أعاد قرار حكومة جنوب السودان، في يوليو الجاري، بإدراج منطقة «أبيي» المتنازع على سيادتها رسميًا مع السودان، ضمن الدوائر الجغرافية في الانتخابات المزمع إجراؤها في ديسمبر المقبل، المنطقة الغنية بالنفط إلى واجهة الأحداث، ضمن نزاع قديم متجدد بين شمال السودان وجنوبه بشأن تبعيّتها، أطلقت شرارته الإدارة الاستعمارية البريطانية للسودان في عام 1905. 

وقالت الخارجية السودانية، في بيان، في 13 يوليو الجاري، إن خطوة جوبا تخالف بروتوكول أبيي الملحق باتفاق السلام الشامل لعام 2005 بين شمال السودان وجنوبه، بالإضافة إلى اتفاق الترتيبات الأمنية والإدارية المؤقتة لمنطقة أبيي الموقع عليه بين البلدين في عام 2011، داعيةً الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والإقليمية والدول الشقيقة إلى العمل من أجل تنفيذ ما اتُّفق عليه، ورفض أيّ تحركات أحادية خارج الأطر القانونية.

موقع أبيي ومكوناتها الاجتماعية 

تحتل أبيي موقعًا جغرافيًا مميزًا، إذ تحدها ولاية جنوب كردفان من جهة الشمال، وولايتي واراب والوحدة في جنوب السودان من جهة الجنوب. ويتشكل نسيجها الاجتماعي بدرجة أكبر من دينكا نقوك والمسيرية. وعاشت المنطقة ردحًا من الزمن في ظل تعايشٍ بين مكوناتها، غير أنّ ما أحاط بها من نزاعٍ على الأرض والمصالح السياسية المتضاربة، حوّلها إلى إحدى بؤر الصراعٍ المعقدة التي لم تنتهِ أو تحلّ جذوره بعد، وذلك لأسباب متعلقة بتاريخ المنطقة الاجتماعي واعتبارات هوية المكونات التي تقطنها، علاوةً على التقسيم الإداري منذ عهد الاستعمار البريطاني.

قرار بريطاني

في العام 1905، اتخذت إدارة الاستعمار البريطاني قرارًا، نقلت بموجبه المشيخات التسع التابعة لدينكا نقوك، من مديرية بحر الغزال بجنوب السودان إلى مديرية كردفان بشمال السودان، وذلك إثر تصاعد النزاعات والاحتكاكات بين مجموعات المسيرية ودينكا نقوك. وفي حين اتخذت الحكومة البريطانية هذا القرار في سبيل تسهيل إدارة الخلافات بين المجموعتين، عبر جمعهما في وحدة إدارية واحدة، فإن القرار كان سببًا في نزاعات مستمرة على المنطقة حتى اللحظة.

وقد اكتنف نقل مشيخات الدينكا إلى مديرية كردفان الغموض في عدة جوانب، إذ لم توضح سجلات الحكومة البريطانية ما إن كان النقل يتضمن حدودًا جغرافية جديدة للمشيخات، أم أنه نقل للمكون الاجتماعي (دينكا نقوك). علاوةً على أن الخرائط تضمنت العديد الملابسات المتعلقة بتسمية الأنهار والحدود الطبيعية. 

حربٌ أهلية واتفاق يعِد بحسم المسألة 

مع اندلاع الحرب الأهلية الأولى (1955 – 1972) بين شمال السودان وجنوبه، تصاعدت وتيرة النزاعات بشأن منطقة أبيي، واتخذت منحى أكثر عنفًا وتعقيدًا، خاصةً مع انضمام جزء من المسيرية إلى القوات الحكومية، في مقابل انضمام جزء من دينكا نقوك إلى حركة الأنانيا.

وفي عام 1965، بلغ النزاع ذروته في حادثة حرق 72 مدنيًا من دينكا نقوك، وهم على قيد الحياة، في مدينة بابنوسة، ليستمر بعدها تصاعد الاصطدامات، إذ اشتبك دينكا نقوك مع المسيرية في مناطق الرعي، مما أدى إلى فرار السكان من شمالي الإقليم ليصبح خاليًا.

صورة من اتفاق أديس أبابا، تجمع من اليسار إلى اليمين: أبيل أليز ممثِّل حكومة السودان، وهيلاسلاسي إمبراطور إثيوبيا ووسيط المفاوضات ومضيفها، وأزبوني منديري ممثِّل حركة تحرير جنوب السودان

مع انتهاء الحرب الأهلية الأولى في مارس 1972 بموجب اتفاق أديس أبابا، مُنحت أبيي وضعًا إداريًا خاصًا، مع وعد بتنظيم استفتاء تحدد وفقًا له ما إن كانت المنطقة ستُضم إدرايًا إلى الإقليم الجنوبي أم ستظل تابعة للشمال، لكن ذلك لم يحدث قط. وفي حين رأى مكون دينكا نقوك في الاتفاق اعترافًا بحقهم في تقرير مصيرهم، رأت فيه مكونات المسيرية تهديدًا لمصالحها المرتبطة بالرعي ومراحيل الماشية، لا سيّما مع اعتمادها على أبيي ممرًا لحركتها.

اتفاق نيفاشا وتجميد الخلاف مجددًا 

لم يصمد اتفاق أديس أبابا طويلًا أو يحقق سلامًا مستدامًا، فقد اندلعت الحرب الأهلية مرةً أخرى في 1983، وجاءت تداعياتها على أبيي أكثر عنفًا، مع تصاعد الصراعات المسلحة بين دينكا نقوك والمسيرية. 

ومن جانبٍ آخر، ألقى الصراع بين الحكومة والحركة الشعبية بظلالٍ وتعقيدات كثيفة على الصراع المحلي، في وقتٍ حظيت فيه أبيي بأهمية متزايدة مع اكتشاف النفط في محيطها في أواخر السبعينيات.

ومع بواكير مفاوضات السلام الشامل مطلع الألفية، والذي أنهى بحلول 9 يناير 2005 أطول حرب أهلية شهدتها القارة الإفريقية، برزت قضية أبيي ضمن قضايا المركزية. غير أنّ المشاورات بشأنها وصلت إلى طريق مسدود، مع تمسك كل طرفٍ برؤية مغايرة للمنطقة؛ إذ تمسكت الحكومة السودانية بتبعيتها للبلاد، في حين اتخذت الحركة الشعبية المسلك نفسه، متمسكةً بتبعيتها لجنوب السودان. 

وفي غياب حل نهائي، أُدرج بروتوكول خاص بأبيي ضمن اتفاق السلام الشامل في 2005، تضمن منح سكان المنطقة حق تقرير المصير عبر استفتاء كان من المقرر أن يجيء متزامنًا مع استفتاء جنوب السودان.

اتفاق السلام الشامل، من اليسار: علي عثمان محمد طه نائب الرئيس المخلوع عمر البشير، والراحل جون قرنق رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان

محاولة لترسيم الحدود

مع استمرار النزاع على الحق في ملكية أبيي وجغرافيتها، جاءت محاولة ترسيم الحدود، إذ كوّنت لجنة حدود أبيي، وضمت ممثلين من الحكومة والحركة الشعبية وخبراء دوليين، وكانت مهمتها الرجوع إلى قرار الإدارة الاستعمارية في 1905.

وفي ظل صعوبة البت في ذلك القرار بصورةٍ قاطعة، لجأت اللجنة إلى حلولٍ استندت إلى مبادئ تحقيق الإنصاف بدلًا من الاعتماد على الأدلة والمستندات التاريخية، مما أثار اعتراضاتٍ على قراراتها. ورأت الحكومة أنّ هذا النهج يمثل تجاوزًا من اللجنة لصلاحياتها، فيما كان القرار المتعلق بإدماج المنطقتين النفطيتين (هجليج وديفرا) ضمن حدود أبيي الأكثر إثارة للرفض الحكومي.

وبدلًا من أن تسهم اللجنة في تسوية الخلافات بشأن تبعية المنطقة، أدت قرارتها إلى تصاعد التوترات التي انتهت باندلاع اشتباكاتٍ مسلحة بين الحكومة والحركة الشعبية في مايو 2008. وأسفرت عن إحراق مساحات واسعة من أبيي، فضلًا عن نزوح أكثر من 60 ألف شخص. وفي ظل هذه المعطيات، اتفق الطرفان على إحالة النزاع إلى محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي.

التحكيم الدولي 

أصدرت محكمة التحكيم الدائمة، بعد قرابة العام من عملها، قرارًا نهائيًا بشأن حدود أبيي في يوليو 2009، إذ أقرت أولًا بما أثير من مزاعم بشأن تجاوز لجنة الحدود لصلاحياتها. ووفقًا لذلك أعادت المحكمة ترسيم الحدود، وقلصت مساحة المنطقة المتنازع عليها باستبعاد بعض الحقول النفطية شمال شرقي أبيي، وضمتها إلى ولاية جنوب كردفان.

قبلت كلٍ من الحكومة والحركة الشعبية بالحكم المبدئي للمحكمة، لكن النزاع المحلي على المنطقة لم ينته. فقادة المسيرية رفضوا القرار، باعتبار أنهم لم يمثّلوا بقدر كافٍ في إجراءات التحكيم. وعلاوةً على ذلك، واجه تنفيذ القرار على الأرض عقباتٍ كبيرة تمثلت في التهديدات الأمنية لفرق ترسيم الحدود. وحتى حلول منتصف 2011، لم يكن قد أنجز إلا قدر يسير من العمل.

تعقيدات مستمرة بعد استقلال جنوب السودان

مع تصويت جنوب السودان على استفتاء حق تقرير المصير في يناير 2011، وقبل بضعة أسابيع من إعلان الاستقلال رسميًا في 9 يوليو 2011، شهدت أبيي اشتباكاتٍ مسلحة عنيفة، وذلك عندما سيطر الجيش السوداني على المدينة في مايو من العام نفسه، مما تسبب في نزوح معظم المدنيين من دينكا نقوك إلى جنوب السودان.

وبعد تلك الأحداث، وقعت الحكومة السودانية والحركة الشعبية على اتفاق في 20 يونيو 2011، في محاولة لاحتواء الأزمة. وقضى الاتفاق بانسحاب الجيش وأيّ قواتٍ أخرى من المنطقة. وفي المقابل، نشر قوات أممية لحفظ السلام، وهي التي عُرفت لاحقًا بقوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي (يونيسفا). 

ومنذها، تتولى «يونيسفا» مسؤولياتٍ عدة في المنطقة، من ضمنها مراقبة الوضع الأمني، ودعم حماية المدنيين، والإشراف على المنطقة منزوعة السلاح، غير أنّ وجودها لم يؤدِّ إلى تسوية النزاع بشأن المنطقة، والذي ما يزال معلقًا حتى اللحظة.

قوات يونيسفا خلال إحدى دورياتها في أبيي

أعاد قرار إدراج منطقة أبيي ضمن دوائر الانتخابات المقرر إجراؤها في ديسمبر المقبل في جنوب السودان ورفض الخارجية السودانية من جانب آخر، إلى الواجهة نزاعًا على أكثر القضايا الخلافية بين الخرطوم وجوبا. فبينما تنظر الحكومة السودانية إلى الخطوة باعتبارها خرقًا للاتفاقات، ترى حكومة كير في خطوة إشراك سكان المنطقة في أول انتخابات عامة في تاريخ جنوب السودان استحقاقًا سياسيًا.

شارك/ي التقرير

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp

اشترك في نشرتنا الإخبارية الدورية

مزيد من المواضيع