساني الدولي؟
رغم شيوع استخدام مصطلح (الأسرى) إعلاميًا، فإن القانون الإنساني الدولي لا يمنح في النزاعات المسلحة غير الدولية، ومنها الحرب في السودان، صفة «أسير حرب» للمقاتلين المحتجزين، بخلاف النزاعات الدولية بين الدول. ومع ذلك، يتمتع المحتجزون بحماية قانونية بموجب المادة الثالثة المشتركة لاتفاقيات جنيف والبروتوكول الإضافي الثاني، والتي تحظر التعذيب والقتل والمعاملة القاسية والإهانة، وتلزم بمعاملتهم معاملة إنسانية.
وتنص المادة (4) من اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949 على فئات متنوعة من المقاتلين الذين يعتبرون أسرى حرب بمجرد وقوعهم في سلطة العدو، والذين يجب أن يحظوا بحماية قانونية واسعة من لحظة وقوعهم في الأسر وحتى الإفراج عنهم؛ ويشمل ذلك الحق في المعاملة الإنسانية، ومنع التعذيب أو الإكراه لاستخلاص المعلومات، وتوفير الرعاية الطبية والغذاء المناسب.
ويقول المحامي المتخصص في القانون الدولي، عبد الباسط الحاج، لـ«بيم ريبورتس» إن عمليات تبادل الأسرى هي عمليات معتادة في حالات الحروب الداخلية والحروب بين الدولة، مشيرًا إلى أنها تستند على اتفاقية جنيف بشأن معاملة أسري الحرب.
وأضاف الحاج أنه في العادة تقوم دول وسيطة أو منظمات دولية محايدة مثل الصليب الأحمر وغيرها من مؤسسات الأمم المتحدة بالتوسط بين الأطراف المتقاتلة وأخذ التزاماتهم الرسمية بتبادل الأسرة ويدخل ضمن ذلك حماية حقوق الأسرى، بما أنهم محميون من لحظة الوقوع في الأسر أو تركهم للقتال أو بسبب الإصابة أو غيرها من الأسباب المذكورة.
وشدد الحاج على أن «القانون الدولي الإنساني يلزم معاملة الأسرى معاملة إنسانية وأخلاقية وعدم حرمانهم من حقوقهم الأساسية أو تعريضهم لظروف قاسية تؤدي إلى موتهم أو المرض الشديد».
كما رأى أن هذه المبادرة تعتبر خطوة جيدة نحو حفظ حقوق الأسرى أولًا وتسهيل عودتهم إلى أسرهم، وهي مساع يجب دعمها.
آلاف الأسرى من العسكريين والمحتجزين المدنيين
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 وقع آلاف العسكريين في صفوف الجيش السوداني في أسر قوات الدعم السريع، كما وقع آلاف المقاتلين التابعين للدعم السريع في أسر الجيش السوداني. بالإضافة إلى ذلك، وجد آلاف المدنيين أنفسهم معتقلين لدى الطرفين تحت ذريعة الانتماء للطرف الآخر عسكريًا، و تحت ذرائع إثنية ومناطقية.
وقد أشارت البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق، في تقريرٍ حديث لها، أن أطراف الحرب درجت على استخدام الاحتجاز التعسفي والتعذيب والاختفاء القسري كوسائل للسيطرة على السكان، ما ينضوي تحته وجود “نمط منظم” وليس أحداث فردية، الأمر الذي قالت إنه يمثل انهاكاتٍ مستمرة للقانون الدولي الإنساني في مختلف أنحاء البلاد.
وفي 24 يونيو الجاري، قالت شبكة أطباء السودان إن عدد الوفيات وسط المدنيين المحتجزين قسرًا بسجن دقريس، غرب مدينة نيالا، ارتفع لأكثر من 215 شخصًا خلال الفترة من مايو إلى يونيو، فيما ينتظر مصير مجهول عدد 31 معتقلا تم تحويلهم لمستشفى نيالا. ويرجع ما يعيشه المحتجزون إلى الأوضاع السيئة في السجن، من تفشي الأمراض والأوبئة وتدهور الوضع الصحي، علاوةً على تعرض المعتقلين للتعذيب وسوء المعاملة.
محامو الطوارئ ترحب بالمبادرة
رحبت مجموعة (محامو الطوارئ)، الجمعة، بمبادرة المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، بشأن تبادل الأسرى بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، قبل أن تدعو إلى إطلاق سراح المدنيين المحتجزين.
ووصفت المبادرة بأنها تعد تطورًا إيجابيًا يمكن أن يسهم في تخفيف المعاناة الإنسانية وبناء قدر من الثقة بين أطراف النزاع.
ودعت المجموعة قوات الدعم السريع إلى إعلان موافقتها على المبادرة والانخراط الجاد في تنفيذها، وحثت الطرفين على تبادل جميع الأسرى العسكريين المحتجزين لدى كل منهما، وفقًا لقواعد القانون الدولي الإنساني وبإشراف اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وبما يضمن سلامتهم وكرامتهم.
وشددت على أن هذه المبادرة ينبغي ألا تقتصر على تبادل الأسرى العسكريين، بل يجب أن تمتد لتشمل الإفراج الفوري عن المدنيين المحتجزين تعسفًا، ولا سيما من وُجهت إليهم اتهامات ذات طابع كيدي أو استُخدمت في مواجهتهم بلاغات جنائية كوسيلة للاحتجاز أو الانتقام، مع ضمان حق من يواجهون اتهامات جدية في محاكمة عادلة تستوفي معايير العدالة والإجراءات القانونية الواجبة.
كما طالبت المجموعة الجيش السوداني وقوات الدعم السريع بالكشف عن مصير جميع المخفيين قسرًا، وتمكين المحتجزين من التواصل مع ذويهم ومحاميهم، وضمان وصول اللجنة الدولية للصليب الأحمر والجهات الإنسانية المستقلة إلى أماكن الاحتجاز، والإفراج عن جميع المدنيين المحتجزين دون سند قانوني.
سابقة تسليم معتقلين للصليب الأحمر
في سبتمبر 2023، أعلن الجيش السوداني عن تواصله مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر لتسليم 30 عنصرًا من القصر التابعين للدعم السريع، إلى جانب اعتزامه ترتيب تسليم 200 أسير آخرين.
كما جرت بعض عمليات الإفراج الضيقة والمحدودة للغاية في بعض المناطق بناءً على تفاهمات قبلية أو وساطات مجتمعية محلية، لكنها ظلت استثناءات مرتبطة بظروف ميدانية خاصة ولم تتطور إلى اتفاق عام لتبادل الأسرى.
وفي حين لا ينص القانون الدولي الإنساني، في النزاعات الداخلية (غير الدولية) على التزام أطراف النزاع بإجراء عمليات لتبادل المحتجزين، ولا يملك آلية قانونية ملزمة لتنظيمها. إلا أنه لا يحول دون إبرام مثل هذه الترتيبات باتفاق بين الأطراف المعنية، وفي الأغلب تُنظم مثل هذه التبادلات في ظل أطرٍ وتفاهمات إنسانية أو سياسية، بينما يجوز للجنة الدولية للصليب الأحمر، بصفتها منظمة إنسانية محايدة، أن تعرض خدماتها لتيسير هذه العمليات أو الإشراف على الجوانب الإنسانية منها، إذا وافقت الأطراف على ذلك.