عمر الفاروق

عمر الفاروق

شطبت أسرة (م. ح) المكونة من ثلاثة أفراد، والتي تعيش في العاصمة السودانية الخرطوم، وجبة العشاء من قائمة الوجبات الأساسية، مكتفيةً بوجبتي الإفطار والغداء، بالإضافة إلى تناول شاي الصباح، فيما تتصاعد أسعار السلع الغذائية بالتزامن مع استمرار انخفاض قيمة الجنيه السوداني طيلة الأسابيع الماضية والتي تجاوزت ثمانية آلاف جنيه مقابل الدولار الأمريكي في السوق الموازي. وكل ذلك وسط حرب دامية واقتصاد دمره الصراع.

يقول (م.ح) لـ«بيم ريبورتس» إن قيمة التكلفة اليومية لتأمين معيشة أسرة في مدينة الخرطوم تصل إلى أكثر من 30 ألف جنيه سوداني (نحو 5 دولارات)، تشمل شراء الخبز لوجبتين بـ10 آلاف جنيه، والزيت والسكر وبعض المواد الغذائية الأساسية بـ10 آلاف أخرى، بالإضافة إلى الخضراوات والفول بالتكلفة نفسها، إلى جانب 2,500 جنيه لشراء رطل من اللبن في اليوم. 

ويوضح (م. ح) أن هذه التكلفة لا تشمل شراء الفحم أو غاز الطبخ أو أي مواد كمالية أو أي نوع من أنواع الرفاهية. 

أما عن شراء اللحوم، فيجيب (م. ح) ساخرًا «اللحمة دي مافي»، في إشارة إلى أنها صعبة المنال.

جانب من سوق أم درمان- الصورة: بيم ريبورتس

في مدينة أم درمان، غربي الخرطوم، يشكو (ع. ق)، والذي يعول أسرته المكونة من خمسة أفراد، وقد كان يمتلك «ركشة»، لكنها نُهبت خلال الحرب، من عدم توافر فرص العمل. «العمل المتاح حاليًا في العاصمة هو أن يكون لديك رأس مال لتنشئ مشروعًا»، يقول (ع. ق) لـ«بيم ريبورتس». ويضيف أن تكلفة تأمين الوجبات اليومية لأسرته تصل إلى نحو 30 ألف جنيه في حدها الأدنى. 

في مدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور، والمعقل الرئيسي لقوات الدعم السريع، لا تبدو الأوضاع المعيشية أفضل، إن لم تكن أسوأ، مقارنةً بمناطق سيطرة الحكومة السودانية بقيادة الجيش.  

يقول (أ. ع) لـ«بيم ريبورتس» إن تكلفة المعيشة اليومية لأسرة تتكون من ثلاثة إلى خمسة أفراد تتراوح بين 30 إلى 45 ألف جنيه سوداني، وتشمل وجبتي الإفطار والغداء، إلى جانب شاي الصباح.  

وتكلف وجبة الإفطار المكونة من رغيف الخبز والفول والقليل من الفلافل (الطعمية) نحو 15 ألف جنيه سوداني، فيما تكلف وجبة الغذاء المبلغ نفسه تقريبًا، وتتكون من خبز «الكِسرة» وربع كيلوغرام من اللحم لإعداد وجبة، فضلًا عن تكلفة الزيت والسكر والبصل واللبن وغيرها من الخضروات والتوابل التي قد تصل تكلفتها في اليوم إلى نحو 15 ألف جنيه.

ويوضح (أ. ع) أن الأسر الأقل دخلًا تعتمد في غذائها على خبز «الكِسرة» والعصيدة والتي قد تصل التكلفة  اليومية نحو 10 آلاف جنيه. 

في نيالا لا يوجد غاز الطبخ، ويلجأ الناس إلى الفحم والحطب، بحسب (أ. ع).

كما تضاعف قلة تداول النقد في المدينة، حيث ما تزال تُستخدم الفئات القديمة من العملة، تكاليف الشراء، إذ يستقطع التجار عند الشراء عبر تطبيق «بنكك» عمولة كبيرة تصل في بعض الأحيان إلى 30 في المئة.

هذه الضغوط المعيشية التي تعم السودان دفعت إلى احتجاج العشرات في مدينة القضارف شرقي السودان، الأحد، حسبما أعلنت لجان مقاومة المدينة. 

تخفيف أعباء المعيشة

رئيس الوزراء كامل إدريس

في قلب هذه الأزمة الاقتصادية التي تطحن ملايين السودانيين، تقول الحكومة إنها تتخذ إجراءات لتخفيف أعباء المعيشة، لكن يبدو أن تمويل الحرب يأتي في قلب اهتماماتها. وقال وزير المالية، جبريل إبراهيم، الإثنين، إن الحرب كان لها أثر بالغ على القطاع الخاص، إذ انعكست الصدمة على الناتج المحلي الإجمالي الذي انخفض أكثر من 40% خلال عامي 2023 و2024. 

وأعلن مجلس الوزراء، في 15 سبتمبر الجاري، إنه عقد اجتماعًا موسعًا ناقش فيه حزمة من الحلول لتخفيف أعباء المعيشة على المواطن. 

وترأس الاجتماع، بحسب وكالة السودان للأنباء «سونا»، رئيس الوزراء كامل إدريس، وضم وزراء: الحكم الاتحادي والتنمية الريفية، والمالية، والصناعة والتجارة، والتحول الرقمي والاتصالات، إلى جانب والي ولاية الخرطوم.

وذكرت «سونا» أن الاجتماع وجّه بالإسراع في تفعيل مراكز البيع المخفض بالعاصمة والولايات لمقابلة احتياجات المواطنين من السلع الاستهلاكية بأسعار مخفضة.

وفي السياق نفسه، قال المدير التنفيذي لمحلية الخرطوم، عبد المنعم البشير، إنه وجّه برفع تقرير يومي عن موقف عمل المخابز بالمحلية، يتضمن انسياب الدقيق من الوكلاء والمطاحن، وأسعار وأوزان الخبز، ومدى التزام أصحاب المخابز بالاشتراطات الصحية وسلامة المستهلك.

غير أنّ الحكومة تتعاطى مع الأزمة الاقتصادية، بما في ذلك انخفاض قيمة العملة الوطنية أمام العملات الأجنبية، فيما يبدو باعتبار أنها تجري في ظروف طبيعية لا ظروف حرب حولت آلاف الأسر ذات القدرة الاقتصادية الجيدة إلى أسر شبه معدمة. 

سياسة حبس السيولة

المحلل الاقتصادي السوداني د.هيثم فتحي- الصورة: الجزيرة

المحلل الاقتصادي هيثم فتحي يقول لـ«بيم ريبورتس» إن استقرار سعر الصرف خلال فترات سابقة لم يكن نتيجة تحسن اقتصادي فعلي، بل جاء بفعل سياسة «حبس السيولة»، التي حدت من قدرة الأفراد على شراء الدولار، بحسب قوله.

وأضاف فتحي أن تقييد السحب وتقليص الكتلة النقدية في السوق أديا إلى انخفاض مؤقت في الطلب على الدولار، قبل أن يعاود الارتفاع تدريجيًا مع عودة السيولة، ما دفع سعر الصرف إلى الصعود مجددًا.

«في تقديري، يشهد السودان صراعًا حادًا ومتشعبًا بين الأطراف الإقليمية والدولية، لا يقتصر فقط على السيطرة الجغرافية بل يتعداه إلى الصراع على الموارد الاقتصادية، خاصة حقول النفط ومناجم الذهب والمعادن التي تمثل محور اهتمام إستراتيجي في البلاد»، يقول فتحي، مشيرًا إلى أن هذه الموارد تعد هدفًا للأطراف في الحدود الشرقية والغربية والجنوبية وعلى البحر الأحمر، بهدف تحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية تعزز نفوذها على الأرض. 

ويرى المحلل الاقتصادي أنّ ثمة عقوبات اقتصادية دولية غير معلنة على السودان، قال إنها أدت إلى عزلة وعطَّلت التجارة الخارجية وجعلت الاقتصاد السوداني غير قادر على جذب الاستثمارات.

وأوضح فتحي أن التضخم المستمر وانخفاض قيمة الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية وارتفاع تكاليف المعيشة يدفعان بالمزيد من السودانيين إلى الفقر، مما يفاقم الأزمة الإنسانية.  

كما أشار إلى أنّ انتشار الاقتصاد غير الرسمي أصبح سمة بارزة، إذ إنّ شبكات السوق الموازي وتعدد القوات الأمنية التي تُسيطر على جزء كبير من الأنشطة الاقتصادية، بما في ذلك التهريب وتجارة السلاح، وهو ما يمثل تحديًا لأيِّ جهود مستقبلية لإعادة بناء الاقتصاد.

وفيما يتعلق بالعملة، عزا فتحي إخفاق محاولات احتواء ارتفاع أسعار الدولار والسيطرة على السوق الموازي إلى التركيز على بالحلول الأمنية والقرارات قصيرة الأجل دون معالجة أصل المشكلة الاقتصادية الهيكلية. فالعملة الصعبة تحكمها معادلة العرض والطلب، وما لم ترتفع موارد الدولة الذاتية من النقد الأجنبي، تظل أدوات السيطرة محدودة الأثر، في رأيه.

ويرى فتحي أن النجاح في محاصرة الدولار لا يكمن في ملاحقة السعر بقرارات إدارية متلاحقة، بل في الانتقال إلى حلول جذرية مستدامة؛ وأبرزها تحفيز الإنتاج المحلي، زيادة الصادرات، جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وإعادة الثقة الكاملة في النظام المصرفي الرسمي ليكون هو القناة الجاذبة والأولى للنقد الأجنبي.

وذكر فتحي أن الضربات من الدعم السريع أدت إلى زيادة حالة الفقر، وزيادة في التضخم، نتيجة تراجع الجنيه أمام الدولار، وهو ما أدى إلى ارتفاع تكاليف سلة الغذاء، وتراجع الدورة الاقتصادية للعملة إلى أكثر من 80% عما كانت عليه قبل الحرب، وهذا ما جعل الفاقد ونسبةً كبيرةً من الـ20% المتبقية تتحول إلى كتلة نقدية قائمة على المضاربات.

وأكد فتحي أهمية إجراء إصلاحات اقتصادية واسعة وبعيدة المدى، والتوجه نحو تحرير مدروس للاقتصاد السوداني، وتطوير بيئة أعمال محابية للاستثمار، وجذب الاستثمارات الممكنة، ولا سيّما استثمارات السودانيين، وتطوير التجارة الخارجية، وتقديم تسهيلات لعملية الاستيراد والتصدير، بما في ذلك تقليل التكاليف والتعقيدات واختصار الزمن وتبسيط إجراءات تأسيس المشروعات، بما فيها المشروعات الصغيرة، والعديد من الإجراءات المتعلقة بالاقتصاد الكلي وإدارته.

ولفت فتحي إلى أنّ الجنيه السوداني مرآة لحالة الاقتصاد السوداني، مؤكدًا أنه لا يمكن تصور استقرار دائم للجنيه دون استقرار حقيقي للاقتصاد، وأن استمرار الحرب وتباطؤ الحلول سيدفع بالجنيه إلى مزيد من الانهيار، وهو ما يتطلب الخروج من حالة الجمود في السياسة النقدية وتقليص مساحة السوق الموازي وفاعليته.

تدخلات جزئية و مرتجلة للبنك المركزي ووزارة المالية

المحلل المصرفي د. لؤي عبد المنعم

يشير المحلل المصرفي، لؤي عبد المنعم، في إفادته لـ«بيم ريبورتس»، إلى أن تدخلات البنك المركزي ووزارة المالية في الأزمة الجارية، اتسمت بالجزئية والارتجال وغياب الرؤية الكلية، مثل ضخ مبالغ محدودة من النقد الأجنبي أو منح المصارف حرية تعديل أسعار الصرف، أو إلغاء الرسوم الجمركية على منظومات الطاقة الشمسية لتخفيض تكاليف توليد الكهرباء والصيانة، واستئناف صادرات اللحوم، قائلًا إنها إجراءات مطلوبة، لكنها قصيرة الأجل، ولم تعالج «جذور الأزمة».  

كما أشار عبد المنعم إلى فقدان السيطرة على الموارد، والمتمثل في ضعف الرقابة على حصائل الصادر والذهب، رغم الإجراءات المتخذة، مما أدى إلى إضعاف قدرة الدولة على زيادة الاحتياطيات من الذهب، بالتزامن مع استمرار «الطباعة غير المنضبطة» للجنيه لتغطية العجز المالي.  

ولفت عبد المنعم أيضًا إلى ضعف التناغم بين السياسة المالية والنقدية في ظل الإنفاق الحكومي غير المنضبط وعدم مواكبة أدوات البنك المركزي الرقابية، مما خلق فجوة هيكلية عمقت انهيار العملة.

وأوضح المحلل المصرفي أنه في ظل ضعف السياسات المتبعة لمحاصرة الأزمة، تراجعت قيمة الجنيه السوداني تراجعًا خطيرًا يهدد بانهيار شامل للأمن الغذائي وعجلة الإنتاج، مشيرًا إلى أن الأزمة تعمقت في ظل الحرب بتنامي شبكات التحويلات غير الرسمية، سواء في مناطق سيطرة الحكومة أو الدعم السريع، وقد أدى توسع هذه الشبكات إلى فقدان الثقة في البنوك وزيادة الدولرة.

وبحسب عبد المنعم، فإن للمعدنيين الأفراد وشركات «الكرتة» (وهي مصانع تعمل في معالجة مخلفات التعدين) دور كبير في الأزمة ابتداءً، إذ يباع الذهب خارج القنوات الرسمية، في ظل وجود مئات الشركات الصغيرة التي تفضل البيع لشركات الامتياز نقدًا، مما يحرم الدولة من موارد إستراتيجية، ثم المضاربة بالدولار، إذ يحول العائد النقدي مباشرة إلى عملة صعبة لحماية الأرباح، مما يخلق طلبًا إضافيًا على الدولار ويضعف الجنيه. 

«إلى جانب أن استمرار تهريب الذهب حرم السودان من التدفقات المنتظمة لأهم مورد في الميزانية وفاقم فقدان الدولة للسيطرة على تدهور سعر الصرف»، يردف عبد المنعم.

كما عبد المنعم ألقى باللائمة على التجار والمستوردين الذين قال إنهم ساهموا في الأزمة من خلال حرصهم الطبيعي لحماية رؤوس أموالهم ومدخراتهم، فتجار الجملة والتجزئة غالبًا ما يلجأون لتخزين السلع أو التعامل بالدولار بدلًا من الجنيه. فيما تمكن مستوردو السلع الكمالية رغم الحرب من تجميد قرار سابق من مجلس الوزراء يحظر استيراد السلع الكمالية، مما أدى إلى استمرار الطلب على الكماليات بتمويل من السوق الموازي.  

وأوضح عبد المنعم أنه في ظل تشابك أطراف الأزمة نشطت غرف مالية قال إنها مرتبطة بالإمارات وتعمل بالتنسيق مع تجار عملة محليين و«الدعم السريع» لضرب الجنيه عبر مضاربات مفتعلة، مما يزيد من مساحة تمدد السوق الموازي خارج الرقابة.

وأضاف عبد المنعم أن شركات الحكومة في سعيها إلى تأمين السلع الإستراتيجية من الوقود والقمح والدواء تضارب لشراء الدولار بغرض الاستيراد لهذا السلع.

وبحسب عبدالمنعم، فإن الحكومة مضطرة لاستيرادها بأسعار مرتفعة بعد تراجع الدعم السعودي وتحوله إلى دعم رمزي في ظل الحرب المستعرة في الخليج والتي نجم عنها ارتفاع كبير في سعر الوقود حتى في الولايات المتحدة الأميركية.

وشدد عبد المنعم على أن الوقود هو عصب التجارة، وأن أيّ زيادة فيه تنعكس مباشرة على تكاليف النقل والإنتاج، فتغذي التضخم. والحرب في الخليج أثرت مباشرةً في سلاسل الإمداد، خاصة بعد ضرب الحوثيين مصافي النفط السعودية، مما قلل من قدرة الرياض على تقديم منح أو تسهيلات، وأجبر السودان على شراء الوقود بسعر السوق العالمي.

وقد تضافرت كل هذه العوامل، بحسب عبد المنعم، في جعل الاقتصاد السوداني أسيرًا لاقتصاد الظل والمضاربات، وفي ظل ضغوط لوبيات المصالح ضعفت الإرادة لإجراء أي إمكانية لإصلاح هيكلي سريع في الجهاز المصرفي وسياسات الاستيراد والتصدير وترشيد الانفاق الحكومي.

وفيما يتعلق بمسؤولية الحكومة في كل ما يجري، قال عبد المنعم إنها مسؤولية مركبة ومعقدة في ظل الحرب، فهي تدير اقتصاد حرب يتطلب توازن دقيق بين تأمين المجهود الحربي وتخفيف أعباء المعيشة. غير أنّ المعالجات الحالية قاصرة وقصيرة الأجل، وتعتمد على الدعم الخارجي أكثر من اعتمادها على إصلاح داخلي هيكلي، في رأيه.  

ورأى أن الحل الحقيقي يتطلب إرادة سياسية قوية لكسر نفوذ «لوبيات المصالح»، واستدعاء خبراء مستقلين لصياغة سياسات اقتصادية متوازنة وتحريك الحلول المجمدة من الأدراج إلى التنفيذ العملي.

وأكد أن استمرار الحرب يعقد الأزمة الاقتصادية ويؤثر فيها على نحو مباشر، لكن بعض الحلول الهيكلية ممكنة حتى في أثناء الحرب إذا توفرت الإرادة السياسية، لافتًا إلى أن الجنيه الذهبي الإدخاري محصور التداول داخل المصارف مثال حي على حل منخفض التكلفة وعميق الأثر، يمكن أن يخفف الضغط على سعر الصرف ويعيد الثقة تدريجيًا في الجهاز المصرفي. 

«ما ينقص الحكومة ليس غياب الحلول، بل غياب الإرادة والجرأة على تنفيذها بعيدًا عن ضغوط لوبيات المصالح»، يضيف عبد المنعم.  

وقال إن فاعلية الجنيه الذهبي الإدخاري، بوصفه حلًا هيكليًا عمليًا وإستراتيجيًا، تتمثل في أنه غير مكلف للميزانية لأنه يعتمد على الذهب المتوفر بوصفه أصلًا احتياطيًا، ولا يحتاج إلى طباعة عملة ورقية جديدة أو اقتراض خارجي. إلى جانب أنه يعيد الثقة في الجهاز المصرفي لأنه يحصر التداول داخل البنوك ويمنع المضاربة ويجبر الكتلة النقدية على العودة إلى النظام المصرفي لتحريك الاقتصاد الجامد.

كما يحدّ من الطلب على الدولار مما يوفر أداة ادخار آمنة مرتبطة بالذهب، ويقلل من توجه المواطنين والتجار إلى السوق الموازي، بالإضافة إلى تعزيز الاحتياطي الذهبي للبنك المركزي عبر شراء الذهب من المعدنين وتخزينه، مما يقوي الموقف النقدي للدولة ومخاطبة هموم المواطنين لأنه يقدم وسيلة ادخار مستقرة في بيئة فقدت الثقة في الجنيه الورقي.

وفيما يتعلق بالدعم الدولي، ذكر أنه لم ينقطع تمامًا، لكنه بقي محدودًا ومشروطًا، يركز على الجوانب الإنسانية أكثر من التنمية الاقتصادية، موضحًا أن حرب الخليج أثرت في سلاسل الإمداد عالميًا، ما ضاعف أزمة السودان. «إذا توقفت الحرب الداخلية، فإن السودان سيستعيد تدريجيًا الاستثمار الأجنبي والدعم التنموي، وهو ما يمكن أن يشكل نقطة تحول في مسار الاقتصاد»، يقول عبد المنعم.

واتهم عبد المنعم الدعم السريع بأنها كانت أحد أبرز عوامل الأزمة الاقتصادية عبر السيطرة على الموارد، وضرب العملة، وزعزعة الاستقرار. لكن مع تراجعها الميداني مؤخرًا والانشقاقات الداخلية والحصار الدولي، بدأ تأثيرها السلبي ينحسر تدريجيًا. وأضاف: «رغم ذلك، لا يمكن الاستهانة بقدرتها على إحداث أزمات موضعية ما دامت الحرب مستمرة، حتى وإن فقدت السيطرة الواسعة، حتى في وجود الحلول فدرهم وقاية خير من قنطار علاج».

إقتصاد الحرب في السودان

أستاذ السياسات العامة والاقتصاد في معهد الدوحة للدراسات العليا، د.حامد علي

 

لكن ما يجري في السودان ليس مجرد أزمة عابرة، وإنما يجري في قلب اقتصاد الحرب. 

تناول أستاذ السياسات العامة والاقتصاد في معهد الدوحة للدراسات العليا، حامد علي في مشروع بحثي بعنوان «اقتصاد الحرب في السودان: الهشاشة القطاعية، والاستحواذ على الموارد، والاقتصاد السياسي للعنف»، الكيفية التي أعادت بها دورات الصراع تشكيل الاقتصاد السوداني، محوِّلةً الحرب من مصدرٍ للدمار إلى نظام تتداخل فيه آليات تراكم الثروة والسيطرة على الموارد وممارسة السلطة. 

في إطار مشروعه البحثي، انطلق علي، الذي تناول هذه التحولات خلال الفترة 1983 – 2025، من مساءلة التصورات التي تختزل الحرب في انهيار الدولة أو تعطّل النشاط الاقتصادي. 

وطرح سؤالًا عن أسباب تمكّن بعض القطاعات من البقاء، بل الازدهار، خلال النزاعات، في مقابل تراجع القطاعات الإنتاجية الرسمية. 

ورأى علي أن الصراع الممتد أفرز أنظمة بديلة لتكوين الثروة، تتمحور حول استخراج الذهب، وشبكات التهريب، والجبايات الافتراسية، والتجارة غير الرسمية؛ وهي أنشطة لا تتكيف مع ظروف العنف فحسب، بل توفّر أيضًا مصالح وحوافز تسهم في استدامته وإعادة إنتاجه.

أستاذ السياسات العامة والاقتصاد في معهد الدوحة للدراسات العليا ربط هذا التصور بالمسار السياسي للسودان منذ الاستقلال، إذ تداخل التنافس على السلطة مع التفاوتات الإقليمية والإقصاء السياسي والصراع على الأراضي والموارد الطبيعية.

ولفت إلى أن تعاقب الحكومات العسكرية والمدنية الهشّة لم يُفضِ إلى معالجة هذه التوترات، في حين ظلّت اتفاقيات السلام تنتج تسويات مؤقتة، يعقبها تنفيذ جزئي أو انهيار. وعزا أحد أوجه قصورها إلى غياب معالجة التوزيع غير العادل للموارد والاقتصاد السياسي للتهميش. 

وفي هذا الإطار، قرأ نزاع دارفور والحرب المندلعة في أبريل 2023، بوصفهما حلقتين متصلتين ببنية أوسع من التنمية غير المتوازنة، لا حدثين منفصلين عن تاريخ تشكّل السلطة والثروة.​​​

وقدّم علي إطارًا جغرافيًا ثلاثيًا لاقتصاد الحرب، ميّز بين المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني والمناطق الواقعة تحت سيطرة قوات الدعم السريع، والمناطق الحدودية غير المحكومة. 

وبحسب علي، فالأولى تحتفظ ببنية مالية تابعة للدولة، وإن كانت متآكلة، بينما تتّجه الثانية نحو أنظمة حكم بديلة تستند إلى الاستخراج والإكراه واحتكار النشاط التجاري. أمّا المناطق الحدودية، فتعمل بوصفها ممرّات تجارية تهيمن عليها شبكات التهريب والوسطاء المسلّحون. وبذلك، تصبح الجغرافيا الاقتصادية ساحةً للتنافس السياسي، وتتجاوز السيطرة على الموارد وظيفتها التمويلية لتغدو أداة لتنظيم السلطة​ وفرض النفوذ.

تجربة الكونغو الديمقراطية

وزير المالية السابق د.إبراهيم البدوي

الحل الجذري لإنهاء التدهور الاقتصادي يتمثل في إيقاف الحرب. يقول وزير المالية السابق، إبراهيم البدوي إن الدرس المحوري، حسبما تُظهر تجربة جمهورية الكونغو الديمقراطية أنه لا يمكن تحقيق استقرار مستدام لسعر الصرف، بينما تتعرض الأسس المالية والإنتاجية والإقليمية للعملة للتدمير. 

وقال البدوي قد تكبح قيود الصرف وحظر الاستيراد وأسعار الصرف الإدارية والحملات ضد تجار العملة بعض المعاملات مؤقتًا، لكنها لا تستطيع التعويض عن خسارة الإنتاج والصادرات، وتسييل الإنفاق الحربي، وتفتت السيادة، وانهيار الثقة. 

وتظل السياسات الاقتصادية الكلية مهمة، لأن التمويل غير المنضبط للعجز والفساد يفاقمان آثار الحرب، يضيف.

وأوضح البدوي، في المقابل، أن الاستقرار الجزئي الذي شهدته الكونغو بعد عام 2001 لم يتحقق إلا بعد التسوية السياسية واستعادة الإدارة الاقتصادية الموحدة. مضيفًا «عليه، فإن إنهاء الحرب في السودان ليس مجرد عنصر من عناصر برنامج استقرار سعر الصرف، بل شرطه التأسيسي. أما من دون تسوية سياسية تعيد وحدة الدولة والاقتصاد، فستظل محاولات تثبيت الجنيه تعالج عَرَض الأزمة بينما تواصل الحرب إعادة إنتاج أسبابها». 

وبحسب تقديرات عدة منظمات دولية وإقليمية، حسبما يقول البدوي، فقد انكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو 40 إلى 50% خلال سنوات الحرب منذ العام 2023. 

وظلت الإيرادات الحكومية منخفضة بصورة استثنائية عند نحو 4% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما استمر العجز المالي عند مستوى يزيد على 5% من الناتج، الأمر الذى أدى إلى ارتفاع عرض النقود بحوالى 75% خلال عام 2025 لتمويل العجز المالى المتفاقم، مما أشعل تضخمًا انفجاريًا وصل متوسطه السنوى إلى أكثر من 111% خلال الأعوام الثلاثة الأولى للحرب (2023 – 2025).

وفي مواكبة لهذه التطورات السلبية، تراجعت الصادرات من نحو 4.4 مليار دولار أمريكي في عام 2022 إلى 2.64 مليار دولار في عام 2025، في حين اتسع عجز الحساب الجاري في عام 2025 إلى نحو 4.3 مليارات دولار أمريكي، يقول البدوي. 

ورغم وطأة الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، ما يزال السودانيون يأملون في أن ينتهي كل هذا وأن تستعيد الأسر، مثل أسرة (م.ح)، عشاءها المفقود، وتعاود الحياة دورانها الطبيعي لتمنحهم وعدًا وقمحًا وتمنٍّ.

شارك/ي التقرير

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp

اشترك في نشرتنا الإخبارية الدورية

مزيد من المواضيع
أخبار بيم

نقابة الصحفيين السودانيين تؤكد مناهضة اتهامات وجهتها النيابة العامة لـ«3» من أعضائها

6 مارس 2024 – قالت نقابة الصحفيين السودانيين إنها ستناهض، قانونيًا، اتهامات وجهتها النيابة العامة لثلاثة صحفيين من عضويتها تصل عقوبتها الإعدام. والأربعاء، أعلنت النيابة

المزيد