في 20 يوليو، دخلت العقوبات الأمريكية المفروضة على السودان، إثر اتهامات للجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية، حيز التنفيذ، في خطوة رفضتها الخرطوم بشدة، قبل أن تصفها بأنها «أحادية وغير قانونية» وتفتقر إلى الأدلة.
وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إنها قررت فرض إجراءات بموجب قانون مكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية لعام 1991، بعد أن خلصت إلى أن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية في النزاع الداخلي الدائر منذ أبريل 2023.
وكانت وزارة الخارجية الأمريكية قد أعلنت رسميًا في مايو 2025 أنّ واشنطن توصلت إلى قناعة بأنّ الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية، وأبلغت الكونغرس بعزمها فرض العقوبات وفقًا للقانون الأمريكي.
حينها، قال الناطق الرسمي السابق باسم الجيش نبيل عبد الله، في تصريح لـ«بيم ريبورتس»، إن اتهام الولايات المتحدة للجيش مطابق لما وصفها بـ«مبرراتهم المضللة نفسها» قبل شن حربهم على العراق. مضيفًا أنّ «القوات المسلحة السودانية لا تستخدم مثل هذه الأسلحة المحرمة مطلقًا».
أول اتهام
يعود أول اتهام للولايات المتحدة إلى السودان باستخدام أسلحة كيميائية إلى عام 1998، حين قصفت واشنطن تحت إدارة الرئيس الأسبق بيل كلينتون مصنع «الشفاء» للأدوية في الخرطوم بحري، بذريعة إنتاجه سلائف كيميائية عسكرية.
بعد قصف مصنع «الشفاء»، طلبت الحكومة السودانية، قبل انضمام السودان لاحقًا إلى اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، من المنظمة المعنيّة التحقيق في الاتهام، لكنها رفضت لأن السودان لم يكن بعد دولة طرفًا، والتحقيقات تقتصر على الدول الأعضاء.
دمار مصنع الشفاء بعد قصفه بتاريخ 20 أغسطس 1998
حرب دارفور وتجدد الاتهامات
في عام 2016، اتهم تحقيق ميداني أجرته منظمة العفو الدولية الحكومةَ السودانية باستخدام أسلحة كيميائية في مناطق نائية بإقليم دارفور، مما أدى، وفق المنظمة، إلى مقتل 200 شخص، بينهم عشرات الأطفال.
اعتمد التحقيق على صور أقمار صناعية وأكثر من 200 مقابلة مع ناجين وتحليل خبراء لعشرات الصور، علاوةً على أنّ الباحثين قالوا إنهم وجدوا 56 شاهدًا على مزاعم استخدام الأسلحة الكيميائية في هجماتٍ شنتها القوات المسلحة على مواقع لحركة جيش تحرير السودان التي يقودها عبد الواحد محمد نور.
في المقابل، وصفت الحكومة السودانية آنذاك الاتهامات بـ«الافتراء الملفّق». فيما قال المتحدث باسم الخارجية السودانية، وقتها، قريب الله الخضر، إنّ المنظمة بنت تقريرها على معلومات خاطئة ومغلوطة، وذلك سعيًا إلى تشويه سمعة البلاد. وأشار الخضر حينها إلى أنّ بعثة حفظ السلام الدولية بالإقليم لم تُشِر مطلقًا إلى أمرٍ مماثل.
اتهامات حرب 15 أبريل
في أكتوبر 2024، نشرت «فرانس 24» تحقيقًا اعتمد على بيانات مفتوحة المصدر ولقطات من منصات التواصل الاجتماعي وتحليل خمسة خبراء، خلص إلى أنّ طائرات الجيش أسقطت برميلي غاز كلور قرب مصفاة الجيلي شمال الخرطوم.
وفي يناير 2025، نقلت «نيويورك تايمز» عن أربعة مسؤولين أمريكيين، طلبوا عدم الكشف عن أسمائهم، أن الجيش استخدم غاز الكلور مرتين على الأقل بموافقة مباشرة من قائده عبد الفتاح البرهان.
وفي أبريل 2025، قرر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، رسميًا، أنّ حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية خلال 2024. وعلى أساس هذا القرار، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية، في 22 مايو 2025، عقوبات دخلت حيّز التنفيذ في السادس من يونيو 2025، وشملت قيودًا على الصادرات الأمريكية والوصول إلى خطوط الائتمان.
رد فعل الخرطوم
وزير الخارجية السوداني محي الدين سالم
وفي أول رد فعل من الخرطوم، أصدر رئيس مجلس السيادة الحاكم في السودان وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان قرارًا بتشكيل لجنة وطنية للتحقيق، ضمّت ممثلين لوزارتيْ الخارجية والدفاع وجهاز المخابرات العامة.
وفي 26 يونيو 2026، أعلن المستشار الأمريكي الأول مسعد بولس أمام مجلس الأمن جولة عقوبات ثانية، على أساس أنّ الخرطوم لم تستوف متطلبات قانون مكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية لعام 1991. ودخلت حيّز التنفيذ في 20 يوليو 2026، وشملت حظر الدعم الأمريكي عبر البنوك متعددة الأطراف، وتشديد قيود التصدير، وتعليق تصاريح تشغيل شركات سودانية.
في يوليو 2026، طالبت واشنطن، عبر مندوبتها في المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية (الدورة 112 في لاهاي)، بإجراء تفتيش فوري، وشككت في استمرار عضوية السودان في المجلس التنفيذي للمنظمة نفسها.
وصفت وزارة الخارجية السودانية العقوبات الأمريكية بأنها أحادية وغير قانونية ومبنية على ادعاءات غير مثبتة، مؤكدة التزام السودان الكامل بالاتفاقية وتقديمه إقراراته الدورية.
وفي 16 يوليو 2026، جدد مندوب السودان لدى الأمم المتحدة موقف حكومة السودان الرافض لهذه العقوبات، أمام مجلس الأمن، مؤكدًا أنّ واشنطن لم تقدم دليلًا للسفارة أو للمنظمة.
العقوبات الأمريكية
المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية تامي بروس
تشمل العقوبات الأمريكية فرض قيود على صادرات السلع والتقنيات الأمريكية إلى السودان، وتعليق المساعدات الحكومية الأمريكية غير الإنسانية، ووقف بعض أشكال التمويل والائتمان الحكومي الأمريكي، مع الإبقاء على استثناءات تتعلق بالمساعدات الإنسانية وبعض المعاملات التي ترى واشنطن أنها تخدم مصالح الأمن القومي أو تفي بالتزاماتها الدولية.
وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية تامي بروس إن الإجراءات جاءت بعد استكمال المتطلبات القانونية وإخطار الكونغرس الأمريكي، مشيرةً إلى أن الولايات المتحدة تدعو الحكومة السودانية إلى وقف أيّ استخدام للأسلحة المحظورة والوفاء بالتزاماتها بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.
كما أشارت بروس إلى أنّ العقوبات لا تستهدف المساعدات الإنسانية الموجهة إلى المدنيين، في ظل الأزمة الإنسانية المتفاقمة التي يشهدها السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل/ نيسان 2023.
تأسيس منظمة حظر الأسلحة الكيميائية
منظمة حظر الأسلحة الكيميائية
تأسست منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW) عام 1997 عند دخول الاتفاق حيز النفاذ في 29 أبريل، ومقرها لاهاي بهولندا.
وانضم السودان إلى المنظمة في 16 مايو 1999، وذلك بعد نحو ثمانية أشهر من قصف مصنع «الشفاء» بالخرطوم بحري. وتضم المنظمة 193 عضوًا (تُستثنى مصر وكوريا الشمالية وجنوب السودان وإسرائيل).
وتُعدّ المنظمة هيئة حكومية دولية مستقلة عن الأمم المتحدة وإن كانت تتعاون معها، وحصلت على جائزة نوبل للسلام عام 2013. وتتألف من مؤتمر الدول الأعضاء، ومجلس تنفيذي يحوز السودان عضويته حاليًا، وأمانة فنية مخوّلة بالتفتيش الميداني والتحقق من الإقرارات.