في وقت يتنامى فيه عدد الفصائل المسلحة خارج الهيكل النظامي للجيش السوداني، ومعظمها لمنشقين عن «الدعم السريع»، أعلن رئيس حركة وجيش تحرير السودان وحاكم إقليم دارفور وأحد أبرز حلفاء الجيش في الحرب، رفضه «أيّ دولة تدعم المليشيات». ووسط المواقف المتباينة من التشكيلات العسكرية خارج المؤسسة العسكرية، بما في ذلك الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام، يعود إلى الواجهة الجدل بشأن دمج الفصائل المسلحة التي تضاعفت أعدادها خلال سنوات الحرب. 

كيكل أول المنشقين البارزين

قائد قوات درع السودان أبوعاقلة كيكل

جاءت أولى الانشقاقات الرئيسة في صفوف قوات الدعم السريع، بانشقاق قائد قوات «درع السودان» أبو عاقلة كيكل عنها في أكتوبر 2024، والذي كان يتولى قيادة القوات في ولاية الجزيرة بوسط السودان. 

ومنذ انضمامه إلى الجيش، اضطلع كيكل بدور ميداني بارز في محاور القتال في الجزيرة والخرطوم والنيل الأزرق، ولاحقًا في كردفان. 

وكان القائد العام للجيش السوداني عبدالفتاح البرهان، قد أعلن بعد أشهر قليلة من اندلاع الحرب، العفو في الحق العام عن كل مَن يلقي السلاح من قوات الدعم السريع. 

وفي الرابع من أكتوبر الجاري، أعلنت قوات «درع الشمال»، وهي تشكيل عسكري مساند للجيش يضطلع بأدوار أمنية في ولايتي نهر النيل والشمالية، انضمامها إلى قوات «درع السودان» بقوة قوامها 10 آلاف مقاتل، في خطوة وصفها بيان الطرفين بأنها تأتي لـ«تعزيز وحدة الصف الوطني» و«تدعم جهود توحيد التشكيلات العسكرية». 

وقالت قوات «درع السودان» إن انضمام قوات «درع الشمال» إليها يأتي «تجسيدًا لروح التلاحم الوطني وترسيخًا لمبدأ وحدة الصف، من أجل الحفاظ على أمن السودان واستقراره وصون سيادته ووحدة أراضيه».

ولم يكن إعلان اندماج قوات «درع السودان» و«درع الشمال» في قوة واحدة، الحدث الوحيد في إطار استمرار إنشاء فصائل مسلحة خلال الفترة الماضية.

وأفاد مصدر مطلع على خطط إنشاء فصيل مسلح للمنشقين عن «الدعم السريع»، في حديث إلى «بيم ريبورتس»، بوجود فكرة مطروحة من مجلس الصحوة الثوري بزعامة موسى هلال والقائد المنشق عن «الدعم السريع» علي رزق الله (السافنا)، لتوحيد الجماعات المسلحة التي انشقت عن قوات الدعم السريع خلال العام الجاري من منطقتي كردفان ودارفور، في تشكيل عسكري واحد، باسم «درع الغرب». 

وعلى مدى الأشهر الماضية، انشق قادة بارزون عن قوات الدعم السريع وأعلنوا انضمامهم إلى صفوف الجيش؛ أبرزهم  النور القبة والسافنا، فيما انخرط رئيس مجلس الصحوة الثوري وزعيم «المحاميد» موسى هلال، في تجنيد قوات بعد وصوله إلى شمال السودان في فبراير الماضي، عقب مهاجمة قوات الدعم السريع معقله بمنطقة «مستريحة» في ولاية شمال دارفور ومقتل أحد أبنائه في الهجوم.

مناوي يرفض

حاكم إقليم دارفور ورئيس حركة/ جيش تحرير السودان مني أركو مناوي

بعد ثلاثة أيام من إعلان اندماج قوتي «درع السودان» و«درع الشمال»، وتحديدًا في السابع من أكتوبر، شدّد رئيس حركة/ جيش تحرير السودان وحاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، على رفضهم دعم الدولة لـ«مليشيات الجنجويد» أو أيّ مليشيات أخرى، أيًا كانت. 

وجددت تصريحات مناوي النقاش بشأن دمج الفصائل المسلحة، التي تزايدت أعدادها خلال سنوات الحرب، في المؤسسة العسكرية، بما في ذلك تلك الموقعة على اتفاق جوبا للسلام في 3 أكتوبر 2020. 

وقال مناوي، في كلمة خلال مخاطبته فعالية لتقديم الدعم للمقاتلين في القوة المشتركة، «نحن متمردون على أيّ دولة تدعم مليشيات الجنجويد بأيّ اسم كان. لا نريد الدولة التي تدعم المليشيات».

وأكد مناوي أنّ هذا الأمر غير مقبول، متهمًا الدولة بأنها قتلت واغتصبت، وكوّنت «الدعم السريع» ودعمته.

وأضاف مناوي قائلًا: «من الآن، نرفض أيّ دولة تدعم مليشيات الدعم السريع أو أي مليشيات أخرى بدعم من أموالنا ومن ضرائبنا ومن دم أهلنا ومن دم أطفالنا». وزاد: «من المفترض أن زمن المليشيات قد انتهى. قتل الدولة المواطن بالمواطن يجب أن ينتهي إذا أردنا الذهاب إلى دولة ديمقراطية، يجب على الدولة أن توقف التمليش». 

نعترف بالجيش والشرطة وجهاز المخابرات العامة

هذا الاتجاه نحو وقف دعم تشكيل جماعات مسلحة هو ما ذهب إليه محمد آدم أحمد (كش) رئيس حركة/ جيش تحرير السودان بولاية شمال دارفور، تحت قيادة مناوي، والذي قال، في حديثه إلى «بيم ريبورتس»، إنهم ليست لديهم تحفظات تجاه قوة محددة، مضيفًا «لكن لدينا تحفظ تجاه تكوين أيّ قوة أو ميليشيا موازية للجيش».

«نحن نتعامل فقط مع ثلاثة أجهزة رئيسة هي: الجيش والشرطة وجهاز المخابرات العامة. وأي تشكيل لقوة أخرى خارج هذه الأجهزة، هو إعادة لتشكيل مليشيا وتحويل الدولة إلى دولة مليشيا»، يقول كش.  

وتابع كش: «لقد عانينا من المليشيات، وهي السبب الرئيس لما يحدث الآن.. الدولة جيشت الناس على أسس قبلية وإثنية، ومجتمعات ضد مجتمعات، وهذا السلوك يجب أن يتوقف حتى يصبح السودان آمنًا ومستقرًا. وهذه وجهة نظرنا في هذا السياق». 

ويرى كش أنّ طبيعة القوة المشتركة، والتي تنضوي تحتها حركة/ جيش تحرير السودان، تختلف عن بعض الفصائل العسكرية الأخرى في السودان، مشيرًا إلى أنّ القوة المشتركة محكومة ببروتوكول الترتيبات الأمنية وفقًا لاتفاق سلام جوبا.   

وقال كش إنّ القوة المشتركة ليست لديها أيّ مشكلة في الانخراط في عملية الدمج داخل المؤسسة العسكرية، مضيفًا: «نحن لا نريد أيّ قوات خارج الجيش». وأشار إلى أنّ الحرب الدائرة في البلاد عطلت عملية الدمج.  

وأضاف كش أنّ «عملية الدمج في الوقت الحالي صعبة جدًا بحسابات العمليات العسكرية التي نشارك فيها»، مردفًا: «لا يمكننا تجميع القوات في هذا الوقت». وزاد: «متى ما زالت الأسباب، فنحن جاهزون لدمج قواتنا داخل المؤسسة العسكرية بأجهزتها الثلاثة، وفق اتفاق سلام جوبا».

وحدد بروتوكول الترتيبات الأمنية الملحق باتفاق سلام جوبا، الموقع عليه في الثالث من أكتوبر 2020، مدة 39 شهرًا لدمج الحركات المسلحة في المؤسسة العسكرية. كما نص الاتفاق على إصلاح المؤسسة العسكرية.

ودعا كش إلى حصر التجنيد داخل الجيش وفق القوانين التي تنظمه، مؤكدًا أن تكوين مليشيات بأسماء محددة يعيد عقارب الساعة إلى الوراء. وقال إن «أيّ سوداني يريد مستقبلًا أفضل لا يمكن أن يقبل بتكوين الميليشيات؛ لأنه لا توجد أسرة في السودان إلا وتضررت من فكرة تكوين المليشيات».

ومع ذلك، يرى بعض المراقبين أنّ الحركات المسلحة الرئيسة، التي قاتلت الحكومة السودانية في حقب زمنية مختلفة من أجل تحقيق مطالب سياسية في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، مستفيدة من وضعية تعدد الجيوش في البلاد. كما توجه إليها اتهامات بأنها تقوم على أسس قبلية ضيقة، ما يضعها في خانة المليشيات. 

وكانت حركة/ جيش تحرير السودان بقيادة مناوي، إلى جانب حركات مسلحة أخرى من بينها حركة العدل والمساواة، قد قاتلت الحكومة السودانية في إقليم دارفور منذ عام 2003 وحتى توقيع اتفاق جوبا للسلام في 3 أكتوبر 2020.

وخلال تلك الفترة من الصراع، واجهت الحركات المسلحة قوات الدعم السريع التي كانت تعرف آنذاك بـ«الجنجويد» والتي قادها كل من رئيس مجلس الصحوة الثوري وزعيم «المحاميد» موسى هلال، وقائد قوات الدعم السريع الحالي محمد حمدان دقلو (حميدتي)، على مرحلتين.

رئيس مجلس الصحوة الثوري وزعيم «المحاميد» موسى هلال

وتسبب الصراع السابق في دارفور، بحسب الأمم المتحدة، في مقتل نحو 300 ألف شخص وتشريد أكثر من مليوني آخرين داخل وخارج البلاد.

موقف تكتيكي

في المقابل، يتعامل الجيش مع هذه المواقف المتباينة، مركزًا على المكاسب الإستراتيجية التي يمكن أن يحققها، بما في ذلك تفكيك قوات الدعم السريع التي تقاتله منذ أبريل 2023 على المديين المتوسط والبعيد.

ويواجه القادة المنشقون عن «الدعم السريع» اتهامات من حقوقيين بالمسؤولية عن ارتكاب قواتهم انتهاكات واسعة النطاق في ولايات الجزيرة وشمال دارفور وغرب كردفان. كما دعت منظمات حقوقية دولية وأممية بما في ذلك بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في السودان  الجيشَ، إلى محاسبتهم.  

وأفاد مصدر عسكري مطلع على انشقاقات «الدعم السريع»، في تصريح لـ«بيم ريبورتس»، بأن تشكيل قوات مساندة للجيش يأتي استجابة ضرورية للدفاع عن بقاء الدولة نفسها والنظام، في مواجهة عواقب استدامة الفوضى، على حد تعبيره.

وقال المصدر إنّ شروط الانضمام إلى هذه القوات أو الكتائب المساندة غاية في السهولة والمرونة، على عكس الانضمام إلى الوحدات العسكرية التابعة للجيش، والذي يخضع لقواعد وضوابط صارمة وذات صلة بقانون القوات المسلحة.

أوضح المصدر أنّ اللجوء إلى إنشاء قوات مساندة يأتي لتفادي القواعد والإجراءات الرسمية الخاصة بالقوات النظامية، مؤكدًا أنهم مستعدون لاستيعاب من يعودون إلى الجيش من أفراد «الدعم السريع» وتشجيع المزيد من أفرادها على الخروج لتفكيكها، على حد قوله.

وذكر المصدر أن الإستراتيجية التي يتبعها الجيش تساهم في تفكيك القوة الصلبة لـ«الدعم السريع» في كردفان ودارفور بتوالي الانشقاقات وعمليات التسليم للجيش.

وتخضع هذه القوات، بحسب المصدر، منذ نشأتها بالكامل للقيادة العامة للقوات المسلحة، من حيث التدريب والتأهيل والتسليح واللوجستيات. كما قال إنها تتحرك وفقًا لأوامر وخطط هيئة أركان القوات المسلحة وإدارة العمليات.

وخلال فترة اشتداد الحرب في وسط السودان، بين عامي 2023 و2025، دعم الجيش تكوين فصائل مسلحة للقتال في صفوفه، يُطلق عليها القوات المساندة.

وفيما يقول المصدر العسكري إن هذه القوات تخضع «بالكامل» للقيادة العامة للقوات المسلحة في التدريب والتسليح والإمداد، وتتحرك وفق أوامر هيئة الأركان، يرفض مناوي وحركته تشكيل أيّ ميليشيات، وهو ما يكشف عن تباين المواقف إزاء هذه التشكيلات. فالجيش يراها أداة مرنة لاستيعاب المنشقين وتفكيك «الدعم السريع»، بينما يرى مناوي وحركته أن على الدولة أن توقف «التمليش».

وتطرح هذه التباينات تساؤلات جدية: هل تمثل هذه الفصائل مرحلة انتقالية تمهد لدمج مؤجل في مؤسسة عسكرية واحدة بعد انتهاء الحرب، أم تعيد إنتاج تعدد الجيوش الذي كان أحد أسباب الحرب في السودان؟

شارك/ي التقرير

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp

اشترك في نشرتنا الإخبارية الدورية

مزيد من المواضيع