عمر الفاروق
منذ عقود وضمن بيئة سياسية تقوم على الصراع المسلح والاصطراع السياسي الحزبي الحاد والإقصاء والثورات والانتفاضات والانقلابات العسكرية ودولة ممزقة بالخلافات الدائمة منذ ما قبل استقلالها، كانت الدعوات إلى إجراء حوارات وطنية، تُعد بمثابة الورقة الأخيرة التي يُدفع بها في محاولة لإنقاذ الأوضاع، أو إعادة ترتيبها، كلما تشابكت الأزمات وتقطعت سبل الحل أمام الفرقاء السودانيين. غير أنّ الظروف الحالية، المتمثلة في الحرب الشاملة التي تعصف بالبلاد منذ أبريل 2023، تعد الأكثر تعقيدًا من أيّ وقت مضى في تاريخ هذا البلد منذ استقلاله في الأول من يناير 1956.
وفي هذا الإطار التاريخي المتواتر منذ ابتدار الحوارات السودانية–السودانية في مؤتمر جوبا 1947، أُعلن بالعاصمة السودانية الخرطوم، الأحد الماضي، عن مبادرة لتهيئة الحوار السوداني – السوداني بهدف الخروج من الأزمة، ضمّت أكاديميين وكتّاب وشخصيات عامة، وأسندت رئاستها إلى رئيس جامعة الأحفاد للبنات قاسم بدري.
وضمت اللجنة كلًّا من: عثمان ميرغني عبد الله، وعبد الله آدم خاطر، وسليمان الأمين، ومحمد المنير صفي الدين، وعثمان ميرغني الحسين، ومحمد جلال هاشم، وإبراهيم أحمد إبراهيم، وأمين سعد، ونصر الدين شلقامي، وعائشة فاروق البرير، والواثق كمير، ومنزول عبدالله عسل، وعبد العزيز بركة ساكن، ونبيل أديب، وأوشيك سيدي، ونعمات الزبير، وشريف حرير، ومهند صديق.
وتجيء الخطوة بعد أسابيع من حديث قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان عن تلقيه مبادرة من كيانات سودانية لإجراء حوار وطني داخل البلاد، معلنًا عن تقديم ضمانات قانونية للقوى السياسية السودانية في الخارج إن رغبت بالمشاركة في الحوار.
ووسط ترحيب بمبادرة الحوار الوطني من بعض الكيانات السياسية في الداخل، رفضت قوى سياسية في الخارج، تضم تحالف «صمود»، وحزب البعث العربي، وأحزاب أخرى وفصائل مسلحة مثل حركة/ جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، الحوار الداخلي بصيغته الحالية.
وخلال اجتماع تشاوري عُقد في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في يومي 22 و23 أغسطس الجاري، أصدرت القوى المناهضة للحرب، والتي ضمت 36 كيانًا وشخصيات عامة، بما في ذلك القوى المنضوية تحت تحالف قوى إعلان المبادئ، وثيقة باسم «عملية السلام التي نريد»، أكدت فيها دعم عملية السلام ورفض الحوار الأحادي.
وأكدت في بيان تنسيقي مشترك رفض دعوة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان للحوار السوداني – السوداني بصيغتها الحالية، قائلة إنها لا توفر الشروط اللازمة لعملية سلام حقيقية وشاملة، ولا يمكن أن تكون مدخلًا لإيقاف الحرب طالما تُدار تحت هيمنة طرف من أطرافها، أو تستهدف تكريس سلطة الأمر الواقع ومنحها شرعية سياسية.
ورأى البيان أنّ الحوار الذي يهدف فعلًا إلى إيقاف الحرب ينبغي أن يكون حوارًا شاملًا بين السودانيين، تشارك فيه القوى المدنية والسياسية والمجتمعية، وأصحاب المصلحة من النساء، والنازحين، واللاجئين في دول اللجوء المختلفة، إلى جانب أطراف الحرب في المسارات التي تتصل بوقف إطلاق النار والمسائل الإنسانية، وبما يضمن الندية والاستقلالية وعدم هيمنة أيّ طرف.
من جهتها، قالت مبادرة التهيئة للحوار السوداني – السوداني، إنّ عملها في هذه المرحلة يقوم على تهيئة المناخ، وبناء الثقة، وتيسير المشاورات الأولية مع القوى السياسية والمدنية والمجتمعية، داخل السودان وخارجه، بما يساعد على بلورة رؤية مشتركة بشأن شروط الحوار ومنهجه وضماناته.
وأكدت، في بيان، أنّ المبادرة، في هذا الإطار، تعمل على الاستماع إلى مخاوف الأطراف وتوقعاتهم، وجمع مقترحاتهم، وتقريب وجهات النظر بينهم، بما يمهد لبلورة أجندة توافقية يشارك أصحاب المصلحة في تحديدها، دون فرض مسار جاهز أو أجندة مسبقة.
فيما قال رئيس اللجنة، قاسم بدري، إنّ المبادرة جاءت انطلاقًا من قناعة بأن السودانيين قادرون على حلّ مشكلاتهم بأنفسهم، والدخول في حوار مباشر «دون تدخل أو وسيط، ودون عزل أو استعلاء». وأضاف أن المبادرة تأتي في «لحظة تاريخية فارقة» في مسيرة الوطن، بهدف إحياء روح الحوار بين السودانيين ولمّ شملهم.
وأوضح بدري أنّ المبادرة ترتكز على عدة محاور، أبرزها الاستقلال التام عن أيّ نفوذ أو معوقات عرقية أو فئوية، إلى جانب تشجيع المتفاوضين والمتحاورين على صياغة القضايا والتوصل إلى توصيات نهائية والعمل على تنفيذها.
وأكد بدري أن جميع المكونات السياسية، على اختلاف مواقفها، تتطلع إلى استقرار السودان، مشيرًا إلى أنّ الدافع الأساسي للمبادرة هو إنهاء معاناة المواطنين التي تسببت فيها الحرب، وما خلفته من دمار وتهديد لمستقبل البلاد.
ووصف بدري المبادرة بأنها تمثل «مصافحة تهدئة وطنية مستقلة» تهدف إلى وقف الحرب ومنع مزيد من الاقتتال، وإعادة البلاد إلى مسار يحفظ مكتسبات الدولة واستقرار مؤسساتها ورفاهية مواطنيها.
وأضاف رئيس اللجنة أنّ ما يميز المبادرة هو ترحيبها بمختلف الأطراف، مع التأكيد على أهمية توفير الدولة الضمانات الأمنية اللازمة للمتحاورين، وتهيئة بيئة آمنة للحوار، إلى جانب الالتزام بالتعهدات وتنفيذ ما يُتوافق عليه من مبادرات ومخرجات.
الاتحاد الإفريقي يرحب
وفي أول رد فعل إقليمي على إعلان المبادرة، رحبت مفوضية الاتحاد الإفريقي، الاثنين الماضي، بمبادرة الحوار السوداني – السوداني «تحت إشراف لجنة مستقلة من الحكماء السودانيين».
وقالت المفوضية، في بيان، إنها سعت، منذ اندلاع الأزمة السودانية في أبريل 2023، إلى تجسير الخلافات بين الأطراف السودانية المعنية، وتهيئة بيئة مواتية لإنهاء النزاع المسلح، بما يضمن السلام والاستقرار في السودان، عبر ترسيخ ثقافة الحوار لبناء رؤية وطنية مشتركة.
وأوصت المفوضية، لضمان نجاح هذه العملية السياسية الطموحة، بأن تشمل المشاورات جميع الأطراف السودانية المدنية والسياسية والمجتمعية المعنية، استنادًا إلى مبادئ الشمولية والملكية والقيادة السودانية الحقيقية.
كما شددت على أنه ينبغي أن يكون الهدف النهائي سودانًا موحدًا وذا سيادة ومسالمًا، تحكمه مؤسسات مدنية شرعية، وبنية أمنية وطنية واحدة، وآليات فعالة لتسوية الخلافات السياسية والاجتماعية سلميًا.
ورأى البيان أنّ المبادرة تعزز خريطة طريق الاتحاد الإفريقي، ومسار الآلية الخماسية ضمن إستراتيجية متماسكة تقودها الأطراف السودانية نفسها. لكن ترحيب الاتحاد الإفريقي بمبادرة الحوار واجه نقدًا حادًا من قوى إعلان المبادئ التي تضم تحالف صمود وفصائل مسلحة بينها حركة/ جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور.
تساؤلات بشأن جدوى الحوار
في الداخل السوداني، تطرح الدعوة إلى الحوار تساؤلات جدية بشأن جدوى الحوارات الوطنية في السودان تاريخيًا، في ظل تجارب متكررة منذ ما قبل الاستقلال، وصولًا إلى الحوار المعلن عنه حاليًا داخل السودان.
ويأتي الحوار الحالي في ظلّ ظروف عسكرية استثنائية، تتمثل في سيطرة فصائل مسلحة عديدة، بما في ذلك قوات الدعم السريع على مناطق واسعة في البلاد خاصة إقليم دارفور وأجزاء من كردفان والنيل الأزرق. ليصبح السؤال: ما جدوى الحوارات الوطنية في السودان تاريخيًا، وهل يكون الحوار الحالي استثناءً؟
أبرز الحوارات التي جرت في السودان: مؤتمر جوبا 1947
دعوات الحوار الراهنة لا تعد الأولى في تاريخ السودان الحديث، إذ بدأت أولى المحاولات عبر مؤتمر جوبا عام 1947، وضم قادة سياسيين من الشمال والجنوب لمناقشة كيف يُحكم السودان. وتوافقت الأطراف على بقاء السودان موحدًا وفق الإرادة الطوعية للجميع، مع الالتزام بضمان حقوق شعب جنوب السودان.
المائدة المستديرة 1965
بين يومي 16 و29 مارس 1965، عقدت القوى السياسية السودانية مؤتمر المائدة المستديرة للحوار، بشأن الأزمة في البلاد وقضيتها الرئيسة المتمثلة في العلاقة بين الشمال والجنوب.
ولم يتوصل المؤتمر إلى نتائج حاسمة، لكنه شكّل لجنة من اثني عشر عضوًا، مناصفة بين سياسيي الشمال والجنوب، بهدف إعداد مسودة مقترحات للإصلاح الدستوري والإداري، تعرض في مؤتمر مائدة مستديرة ثانٍ، بيد أنّ هذا المؤتمر لم يُعقد.
المصالحة الوطنية
في عام 1977، عقد نظام الرئيس الراحل جعفر نميري في مدينة بورتسودان أقصى شمال شرقي البلاد حوارًا مع المعارضة السودانية، متمثلة في حزب الأمة، والحزب الاتحادي، والإسلاميين، عُرف بالمصالحة الوطنية، وأفضى إلى دخولها في هيكل السلطة. غير أنه لم يفلح في نهاية المطاف في تغيير بنية النظام حتى سقوطه عبر انتفاضة أبريل 1985.
حوار كوكادام
بعد الإطاحة بنظام الرئيس جعفر نميري في أبريل 1985، عقدت القوى السياسية والنقابية السودانية، مؤتمرًا للحوار الوطني في منتجع كوكادام بإثيوبيا، صدر عنه «إعلان كوكادام» في 24 مارس 1986، مطالبًا المجلس العسكري الانتقالي، الذي تولى السلطة عقب الانتفاضة، بتكوين حكومة جديدة للوحدة الوطنية، تحضّر لمؤتمر قومي دستوري يشارك فيه الجميع من أجل تحقيق السلام والعدالة، وترسيخ الديمقراطية الوليدة.
وتوافقت القوى السياسية جميعها، ما عدا حزب الجبهة الإسلامية القومية آنذاك، على عقد مؤتمر للحوار الوطني تحت مسمى «المؤتمر القومي الدستوري»، حُدد تاريخ انعقاده في 18 سبتمبر 1989، على أن يُعقد أول اجتماع للجنته التحضيرية في الرابع من يوليو 1989، لكن تلك المساعي أجهضت باستيلاء نظام «الإنقاذ» على السلطة عبر انقلاب عسكري في 30 يونيو 1989.
الحوار الوطني 1989
في ديسمبر 1989، عقد نظام الرئيس المخلوع عمر البشير حوارًا تحت مسمى «الحوار الوطني»، وذلك بعد نحو ستة أشهر من استيلائه على السلطة، ولم يسفر الحوار عن تغييرات كبرى.
مؤتمر أسمرا 1995
في يونيو 1995 عقدت القوى السياسية السودانية ما عدا الجبهة الإسلامية الحاكمة، مؤتمرًا للحوار بالعاصمة الإريترية أسمرا، وأصدرت «إعلان أسمرا للقضايا المصيرية»، أكدت فيه توافقها بالإجماع على نظام الحكم اللامركزي في السودان، وفصل الدين عن السياسة، وحق تقرير المصير، أساسًا للوحدة الطوعية، علاوةً على قضايا أخرى تتعلق بمستقبل السودان، كالسياسة الاقتصادية والسياسة الخارجية.
ومع ذلك، ظلّ المؤتمر في جوهره حوارًا بين القوى المعارضة لحكومة الجبهة الإسلامية القومية، أكثر من كونه مؤتمرًا للحوار الوطني على المستوى القومي.
الحوار الوطني 2014
في يناير 2014، عقد نظام الرئيس المخلوع عمر البشير حوارًا وطنيًا عُرف أيضًا بـ«حوار الوثبة»، في محاولة لتسوية الأزمة السياسية في البلاد، في أعقاب استقلال جنوب السودان في يوليو 2011. ورغم أنه حشد عددًا من القوى السياسية، فإنه لم يفلح في إحداث اختراق سياسي. كما أنه لم ينجح في إيقاف الحرب في دارفور أو جنوب كردفان والنيل الأزرق (المنطقتين)، إذ قاطعته الفصائل المسلحة.
يمكنكم أيضًا قراءة تقريرنا عن اتفاقات السلام السودانية منذ 1965 وحتى 2020 والتي بلغت 34 اتفاقية سلام ومؤتمرًا
شهاب الطيب: إعادة التجارب التاريخية لا يحقق نتائج مختلفة
لا يتوقع القيادي في تحالف «صمود»، شهاب الطيب، في إفادته لـ«بيم ريبورتس» أن يثمر الحوار عن نتائج مختلفة، إذ يقول إنّ إعادة التجارب التاريخية لا يمكن أن تحقق نتائج مختلفة، لأنها لم تُنهِ أسباب الحروب في السودان، وهو ما يريد أن يجربه البرهان ومعه الحركة الإسلامية، على حد تعبيره.
ويعتقد الطيب أنه، لإجراء أيّ حوار أو عملية سياسية، ينبغي أن تتمتع بمصداقية وأن تكون مستقلة عن هيمنة أيّ من أطراف الحرب، موضحًا أنّ أيّ دعوة تفتقر إلى هذه الاستقلالية ستكرس لواقع الحرب ومنطقها، ولن تحقق السلام في البلاد.
ويضيف الطيب أنّ موقف تحالف «صمود» سيكون دائمًا وأبدًا داعيًا إلى إيجاد حلول فورية وحقيقية، توقف الحرب وتنهي معاناة أهل السودان، لكنه مع ذلك لن يكون طرفًا في أيّ «حلول زائفة» تعيد إنتاج الأزمة أو تمنح الحرب ونتائجها شرعية سياسية.
ورأى الطيب أنّ وقف الحرب ومعالجة الكارثة الإنسانية ينبغي أن يكون غاية أيّ عملية سياسية وشرطها الأساسي ومدخلها الأول، وصولًا إلى سلام مستدام وانتقال مدني ديمقراطي، مضيفًا «لا معنى لمسار سياسي منفصل عن المسارين الأمني والإنساني، ولا مصداقية لأيّ دعوة إلى الحوار تتجاوز أولوية وقف إطلاق النار، فأيّ حوار يمكن أن يُجرى تحت دوي المدافع؟».
نبيل أديب: الحوار لم يدعُ إليه البرهان
في المقابل، يقول عضو المبادرة نبيل أديب لـ«بيم ريبورتس» إنّ الحوار لم يقرره البرهان أو يدعو إليه، بل استجاب لطلب من مواطنين تداعوا، من تلقاء أنفسهم، للدعوة إليه، وطلبوا منه، باعتباره على رأس الدولة، أن يمنحه الدعم والحماية اللازمين، وقد وافق على ذلك، وتعهد بتنفيذ مخرجاته.
وأشار أديب إلى أنّ الحوار الحالي نادت به أطراف عديدة من الكتل السياسية السودانية، لافتًا إلى أنه يهدف إلى حل الأزمة السياسية التي تدور حول الفشل في إدارة التنوع، وهذا الحوار هو المخرج الوحيد للأزمة السودانية، بحسبه.
وأوضح أديب أنه لا يصح القول بأنّ الحوارات السودانية كلها كانت مأزومة، مضيفًا «الصحيح أن الحوار متى كان حرًا يمكن أن يتوصل إلى جذور الأزمة، ويشير إلى الحلول المطلوبة، لكن تنفيذ مخرجات الحوار لا يقوم به المتحاورون، بل يتوقف على استجابة السلطة القائمة لما عبر عنه الشعب»، وموضحًا أن نجاح الحوار يكمن في التوصل إلى صيغة مقبولة لإدارة التنوع.
وعن جدوى الحوارات التي جرت في السودان منذ ما قبل الاستقلال، يوضح أديب أنّ ثمة فروقًا عديدة بين الحوارات المختلفة. فمؤتمر جوبا، الذي عقد في عام 1947، تقررت فيه وحدة السودان، وكان «ناجحًا بكل المقاييس». أما مؤتمر المائدة المستديرة، فلم ينتهِ إلى اتفاق، لكنه كشف التيارات في جنوب السودان، بحسب أديب. وفيما يتعلق بالحوارت التي أجراها نميري والبشير، يقول إن نتائجها كانت معدة سلفًا ولا صلة لهما بهذا الحوار المزمع عقده حاليًا.
كمال عمر: الحوار صيغة سياسية لتمكين نظام الأمر الواقع بقيادة البرهان من الحكم
يقول الأمين السياسي لحزب المؤتمر الشعبي، كمال عمر، في إفادته لـ«بيم ريبورتس» إنهم يرون الإعلان عن الحوار باعتباره صيغة سياسية لتمكين ما وصفه بنظام الأمر الواقع بقيادة البرهان من الحكم في ظل ظروف حرب بالغة التعقيد.
وأشار عمر إلى أنّ البرهان أعلن أنه غير مستعد للسلام بوقف الحرب. ومن ثمّ فإن أيّ حوار ينعقد في هذا الظرف، مع غياب كامل إقليم دارفور وأجزاء واسعة من كردفان، وسط اضطراب في البلاد واستمرار المعارك، لا يمكن أن يفضي إلى حلول.
ورأى عمر أنّ الحوار يهدف إلى إضفاء شرعية على سلطة البرهان ليستمر في حكم البلاد، قائلًا إنهم لا يرفضون الحوار، لكن الحوار بالصيغة الحالية مرفوض بالنسبة إليهم، ومضيفًا: «نريد حوارًا مع وقف الحرب ويفضي إلى سلام وإلى دستور انتقالي وإلى سلطة مدنية»، ومشددًا: «ما لم نضمن حوارًا يفضي إلى سلطة مدنية، ووقف الحرب، فلن نشارك في حوار إسالة الدماء».
ويضيف الأمين السياسي لحزب المؤتمر الشعبي أنّ السودان شهد العديد من التجارب والمبادرات، مشيرًا إلى أنّ آخر هذه المبادرات أفضت إلى انفصال جنوب السودان وتمكين حزب المؤتمر الوطني المحلول، على حد قوله.
ويعتقد عمر أنّ الحوارات القديمة لم تغيّر في شكل الحكم في السودان. ويضيف قائلًا: «لم تنشئ فيدرالية، ولم تسنّ دستورًا ديموقراطيًا، ولم تغير واقع قسمة الثروة والسلطة.. كانت لتمكين النخب وشكل من أشكال الحكم غير المجدي، بدليل أن الحوارات التاريخية، لم تخلق تغييرًا».
وبحسب عمر، فإن الحوارات القديمة خلقت مزيدًا من الأزمات وأسهمت في تفكيك الدولة السودانية، لافتًا إلى أنهم يرغبون في حوار يفضي إلى تركيبة جديدة وحكم جديد يلائم طبيعة البلاد، ويتضمن إنشاء نظام فيدرالي، واستقلال القضاء، ومؤسسات تخدم الشعب السوداني، وقسمة السلطة والثروة، وذلك بالاستفادة من تجارب الحوارات السابقة، حتى لا تكون حوارت سلطة، بل حوارًا لتمكين قيم الحرية والفدرالية، على حد تعبيره.
الشفيع خضر: الإقرار قبل بدء الحوار بأنّ مخرجاته ستكون ملزمة للجميع يمثل هيكله الأساسي
يعتقد الكاتب والسياسي الشفيع خضر أنه لنجاح أيّ حوار مقترح ينبغي توفر عدد من العناصر، من بينها الإرادة السياسة وبناء الثقة قبل بدء الحوار والمساومة والقبول والإقرار قبل بدء الحوار بأنّ مخرجاته ستكون ملزمة للجميع.
ويشير خضر في سلسلة مقالات أنّ هذا العنصر الأخير يُعدّ الأكثر حسمًا لنجاح الحوار الوطني، إذ يُحوِّله من مجرد نقاش فكري أو توصيات استشارية إلى التزام سياسي وقانوني لا رجعة عنه.
وأوضح خضر أنّ العنصر الرابع هو الهيكل الذي يجعل قوام الحوار متماسكًا، ويمنع انهياره بعد انتهاء جلساته، لافتًا إلى أنّ الاتفاق على إلزامية مخرجات الحوار ينبغي يسبق انطلاقة الحوار لا أن يأتي في نهايته، عملًا بالقاعدة الذهبية: «الاتفاق على آلية الخروج يكون قبل الدخول، وليس عند الخروج».
وتابع خضر أنّ الإقرار المسبق بالإلزام يُدخل الجميع في حالة من «الجِدّية الإستراتيجية»، لأنهم يدركون أن ما سيتفقون عليه سيتحول إلى واقع معاش. كما أنّ المواطنين الذين ينظرون إلى الحوار بقلق وتوجس، وربما تشاؤم، ينشدون ضمانة أن هذا الحوار ليس «ضربًا في الهواء» أو مجرد «ثرثرة سياسية»، بحسب وصفه.
ووضع خضر جملة من الاشتراطات لنجاح أيّ حوار وطني، في السودان، بما في ذلك الاستيفاء الكامل لمنظومة متكاملة من الترتيبات الإجرائية والتنظيمية والسياسية.
ويقول خضر إنّ أيّ حوار جاد ويراد أن يُكتب له النجاح، لا بد من أن يسبقه تحضير جيد، عبر المشاورات والاتصالات واللقاءات غير الرسمية بين جميع الأطراف، ويمكن تنظيمها خارج السودان أو داخله، على أن تبحث تشكيل اللجنة التحضيرية للحوار، وماهية أهدافه، وكيفية تنظيمه، والتحديات التي ستواجهه.
وتتضمن هذه اللقاءات والمشاورات، بحسب خضر، مناقشات وعصفًا ذهنيًا لتقريب وجهات النظر، وتحديد القضايا الخلافية المتعلقة بأسباب الحرب وحصرها، وتعريف الأزمة وسيناريوهات الخروج منها، وتقييم فشل تجارب الحوارات السابقة، واستخلاص الدروس المستفادة، وتحديد أسباب فشل الحكومات الوطنية منذ استقلال السودان وحتى تاريخه في بناء دولة ما بعد الاستقلال الوطنية.
كما اشترط خضر التوافق على لجنة تحضيرية من الأطراف كافة، تبحث كيفية تنظيم الحوار، وإدارته، والمشاركين فيه، وأجندته، ومقر انعقاده، وتمويله، وكل القضايا الفنية واللوجستية، بالإضافة إلى اقتراح مسودة لائحة لإدارة الحوار وتنظيمه، يتوافق عليها الجميع ويُوقّع عليها في الجلسة الأولى، وتتضمن: قواعد سلوك احترام الرأي الآخر، ومنع الخطاب التحريضي، واحترام وقت المتحدث، ومنع المقاطعة، وتجريم السب والقذف، وآلية اتخاذ القرارات، وذلك بهدف خلق مساحة رحبة تتصارع فيها الأفكار وليس الأشخاص، بما يثري المداولات ويساعد على التوصل إلى حلول توافقية.
وشدد خضر على ضرورة التفريق، في وضع السودان الراهن، بينَ «حوارٍ في ظلِّ الحرب» و«حوارٍ يُنهي الحربَ». فالأوَّلُ وسيلةٌ وليس غايةٌ، وهدفه الوصول إلى الثاني، إذ يمكنه أن يوقف القتال، لكنه لن يوقف الحرب. وهو حوار معقد ويشترط أن تتوفر له ضماناتٌ تحميه من أن يكونَ غطاءً لإعادةِ التجميعِ والاصطفاف وجسرًا لركوب الشرعية، أو منصَّةً للتسويقِ الإعلاميِّ، أو ساحةً لتبادلِ الاتِّهامات. فإذا غابتْ هذه الضماناتُ، فلن يصمد هذا الحوار وسينهار وتتفاقم مع انهياره التداعيات، بحسبه.
كما رأى خضر أنّ الدعوات إلى انعقاد الحوار السوداني بمنطق «مَن حضر»، هو خيارٌ كارثي وابتزال لفكرة الحوار نفسها، بل ويغرقها في مستنقع مَأزق أخلاقي وسياسي عميق، وينسف معناها تمامًا، موضحًا: «وفق هذا المنطق المعوج سيكون الحوار مجرد مناجاة ذاتية يتلبسها وهم شرعنة الواقع، بينما فعليًا يُعمِّقُ جراحات الوطن ويُكرِّسُ انقساماته وتفتته».
ويمضي خضر قائلًا: «والأخطرُ من ذلك، أنّ الخطرَ الجوهريَّ لا يكمنُ فقط في غيابِ هذا الطرف أو ذاك عن طاولةِ الحوار، بل في تحوَّلُ الحوار نفسه إلى آلةٍ لتصنيعِ الذرائع لاستمرار الحرب، لا لطلبِ السلام».
وأوضح خضر أنّ الحوار الحقيقي والجاد، أي الذي يمكن أن يفضي إلى سلام واستقرار البلد، لا يُشترَطُ فيه جمَعَ الأطراف في غرفةٍ واحدةٍ في البداية، لكن يُشترَطُ فيه، مع إقراره واعترافه بالأطرافِ كافَّةً، أن يُعلَنَ منذُ البدايةِ أنَّه حوارٌ لكلِّ السودانيينَ، في كلِّ مكانٍ وجدوا فيه، وأنَّ الانعقاد الجغرافي لا يُلغِي الحضورَ السياسيَّ، وأن يُتيحَ مساراتٍ للوصولِ إليهم، ولو عبرَ وسطاءَ، أو لقاءاتٍ غيرِ مباشرة، أو حواراتٍ موازيةٍ في دولٍ مجاورةٍ أو محايدة، وذلك حتى تتهيَّأَ ظروف أكثرَ إنصافًا تُمهِّدُ لالتئام حوارٍ شاملٍ داخل السودان. أمّا الحوار وفق منطق «من حضر» فهو نفيٌ للآخرِ قبلَ أن يُولَدَ الحوارُ نفسه، وهو عينُ ما يُغذِّي الحروبَ ولا يُنهيها.
في بلدٍ جرب الحوارات السياسية منذ ما قبل استقلاله، وما يزال يبحث عن مخرج لأزماته المعقدة التي ما انفكت تقف أمام محاولات تقدمه، وإنهاء دورات متواترة من الحروب والصراعات وعدم الاستقرار السياسي، طُرحت مبادرة جديدة لإجراء حوار سوداني – سوداني داخل البلاد. وقبل حتى أن يبدأ الحوار قابله الفرقاء السياسيون، بالرفض والقبول، لكن مقدمو المبادرة يقولون إنه حوار مستقل ويهدف إلى إنهاء الاقتتال في السودان والانتقال إلى مرحلة جديدة تُسكت فيها أصوات البنادق. لا يرفض بعض المراقبين الحوار السوداني – السوداني من حيث المبدأ، لكنهم يرسمون صورة أوضح لنجاحه أو فشله المحتملين، استنادًا إلى العوامل الإيجابية والسلبية. بينما ترى قوى سياسية لا تقبله بصيغته الحالية، أنه يعيد تكرار التجارب ويسعى إلى تمكين البرهان من حكم البلاد.