مجاهد الدومة وعمر الفاروق
ربما لم يكن يخطر في بال قادة الحركة الشعبية-شمال أن عملية ترسيم الحدود بين القبائل في مناطق سيطرتها بجنوب كردفان، قد تدفع إلى مواجهات مسلحة واسعة تعيد تعريف «رفاق السلاح» بوصفهم متمردين وتضع الحركة على شفا الانقسام. فمنذ مارس الماضي تختبر الحركة قدرتها على التماسك تحت وقع واحدة من أكبر موجات العنف الداخلي في معاقلها البعيدة عن سلطة الدولة منذ 2011، وصلت ذروتها في أغسطس الجاري، وكانت حصيلتها، على مدى الأشهر الماضية، سقوط عشرات القتلى ونزوح الآلاف.
بدأت القصة التي قد تعيد تعريف الحركة باحتكاك قبلي في 12 مارس الماضي بين مكوني الأطورو والشواية في هيبان، قبل أن يتحول إلى مواجهات مسلحة، إثر خلاف على ترسيم للحدود أجرته الشعبية بين القبيلتين، وهو الأمر الذي لقي انتقادات من مراقبين للصراع في حديثهم لـ«بيم ريبورتس»، مشيرين إلى إن الوقت لم يكن مناسبًا لإجراء ترسيم للحدود، ومنتقدين تعاطي الحركة مع الأزمة عبر الحل العسكري.
خلفية الصراع
حاكم إقليم جنوب كردفان بالحركة الشعبية-شمال بالوكالة داؤود أشعياء الفول
ما بين 31 يوليو ومطلع أغسطس 2022، نظّمت الحركة الشعبية-شمال مؤتمرًا للقيادات الأهلية، بغية معالجة قضايا تخص احتكاكات المكونات الاجتماعية وتنازعها على قضية ملكية الأراضي. وقد رأت الحركة في ترسيم الحدود ضرورة لوضع حد للاحتكاكات المتكررة بين القبائل، وخرج المؤتمر بتوصية ترسيم الحدود بين المكونات المختلفة.
وبحسب قيادة الحركة الشعبية، توافقت القبائل المشاركة في المؤتمر على ترسيم الحدود، وبالرغم من مشاركة الأطورو في لجان ترسيم الحدود، إلا أنها رفضت النتائج، ونزع بعض أفرادها «الأوتاد الخرسانية» التي وضعتها اللجنة، الأمر الذي اعتبر تحديًا لقرار اللجنة والسلطة المدنية.
اندلاع المواجهات العسكرية
مك عموم الأطورو المكلف كوكو الدقير دمجلا
مع تصاعد التوتر والخلافات بين المكونات الاجتماعية على الأرض، اندلعت في صبيحة 12 مارس 2026، شرارة المواجهات المسلحة بين قبيلتي «الشواية» و«الأطورو» في قرية «دبي» (بمقاطعة هيبان)، وامتدت إلى قرى طرور وأوبا، واستمرت المواجهات ليومين، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى ونزوح مجموعات سكانية كبيرة، حيث سقط بحسب بيان للحركة، 36 قتيلًا من قبيلة الشواية وحرقت كنيستين ومدرستين في أراضيهم، بينما سقط 43 قتيلًا من الأطورو وحرقت 27 قرية من قراهم حتى يوم 13 مارس. وبعدها أصدرت الناطقة الرسمية باسم الحركة، سناء فليب مطر، بيانًا، في 17 مارس، أفادت فيه أن ما يجري هو نزاع محلي حول الأرض والحدود.
تصاعد التوترات وحرق سوق كاودا
سكان بأحد أسواق كاودا، صورة نشرتها صفحة الحركة الشعبية-شمال في مايو 2026
انتقلت التوترات من منطقة هيبان إلى كاودا، في منتصف أبريل 2026، والتي تسببت في حرق عدد من المنازل، وسوق كاودا التجاري، ونشبت الخلافات، بحسب الحركة، إثر العثور على جثة طالب ثانوي ينتمي إلى مكون تيرا، كان يقيم مع صهره من قبيلة الأطورو، وقد تسببت هذه الحادثة في شحن الأوضاع بين المكونين، لتطلق الشرطة تحقيقًا، وسط حالة من الاحتقان.
وفي 5 مايو، بعد تداول أنباء عن هجوم وشيك لقبيلة تيرا على الأطورو في كاودا، وعلى خلفية ذلك، شهدت الفترة ما بين 5-13 مايو هجمات متبادلة بين المكونين، تعرض فيها عدد من المنازل للحرق الجزئي، فيما نُهبت وأُحرقت عدة قرى.
اتهامات للشعبية بالتورط في الصراع
السكرتير العام للحركة الشعبية- شمال عمار آمون دلدوم
بعد اندلاع الصراع بين الأطورو والشواية، شكلت قيادة الحركة لجنة لتقصي حقائق حول الأحداث، بهدف احتواء الموقف وتقصي الحقائق حول الأحداث الدامية التي اندلعت في بيام دبي وكاودا، وحددت اللجنة قائمة بأسماء أفراد من الجانبين لاستجوابهم.
وبحسب اللجنة، فقد امتثل المطلوبون من طرف قبيلة الشواية بينما رفض الذين وردت أسماؤهم من طرف قبيلة الأطورو المثول أمامها، ووجهوا اتهامات للجيش الشعبي بالتورط في الأحداث ضدهم ليطالب السكرتير العام للحركة الشعبية، عمار آمون دلدوم، الضباط المطلوبين من الأطورو بالتبليغ فورًا لتوضيح مواقفهم، معتبرًا أن الاستمرار في رفض المثول أمام لجنة التحقيق لا يُعد دليلًا على البراءة، وأنه لا يوجد أحد فوق القانون.
ومع استمرار هذه الوضعية، وصفت الحركة الشعبية هذه المجموعة بـ«المتمردة»، واتهمتها بارتكاب سلسلة جرائم ممنهجة تشمل قتل المدنيين الذين رفضوا الانضمام لها، وشن «هجوم غادر» على سوق كاودا وحرقه بالكامل، واختطاف ثلاثة معلمين من «معهد التدريب السياسي والقيادي»، واغتيال القس يوحنا الأمين ناروم واثنين من حراس الكنيسة الكاثوليكية بعد رفضهم تسليم مفاتيح مخازن الأدوية، بالإضافة إلى نهب مستودعات المنظمات الإنسانية المخصصة للإغاثة.
من جهتها، ترى مجموعة الأطورو، أن ما حدث ويحدث، ليس مجرد نزاع حدودي أو تفريق بين متمردين ومدنيين، بل هو استهداف وتطهير ممنهج للقبيلة تقوده قيادة الحركة عبر حملات عسكرية واسعة تستهدف مناطق الأطورو عبر عدة محاور، إضافةً لاتهام رئيس الحركة عبد العزيز الحلو بإصدار تعليمات مباشرة لمواصلة العمليات العسكرية لتهجير الأطورو قسريًا من أراضيهم بهدف السيطرة عليها واستجلاب شركات تعدين الذهب.
أزمة إنسانية وظروف قاسية
الحركة الشعبية تعلن عن توزيع مساعدات للمتضررين من أعمال العنف في كاودا
تسبب تصاعد الأحداث خلال الأشهر الستة الماضية في تعقيد إنساني بالغ، في حياة سكان مناطق سيطرة الحركة الشعبية.
وفي هذا السياق، يوضح الناشط الحقوقي في قضايا جبال النوبة ورئيس مركز عدالة إفريقيا-السودان حافظ إسماعيل محمد لـ«بيم ريبورتس» أن المواجهات الحالية قد أثرت بشكل أكبر على النازحين إلى مناطق سيطرة الحركة من الولايات الأخرى، منذ اندلاع الحرب منتصف أبريل 2023، لأنهم يجدون أنفسهم الآن وسط مواجهات عسكرية تضطرهم للنزوح، دون امتلاك وجهة يذهبون إليها في ظل انعدام المساعدات.
وخلّفت مواجهات مايو خسائر في الأرواح ونزوح جماعي، وسط تباين في وجهات النظر وتفسير لأسباب الصراع وتطورها، حيث يُقدّم كل طرف سردية مغايرة لأسباب الصراع، وطبيعة العمليات العسكرية، والمسؤولية عن الانتهاكات الإنسانية.
إصرار على الحسم العسكري
رئيس مركز عدالة إفريقيا-السودان والناشط الحقوقي في قضايا جبال النوبة حافظ إسماعيل محمد
بينما تصف الحركة الأحداث بأنها تمرد عسكري من قبل ضباط من «الأطورو» رفضوا نتيجة ترسيم الحدود، أكدت سعيها لفرض النظام وحماية المدنيين. في المقابل، يتهم الأطورو قيادة الحركة والجيش الشعبي بشن هجمات انتقامية وتهجير قسري واستهداف منهجي لأبنائها -تحت غطاء القانون.
يقول محمد إن ما تشهده المنطقة ينبئ بانقسام اجتماعي خطير، خاصةً وأنه اتخذ أبعادًا إثنية وقبلية، ما يظهر في خطابات الناشطين والسياسيين أنفسهم وانقسامهم على أساس قبلي، لافتًا إلى أن تقديرات قيادة الحركة للصراع والقول بحسمه عسكريًا لم يكن موفقًا على الإطلاق، وهو ما يتمظهر في هذه الخطابات.
ويرى أن الصراع أدى بالفعل إلى انقسام حقيقي داخل الحركة الشعبية، مستدلًا في ذلك بقيادة رئيس برلمان الحركة مبارك بوليس المنتمي إلى الأطورو للانشقاق، معتبرًا أنها مسألة خطيرة لأنه انشقاق مؤثر بشكل حقيقي. مضيفًا «إنه ليس مثل الانقسام الذي كان قد وقع في يوليو 2017 بين مالك عقار وياسر عرمان وعبد العزيز الحلو، هو أكثر خطورة ويؤثر على الأرض مباشرة».
وانتقد محمد إصرار قيادة الحركة على الحل العسكري، واصفًا هذا المسلك بأنه يمثل خطأ كبيرًا ويؤدي إلى تأجيج المشكلة وإضعاف الحركة نفسها، وقال
«إذا كانت الحركة تحارب نفسها، في وقت تخوض فيه حربًا، فإن هذا الأمر سيضعفها جدًا».
وبحسب محمد، فإن الموارد وبالتحديد الذهب، تعد واحدة من الأسباب التي أدت إلى تفجير الصراع. وتجدر الإشارة إلى أن الحركة الشعبية-شمال تسيطر على عدة مناجم لتعدين الذهب أشهرها وأكبرها في منطقة الليري حيث يتم استخراج الذهب بواسطة المعدنين تحت سيطرة الحركة.
وخلال الصراع الحالي، برز مورد الذهب ضمن خطابات مكون الأطورو، إذ يرى أن أراضيهم أصبحت هدفًا لمحاولات السيطرة، وذلك بهدف الاستيلاء على مناطق التعدين.
مؤتمرات ومحاولات سابقة
لم تكن الخلافات التي بدأت فعليًا في مارس الماضي بين الأطورو والشواية، ومن ثم تصاعدت بشكلٍ كبير، الأولى. وفي هذا السياق، يشير الناشط الحقوقي في قضايا جبال النوبة حافظ إسماعيل محمد، إلى عقد مؤتمر سابق، ما بين ديسمبر 2009 ويناير 2010 وضعت فيه آلية لفض النزاعات وهي التي أدت في الوقت الحالي إلى إطلاق سراح بعض الرهائن الذين كان قد تم احتجازهم في هيبان من بينهم زعماء دينيون مسلمون ومسيحيون وبعض زعماء القبائل.
ويشير محمد إلى أن الأطورو يعتبر مكونًا رئيسيًا داخل الحركة الشعبية، وأن كاودا منطقتهم، لافتًا إلى أنها من أوائل القبائل التي انضمت للحركة، بالإضافة إلى المورو. ويضيف «وبالتالي هم يشكلون الأساس للحركة الشعبية من ناحية مقاتلين ومن ناحية قيادات داخل الجيش الشعبي، وهذا أمر له تأثير كبير جدًا. والدليل على ذلك سيطرتهم على مناطق كثيرة جدًا، حيث يمتلكون قوة مقاتلة مؤثرة جدًا»، محذرًا من أي تهاون في التعامل مع الوضع قد يسبب انهيارًا للجيش الشعبي.
ويمضي قائلًا «تحالف الحركة مع الدعم السريع يعد مشكلة، خصوصًا وأن المجموعات التابعة للدعم السريع كانت تتبع للدفاع الشعبي..هذه المليشيات لديها مشاكل مع السكان الأصليين في جبال النوبة».
ورأى أن الحركة تكبدت خسائر كبيرة جدًا في شعبيتها نتيجة تحالفها مع الدعم السريع، معتبرًا أن التحالف بين الطرفين هو عمل فوقي فرضته قيادة الحركة، لافتًا إلى أنه أحد أسباب المشاكل، لأن الدعم السريع لديها رغبة في التعدين بالمنطقة.
وأشار محمد إلى أن مجموعات الدعم السريع هي نفس المليشيات التي كانت تمارس النهب في المنطقة الشرقية بجبال النوبة وتروع السكان، متهمًا الحركة بدعم سياسة تفريغ الأراضي حاليًا، خاصة في المناطق الشرقية مثل جبال أبو الحسن، مؤكدًا أن هذا الأمر أصبح يمثل مشكلة كبيرة للمواطنين، بما في ذلك تهديد الموسم الزراعي.
ترسيم الحدود بين القبائل سبب النزاع
الناشط الحقوقي في قضايا جبال النوبة عمار حميدان
يتفق مراقبون آخرون مع رئيس مركز عدالة إفريقيا-السودان حافظ إسماعيل محمد الذي يقول إن ترسيم الحدود كان يجب أن يتم في حالات السلم، السودان كله في حالة حرب الآن. لا يمكن إجراء ترسيم للحدود في مثل هذه الظروف.
يقول الناشط الحقوقي في قضايا جبال النوبة عمار حميدان لـ«بيم ريبورتس» إن وتيرة الأحداث تسارعت بصورة عنيفة في مناطق سيطرة الحركة عند مباشرة تنفيذ قرار ترسيم الحدود بين القبائل، موضحًا أن القرار تم بدون مشاركة أصحاب المصلحة وهم زعماء القبائل والعشائر المكونة للمكونات الاجتماعية.
وأضاف: «عندما جاءت السلطة المدنية لتنفيذ قرار ترسيم الحدود بين قبيلتي الأطورو والشواية كانت البداية في منطقة دبي وهي منطقة متنازع عليها، وهنا رفضت قبيلة الأطورو ذلك باعتبار أن منطقة دبي تقع داخل حدودها لينشب نزاع بين الطرفين. وبدلًا من أن تتوسط الحركة بينهما، أو تتراجع عن قرار ترسيم الحدود تدخلت الحركة الشعبية-شمال كطرف في الصراع، يقول حميدان. ويضيف «قضايا الأرض في جنوب كردفان تخضع للقانون العرفي لا القرارات السياسية كما هو الحال بالنسبة للحركة الشعبية-شمال».
ورأى أن تدخل الحركة عسكريًا في نزاع قبلي أدى إلى خسارة كبيرة داخلها، موضحًا أن تدخلها يفقدها قواعدها الجماهيرية والعسكرية؛ لأن أغلبية أبناء الأطورو انحازوا إلى قضايا مكونهم الإثني، واصفًا تدخلها في هذا النزاع بمثابة الانتحار السياسي.
إنسانيًا، أوضح حميدان أن هذه الأحداث أثرت على حياة المواطنين المدنيين والعسكريين معًا بموت عدد كبير منهم، بالإضافة إلى نهب الممتلكات ونزوح وتشريد السكان. ويتفق حميدان مع محمد، بالنسبة لوزن مجتمع الأطورو داخل الحركة، موضحًا أن منطقة كاودا تُعد بمثابة أيقونة ورمزية لنضال الشعبية.
ورأى أن الخاسر الأكبر في هذا النزاع، هي الحركة، قائلًا «لا يعقل وليس من الحكمة أن تدخل مؤسسة سياسية في صراع مع مؤسسة قبلية كما رأينا ذلك من خلال حرب الأطورو والحركة».
وفيما يتعلق بتحالف الحركة مع الدعم السريع، يعتقد حميدان أن الكثير من عضوية الحركة غير راضين عن هذا التحالف، لأن تحالفها زعزع الثقة في الحركة، بالإضافة إلى الأطماع في الموارد المعدنية، مشيرًا إلى أن هذا التحالف دفع الكثيرين إلى الاعتقاد بأن الحركة حادت عن النضال وأصبح قادتها أقرب إلى السماسرة، على حد وصفه، من قادة لاسترداد حقوق الشعب.
«من وجهة نظري منذ إعلان تحالف تأسيس قلت إن التحالف خسارة للحركة ومكسب للدعم السريع. أدى تحالفها مع الدعم السريع إلى خسارة كل عضويتها في مناطق سيطرة الجيش، وكذلك في المناطق الخاضعة لسيطرتها، غير أن الغالبية لا يستطيعون أن يعبروا عن وجهة نظرهم هناك»، يقول حميدان، مضيفًا «حتى الآن لم يتم توضيح أسباب هذا التحالف للقواعد في ولاية جنوب كردفان».
ويتابع «الحركة فقدت القيادة السياسية الحكيمة، لذلك فإن دخولها في حرب مع قبيلة جعلها تخسر سياسيًا، لا يعقل لتنظيم سياسي أن يدخل في صراع مع قبيلة.. عسكريًا فقدت قوات من الجيش الشعبي ينتمون إلى قبيلة الأطورو وأمنيًا فقدت سلطاتها المدنية ومقارها الحكومية التي تباشر عملها فيها».
«إن الحل كان يمكن أن يكون قبل المواجهة العسكرية بتراجع الحركة عن مسألة ترسيم الحدود وإرجاع ذلك لمزيد من المشاورات ومشاركة كل أصحاب المصلحة العامة في ذلك؛ وهم زعماء القبائل والعشائر المكونة للمجتمع في جنوب كردفان، لكن الآن فات الآوان»، يقول حميدان.
وبحسب حميدان، فإن الحديث الآن هو عن إبعاد كل القيادة السياسية للحلو من قيادة الحركة، محملًا إياها المسؤولية عن كل الموت والتشريد والنزوح للأطورو، من خلال ما وصفه بتخبطها وقصورها السياسي والتنظيمي بدخولها في حرب مع قبيلة. وذكر أن هذا الصراع يمثل انقسامًا للحركة، وسيكون له ما بعده، وقال «الناس في جبال النوبة وفي ولاية جنوب كردفان فقدوا الثقة في الحركة، بعد تحالفها مع الدعم السريع».
الشعبية: لسنا في حرب مع الأطورو
في المقابل، تنفي الحركة الشعبية دخولها في حرب ضد أي مكون قبلي، وتصف تحركاتها بأنها ضد أفراد تمردوا على قرارات القيادة، وفي جميع بياناتها، منذ اندلاع الصراع، ظلت الحركة تردد بأنها ليست جزءًا من الصراع، وأن جيشها ليس في حرب مع مكوِّن «قبيلة الأطورو»، وأنه لا ينفذ أي عمليات عسكرية في المنطقة.
وهو ما ذهب إليه أيضًا المدير العام للشرطة بإقليم جنوب كردفان/ جبال النوبة، صالح البادل، من خلال تشديده على أن الجيش الشعبي ظل على مدى أكثر من أربعين عامًا، ملتزمًا بحماية وصون وحدة المكونات الاجتماعية، واصفًا التحركات العسكرية للجيش الشعبي في الفترة الماضية بأنها «لم تكن تستهدف قبيلة الأطورو، وإنما جاءت لمساءلة تسعة ضباط ينتمون إلى الجيش الشعبي، ارتكبوا مخالفات واضحة ولم يلتزموا بتوجيهات قيادة الجيش الشعبي».
تصريحات البادل جاءت خلال أعمال اجتماع دور رجال الدين والإدارة الأهلية في بناء السلام وفض النزاعات، نظمته منظمة كودي لمبادرات التنمية، في 20 أغسطس الجاري.
وأوضح البادل أن وصف الصراع في هيبان بأنه صراع بين مجتمع الأطورو والجيش الشعبي هو توصيف خاطئ يخدم مصالح ما وصفه بسلطة بورتسودان وما قال إنها الجماعات الإرهابية المرتبطة بها، مشددًا على أن الحقيقة تتمثل في أن الجيش الشعبي ظل، على مدى أكثر من أربعين عامًا، ملتزمًا بحماية وصون وحدة مكونات شعب النوبة في إقليم جنوب كردفان.
وأكد أن الحركة لا يمكن أن تستهدف أو تعادي قبيلة الأطورو، باعتبارها مكونًا أصيلًا من مكونات جبال النوبة وجنوب كردفان، مشيرًا إلى أن السلطة المدنية للسودان الجديد أكدت مرارًا التزامها بحماية المدنيين من جميع مكونات الإقليم، وفي مقدمتهم أبناء قبيلة الأطورو.
ورأى البادل أن ما حدث في كاودا والمناطق المجاورة يمثل استهدافًا لمشروع السودان الجديد، مشيرًا إلى أن عدم الاعتراف بالقرارات والتوصيات التي تم التوصل إليها بإجماع المشاركين في مؤتمر هيبان للإدارة الأهلية حول قضايا الأرض وترسيم الحدود في عام 2022، أسهم في تعقيد الأزمة وتفاقمها.
ودعا رجال الدين والإدارة الأهلية إلى تكثيف جهود التوعية وسط المواطنين، والعمل على نبذ خطاب الكراهية وتعزيز قيم التعايش السلمي، مؤكدًا أن بناء السلام مسؤولية مشتركة تتطلب مشاركة جميع مكونات المجتمع.
مبادرة لإيقاف الاقتتال
قائد الحركة الشعبية-شمال عبد العزيز الحلو (يمين) رحب بمبادرة قائد الدعم السريع (حميدتي)- يسار لوقف الأعمال العدائية: الصورة تحالف تأسيس
بعد أشهر من تصاعد المواجهات المسلحة بمعاقل سيطرة الحركة، تقدم قائد قوات الدعم السريع ورئيس تحالف تأسيس الذي تنضوي تحته الحركة الشعبية-شمال، محمد محمد حمدان دقلو (حميدتي)، بمبادرة وقف الأعمال العدائية بين جميع الأطراف. ليرحب بعدها قائد الحركة الشعبية، عبد العزيز الحلو بالمبادرة، داعيًا الأطراف إلى الالتزام الفوري بوقف جميع أنواع الأعمال العدائية، وخطاب الكراهية والتحريض.
من جهتها، أيضًا رحبت قبيلة الأطورو في بيان، بتاريخ 21 أغسطس الجاري، بالمبادرة، معربةً عن تمسكها بخيار الحل السلمي، مشيرة إلى أنها سبق وأن رحبت بمبادرات مجلس الكنائس والمجلس الإسلامي، إلى جانب جهود حاكم إقليم جبال النوبة/جنوب كردفان جقود مكوار مرادة.
بيان الأطورو
لكن التصعيد على الأرض ما يزال مستمرًا، إذ أصدرت اللجنة الإعلامية لقبيلة الأطورو، بيانًا، اتهمت فيه الجيش الشعبي بتنفيذ هجوم من عدة محاور وبمشاركة حوالي 5 آلاف جندي، مدعومين بعربات قتالية وأسلحة ومدفعية ثقيلة، وأن الهجمات أسفرت عن نهب وإحراق وتدمير ممتلكات وتهجير سكان ثماني قرى، وهو ما نفته الحركة الشعبية من جهتها.
ومع مبادرات وقف الاقتتال وقبول الأطراف المبدئي لها، بالرغم من اتهامات الخرق المتبادلة، يمكن أن يكون التوصل إلى حل أحد السيناريوهات المطروحة. في المقابل، قد يستمر التصعيد، في حال تمسك الأطراف بالحل العسكري، وهو ما قد يقود بدوره إلى سيناريو ثالث يتمثل في انقسام كبير داخل الحركة الشعبية-شمال.