في مطلع مارس الماضي، رصد فريق المرصد نشاطًا متصاعدًا لحسابات مصرية في ترويج محتوى يستهدف اللاجئين، موظفةً وسومًا مثل «#نعم_لطرد_اللاجئين_من_مصر»، و«مصر_للمصريين»، و«#اطردوا_الهكسوس»، بالتزامن مع انتشار محتوى يحرّض ضد اللاجئين على نطاق واسع. ولم تكن هذه الحملة الأولى من نوعها، لكنها تتميّز باعتمادها المكثف على المحتوى البصري سريع الانتشار.
ويأتي ذلك في أعقاب تزايد أعداد اللاجئين في مصر، جراء الحرب في السودان، فقد استقبلت مصر أكثر من 1.5 مليون سوداني منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. في حين بلغ عدد اللاجئين وطالبي اللجوء السودانيين المسجلين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر نحو 726 ألف شخص بحلول يونيو 2025، مما يجعلها من أكبر الدول المستضيفة للسودانيين.
كانت مصر تستضيف بالفعل أعدادًا كبيرة من اللاجئين وطالبي اللجوء قبل اندلاع الحرب السودانية، ومن دولٍ عديدة، أبرزها: سوريا، وجنوب السودان، وإريتريا، وإثيوبيا، واليمن، والصومال، والعراق. وظلت لسنوات إحدى أبرز دول المنطقة استضافةً للاجئين.
وتزامنًا مع تزايد أعداد السودانيين في مصر، انطلقت حملات واسعة على منصات التواصل الاجتماعي ضد اللاجئين في مصر. وكانت الحملات تنشط وتهدأ وفقًا للتطورات على الأرض، وتتنوع في محتواها، فبعضها يرفض فكرة وجود اللاجئين في مصر في المطلق، في حين يحرض بعضها على العنف ضدهم، وتحمّل معظمها اللاجئين مسؤولية تدهور الأوضاع الاقتصادية والغلاء.
منهجية الرصد والتحليل:
بحث فريق المرصد باستخدام الكلمات المفتاحية وتتبع الوسوم المشتركة، لرصد نشاط الحملة والوقوف على أهدافها. ولاحظ جملة من الوسوم المشتركة المستخدمة في الحملة، مثل «#ترحيل_جميع_اللاجئين_مطلب_شعبي»، و«مصر_للمصريين»، و«اطردوا_الهكسوس»، و«#نفوض_الجيش_بترحيل_اللاجئين».
ورصد الفريق عشرات الحسابات والصفحات النشطة في الحملة على العديد من منصات التواصل الاجتماعي، أبرزها «فيسبوك» و«إكس» و«تيك توك»، والتي تعد من الأكثر تداولًا للمحتوى الذي يستهدف اللاجئين عمومًا والسودانيين بالأخص.
وتتميّز جميع هذه الحسابات بأنماط واضحة ومتشابهة، إذ تركّز على نشر محتوى ضد اللاجئين أو تعيد نشر محتوى يدعم الجيش المصري والأجهزة الأمنية، كما تستخدم وسومًا مشتركة مع أيّ منشور. وتحمل معظم هذه الحسابات أسماء فرعونية أو تضع صورًا ورموزًا فرعونية أو العلم المصري. وتردد دائمًا بأنّ مصر فرعونية وأنها للمصريين فقط، ولا يحق لغيرهم البقاء فيها. وهو نمط ثابت وواضح في جميع الحسابات النشطة في الحملة. كما تتفاعل هذه الحسابات على نحو لافت بعضها مع بعض، بإعادة نشر المحتوى أو مشاركته مع تعليق.
توسّع نطاق وصول محتوى الحملة، وامتد إلى جمهور واسع، ليس فقط بإعادة تدويره عبر حسابات الحملة، بل بانتهاج نمط آخر أيضًا، يتمثل في إنشاء مجموعات كبيرة على «فيسبوك» لنشر المحتوى، مثل مجموعة «معا لطرد اللاجئين والمستوطنين من مصر» و«ترحيل اللاجئين مطلب المصريين»، مما أسهم في وصول محتوى الحملة إلى جمهور أوسع.
ما الذي يميّز هذه الحملة؟
هذه الحملة ليست الأولى من نوعها ضد اللاجئين السودانيين في مصر، وغيرهم من الجنسيات. غير أنّها تتميّز عن غيرها من الحملات باعتمادها المكثف على المحتوى البصري سريع الانتشار، وفي مقدمتها الصور الساخرة (الميمات) والمقاطع المصمّمة للسخرية أو إثارة المشاعر السلبية تجاه اللاجئين، ووصم اللاجئين السودانيين بالأخص بأوصاف مشينة، إلى جانب اتهامهم بالإجرام والتعدّي، من غير أسانيد أو أدلة واضحة.
وساهمت هذه المواد في توسيع نطاق الوصول الرقمي للحملة، عبر إعادة النشر والمشاركة على منصات التواصل الاجتماعي، مما عزز من انتشار الخطاب التحريضي خارج الدوائر الأصلية التي أنتجته.
ولاحظ فريق المرصد انتشار مكثف للمحتوى العدائي الذي يربط اللاجئين بمشكلات اقتصادية وأمنية واجتماعية، على نحو متكرر ومنسّق، مع اعتماد واسع على معلومات مضللة أو ادعاءات غير موثقة جرى تداولها على أنها حقائق، إذ وظفت الحملة أحداثًا وتطورات إقليمية مختلفة، وأعادت تأطيرها على نحو يربطها باللاجئين، بهدف تغذية الخطاب العدائي وتعزيز مشاعر القلق والرفض لدى الجمهور المستهدف.
نمط الاستهداف وآليات الانتشار:
نشطت حسابات الحملة في نشر محتوى يهاجم اللاجئين بشدة، ودعت باستمرار إلى طردهم وعدم استقبالهم. كما عمدت الحسابات إلى ترويج خطابات «القومية المصرية» وأن مصر للمصريين فقط، رافضة توطين أو استقبال أيّ لاجئ. وشملت هذه الحملة الفلسطينيين والسوريين، لكن نشاطها الأساسي كان موجهًا ضد السودانيين في مصر، على اختلاف أوضاعهم القانونية.
كانت الحملة كبيرة وواسعة، واعتمدت على النشر على منصات التواصل الاجتماعي المختلفة لترسيخ هذه الفكرة، عبر توظيف وسوم معينة صارت سمة مشتركة بين جميع الحسابات وعنصرًا أساسيًا في المنشورات التي تدعم حملة طرد اللاجئين. كما أسهمت الحملة في تدوير سرديات ضد اللاجئين عبر نشر صور ومقاطع فيديو مجتزأة من سياقها الأصلي لدعم سرديّتها، ونشر محتوى مضلل وتحريضي لتروج مزاعم بأن اللاجئين يشكّلون تهديدًا لمصر.
أبرز المنصات التي شهدت تداولًا واسعًا لمحتوى الحملة هي منصة «إكس»، إذ رصد الفريق حسابات كثيرة على المنصة، تنتهج النشر الدوري المكثف لمحتوى ضد اللاجئين، موظفةً وسومًا عديدة وفقًا لمقتضيات السياق، لكن موحدة بين الحسابات.
وفي المرتبة الثانية تأتي «فيسبوك» التي شهدت أيضًا تداولًا واسعًا لمحتوى الحملة، لا سيّما على مجموعات أنشئت خصّيصًا لهذا الغرض، إذ تحمل أسماء تدعو إلى طرد اللاجئين وترحيلهم. وتضم المجموعة الواحدة آلاف الأعضاء، مما يوسّع نطاق التداول وييسّر نشره ويسّرع وصوله إلى جمهور أوسع.
أمّا منصة «تيك توك»، فتأتي في مرتبة أقل، وتعتمد فيها الحسابات على نشر مقاطع فيديو تدعم سردية الحملة مع مطالبات بطرد اللاجئين.
تُداولت كثير من المواد في سياق الحملة ضد اللاجئين، ولا سيّما السودانيين، منها مقاطع فيديو مضلّلة وصور مجتزأة من سياقها الأصلي، بهدف تشويه صورة السودان وسمعة اللاجئين السودانيين، في محاولة للإيحاء بأنهم خطر على مصر.
وفي هذا السياق، نشر حساب «Mohamed Nazeem Elmenana» صورةً تُظهر أفرادًا بزي الشرطة السودانية، مع ادعاء بأنّ الحكومة السودانية سمحت بدخول لاجئين أفارقة إلى مصر مع السودانيين، وعندما أرادوا العودة إلى السودان منعتهم من الدخول. في حين نشر حساب «Mona Abdelwahab 🇪🇬🇪🇬» مقطع فيديو يُظهر أفرادًا بالزيّ العسكري، مع ادعاء بأنهم سودانيون ضمن الجيش الإسرائيلي.
وتداولت بعض الحسابات محتوى يتضمن تحريضًا ضد السودانيين. فقد نشر حساب «Talaat Mohamed Hemaya» في مجموعة «مصر للمصريين» على «فيسبوك» منشورًا يتضمن ما وُصف بأنه نبوءة تاريخية منسوبة إلى الملك الفرعوني رمسيس الثاني، مفادها أنّ «الخيانة تأتي من الجنوب»، في إشارة إلى السودان، مع تعليق بضرورة طرد اللاجئين السودانيين والسوريين من مصر. وشارك حساب «طه الخطيب الخطيب» مقطع فيديو مع عنف لفظي وهجوم حاد على السودانيين، ومناشدة لرئيس الجمهورية بضرورة طردهم.
لاحظ فريق المرصد تركيز بعض الحسابات على ترسيخ سردية معينة، منها حساب الكاتبة «سحر غريب»، إذ تنشر باستمرار عن خطورة اللاجئين، لا سيّما السودانيين، وتزعم أنهم جاؤوا لتهديد أمن مصر، وتنادي بطردهم. وقد نشرت مقطع فيديو لسوداني، محذّرةً المصريين من اللاجئين السودانيين، وداعيةً إياهم إلى الامتناع عن تأجير العقارات لهم، قائلةً إنهم أتوا ضمن مخطط لنقل الحرب إلى مصر. كما حذّرت من خطر السودانيين القادمين من مناطق الحرب، وربطتهم بمخطط لشنّ حملة اغتيالات في مصر، مستشهدةً بادعاء بأنّ جميع الاغتيالات التي جرت في إيران كانت على يد «جواسيس» دخلوا إيران بصفتهم لاجئين. كما سعت إلى تأويل تعليقات بعض السودانيين على منشوراتها، ووظفتها في دعم سرديتها القائلة بأنّ لجوء السودانيين إلى مصر يأتي ضمن مخطط مرسوم لنشر الفوضى في البلاد.



رصد فريق المرصد كذلك انتشار خطاب ذي طابع أمني ضد اللاجئين، وخاصةً السودانيين، إذ صوّرهم بأنهم مهدد أمني للبلاد، مما يُعدّ تبريرًا لأيّ فعل عدائي أو عنيف تجاههم، ولأيّ سياسات تصدر بحقهم في إطار الحفاظ على الأمن القومي المصري.
وفي هذا السياق، نشر حساب «Magy tahon🇪🇬✌️» لقطات لمنشورات سودانيين بشأن عملهم واندماجهم في المجتمع المصري، محذّرةً من أنّ أيّ خلل أمني في مصر سيكون سببه السودانيون.
ونشر حساب «تحتمس الثالث» مقطع فيديو لوزيرة التعليم العالي السودانية السابقة انتصار صغيرون، تتحدث فيه من منظور علمي تاريخي عن علاقة السودان بمصر، لكن الحساب حوّر حديثها في محاولة للإيحاء بأنّ هدف السودانيين هو احتلال مصر، وأنهم يشكلون تهديدًا للأمن القومي.
وفي السياق ذاته، نشر حساب «Mohamed Aly Taha» منشورًا حذّر فيه مما وصفه بخطر تقسيم مصر، بسبب تزايد أعداد اللاجئين، وزعم أنّ عددهم بلغ 20 مليونًا، مشيرًا إلى احتمال مطالبة الأجيال القادمة منهم بحقوقهم داخل البلاد. ورأى أنّ تنوع جنسياتهم وخلفياتهم قد يفضي إلى نشوء طوائف وأقليّات تتركّز في مناطق محددة، ما قد يهيئ، بحسب تصوره، لسيناريوهات انفصالية مستقبلًا. وفي ختام منشوره، دعا الحكومة إلى ترحيل اللاجئين لتجنب هذا السيناريو.
وبالتوازي، نشطت حسابات على منصة «إكس» في نشر محتوى يربط السودانيين بالجريمة والفوضى. وفي هذا السياق، نشر حساب «Magy tahon🇪🇬✌️» مقطع فيديو يُظهر اشتباكًا بالأيدي بين عدد من الأشخاص، مدعيًا أنهم سودانيون. وأضاف أنّ سلوك السودانيين يتسم بالفوضى، وأنّ وجودهم بات يشكّل خطرًا على المجتمع المصري.
كما حمّلت حسابات على منصة «إكس» السودانيين مسؤولية التسبب في أزمات تؤثر في المجتمع المصري. وفي ما يتصل بقطاع التعليم، شارك حساب باسم «Idon Simhon» أُنشئ في أكتوبر 2022، منشورًا يتضمن بيانات عن نتائج طلاب سودانيين مقبولين في كلية الطب في جامعة أسيوط، تتضمن «رسوب 339 طالبٍ من أصل 350 طالب» – بحسب الادعاء. وعلّق صاحب الحساب على هذه النتائج قائلًا إن مستقبل الطب في مصر سيصبح مرهونًا بسودانيين دون المستوى، مع إساءات في حقهم.
ونشر حساب «Sherin Helal» مقطع فيديو يُظهر سودانيين زُعم أنهم يؤدون النشيد الوطني السوداني في جامعة المنصورة، وعلّق مستنكرًا بأنّ الأولى إنشاده في الخرطوم، وأنّ مصر ليست واحة سودانية، مع وسم «#مصر_للمصريين_مش_تكية». كما حملت التعليقات تحذيرات من خطورة هذه «المخططات» على المجتمع المصري. وتجدر الإشارة إلى أنّ الفيديو قديم، نُشر لأول مرة في أبريل 2023، عقب اندلاع الحرب في السودان بعشرة أيام فقط.
لاحظ فريق المرصد نمطًا تضليليًا في الحملة، محوره ترويج أنّ الدولة المصرية تنفق على اللاجئين، لا سيّما السودانيين، وأنهم عالة على المجتمع، مع تنديد بدور المفوضية لأنها تمنح السودانيين أموالًا.
وفي هذا الإطار، نشر حساب «Emad Seliem» تصريحًا على لسان وزير الخارجية المصري بأنّ مصر لن تتحمل أعباء اللاجئين دون دعم أوروبي. وعلّق الحساب قائلًا إن عدد اللاجئين السودانيين وصل إلى 10 ملايين، بالإضافة إلى ستة ملايين لاجئ سوري وفلسطيني، فضلًا عن بقية الجنسيات، مضيفًا أنهم يشكّلون عالة على الحكومة، في أكلهم وشربهم على حسابها، وداعيًا إلى طردهم للتخفف من هذا العبء.
ونشر حساب يحمل اسم «الاديب / خالد محرم» صورة قرار بزيادة الضرائب على تذاكر البصات السفرية في السودان. وعلّق الحساب على القرار بأنّ الحكومة السودانية زادت رسوم دخول المواطنين إلى السودان بنسبة 400%، لإثنائهم عن العودة من مصر، ما يعني بقاءهم ليعيشوا عالة على مصر، بحسب تصوّره.
كما انتشرت سردية تزعم أنّ المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تمنح السودانيين مبالغ مالية كبيرة. وفي هذا السياق، نشر حساب «مــد(🇪🇬مـصـر🇪🇬)نــيــة» وهو حديث نسبيًا، أُنشئ في مارس 2025، صورًا لمحادثة بين مواطنين فلسطينيين ادّعوا فيها أن السودانيين يتلقون مساعدات شهرية من المفوضية تتراوح بين 400 و500 دولار ، وأنهم يسعون إلى التسجيل لدى المفوضية للحصول على المبالغ نفسها.
ورصد فريق المرصد مؤشرات على التنسيق الرقمي بين حسابات الشبكة، مثل:
- تكرار الرسائل نفسها؛
- إعادة تدوير المحتوى؛
- تضخيم الوسوم عبر حسابات مرتفعة النشاط.
ولاحظ الفريق اعتماد الحملة على آلية لتضخيم المحتوى بهدف توسيع نطاق انتشاره ودعم خطط الحملة وتحقيق أهدافها، إذ تعمل مجموعة من الحسابات على نشر محتوى الحملة ومشاركته والتفاعل مع حسابات الحملة، لا سيّما على منصة «إكس».
ورصد الفريق حسابًا يحمل اسم «المستشار/على البربري» على منصة «إكس» يتفاعل مع أحد حسابات الحملة، وهو حساب «Dr.Nada»، أكثر من غيره، عبر مشاركة المنشورات ضد اللاجئين. ولم يكتفِ بالتفاعل مع هذا الحساب فقط، بل كان يعمل بانتظام على إعادة نشر منشورات ضد اللاجئين السودانيين من حسابات تحمل ذات السمات التي تتسم بها حسابات الشبكة التي تتصدر هذه الحملة.





كما لاحظ الفريق أنّ حسابًا باسم «Khaled Darwish» أنشئ في أكتوبر 2021، يتفاعل بانتظام مع منشورات حسابات الحملة ضد اللاجئين، لا سيّما السودانيين، عبر التعليق عليها وإعادة نشرها. ويختلف عن الحساب السابق في أنه يقتبس هذه المنشورات ويعلّق عليها، في محاولة لتضخيم المحتوى وتعزيز السردية. وتتّسم تعليقاته بالحدة والعنف ضد اللاجئين، خاصةً السودانيين.
كما لاحظ فريق المرصد أنماطًا أخرى من التنسيق وإعادة تدوير المحتوى انتهجتها حسابات الحملة، تركزت في مجموعات على «فيسبوك» تنشط في نشر محتوى ضد اللاجئين. وعلى سبيل المثال أعاد حساب «Ahmed X Belack» وهو قديم نسبيًا أنشئ في 2014، في مجموعة «معا لطرد اللاجئين والمستوطنين من مصر» مشاركة منشور يستهدف اللاجئين السودانيين نشره حساب آخر على مجموعة «ثــورةضـدالـمـحـتـلـيـن🇪🇬مـصـرلـلـمـصـريـيـن». في حين شارك حساب باسم «مرمر محمد» على مجموعة «أنقذوا مصر يا مصريين» -وهو مشرف على نفس المجموعة- مقطع فيديو نُشر على مجموعة «وزارة الداخلية المصريه 🦅🇪🇬🇪🇬» تُظهر سوداني يتجادل مع مصريين في بناية سكنية.
توقيت الحملة وسياقها:
لا يمكن قراءة التطورات الأخيرة في الحملة ضد اللاجئين في مصر بمعزل عن الموقف السياسي والإعلامي العام والتطورات الجيوسياسية في المنطقة، والتي أسهمت، بطريقة أو أخرى، في زيادة حدة الحملة وانتشارها، فقد هيأت مناخًا مشحونًا بالتوترات والمحفزات التي استغلتها الحملة.
ونستعرض في هذا القسم أبرز المحفزات الزمانية والسياقية التي أسهمت في انتشار محتوى هذه الحملة وأكسبتها كل هذا الزخم.
البعد الزمني مع التطورات الإقليمية:
في الوقت الذي بدأت فيه الحملة نشاطها ضد اللاجئين والمهاجرين، برزت تحركات احتجاجية وموجات عنف وخطاب معادٍ للأجانب في أكثر من منطقة. ففي جنوب إفريقيا، قادت حركات شعبية احتجاجات واسعة ضد المهاجرين غير النظاميين، صاحبتها في بعض الأحيان أعمال عنف واعتداءات وحوادث حرق لمساكن المهاجرين.
وفي تونس أيضًا، تصاعد النقاش العام بشأن الهجرة غير النظامية، خصوصًا عبر مسارات العبور نحو أوروبا. أمّا في ليبيا، فقد استمر وضع المهاجرين غير النظاميين في التدهور بسبب هشاشة الأوضاع الأمنية وتعدد الجهات المسيطرة، مما أدى إلى تفاقم حوادث الاحتجاز والمعاملة غير الإنسانية في بعض مراكز الإيواء، بالإضافة إلى توترات اجتماعية في بعض المناطق بين السكان المحليين والمهاجرين.
ومستفيدةً من هذا السياق المضطرب، عملت الحملة على نشر محتواها. فقد لاحظ فريق المرصد أن عددًا من الحسابات النشطة في الحملة ثمّنت جهود هذه الدول في ترحيل اللاجئين من بلادهم، وعدّتها مؤشرًا على الوطنية والمحافظة على هذه البلدان من «الغزو». واستغلت الحملة الحديث المطرد عن اللاجئين في نشر محتواها، مما أسهم في تضخيم المحتوى.
الأفروسنتريك ونشاط الحملة:
رصد الفريق في نشاط هذه الحملة توظيفًا لكل المتغيرات السياسية والفكرية التي تشغل الرأي العام في وقت نشاطها. ففي الوقت الذي تناولت فيه مفاهيم الغزو الأجنبي لمصر ووجود أعداد كبيرة من اللاجئين الأفارقة والسودانيين وأثرهم السلبي في البلد، ربطت الحملة بين وجود اللاجئين الأفارقة وبعض الأصوات المنادية بـ«الأفروسنتريك» أو (المركزيّة الإفريقية)، وهي تيار فكري نشأ بين بعض المفكرين الأفارقة، لتسليط الضوء على الهوية الإفريقية وإبراز دورها الحضاري. وعدّت الحملة الوجود الإفريقي في مصر امتدادًا لهذا التيار.
كما روّجت الحملة محتوى تحريضي ضد اللاجئين، ولا سيّما السودانيين، مستندةً إلى سرديات تزعم أن وجودهم في مصر لا يرتبط بالحرب الدائرة في بلادهم وأنهم لم يأتوا مصر هربًا من النزاع، بل ضمن مخطط يهدف إلى احتلال مصر وتغيير تركيبتها السكانية.
وسعت الحملة إلى تأجيج المخاوف الأمنية ونشر خطاب الكراهية والدعوة إلى ترحيل اللاجئين السودانيين، والأفارقة عمومًا، بزعم أن ذلك يمثل ضرورة للحفاظ على الأمن القومي والاستقرار.
واعتمد هذا الخطاب على ادعاءات غير موثقة وتعميمات تستهدف فئات معينة، بما يسهم في تأجيج التوترات المجتمعية وتعزيز مشاعر العداء والتمييز ضد اللاجئين.
التضليل والسرديات المتداولة:
وظفت الحملة في نشاطها موادًا مضللة ومفبركة أو غير دقيقة في بعض الأحيان، لتمرير أجندتها. ويلقى المحتوى المضلل، لا سيّما الذي يثير الذعر، تفاعلًا واسعًا من الجمهور، مما يزيد من انتشار محتوى الحملة.
ويتناول فيما يلي أبرز الادعاءات المتداولة ضد السودانيين، مثل نشر الأمراض، ترويج اتهامات بالعنف وإثارة الفوضى. ويحلل كيف تؤثر هذه الادعاءات سلبًا في اللاجئين.
ويُعد ادعاء «نقل اللاجئين السودانيين للأمراض» من أهم الادعاءات التي روجتها حسابات الحملة، إذ ركّزت على مرض الإيدز وربطه بصورة مباشرة باللاجئين السودانيين، وعدّته من المهددات الصحية التي تمسّ حياة المصريين. وهذا نوع من الادعاءات لا يستند إلى دليل، لكن ينتشر بسرعة نظرًا إلى حساسيته وخطورته.
ومن اللافت أنّ الحملة ركّزت أيضًا على ترويج سرديّة «نقل السودانيين لمرض الملاريا» في أوساط المصريين. فقد نشرت بعض الحسابات مزاعم عن إصابات كبيرة بالملاريا وسط السودانيين الوافدين إلى مصر، محذّرةً من أن ذلك يعرض كثيرًا من المصريين لخطر العدوى. وفي هذا الصدد، لا ينفي فريق المرصد صحة هذه الادعاءات على نحو قاطع، لكنه يودّ الإشارة إلى خطورة ترويج ادعاءات خطيرة في غياب الأدلة، إذ لم تستند هذه المزاعم على أيّة إحصاءات أو بيانات رسمية من أيّ جهة معتمدة.
آثار حملات التحريض والتضليل على اللاجئين:
تترتب على حملات التحريض الرقمي ضد اللاجئين مخاطر جمة. غير أنّ الأثر الأخطر الذي تخلفه هذه الحملات هو هندسة الفضاء الرقمي، وتسميم الوعي الجمعي وإضفاء شرعية زائفة على خطاب الكراهية، علاوةً على خطر تنميط اللاجئين الذين غادروا بلادهم قسرًا. فقد أسهمت هذه الحملات في ترسيخ الوصم الاجتماعي، وتعزيز الشعور بانعدام الأمان، بما أثر سلبًا في أوضاع اللاجئين الاجتماعية والنفسية.
وبسبب انتشار المعلومات المضللة، وتصاعد خطاب الكراهية، وتراجع جودة النقاش العام، يجد اللاجئ نفسه بين مطرقة الحرب في بلاده وسندان حملات التحريض والتضليل الرقمية.
ويكشف وصول محتوى هذه الحملات إلى جمهور واسع عن ضعف آليات الإشراف على المحتوى التي تعتمدها المنصات الرقمية، وعجزها عن الحد من انتشار المحتوى التحريضي الموجّه ضد اللاجئين، رغم ما يترتب عليه من تبعات إنسانية وأمنية مباشرة.
وفي ظلّ غياب تدابير فاعلة لرصد خطاب الكراهية والدعوات الممنهجة إلى العنف، وتقييدها، يجد هذا المحتوى السام طريقه إلى جمهور واسع من المجتمعات المضيفة، ويُسهم في تشكيل بيئة مشحونة بالعداء، مما يفضي إلى تصاعد الاعتداءات الجسدية وممارسات التمييز ضد اللاجئين. ويخلّف كل ذلك آثارًا نفسية عميقة في نفوس اللاجئين، بما في ذلك مشاعر الخوف المستمر، والشعور بالعزلة، وفقدان الإحساس بالأمان.