من الدالي والمزموم بولاية سنار مرورًا بأم درمان في العاصمة السودانية الخرطوم ووصولًا إلى الأبيّض بشمال كردفان، يُعاني مئات آلاف السكان من العطش. وهي مشكلة قديمة تعود إلى ضعف التنمية، لكن استهداف مصادر المياه والكهرباء، المحدودة أصلًا، منذ اندلاع الحرب، جعل الأزمة أكثر وطأة على سكان أنهكهم الصراع المسلح في كل اتجاه.
في الأبيّض، يصطف السكان منذ أسابيع في طوابير طويلة للحصول على مياه ليست نظيفة في الأساس، إن وجدت. أما في أجزاء كبيرة من أم بدة غربي أم درمان، ورغم مرور أكثر من عام على سيطرة الجيش على كامل العاصمة، لم تمد الحكومة المحلية أي خطوط لإمداد المياه التي لم تصل إلى تلك المناطق حتى قبل اندلاع الحرب، ما وضع الآلاف في معاناة يومية للحصول على مياه الشرب. وفي الدالي والمزموم بولاية سنار، ما تزال آثار سيطرة «الدعم السريع» المدمرة على المنطقة ماثلة.
يقول المواطن محمد بسكوك من منطقة الدالي: «وصل سعر برميل الماء في المنطقة إلى 10 آلاف جنيه سوداني، بينما يبلغ سعر الجالون الواحد 1,500 جنيه، وهي مياه تستجلب من حفائرٍ بعيدة يعتمد عليها أصحاب المشاريع الزراعية، وهي غير صالحة للشرب بسبب تلوثها»، واصفًا أزمة المياه الحادة التي تهدد حياة حوالي 500 ألف شخص من مواطني محلية الدالي والمزموم وقراها، بولاية سنار، في الحصول على مياه شربٍ نظيفة تعينهم في حياتهم اليومية.
وفي حين يُعد شهر يونيو موسم انتظار الأمطار في المحلية، فإن جفاف الحفائر التي يعتمد عليها في الشرب أثّر بشدة في مدى وفرة المياه في الأحياء والوحدات الإدارية، مثل وحدة «أبو عريف» التي تعتمد على الشرب من مياه التناكر الوافدة من منطقتي التبون والجبلين بولاية النيل الأبيض.
يأتي ذلك بعد عودة المواطنين إلى المنطقة التي هُجّر أغلبهم منها، في يونيو 2024، عندما سيطرت عليها قوات الدعم السريع، لتطال المنطقة حينها عمليات نهب واسعة، وحرق لجميع المؤسسات الحكومية المحلية ومؤسسات الشرطة والنيابة العامة، ونهب السوق. وهو ما يؤثر حاليًا في حياة العائدين بعد ما يقارب العامين من المغادرة، إذ يشير بسكوك إلى أن المواطنين وجدوا المدنية خرابًا بعد عودتهم؛ كهرباءٍ معطلة ومصادر مياه مدمرة.
حفائر لا تغطي حاجة المنطقة
«تعتمد الدالي منذ زمن بعيد على مياه الحفائر، إذ وصلت حكومة ولاية سنار أنبوب خط ناقل للمياه من الدالي إلى الجفرات، وسُمي بمشروع مياه الدالي والجفرات» – يشرح محمد بسكوك لـ«بيم ريبورتس» طبيعة خطوط إمداد المياه الرئيسة في الدالي، وذلك ما قبل العام 2017 الذي شهد توسعة للمشروع لم تكن متوقعة أو مخططًا لها، إذ ربطت القرى المجاورة بالخط الناقل للمياه دون زيادة سعته، مما أضعف المشروع وتسبب في أعطال وكثير من القطوعات.
ويضيف بسكوك: «كان المشروع معطلًا بالكامل بعد العودة، واعتمد المواطنون على حفيرين كانا يعملان، لكن حتى بعد صيانة المشروع، ما تزال الإشكالات القديمة نفسها قائمة، إذ يعمل يومًا واحدًا ويتوقف 10 أو 15 يومًا، وتستمر معاناة الناس اليومية».
وأوضح بسكوك أن هذا الوضع يشكل عبئًا إضافيًا عليهم، مشيرًا إلى اصطفافهم يوميًا لساعاتٍ للحصول على مياهٍ غير صالحة للشرب، لكنهم يضطرون إلى شربها في غياب بدائل أخرى، وهو مشهد يتكرر بحذافيره في أماكن أخرى.
الأبيّض.. حصارٌ وعطش
في الأبيّض عاصمة ولاية شمال كردفان، أدى استهداف قوات الدعم السريع لمصادر المياه والكهرباء طوال الأسابيع الماضية، إلى خلق أزمة مياه خانقة في مدينة تعاني أساسًا أزمة مياه تاريخية.
«لا تصل المياه إلى حنفيات المنازل، ويعتمد الناس بالكامل على مياه المضخات التي تنقلها الشاحنات والدواب، وهي مياه غير صالحة للشرب» – يصف محمد أحمد، بهذه الكلمات التحديات اليومية التي تواجه سكان مدينة الأبيّض في الحصول على مياهٍ تقضي حوائج الاستخدام اليومية، خلال ما تمر به المدينة من أزمةٍ مياه قديمة، جددتها الحرب وفاقمت حدتها.
ولا تقف مشاكل المياه وحيدة، بل تقاطعت خلال الأسبوعين الماضيين مع واقع معيشي شهد ارتفاعًا في أسعار السلع المختلفة والوقود، في ظل تدني قيمة الجنيه السوداني مقابل العملات الأخرى، ما انعكس في أزمات شملت المستلزمات اليومية والمواصلات والمياه، وعانى منها نسبة كبيرة من سكان المدينة والنازحين إليها.
عطش قديم ضاعفته الحرب
وتسببت الحرب والاشتباكات المسلحة واستهداف البنى التحتية لمصادر المياه في تعميق معاناة المواطنين في كلٍ من الدالي والأبيّض، لكن معاناة هاتين المنطقتين سابقة لاندلاع الحرب.
فمدينة الأبيّض عانت سنوات قبل الحرب من أزماتٍ متفاوتة في الحصول على المياه، وذلك جراء اعتماد المدينة على مصادر مياه هشة وشبكات توزيع ذات بنية تحتية قديمة، افتقرت في أغلب الأوقات إلى الصيانة والتطوير، وظلت تعمل بطاقة إنتاجية لا تغطي حاجة المدينة وسكانها. ومع اندلاع الحرب تعقدت الأوضاع في كل مجالات الحياة، إثر الأزمات المتلاحقة التي عصفت بقطاعات المياه، والصحة، والطاقة، مما أدى إلى شلل شبه كامل في الخدمات الأساسية.
فعقب سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة «بارا» بشمال كردفان، انقطعت عن الأبيّض إمدادات المياه من «حوض بارا الجوفي»، وهو الشريانٍ الرئيس الذي كان يغذي المدينة. فلجأ الناس إلى الاعتماد اعتمادًا رئيسًا على المياه التي تستجلب من «المضخات»، وهي مياه لا تمرّ بعمليات تنقية وتستعمل كما هي، مما أدى إلى ارتفاع نسبة الإصابة بالإسهالات المائية وسط السكان. ومع تزايد الاشتباكات العسكرية في ولايات عدة حول الأبيّض، ارتفعت معدلات النزوح إلى المدينة مع فرار مواطني المناطق الأخرى وطلب الأمان داخلها.
وتسبب افتقار المدينة إلى شبكات توزيع حديثة وعدم صيانة الشبكات القديمة في فقدان نسب كبيرة من المياه، وتأثر الأحياء، لا سيّما البعيدة من الخطوط الرئيسة، بضعف الوصول، علاوةً على الضغط الذي سببه ارتفاع عدد قاطني المدينة إثر الحرب، على مصادر المياه.
وتبيّن الإحصاءات أن أزمات المياه قديمة، فوفقًا لبرنامج المياه والصرف الصحي والنظافة التابع لليونيسف في السودان، في آخر تحديث ما قبل اندلاع الحرب، كان يفتقر أكثر من 17 مليون شخص في السودان إلى إمدادات مياه الشرب الأساسية. ولا يقتصر الأمر على العطش وحده، بل يعرضهم لمخاطر الإصابة بالأمراض.
أم درمان.. تزداد المعاناة كلما اتجهت نحو الأطراف
شملت أزمة المياه أيضًا أجزاء كبيرة من العاصمة الخرطوم، لا سيّما خلال الاشتباكات المسلحة، وما بعد استعادة الجيش السوداني للمدنية، ففي مدينة أم درمان، لا سيّما محلية أم بدة، يواجه المواطنون أزمة مياهٍ حادة ومعاناةٍ يومية في الوصول إلى مياه شرب نظيفة.
وما يواجهه المواطنين في أم بدة يعود في جزءٍ كبير منه إلى سياسات الحكومات إزاء السكن غير الرسمي، أو ما تطلق عليه «العشوائيات». ومن ثم لا تصل إليها خطوط المياه من الإمدادات الرئيسية، وتعتمد على تناكر (صهاريج) المياه. وقد تعرضت بعض تلك المصادر إلى نهب ألواح الطاقة الشمسية.
وبعد استعادة الجيش السوداني للعاصمة وشروع حكومة الخرطوم في أعمال الإصلاح والصيانة، لم تهتم بمحلية أم بدة، إذ ما يزال سكانها في حالة ترقب وانتظار وسعي يومي للحصول على المياه، سواء عبر مشقة توفيرها بالشراء، أو انتظار تلك المياه التي تقدمها جهات فاعلة في العمل الإنساني.
العطش سلاحًا في حروب السودان
مع تمدد الحرب إلى معظم أنحاء السودان، كانت أقاليم دارفور وكردفان والجزيرة والنيل الأزرق والنيل الأبيض من بين الأكثر تضررًا. وجاء جزء من هذا الضرر عبر بوابة توظيف الحرمان من الوصول إلى المياه سلاحًا للحرب، إذ شرعت قوات الدعم السريع في مناطق عدة في دارفور وكردفان في الهجوم على البنية التحتية الحيوية للمياه، إلى جانب الحرمان المتعمد للمدنيين من الوصول إلى مياه الشرب الآمنة.
ففي مدينة الفاشر، حاضرة شمال دارفور، كانت المياه جزءًا من الحصار الذي فرضته قوات الدعم السريع لمدة 18 شهرًا، قبل السيطرة على المدنية في أكتوبر 2025. وعمدت الدعم السريع على السيطرة على مصادر المياه الرئيسة وتعطيلها، وعلى رأسها خزانا «قولو» و«شقرة» غرب الفاشر، واللذين كانا يشكلان مصدرين رئيسين لمياه الشرب لسكان المدينة ومخيمات النازحين المحيطة بها. وكان خزان «قولو» وحده يزوّد نحو 270 ألف شخص بالمياه حتى مايو 2024، حين فرضت الدعم السريع سيطرتها على الخزان، بعد هجمات استمرت أكثر من شهر على القرى الواقعة غرب الفاشر، مما أدى إلى قطع إمدادات المياه عن المدينة.
ولم تقتصر مهاجمة مصادر المياه على قوات الدعم السريع، إذ استهدف الجيش السوداني تجمعاتٍ عدة لمواطنين في مصادر للمياه في دارفور وكردفان. ففي 18 فبراير 2026، قصفت طائرة مسيّرة موردًا للمياه (دونكي) في منطقة «أم رسوم» بمحلية السنوط، بولاية غرب كردفان. وتسبب الهجوم في مقتل نساء وأطفال كانوا ينقلون مياه الشرب، بالإضافة إلى إصابة آخرين. وكانت آخر هجمات الجيش التي استهدف موارد للمياه، وفقًا لبيان مجموعة محامي الطوارئ، في 11 يونيو الماضي، حين هاجمت طائرة مسيّرة رعاةً حول مورد مياه في قرية «البقرية»، بمنطقة «وادي الملك» التابعة لمحلية «سودري» بولاية شمال كردفان.
نمط يستمد ممارسات الماضي
يعيد هذا النمط من حروب المياه إلى الأذهان أنماط مماثلة اُستخدمت في حروب دارفور عامي 2003 و2004 من قبل النظام السابق وقوات الدعم السريع نفسها (التي كانت تعرف باسم «حرس الحدود» في تلك الفترة). فقد خلصت، في العام 2009، الدائرة التمهيدية للمحكمة الجنائية الدولية إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن القوات الحكومية السودانية لوثت عمدًا الآبار ومضخات المياه في مناطق تقطنها مجموعات الفور والمساليت والزغاوة، بالتزامن مع أفعال أخرى عُدت ذات طابع إبادي، شملت القتل وفرض ظروف معيشية تهدد بقاء السكان.
فمنذ اندلاع الحرب الجارية منذ أبريل 2023، تحتل قضية المياه حيزًا كبيرًا في الصراع العسكري والسياسي كذلك، إذ جرى توظيف تاريخٍ طويل من النزاعات على الموارد والتغير المناخي والحرمان من الوصول إلى المياه سلاحًا في الحرب، وآلية للتحكم والسيطرة على الناس، لكن ذلك يتقاطع أيضًا مع بنية تحتية قديمة ومحدودة السعة، لطالما أذاقت المواطنين الويلات حتى ما قبل اندلاع الحرب الجارية.