في مدينة جوبا عاصمة جنوب السودان تتصاعد وتيرة التحركات السياسية منذ عدة أشهر، إذ تحاول أحدث دولة في العالم طي صفحة مريرة من الحروب الأهلية منذ استقلالها عن السودان قبل أكثر من 15 عامًا، بكتابة فصل جديد في تاريخها، وذلك عبر تنظيم أول انتخابات عامة من المقرر إجراؤها في ديسمبر المقبل، وسط تحديات عسكرية وسياسية واقتصادية تواجه هذا الاستحقاق الانتخابي الذي أجّل خمس مرات على مدى سنوات الاستقلال.
وتعد هذه المرة الخامسة التي يُعلن فيها عن إجراء انتخابات عامة في جنوب السودان منذ استقلالها، وسط تشكيك مراقبين من إمكانية إجرائها في ظل الظروف السياسية والعسكرية والاقتصادية المعقدة التي تواجه البلاد.
بدأت خطط إجراء الانتخابات في جنوب السودان في عام 2015. غير أنّ الحرب التي اندلعت في عام 2013 تسببت في تأجيلها، ليعلن عام 2018 موعدًا جديد للانتخابات، لكنها أجّلت إلى عام 2022، بعد التوقيع على اتفاق السلام المنشط، قبل أن تتفق الأطراف الموقعة على الاتفاق على تأجيل الانتخابات سنتين إضافيتين بسبب تعثر تنفيذ بنود الاتفاق، ليصبح الموعد الجديد عام 2024، قبل أن تؤجّل مرة أخرى إلى عام 2026 لذات الأسباب.
دفعت التطورات السياسية والعسكرية والضغوط الدولية دولة جنوب السودان، التي احتفلت بمرور 15 عامًا على استقلالها من السودان قبل أيام قليلة، بالمضي نحو إجراء انتخابات عامة. ومهدت لهذه الخطوة سلسلة من القرارات أصدرها الرئيس سلفا كير أحدثت تغييرات في هياكل الحكومة والحزب الحاكم في جوبا، فضلًا عن الهياكل العسكرية. وشملت هذه التغييرات التي بدأت بعد تجدد النزاع المسلح في البلاد في مارس 2025، تقديم النائب الأول لرئيس الجمهورية الموقوف رياك مشار إلى المحاكمة بتهم الخيانة العظمى والضلوع في الصراع المسلح.
رئيس دولة جنوب السودان سلفاكير ميارديت
وبحسب مراقبين، تأتي هذه الانتخابات التي أعلنت عنها جوبا، من أجل تعزيز الشرعية الدستورية والسياسية لحكومة الرئيس سلفا كير، وسط اضطرابات عسكرية وسياسية وانقساماتٍ داخلية. في وقت تحذر جهات إقليمية ودولية من عقبات قد تواجهها الانتخابات المقبلة، في حال أجريت كأمرٍ واقع دون تهيئة مناخ أمني وسياسي توافقي، ما قد يحول الاستحقاق الانتخابي نفسه إلى فتيل أزمة يشعل جولة جديدة من حرب أهلية شاملة، خاصةً مع تصاعد الاشتباكات العسكرية وتزايد جبهات القتال وانهيار اتفاقيات وقف إطلاق النار الدائم.
وفي هذا السياق، يقول الكاتب والسياسي الجنوب سوداني، جوردن وليم ميد، في إفادته لـ«بيم ريبورتس» إنه من الصعب، في الظروف الحالية، الحديث عن انتخابات تعبر عن الإرادة الشعبية إذا استمرت القيود السياسية ولم تُستكمل بنود اتفاق السلام. ويضيف ميد بأن أي انتخابات تُجرى في ظل استبعاد أو غياب قوى سياسية رئيسية ستواجه تساؤلات حول شرعيتها وقدرتها على إنهاء الأزمة السياسية.
ظروف غير مهيأة
يقول الباحث الجنوب سوداني أتيم سايمون لـ«بيم ريبورتس» إنه على الرغم من تأكيد الحكومة التزامها بإجراء الانتخابات في موعدها، فإن الواقع على الأرض يشير إلى أن البلاد ما تزال بعيدة عن تهيئة الظروف الفنية والسياسية والأمنية اللازمة لتنظيم انتخابات ذات مصداقية، مضيفًا: «الترتيبات الأمنية لم تكتمل، والمؤسسات الانتخابية تواجه تحديات مالية ولوجستية كبيرة، إلى جانب استمرار النزوح وضعف الثقة بين الأطراف السياسية».
ويوضح سايمون أن أيّ انتخابات تُجرى في ظل غياب أو تقييد دور رياك مشار ستواجه تساؤلات بشأن شرعيتها داخليًا وخارجيًا، «لأن مشار يمثل أحد الأطراف الرئيسة في اتفاق السلام. ولذلك يبقى احتمال التأجيل قائمًا بقوة، إن لم تُنجز الإصلاحات المطلوبة خلال الفترة المقبلة» – يردف سايمون.
ويُذكر أن مشار الذي جُمّد منصبه (نائب أول لرئيس الجمهورية) يخضع لمحاكمة بعد توجيه اتهامات ضده بـ«القتل والإرهاب والتآمر»، إثر هجوم على قاعدة عسكرية في مدينة ناصر بولاية أعالي النيل، في الثالث من مارس 2025. واتهم مشار وسبعة من كبار معاونيه بالمشاركة في الهجوم الذي أدى، وفق وزارة العدل في جنوب السودان، إلى مقتل أكثر من 250 جنديًا، فضلًا عن ضابط برتبة لواء وطيّار يتبع للأمم المتحدة. ومع ذلك يرى مناصرو مشار أن الاتهامات ملفقة.
وكانت أحداث ناصر قد اشتعلت بعد مهاجمة الجيش الأبيض، المحسوب على مشار، ثكنة «ويتش يراديو» العسكرية، وتمكّنه من طرد قوات الدفاع الشعبي الحكومية والسيطرة على الثكنة لأسابيع، قبل أن تستردها الحكومة بصعوبة.
ومثّلت هذه الأحداث نقطة تحول في مسار التهدئة، ونقلت الأحداث المحدودة والفردية بين الحكومة والمعارضة إلى حيزٍ جديد، تمظهر في مواجهاتٍ عسكرية شاملة، كما تسببت في موجات نزوح واسعة للمواطنين، مما فاقم الأزمة الإنسانية المتصاعدة في الأصل في ولاية أعالي النيل وجنوبها.
تحديات عسكرية واضطرابات أمنية
رياك مشار نائب رئيس دولة جنوب السودان
وثقت تقارير «آلية المراقبة وترتيبات الأمن الانتقالية» نحو 407 انتهاكات لوقف إطلاق النار في الفترة ما بين بين أغسطس 2025 ويناير 2026. وتضمنت هذه الخروقات معارك واشتباكاتٍ عسكرية مباشرة ما بين قوات الدفاع الشعبي لجنوب السودان (SSPDF) والجيش الشعبي لتحرير السودان في المعارضة (SPLA-IO) بقيادة رياك مشار.
ولم تتوقف الاشتباكات المسلحة بين الحكومة والمعارضة في يناير الماضي، بل استمرت، وأسفرت عن سيطرة متبادلة على المدن، وهو ما يعد مؤشرًا على تصاعد الصراع. ففي 15 يوليو 2026، أعلنت السلطات المحلية في ولاية جونقلي أن القوات الحكومية استعادت السيطرة على مدينة «لانكين» الإستراتيجية بمقاطعة «نيرول»، إثر معارك ضارية ضد قوات المعارضة (الجيش الشعبي في المعارضة بقيادة ناثانيال أويت).
وجاء هذا التطور الميداني بعد أقل من أسبوع من اغتيال المفوض المعيّن من قبل الحكومة في مقاطعة «أكوبو»، إثر هجوم شنته المعارضة على منطقة «والجاك».
ثقة مفقودة
ما تشهده دولة جنوب السودان ليس وليد اللحظة، بل له جذورٍ ترجع إلى لحظة استقلاله، والتعارض بين الفصيلين الرئيسين؛ حكومة جوبا الرسمية، بقيادة الرئيس كير، والتي تسيطر على المفاصل الأمنية والمالية للدولة، وتدفع باتجاه صناديق الاقتراع؛ ومن جهة أخرى المعارضة، بقيادة مشار، والتي تبدي رفضًا قاطعًا لإجراء الانتخابات بشكلها الحالي، وتصف الخطوة بالانفرادية والمخالفة لروح السلام، في ظل غياب الترتيبات الأمنية الضامنة لحياة قادتها ومصالح قواعدها الانتخابية.
وفي الآونة الأخيرة، عمد الرئيس كير إلى إجراء عددٍ من التعيينات والإقالات، ركّزت على مسؤولين وسياسيين ودستوريين محسوبين على المعارضة، من ضمنهم وزراء، وحكام ولايات، ونواب في البرلمان، ورئيس جهاز المخابرات. ففي 17 مايو الماضي، أصدر سلفاكير مرسومًا أقال بموجبه 47 مشرعًا ينتمون إلى حزب الحركة الشعبية لتحرير السودان في المعارضة، وذلك عقب انسحابهم من البرلمان في 11 مايو، احتجاجًا على تعديلاتٍ كانت مزمعة بشأن اتفاق تقاسم السلطة لعام 2018.
وفي المقابل، عيّن كير مشرعين ينتمون إلى الفصيل الذي يقوده وزير بناء السلام ستيفن بار كوال، والذي باتت إدارة كير تعترف به بوصفه شريكًا لها في السلام ومنافسًا لمشار، الأمر الذي عدّته المعارضة التفافًا على مبدأ (تقاسم السلطة). ووصلت التوترات ذروتها بفرض الإقامة الجبرية على بعض القادة العسكريين المقربين من مشار.
ويرى سايمون أن التعديلات التي يجريها الرئيس كير تأتي في سياق أمني وسياسي معقد، تفاقم منذ أحداث ناصر في العام الماضي، إذ تسعى القيادة في جوبا إلى إعادة ترتيب مراكز النفوذ داخل الدولة والجيش مع اقتراب الاستحقاقات السياسية وتصاعد المخاوف من هشاشة الوضع الأمني.
كما تعكس هذه التغييرات، بحسب سايمون، محاولة لإحكام السيطرة على المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية وضمان الولاء داخل هياكل الحكم، خاصةً في ظل التوترات داخل الحركة الحاكمة وتراجع الثقة بين أطراف اتفاق السلام. وترتبط بعض الإقالات والتعيينات كذلك بالتحضير لمرحلة الانتخابات وإدارة الضغوط الدولية المتزايدة على الحكومة بشأن تنفيذ اتفاق السلام المنشط والإصلاحات السياسية والأمنية.
ومن جهةٍ أخرى، يرى جوردن وليم، أن التعديلات التي أجراها كير تؤكد أن الحكومة ما زالت تدير الأزمة بعقلية تبديل الأشخاص، بينما تترك أسباب الأزمة كما هي. مضيفًا «عندما تتكرر التعديلات وتبقى الأزمة قائمة، فهذا يعني أن المشكلة أعمق من تغيير وزير أو قائد عسكري. المطلوب إصلاح سياسي شامل يعيد بناء مؤسسات الدولة على أساس الكفاءة والمساءلة، وليس إعادة توزيع المناصب داخل السلطة».
تحدياتٍ لوجستية وإقليمية
لا تقتصر العقبات أمام الانتخابات القادمة على التحديات العسكرية وحدها، إذ ثمّة معوقاتٍ إجرائية ومالية وخارجية تصعب تنظيم الانتخابات في موعدها. وتبرز من ضمن هذه التحديات الشلل المالي والفجوة التمويلية الكبيرة التي تعانيها المفوضية الوطنية للانتخابات، وهو ما صرح به رئيسها، أبينيغو أكوك كاكول ، قائلًا يتوفر 21 مليون دولار فقط، من أصل 250 مليون دولار يتطلبها تنظيم الانتخابات.
أبينيغو أكوك كاكول ، رئيس المفوضية الوطنية للانتخابات في جنوب السودان
كما يبرز أيضًا تحدي التعداد السكاني، إذ لم يُجرَ في جنوب السودان أي إحصاء رسمي منذ استقلاله في عام 2011. ومع موجات النزوح واللجوء الواسعة في البلاد، فإن عملية تحديد ورسم الدوائر الانتخابية تبدو صعبة للغاية، لا سيّما الجزء المتعلق بتحديد هوية الناخبين.
وبالإضافة إلى ما سبق، فإن الحرب في السودان تسببت في توقف صادرات النفط التي تعبر الأراضي السودانية، وذلك جراء تعطل خطوط الأنابيب ومناطق الإنتاج المرتبطة بالسودان، بما فيها المناطق القريبة من هجليج التي تأثرت بالمعارك وسيطرة «الدعم السريع» على أجزاء من تلك المناطق خلال مراحل مختلفة من الحرب، مما فاقم هشاشة الاقتصاد الجنوب سوداني وربطه بدرجة أوثق بتطورات الصراع في السودان.
وبذلك، فإن ما يقارب 76% من مدخلات النفط قد توقفت، وهو ما أثر بعمق في الاقتصاد المحلي، والمعاناة الاقتصادية لمواطني جنوب السودان، مع عجز الدولة عن الإيفاء بالتزاماتها، ودفع رواتب القطاع العام والجيش.
ويضيف سايمون أن الأزمة الاقتصادية تمثل أحد أبرز العوامل التي فاقمت التوترات السياسية والأمنية في جنوب السودان، مما أسهم في زيادة حالة الاحتقان داخل المجتمع ومراكز السلطة معًا.
أبيي خارج الدوائر الانتخابية
مع تحديد موعد الانتخابات، أعلنت المفوضية القومية للانتخابات في جنوب السودان عن اعتماد إدارية أبيي، المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان، دائرةً انتخابية ضمن (102) دائرة جغرافية لإجراء الانتخابات العامة.
ومن جانبها، رفضت الخارجية السودانية هذا القرار، وعدّته مخالفًا لبروتوكول أبيي الملحق باتفاقية السلام الشامل لعام 2005، واتفاقية الترتيبات الأمنية والإدارية المؤقتة لمنطقة أبيي الموقع عليها بين البلدين في عام 2011، والتي مهدت لصدور قرار مجلس الأمن رقم (2046) (2012) الذي يدعو إلى التفاوض بين البلدين بدون شروط للوصول إلى حل نهائي للوضع في أبيي.
ودعت الخارجية السودانية الأممَ المتحدة والمنظمات الدولية والإقليمية والدول الشقيقة إلى العمل من أجل تنفيذ ما اتُّفق عليه، ورفض أيّ تحركات أحادية خارج الأطر القانونية.
في المقابل، وبعد رفض الخارجية تضمين أبيي في الانتخابات العامة، شهدت المدينة، في 15 من يوليو الجاري، توتراتٍ واحتجاجاتٍ، رفع خلالها المحتجون شعاراتٍ ومطالب تؤكد حقهم في المشاركة السياسية والتصويت باعتبار المنطقة جزءًا من جنوب السودان. وأغلق المحتجون معابر رئيسة، علاوةً على التظاهر أمام مقر قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي (يونيسفا). في حين طالبت مبادرات وشخصيات في جنوب السودان الحكومة بالإعلان عن موقف رسمي واضح بشأن أبيي، إذ عدت المبادرة القومية لدعم الحل النهائي لقضية أبيي صمت السلطات في جنوب السودان مثيرة للقلق، داعيةً في الوقت ذاته إلى الدفاع عن حقوق سكان أبيي واحترام إرادتهم.
على الرغم من كل التحديات التي تحيط بهذه الانتخابات المزمع تنظيمها في ديسمبر المقبل، فإنها تكتسب أهمية كبرى كونها أول استحقاقٍ انتخابي عام في دولة جنوب السودان منذ استقلالها في عام 2011. غير أنها تأتي في ظروفٍ هشة عسكريًا وسياسيًا واجتماعيًا، وما بين تصورين نقيضين؛ تصوّر حكومة الرئيس كير التي تُصر على المضي قدمًا في الاستحقاق الانتخابي، واتهامات المعارضة التي تراها محاولة زائفة لتصوير الأوضاع وكأنها مستقرة، ولتعزيز الشرعية داخليًا وخارجيًا، علاوةً على الضغوط التي يفرضها المجتمع الدولي على الحكومة.