يواجه آلاف السودانيين، منذ اندلاع الحرب في منتصف أبريل 2023، صنوفًا مختلفة من التصفيات الميدانية والقتل والاحتجاز القسري، بالإضافة إلى الاتهامات بالتعاون والتخابر، وذلك في مختلف المناطق والجغرافيا التي يسيطر عليها كل من الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، حيث يقبع الآلاف في السجون انتظارًا للمحاكمة، أو تمضية لحكم في مناطق سيطرة الحكومة. أو يبقون في المعتقلات بدون أي محاكمة في مناطق سيطرة الدعم السريع.
في المناطق التي تقع تحت سيطرة الجيش السوداني، يواجه آلاف المدنيين اعتقالات ومحاكمات بتهمة التعاون والتخابر مع الدعم السريع. وخلال استعادة الجيش لولاية الجزيرة، تحدثت تقارير عديدة عن ارتكاب انتهاكات وتصفيات بحق مجموعات كانت تعيش في المدنية إبان سيطرة «الدعم السريع»، ما دعا قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، إلى تشكيل لجنة تحقيق، في 15 يناير 2025، لم تصدر نتائجها حتى الآن.
وبرغم اختلاف مسوغات هذه الانتهاكات، فإنها جميعًا تأتي تحت ذريعةٍ واحدة «التعاون والتخابر».
محاكمات القانون الجنائي
تستند محاكمات المتهمين بالتعاون والتخابر التي تُعقد في مناطق سيطرة الجيش السوداني إلى القانون الجنائي لسنة 1991؛ بالتحديد المادة 51 «إثارة الحرب ضد الدولة»، والتي يعاقب عليها بالإعدام أو السجن.
ويُبنى التجريم في مسألة التعاون على المادة 51 من القانون الجنائي السودان، وذلك على أربعة صور، أولاها إثارة الحرب ضد الدولة عسكريًا عبر جمع الأفراد وتدريبهم وتوفير السلاح، والثانية تقديم عملًا عسكريًا لخدمة دولة معادية للسودان، أما الثالثة، فأن تكوّن جيشًا من داخل السودان وتغزو به دولة أخرى، وتتمثل الصورة الرابعة في تعطيل طرق المواصلات والسفن الحربية في سبيل الإضرار بموقف البلاد الحربي.
يشير المحامي عثمان البصري في إفادته لـ«بيم ريبورتس» إلى أن التشريع المعتمد على هذه المادة غير مضبوط، موضحًا أن المدخل الذي يحاكم به المدنيون في هذه المادة يرجع إلى جزئية في الفقرة الأولى من المادة 51 والتي تُعرف من يثير الحرب ضد الدولة بأنه من «يثير الحرب ضد الدولة عسكريًا بجمع الأفراد أو تدريبهم أو جمع السلاح أو العتاد أو يشرع في ذلك أو يحرض الجاني على ذلك أو يؤيده بأي وجه».
وأضاف البصري أنّ نهاية الفقرة «أو يؤيده بأي وجه» تعد المدخل الذي يُحاكم به الناس باعتبارهم مؤيدين لقوات الدعم السريع؛ ولذا عدّ فقد يُعدّ مجرد البقاء في أماكن تسيطر عليها «الدعم السريع»، أو ممارسة مهنتك في تلك المناطق تأييدًا لها، وهي التحديات التي تواجه المدنيين، وخلفت مظلومين كثر داخل السجون، بحسب البصري. وأردف: «علاوةً على أن هذه الإجراءات تتنافى مع القوانين والأعراف الدولية التي تعمل على حماية المدنيين في أوضاعٍ مشابهة، وأيضًا ينص القانون الجنائي السوداني في تعريفاته (في المادة الثالثة) على عن المشمولين بالحماية، وهم الموصوفون في اتفاقية جنيف».
وزاد البصري أنه ومن أجل حبك هذه الإجراءات قانونيًا أضيفت إليها المادة (26) التي تنص على: «كل من يعاون على ارتكاب أي فعل، يشكل جريمة بقصد تسهيل وقوعها، تطبق بشأنه العقوبة المقررة».
إعادة النظر في المحاكمات
وخلال الشهر الماضي، نقل موقع «الشرق بلومبرغ» السعودي، عن مصادر من الحكومة السودانية، اعتزامها مراجعة قضايا المتهمين بالتعاون مع «الدعم السريع»، بالإضافة إلى مراجعة التكييف القانوني والأدلة والوقائع في ملفات المتهمين بالتعاون، وذلك من خلال التمييز ما بين المتعاونين عسكريًا مع الدعم السريع و«المتعايشين» في المناطق التي تسيطر عليها.
وفي هذا السياق، يوضح البصري أن الجيش، وتحت وطأة كثيرٍ من الضغوطات، والحملات التي نظمت إثر محاكمة عدد كبير من المواطنين، وفق هذه المواد، اتجه إلى العمل على مراجعة الأحكام.
وأردف البصري أن غاية ذلك هو الفصل ما بين المواطنين الموجودين في أماكن سيطرت عليها قوات الدعم السريع وكانوا يؤدون أعمالًا مدنية، إذ تُلغى الأحكام ضدهم أو تراجع، وما بين العسكريين الذين حملوا السلاح وغيره، وهؤلاء أيضًا تعرض قضاياهم على المحكمة حتى تثبت إدانتهم، أو تؤيد من قبل المحكمة العليا.
الدعم السريع والاحتجاز القسري
فيما يخص قوات الدعم السريع، يقول البصري إنه لم يرشح أنها قد نظمت محاكمات، وإنما ما يحدث هو اعتقالات لفترات طويلة داخل السجون، فقد على إثرها كثير من الناس أرواحهم. «المعتقلون من المدنيين لا يتلقون أي حق في الحماية القانونية، وأهلهم وذويهم لا يعرفون أماكنهم، ولا تتاح لهم فرصة لمقابلتهم»، يضيف البصري. ويردف: «ومن ثمّ، فإنّ ما تمارسه قوات الدعم السريع هو إخفاء قسري، لأنهم ليسوا محكومين ولم يواجهوا بإجراءات قضائية».
ويعد سجن «دقريس»، والذي يبعد نحو 25 كيلومترًا غربي مدينة نيالا عاصمة جنوب دارفور نيالا، مركز الاحتجاز الرئيسي لقوات الدعم السريع.
وكان سجن «دقريس» في الأساس مؤسسة إصلاحية، لكنه تحوّل بعد سيطرة «الدعم السريع» على جنوب دارفور إلى أحد أكبر مراكز الاحتجاز، والذي لا يضم معتقلين من إقليم دارفور فحسب، وإنما معتقلين مرحلين أيضًا من مناطق كردفان والخرطوم والجزيرة وسنار، بينهم مدنيون وعسكريون وموظفون وأصحاب مهن مختلفة. وعلاوة على ذلك، فقد تشكل اقتصاد جديد تمثل في الإفراج عن المعتقلين مقابل دفع المال للخروج من السجن. وبحسب تقارير، فإن المبالغ المطلوبة تتراوح ما بين 30 إلى 35 مليون جنيه سوداني.
وفي 10 ديسمبر 2025، أعلنت شبكة أطباء السودان عن احتجاز الدعم السريع أكثر من 19 ألف شخص بسجني «دقريس» و«كوبر» بمدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور، في ظروف بالغة الصعوبة، وتفتقد إلى الحد الأدنى من المقومات الإنسانية، ما تسبب في وفاة 215 محتجزًا بين مايو ويونيو 2026، بمعدل ثلاث وفيات في اليوم خلال تلك الفترة.
الفضاء الرقمي أداةً للاتهام
مع تصاعد العمليات العسكرية في ولايات كردفان خلال الأشهر الأخيرة، شهدت منصات التواصل الاجتماعي انتشارًا متزامنًا لمنشورات تتهم أفرادًا موجودين في مدينة النهود ومناطق أخرى بالتعاون مع قوات الدعم السريع، إذ تُنشر صورهم بالإضافة إلى معلوماتٍ شخصية عنهم.
ولا تكمن خطورة هذا الخطاب في الاتهام وحده، وإنما في التشهير وتعريض المتهمين للاعتقال أو العنف أو الانتقام خارجها، ما يشكل تهديدًا لحياة أي كان من توجه ضده، أو تشمله، مهما حاول الشخص، والذين يعرفونه من دوائره الاجتماعية، التصدي لهذا الاتهام أو تبرئة نفسه منها، وكأن العبارة وحدها تمثل دليلًا قطعيًا على الإدانة.
يشير الباحث في قضايا الإعلام، عباس التجاني، في إفادته لـ«بيم ريبورتس» أن انتقال الاتهامات الواقعة على الأرض إلى الفضاء الرقمي من الظواهر الخطيرة المصاحبة للحرب الدائرة، وهي خطة منظمة من أطراف الحرب. ويقول التجاني «من منظور الإعلام ودراسات السلام، تعمل هذه الممارسات على زيادة وتيرة العنف، لأنها تصبح أقرب للتغذية الراجعة، إذ يرصد الفاعلون في الفضاء المدني، بالإضافة على الأنشطة التي يشتركون فيها، ما يعرضهم للتهديدات والعنف؛ خاصة مع وجود أفراد ومجموعات لأطراف الحرب المختلفة فاعلين في المشهد الميداني والرقمي».
«هذه الممارسات في كثير من الحالات تكون منظمة وتعزز دعاية معينة، وذلك عبر التلاعب بالمنشورات واجتزاء مقاطع منها، وهو ما يتمظهر أكثر في حالة الفاعلين، بإجبارهم على الانزواء، لذلك فهناك أدوار كبيرة منوط بالإعلام المستقل العمل عليها»، يضيف التجاني.
الفئات الأكثر تضررًا
تعرض كثير من العاملات والعاملين في القطاع غير الرسمي إلى الجزء الأكبر من الانتهاكات المرتبطة بتهم التعاون والتخابر منذ اندلاع الحرب، إذ جرى تصوير بائعات الشاي على أنهن متعاونات مع أطراف الحرب، وبالأخص مع قوات الدعم السريع.
وأسهمت هذه الصورة النمطية في تأجيج حملات التحريض والاستهداف ضدهن. وكان استهداف بائعات الشاي جزءًا من نمط أوسع من حملات تحريض على العاملين في المهن الهشّة وغير المهيكلة، وهو استهداف شاركت فيه السلطات أحيانًا.
وأظهر رصدنا انتشار منشورات تتضمن صور نساء أو معلومات شخصية عنهن، بما في ذلك أماكن إقامتهن، مقرونة باتهامات مباشرة أو ضمنية بالتعاون مع أحد طرفي الحرب.
وفي عدد من الحالات، جرى تداول هذه الادعاءات على نطاق واسع دون تقديم أدلة موثوقة عليها، أو الإشارة إلى تحقيقات رسمية أو إجراءات قانونية تثبت صحتها. ويزيد نشر الصور والبيانات الشخصية، مقترنًا بمثل هذه الاتهامات، من احتمالات تعرض النساء المستهدفات للتشهير والتهديد والتحريض، ويحوّل المنصات الرقمية إلى مساحة لإصدار أحكام مسبقة بحقهن.
مع كل ما تثيره تهم التعاون والتخابر من إشكاليات قانونية داخل المحاكم وخارجها وفي منصات التواصل الاجتماعي، وتوحل التهمة نفسها إلى وسيلةٍ سياسية وسيلة للاحتجاز أو الاستهداف خارج إطار القضاء، علاوةًَ على التشهير والتحريض، تبرز المطالبات القانونية بضرورة مراجعتها، وبينما تتجه السلطات في مناطق سيطرة الجيش إلى مراجعة بعض قضايا المتهمين بالتعاون، يبقى التحدي الأوسع هو ضمان التمييز بين من شارك فعليًا في الأعمال العسكرية، وبين المدنيين الذين وجدوا أنفسهم في مناطق يسيطر عليها أحد طرفي الحرب، أو واصلوا حياتهم وأعمالهم فيها. وفي المقابل، تثير حالات الاحتجاز المطول وغياب الإجراءات القضائية في مناطق سيطرة «الدعم السريع» تساؤلات مماثلة بشأن حماية المدنيين وضمان حقوقهم القانونية.
ومع استمرار الحرب، يظل الاتهام، سواء صدر عبر مؤسسة رسمية أو انتشر على منصات التواصل الاجتماعي، غير كافٍ لإثبات المسؤولية. فحماية المدنيين تتطلب أن تستند المحاسبة إلى أدلة وإجراءات قانونية.