في مواجهات مسلحة، تردد صداها في الخرطوم وأسمرا، تجدد القتال بين الجيش الإثيوبي الحكومي والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي في الأول من أغسطس الجاري، على الشريط الحدودي المشترك بين السودان وإريتريا وإثيوبيا، في جولة ثانية بعد اشتباكات وقعت في يناير الماضي. وتُعد الاشتباكات الحالية الأكبر منذ توقيع اتفاق «بريتوريا» للسلام بين الطرفين في نوفمبر 2022، وسط توترات جيوسياسية حادة تثير مخاوف من اشتعال الفوضى مجددًا في منطقة القرن الإفريقي.

وتجيء المواجهات الحالية في خضم اتهامات من الخرطوم لأديس أبابا بالسماح لقوات الدعم السريع باستخدام أراضيها منطلقًا لعملياتها العسكرية في إقليم النيل الأزرق ضد الجيش السوداني، إلى جانب استمرار التوترات في مثلث الفشقة التابع لولاية القضارف السودانية على الحدود الدولية مع إثيوبيا. 

ولم يصدر تعليق رسمي عن الحكومة الإثيوبية بعد اندلاع المواجهات، غير أنّ وزير الري الإثيوبي أبراهام بيلاي، الذي قاد الإدارة الانتقالية في إقليم تيغراي خلال الحرب، أكّد وقوع الاشتباكات، متهمًا قوات الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، بقيادة دبرصيون جبر ميكائيل، بأنها من بدأتها.

في المقابل، ردت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي على اتهامات الحكومة الفيدرالية الإثيوبية في بيان، لافتةً إلى أنّ الحكومة لم تلتزم بتنفيذ البنود الأساسية لاتفاق بريتوريا، بما في ذلك انسحاب القوات غير الفيدرالية من غرب إقليم تيغراي، حيث تدور الاشتباكات. وأشارت الجبهة في بيانها إلى أن قواتها تتحرك دفاعًا عن الإقليم في مواجهة محاولات الحكومة فرض واقع عسكري جديد على الأرض.  

ومع استمرار المواجهات منذها بوتيرة متقطعة، قال نائب رئيس الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، أمانويل أسيفا، لـ«فرانس برس»، في 11 أغسطس الجاري، إن  ضربة جوية بطائرة مسيّرة نفذتها الحكومة الإثيوبية في منطقة «ميريوا» جنوب تيغراي قرب الحدود مع إقليم أمهرة، أسفرت –بحسب مصدر طبي في مستشفى «أليماتا» تحدث إلى «فرانس برس» شرط عدم الكشف عن هويته– عن إصابة أربعة مقاتلين تيغراويين (امرأة وثلاثة رجال)، خضع اثنان منهم بالفعل لعمليات جراحية. 

كما ذكرت الجبهة، في بيان، أن الضربات استهدفت قوات تيغراوية «مخلّفة إصابات بشرية» دون تفاصيل إضافية، فيما لم يرد متحدث باسم الجيش الفيدرالي على طلب «فرانس برس» التعليق. وقال أسيفا إن الضربات طالت مدرسة ثانوية، وهو ما لم تتمكن «فرانس برس» من التحقق منه على نحو مستقل.

تطورات متوقعة وتغير خريطة التحالفات

مقاتلون من الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي – نيويورك تايمز

هذا التصعيد الإثيوبي الداخلي كان متوقعًا وفقًا للتطورات الجارية في الإقليم منذ أشهر، بما في ذلك تغيُّر خريطة التحالفات.

يقول الباحث في قضايا القرن الإفريقي والصحفي السوداني، عبد المنعم أبو إدريس لـ«بيم ريبورتس»، إن المواجهات التي اندلعت في شرق إقليم تيغراي الإثيوبي وغربه كانت متوقعة وفقًا للتطورات التي كانت تجري، من تصعيد في الخطابات بين حكومة الإقليم التي طردت الحكومة التي عيّنها رئيس الوزراء أبي أحمد وشكلت حكومة بديلة، وذلك إثر خلافات بين الطرفين بشأن تنفيذ اتفاق «بريتوريا» للسلام الذي أنهى الحرب في الإقليم. ويوافق ذلك ما ذهب إليه المحلل السياسي والصحفي الإريتري جمال همد الذي قال لـ«بيم ريبورتس» إن العديد من القضايا العالقة في الاتفاق تسببت في تجدد المواجهات بين الطرفين. 

ورأى أبو إدريس أنّ التوتر الحالي جاء في ظل تغير خريطة التحالفات، فإريتريا التي كانت حليفًا لحكومة أبي أحمد في الحرب السابقة، بات موقفها اليوم أبعد عنه، وأقرب إلى حكومة إقليم تيغراي. وأشار إلى أن الحكومة الفيدرالية الإثيوبية أعلنت، عقب اندلاع المواجهات مباشرة، أن قوات التيغراي حصلت على أسلحة من أسمرا.

اتهامات متبادلة تؤجج التوتر بين الخرطوم وأديس أبابا

الباحث في شؤون القرن الإفريقي والصحفي عبد المنعم أبو إدريس

أما بالنسبة إلى السودان، فيرى أبو إدريس، أن المشهد يُقرأ في ضوء الاتهامات المتبادلة بين الخرطوم وأديس أبابا، إذ تتهم الخرطوم الحكومة الإثيوبية بدعم قوات الدعم السريع في عملياتها بإقليم النيل الأزرق، علاوةً على إتاحة أراضيها لتنفيذ هجمات بالطائرات المسيّرة استهدفت مناطق مختلفة. وفي المقابل، تتهم أديس أبابا الجيش السوداني بمساندة قوات التيغراي التي تقاتلها، مما يجعل النزاع يدور هذه المرة في ظل تحولات جيوسياسية جديدة.

وقال أبو إدريس إن ردود أفعال الحكومة السودانية الظاهرة، حاليًا، اقتصرت على احتمال تدفق اللاجئين إلى داخل البلاد، مشيرًا إلى أن تطور المواجهات سيفضي حتمًا إلى تداعيات أمنية واقتصادية على السودان. 

ويعتقد أبو إدريس أنّ التأثيرات الأمنية تتمثل في كون الأرض منبسطة والحدود واسعة وغير مسيطر عليها، ما يمكن أن يحول الأراضي السودانية إلى منطقة انسحاب للمقاتلين، مما سيكون له أثر أمني في منطقة حدودية تعاني في الأصل من هشاشة أمنية. 

وفيما يتعلق بالجانب الإنساني، توقع الباحث في شؤون القرن الإفريقي تدفق اللاجئين هربًا من القتال، مما يشكل ضغطًا على السودان، إذ يتطلب إنشاء معسكرات جديدة في ظل اكتظاظ المعسكرات القائمة شرقي البلاد، موضحًا أن موجات طالبي اللجوء والتدهور الأمني سيكون له أثر اقتصادي في المنطقة التي تعتمد على الزراعة بالأمطار.

ويعتقد أبو إدريس أن هذه المواجهات قد تتحول، في حال تصاعدها، إلى حرب إقليمية في ظل التوتر الإثيوبي الإريتري واتهامات أديس أبابا لأسمرا بدعم التيغراي، مع الأخذ في الاعتبار مطالبات إثيوبيا بمنفذ بحري عبر إريتريا.

أما السودان، فمن المتوقع، في حال تصاعدت المواجهات، أن تتحول حدوده من ولاية كسلا حتى حدود إقليم النيل الأزرق مع جنوب السودان إلى ساحة لتحركات المسلحين، مما يخلق وضعًا أمنيًا معقدًا.

خلل باتفاق بريتوريا

المحلل السياسي والصحفي الإريتري جمال همد – الجزيرة

يعزو المحلل السياسي والصحفي الإريتري جمال همد التطورات العسكرية الأخيرة في بعض أجواء إقليمي تيغراي والأمهرا الإثيوبيين على الحدود السودانية-الإريترية-الإثيوبية إلى خلل في اتفاق «بريتوريا»، مشيرًا إلى وجود قضايا في الاتفاق لم تحل، وتركت معلقة لأن الطرفين كانا متعجلين لتوقيع الاتفاق، إذ كان البند الأول وقف إطلاق النار، وهذا ما حدث. 

وأوضح همد أن من بين القضايا المعلقة في الاتفاق علاقة الإقليم بالمركز، إلى جانب وضع الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي ما بعد الحرب، وتنظيم العلاقة بين حزب الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي والحكومة الإقليمية وكذلك مع الحكومة المركزية. فقد تُركت جميع هذه القضايا، وقضايا أخرى، معلقة.

وأشار همد إلى أن الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي انقسمت إلى قسمين، إزاء الاتفاق، فهناك قسم يؤيده بالكامل، وقسم لديه تحفظات وهو الذي يقود حاليًا الحكومة والحزب في تيغراي، مضيفًا: «لذلك كان من الطبيعي وقوع هذه المواجهات، سواء في الوقت الحالي أو فيما بعد، لأن الوضع غير المستقر بين الإقليم والحكومة المركزية قطعًا كان سيؤدي إلى هذه المواجهات الجارية».

ويتداخل الصراع في تيغراي مع جوار غارق في الأزمات وعلى خلافات عميقة مع أديس أبابا. 

ويقول همد إن أسمرا فاعل أساسي في تسعير هذا الخلاف الدائر في إثيوبيا وصولًا إلى الصدام الحالي، وذلك بدعمها مجموعة «الفانو» في إقليم أمهرا والحكومة الإقليمية في تيغراي بالتسليح والتدريب وتقديم كل المساعدات اللوجستية إلى الأطراف المناوئة لحكومة رئيس الوزراء أبي أحمد، بسبب الخلاف بين أسمرا وأديس أبابا.

وبحسب همد، فإن أسمرا تضطلع بدور المعبر للدعم المقدم من دول الجوار (السودان ومصر) إلى الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي.

وحذّر همد من التداعيات المباشرة لتوسع الحرب على إريتريا التي قال إنها تعاني في الأساس تدهورًا اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، مما يعني مزيدًا من عسكرة المجتمع الإريتري. 

وفي خضم هذه المخاطر، لم يستبعد المحلل السياسي والصحفي الإريتري انخراط أسمرا في الصراع مباشرة في حال توسعت الحرب التي تجري على مقربة من حدودها، لافتًا إلى وجود الجيش الإريتري حاليًا في بعض مناطق إقليمي أمهرا وتيغراي، ومشيرًا إلى أنه لم ينسحب منذ الحرب الأخيرة التي دارت بين الطرفين بين عامي 2020 – 2022.

ورأى همد أن هذا الوضع يمكّن الرئيس أسياس أفورقي من تشديد من قبضته الداخلية، ويتيح له كذلك قدرًا من التحكم في الدعم المقدم إلى الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، مشيرًا في هذا الصدد إلى زيارات متبادلة بين أسمرا والخرطوم والقاهرة، قال إنها عملت على خلق أجواء مناسبة لاندلاع هذه الصدامات بين الحكومة المركزية وإقليم تيغراي.

وبشأن المخاوف من توسع الصراع في منطقة القرن الإفريقي، أكد همد أن المواجهات حتى الآن محدودة، لكنها قد تتوسع عبر مزيد من الدفع من الإقليم، أو قد تتوقف في هذه المرحلة، مؤكدًا أنها مرحلة لاختبار قدرات الطرفين.

ورجّح همد بأنّ رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد لن يتوقف، بسبب أن الوضع الحالي يُعد عامل تهديد لسلطته ويمثل عدم استقرار في إثيوبيا عمومًا، لأن إقليمي أمهرا وتيغراي يمثلان نحو 30% من عدد السكان، لذا يبدو من المهم بالنسبة إليه حسم هذا الوضع، خاصة بعد فوزه في الانتخابات الأخيرة بنسبة عالية جدًا، ما يمثل بداية لهيمنة حزب «الازدهار» على إثيوبيا والتقليل من الظل الولائي، وهي السلطات التي تُمنح للأقاليم، مشيرًا إلى أن هناك تفكير بإلغاء المادة 39 من الدستور التي تقول بحق تقرير المصير للقوميات، وسحب السلطات من الأقاليم لمصلحة المركز.

في المقابل، يقول همد إن الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي اكتسبت خبرة عسكرية وجيوش مقاتلة، ولن تسمح لرئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد بالاستمرار في نزع صلاحيتها وفي تحجيم الإقليم، خاصة أنها حكمت البلاد بالتحالف الشكلي مع بعض الأقاليم لأكثر من 25 عامًا، ما يبقي الوضع معقدًا. وأضاف أن تحسن العلاقات السودانية-الإثيوبية-المصرية سيفضي إلى تجحيم الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، وما لم يحدث ذلك، فسيستمر الوضع على ما هو عليه، خاصة بالنظر إلى علاقات إثيوبيا المميزة بدولة الإمارات، وهذا ما يقلق الحكومة السودانية.

مقتل لاجئين إثيوبين داخل الأراضي السودانية

لاجئات إثيوبيات في السودان – فرانس برس

وكانت معتمدية اللاجئين التابعة لوزارة الداخلية السودانية قد ذكرت، في بيان أصدرته في الثاني من أغسطس الجاري، إن مواجهات اندلعت بين الجيش الإثيوبي وقوات إقليم تيغراي، بتاريخ 31 يوليو الماضي، في منطقة الشريط الحدودي بين السودان وإثيوبيا، أدت إلى سقوط مقذوفات داخل عدد من معسكرات اللاجئين، مما أسفر عن وقوع عدد من الوفيات والإصابات وسط اللاجئين الإثيوبيين. 

وأكدت معتمدية اللاجئين أنها تتابع بقلق بالغ هذه الأحداث. وأفادت بأن الشريط الحدودي يُعد منطقة عبور واستقبال لطالبي اللجوء القادمين من دولة إثيوبيا، وأن استمرار الحشود العسكرية من شأنه أن يؤدي إلى تدفق مزيد من اللاجئين، ويزيد من المخاطر الأمنية والإنسانية.

ودعت معتمدية اللاجئين المجتمعين الدولي والإقليمي، والأمم المتحدة، والمنظمات الإنسانية، إلى القيام بواجباتهم الأخلاقية والإنسانية، بما يعزز السلم والأمن في المنطقة، ويضمن حماية اللاجئين. كما دعت إلى توفير الاحتياجات الإنسانية العاجلة، منعًا لتفاقم الأوضاع الإنسانية وتعقيدها.

مع تبادل الاتهامات بين السودان وإثيوبيا من جهة بدعم الجماعات المسلحة في كل بلد، وإريتريا وإثيوبيا من جهة أخرى، واستمرار أعمال العنف في إقليم تيغراي تتزايد مخاطر الصدام في منطقة القرن الإفريقي. كما أن طموحات أديس أبابا في الحصول على منفذ بحري عبر أسمرا تزيد من التوترات، بالإضافة إلى استمرار الدفع من إقليم بتعميق الصراع الإثيوبي يمثل حلقة أخرى من عدم الاستقرار. ومع ذلك يعتقد محللون أن انهيار الأوضاع في منطقة القرن الإفريقي رهين بتصاعد وتوسع المواجهات.  

شارك/ي التقرير

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp

اشترك في نشرتنا الإخبارية الدورية

مزيد من المواضيع