من المنتظر أن يصوت مجلس الأمن الدولي بحلول 12 سبتمبر الجاري، على مشروع قرار أمريكي يهدف إلى توسيع حظر الأسلحة ليشمل كامل الأراضي السودانية بدلًا من إقليم دارفور وحده، وسط انقسام داخلي ودولي، في خطوة قد تغيُّر معطيات الحرب الدامية التي تمزق السودان منذ أبريل 2023. 

وتأتي الخطوة الأمريكية في محاولة لتوسيع حظر الأسلحة المفروض على إقليم دارفور الواقع غربي السودان منذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1556 في 30 يوليو عام 2004، بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة والذي فرض بموجبه حظرًا على تسليح الجماعات غير الحكومية في إقليم دارفور. وفي 29 مارس 2005، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 1591 ليشمل حظر الأسلحة في دارفور الحكومة السودانية أيضًا. 

وأسفر القرار رقم 1591 عن إنشاء لجنة عقوبات والتي تنظر في تدابير الجزاءات التي فرضها مجلس الأمن المتمثلة في: حظر الأسلحة، وحظر السفر، وتجميد الأصول. 

حظر الأسلحة

يطلب إلى جميع الدول اتخاذ التدابير اللازمة لمنع تزويد الكيانات العاملة في دارفور بالأسلحة والمواد ذات الصلة من جميع الأنواع، وأيضًا بالتدريب والمساعدة التقنيين. وتكفل جميع الدول أن أيّ بيع إلى السودان أو إمداد له بالأسلحة والأعتدة المتصلة بها التي لا يحظرها القراران 1591 (2005) و1556 (2004) مقيّد بشرط تقديم ما يلزم من وثائق لتحديد المستخدم النهائي، كيما يتسنى للدول التأكد من أن عمليات البيع أو الإمداد تلك متماشية مع التدابير التي يفرضها هذان القراران.

حظر السفر 

يطلب إلى جميع الدول اتخاذ التدابير الضرورية لمنع الأشخاص الذين قررت اللجنة إدراجهم في قائمتها الموحدة لحظر السفر وتجميد الأصول على أساس المعايير الواردة في الفقرة 3 (ج) من القرار 1591 (2005) من دخول أراضيها أو عبورها.

تجميد الأصول

يقرر أن تجمد جميع الدول الأموال والأصول المالية والموارد الاقتصادية التي يملكها أو يتحكم فيها الأشخاص والكيانات الذين تقرر اللجنة إدراجهم في القائمة الموحدة لحظر السفر وتجميد الأصول على أساس المعايير الواردة في الفقرة 3 (ج) من القرار 1591 (2005). 

عمل اللجنة وولايتها

تتكون اللجنة من جميع الأعضاء الخمسة عشر في مجلس الأمن، وتتخذ قراراتها بتوافق الآراء. وتعد اللجنة تقارير سنوية عن أنشطتها. وللجنة مبادئ توجيهية تنظم أسلوب عملها. وتُعلن الاجتماعات الرسمية وغير الرسمية للجنة في يومية الأمم المتحدة. ويساند عمل اللجنة فريق الخبراء المعني بالسودان. 

النطاق الجغرافي 

وعلى مدى أكثر من عشرين عامًا، ظل النطاق الجغرافي لحظر الأسلحة حصرًا على إقليم دارفور الواقع غربي البلاد، بينما توسع الصراع في السودان بدايةً من أبريل 2023 ليمتد إلى أجزاء واسعة من البلاد، وهو ما يمثّل الأساس الذي يستند إليه مشروع القرار الأمريكي. 

كان القرار رقم 2791، الصادر في 12 سبتمبر 2025، قد طلب من فريق الخبراء تقديم تقريره الختامي بحلول 13 يوليو 2026. وفي 13 يوليو، تسلم أعضاء مجلس الأمن التقرير، لكنه لم يُنشر حتى الآن.  

وفي السادس من أغسطس 2026، أرسلت دولة الإمارات العربية خطابًا رسميًا إلى مجلس الأمن، أعربت فيه عن قلقها من «كشف غير مصرّح به» لمعلومات واردة في التقرير الختامي، بعد مقال نشرته رويترز في 29 يوليو 2026.

بدأت واشنطن تحركاتها في 24 أغسطس الماضي، عندما قدمت مسودة مشروع قرار يقوم على أربعة محاور، طرحها كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس. 

وتشمل مسودة مشروع القرار الأمريكي: توسيع حظر الأسلحة ليشمل كامل الأراضي السودانية، إلى جانب إدراج الطائرات المسيّرة في القرار، وزيادة عدد أعضاء فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة وتوسيع تعاونه مع فرق خبراء أممية أخرى معنية بالمنطقة.  

مواقف متباينة في المجلس 

خلال الجلسة التي طرحت فيها مسودة مشروع القرار الأمريكي، أيّدت الدنمارك التي تولت رئاسة مجلس الأمن الدولي (في أغسطس)، وبريطانيا، وفرنسا، مقترح واشنطن. وفي المقابل، أبدت كلٌّ من روسيا والصين تحفظهما على مشروع القرار الأمريكي، إذ رفضت موسكو المساواة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. فيما أبدت دولٌ مثل المملكة العربية السعودية ومصر وباكستان موقفًا أقرب إلى الحكومة السودانية. 

يُذكر أنّ التصويت على مشروع القرار الأمريكي في مجلس الأمن الدولي، يأتي قبل انتهاء أجل العقوبات الحالي في 12 سبتمبر، وقبل أسابيع من انتهاء ولاية فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة في  أكتوبر المقبل. 

سيناريوهات التصويت

تتعدد السيناريوهات المحتملة للتصويت على مشروع القرار الأمريكي في مجلس الأمن الدولي، والتي قد تُحسم لمصلحة التجديد التقني، أي بالإبقاء على حظر الأسلحة في إقليم دارفور مع تمديد ولاية فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة، خاصة أن معظم أعضاء المجلس دعموا تمديدات فنيّة مماثلة سابقًا، إذ حظي هذا القرار بـ13 صوتًا في فبراير 2025، في المقابل امتنعت كل من موسكو وبكين عن التصويت.

ويتمثل السيناريو الثاني في احتمالية استخدام روسيا حق النقض ومعارض الصيت في مواجهة مشروع القرار الأمريكي.

حملة أمريكية

ولكن، ومع ذلك، ما تزال الحملة الأمريكية بتوسيع حظر الأسلحة ليشمل كل الأراضي السودانية مستمرة. ففي مقال مشترك بين كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية والعربية مسعد بولس والمندوب الدائم للولايات المتحدة في مجلس الأمن الدولي مايكل والتز، نُشر في مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية في الثالث من سبتمبر الجاري، أكدا أن استمرار تدفق السلاح إلى السودان يقوض أي تسوية محتملة. وأشارا إلى أنّ أكثر من 12 دولة تقدم دعمًا عسكريًا للجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

وتطرق المقال إلى الأزمة السودانية، ووصفها بـ«الأسوأ في العالم»، مشيرًا إلى حاجة أكثر من 33 مليون شخص إلى المساعدات، بينما يواجه 19.5 مليون شخص جوعًا حادًا، بالإضافة إلى سقوط 150 ألف قتيل على الأقل، ونزوح تسعة ملايين داخليًا، ولجوء 4.5 ملايين إلى الخارج. كما اتهم المقال قوات الدعم السريع بارتكاب إبادة جماعية وعنف جنسي، إلى جانب الإشارة إلى الانتهاكات التي ارتكبها الجيش السوداني.  

عدم يقين أمريكي

غير أنّ بولس أبدى في مقابلة مع قناة «بي بي سي» بعض الشكوك إزاء إمكانية تمرير مشروع القرار، إذ قال: «قد ننجح في تمريره، وقد لا ننجح»، لافتًا إلى أنّ الأمر يرتبط بموازين القوى داخل مجلس الأمن. 

عدم يقين بولس بتمرير مشروع القرار في مجلس الأمن الدولي، دفع الباحث الأمريكي كاميرون هدسون، المتخصص في شؤون السودان وإفريقيا، إلى القول إنه طيلة سنوات عمله، لم يرَ الدبلوماسية الأمريكية تتعامل بهذه الخفة، وبمنطق المقامرة، بدلًا من إنجاز العمل الدبلوماسي التمهيدي اللازم لضمان قبول مقترح أمريكي. 

كما انتقد هدسون ما وصفه بمراوغة بولس في تسمية دولة واحدة تبيع السلاح حاليًا لأيّ من طرفي النزاع، في الوقت الذي يدفع فيه نحو فرض حظر شامل عليهما.

ورأى الباحث الأمريكي أنّ هذه النقطة تكشف مدى افتقار السياسة الأمريكية تجاه السودان إلى البوصلة الأخلاقية. «من الواضح أنهم لا يأخذون مقترحهم هم أنفسهم على محمل الجد، فلماذا يأخذه أيّ طرف آخر على محمل الجد؟» – أردف هدسون.

أمميًّا، دعت بعثة تقصي الحقائق في السودان التابعة للأمم المتحدة، في تقرير رفعته إلى مجلس حقوق الإنسان، إلى توسيع الحظر ليشمل كامل الأراضي السودانية. كما حثت الدول على وقف تزويد الجيش والدعم السريع بالطائرات المسيّرة. 

ردود الفعل السودانية

في الداخل السوداني، دعا تحالف «صمود»، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، إلى توسيع حظر الأسلحة ليشمل كامل الأراضي السودانية.

أمّا الحكومة السودانية، فقد رفضت عبر المندوب الدائم للسودان في الأمم المتحدة، الحارث إدريس، توسيع حظر الأسلحة ليشمل كامل الأراضي السودانية. ووصفه إدريس، في جلسة مجلس الأمن، في 24 أغسطس الماضي، بأنه يمثل تدميرًا ممنهجًا للجيش السوداني. 

كما انتقد إدريس أيضًا توسيع صلاحيات فريق الخبراء ليشمل ملفات إضافية كالطائرات المسيّرة والتقنيات مزدوجة الاستخدام والموارد الطبيعية، لافتًا إلى أن ذلك يُعدّ إنشاءً لنظام عقوبات جديد كليًا لا تجديدًا لآلية قائمة، ومطالبًا بتمديد تقني للحظر الحالي، مع تحسين تنفيذه.

ومن جانبه، قال الدبلوماسي السوداني في بعثة السودان بالأمم المتحدة، عمار محمود، ردًا على مقال «فورين بوليسي»، قائلًا إنه يقلب المشكلة رأسًا على عقب.

وأضاف محمود أنّ السودان لا يطلب من مجلس الأمن أن يتجاهل تدفق الأسلحة، بل يطلب منه إنفاذ الحظر القائم أصلًا، لافتًا إلى أنّ قوات الدعم السريع ظلت تتزوّد بأسلحة متطورة ومسيّرات ومرتزقة وشبكات إمداد خارجية، تمثل انتهاكًا للقرار 1591. وتابع: «ومع ذلك، وبدلًا من محاسبة من يسلّح الدعم السريع، فإن الحظر الشامل المقترح سيقيّد الجيش السوداني الوطني عن ممارسة حقه السيادي في الدفاع عن النفس، بينما تستمر شبكات الإمداد غير المشروعة في تغذية الدعم السريع».

وأوضح الدبلوماسي السوداني قائلًا إنّ الأكثر دلالة أن كاتبي المقال أنفسهما يقرّان بأن «التدخل الدولي» والشبكات الأجنبية التي تمدّ الأطراف بالسلاح والمسيّرات والأموال والمرتزقة هي التي أطالت أمد الحرب. وأضاف: «إذن، سمّوهم. وأوقفوهم. وعاقبوهم. وأغلقوا شبكات إمدادهم. وانفذوا القرار 1591».

وأكد محمود أنّ السلام لن يزدهر بنزع سلاح الدولة السودانية بينما تُسلَّح «الدعم السريع» من الخارج، مشيرًا إلى أنّ ما يحتاج إليه السودان هو «الإنفاذ، لا المساواة الزائفة». «لا يُصلَح حظر أسلحة مُنتَهَك بتوسيعه، بل بإنفاذه» – أردف عضو بعثة السودان بالأمم المتحدة. 

شارك/ي التقرير

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp

اشترك في نشرتنا الإخبارية الدورية

مزيد من المواضيع