مع دخول الحرب في السودان شهرها الحادي عشر وسط استمرار القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع، استمرت رقعة الانتهاكات ضد المدنيين في التوسع.
ومثلما تدور الحرب في الميدان، تدور حروب أخرى ساحتها منصات التواصل الاجتماعي تعمل فيها الأطراف المتحاربة على الترويج لدعايتها الحربية تارةً ونشر دعاية مضادة لخصومها العسكريين والسياسيين، تارةً أخرى.
كشفت التقارير التي عمل عليها «مرصد بيم» أن جهات داخلية وخارجية فاعلة في الفضاء الرقمي السوداني تقوم بنشر معلومات خاطئه ومضللة، كما كشفت التقارير أن عددًا من الصفحات والحسابات على منصات التواصل الاجتماعي تناصر طرفي الصراع الجيش والدعم السريع، متبنية الدعاية الحربية لهما، وبالتالي تنشر معلومات مضللة عن واقع ما يحدث في السودان.
ومع استمرار القتال، اتخذت الحرب بعدًا أكثر تعقيدًا خاصة في جانبها الاجتماعي، وهو ما انعكس لاحقًا في خطاب الكراهية على وسائل التواصل الاجتماعي حيث يتم التحريض ضد أشخاص مدنيين واتهامهم بالعمل لصالح أحد الأطراف دون تقديم أي أدلة على ذلك، ودون تقديم هؤلاء الأفراد لمحكمة تثبت أو تنفي عنهم هذه التهم. وبالتالي، ربما قد يتم اعتقالهم بناء على هذه المعلومات المنشورة أو حتى تعريض حياتهم للخطر.
في هذا السياق، نشطت مجموعة من الحسابات تعمل على نشر دعاية حربية موالية للجيش السوداني.
تعمد هذه الحسابات على نشر معلومات عن أفراد مدنيين متهمة إياهم بالعمل لصالح قوات الدعم السريع، حيث تنشر مجموعة الحسابات محل التحقق، صور الأفراد ومعلومات السكن والإقامة وبعض تفاصيل العائلة وحتى أرقام هواتفهم الشخصية، وتوصي أجهزة الجيش والمخابرات باعتقالهم. أيضًا، تقوم مجموعة الصفحات محل التقصي بنشر الدعاية الحربية للجيش سواء كانت تلك المتعلقة بالمعارك أو التحركات السياسية التي يقوم بها.
تنسيق وتزامن في النشر
يعمل حساب يحمل اسم أفضح خائن ودمدني على نشر المعلومات المشار إليها، محرضًا ضد الأفراد المدنيين، متهما إياهم بالتخابر والعمل لصالح قوات الدعم السريع. الحساب الذي يتابعه 13 ألف شخص، يعرف نفسه وفق معلوماته على فيسبوك، بأنه منظمة حكومية ويعمل لصالح الجيش السوداني.
كذلك يعمل الحساب مع مجموعة من الصفحات والحسابات التي يتابعها عدد كبير من الناس على نشر ومشاركة هذه المعلومات، وعبر التعمق في البحث أكثر رصدنا عددًا من الوسوم التي تعمل عبرها مجموعات الحسابات\ الصفحات على منصة فيسبوك، كما كشفنا عن ارتباطها مع بعضها البعض في تزامن توقيت النشر والمشاركة، أيضاً حددنا المواقع التي يتم إدارة الصفحات منها.
وسوم مضللة مشتركة
بمتابعة الحساب المشار إليه، رصدنا، أن الحساب ومجموعة حسابات وصفحات أخرى شاركت محتوى يحرض ضد مدنيين عبر عدد من الوسوم أبرزها، (#انتم لستم آمنين و #الزمم_الرخيصة #خانوك_ي_مدني).
بعد تحليل هذه الوسوم توصلنا إلى أنه منذ أغسطس الماضي وحتى فبراير الجاري تم نشر 98 منشورًا جميعها تضمنت وسم “(#انتم لستم آمنين)، وجميعها تحوي صورًا وبيانات شخصية لأفراد مدنيين، مشيرة إلى أنهم يعملون لصالح الدعم السريع منادية بضرورة اعتقالهم.
أيضاً، حللنا وسمًا آخر وهو (#الزمم_الرخيصة) توصلنا إلى أن الحسابات نشرت 37 منشورًا منذ ديسمبر الماضي وحتى فبراير الجاري جميعها تضمنت الوسم المعني وجميعها تحرض ضد المدنيين.
و بتحليل الوسم الثالث (#خانوك_ي_مدني) توصلنا إلى أن الحسابات نشرت تحت الوسم المعني 41 منشورًا، تضمنت جميعها تحريضًا ضد أفراد مدنيين في ولاية الجزيرة ومدن أخرى.
على سبيل المثال، نشرت صفحة تحمل اسم كولومبيا فرع مدني في الفترة بين 5 يناير إلى 7 فبراير 41 منشورًا جميعها تضمنت وسم (#خانوك_ي_مدني) وجميع المنشورات تحمل أسماء وصورًا لأشخاص مع ادعاء مصاحب أنهم يعملون لصالح قوات الدعم السريع.
منصات تناصر الجيش وجهاز المخابرات
شاركت في الحملة المعنية صفحة باسم لواء الردع الالكتروني، والتي يتابعها أكثر من 162 ألف شخص. وبالبحث في تاريخ الصفحة وجدنا أنها غيرت اسمها في العام 2016 حيث كانت تحمل اسم (الصيف الحاسم)، وهو اسم لعملية عسكرية، أطلقها نظام الرئيس المخلوع البشير لمحاربة حركات الكفاح المسلح في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق.
وبمزيد من البحث في محتوى الصفحة توصلنا إلى أنها شاركت في ذات الحملة المعنية كما تنشر تحت ذات الوسوم التي تسخدمها الصفحات والحسابات موضع التقصي. كما تنشر الصفحة محتوى حربي يناصر الجيش السوداني وجهاز المخابرات العامة. كذلك، تعمل الصفحة على التفاعل مع الصفحات الأخرى عبر المشاركة والنشر بذات الوسوم.
على سبيل المثال، في السابع من يناير الماضي نشرت صفحة لواء الردع الإلكتروني، صورة لامرأة مع معلوماتها، ادعت الصفحة أن المرأة تعمل لصالح قوات الدعم السريع ومتعاونة معهم، ثم قامت مجموعة من الحسابات والصفحات والمجموعات بمشاركة المحتوى أو نشر ذات المحتوى والصورة في منشور منفصل.
في العاشر من يناير قامت ذات الصفحة بإعادة مشاركة المنشور مجددًا وأشارت إلى صفحة أفضح خائن ودمدني كما أرفقت مع المنشور نصًا يفيد بأن المرأة المذكورة أصبحت في قبضة الاستخبارات العسكرية.
لم نستطع التحقق من صحة اعتقالها من عدمه حتى الانتهاء من كتابة التقرير.
ترتبط الصفحة المشار إليها مع صفحات أخرى باسم الشبح الإلكتروني ويتابعها أكثر من 54 ألف شخص وصفحة باسم الرادع الإلكتروني ويتابعها عدد ألفي شخص.
تشترك هذه الصفحات في أنها تشارك محتوى عبر وسم موحد، كما تنشر ذات المحتوى الذي يحرض ضد الأفراد المدنيين ويوصي باعتقالهم، أيضًا لاحظ فريقنا أن جميع هذه الصفحات كانت تحمل اسما مختلفا تم تغييره لاحقاً.
على سبيل المثال، نشرت صفحة لواء الردع الإلكتروني منشورًا موجهًا إلى الأجهزة الأمنية في ولاية القضارف بأن تقوم بالقبض على عضو بحزب الأمة القومي وعضو اللجنة المركزية لقوى الحرية والتغيير ولاية الجزيرة، متهمة إياه بالتعاون مع الدعم السريع.
ثم قامت الصفحة التي تحمل اسم الشبح الإلكتروني بنشر ذات المنشور في نفس اليوم بعد 40 دقيقة فقط من نشره من قبل صفحة لواء الردع الالكتروني.
ليس هذا فحسب، بل أن جميع المنصات المشار إليها، ترتبط مع صفحة أفضح خائن ود مدني وصفحة كولمبيا فرع ودمدني وذلك عن طريق مشاركة ذات المحتوى وتولي الدعاية نفسها. حيث نشرت صفحة الرادع الإلكتروني صورة لشيخ الطريقة القادرية المكاشفية الأمين عمر الأمين مع تعليق يفيد بأن الأخير هرب من مسيده ببيت المال شمال بمدينة أم درمان بعد سيطرة الجيش على تلك المناطق، وهو ذات المنشور الذي شاركته صفحة (أفضح خائن ود مدني) وعدد من الحسابات الأخرى.
أيضاً، لاحظ فريقنا أن ذات المحتوى يتم مشاركته في مجموعات عامة بها عدد كبير من المتابعين، مثل مجموعة دعم الجيش السوداني التي تضم أكثر من 169 ألف عضو.
بالبحث في الحساب الشخصي لـ(الأمين) توصلنا إلى أنه نشر مقطع فيديو من داخل مقر مسيده في أم درمان يوضح فيه بأنه لا يزال موجوداً فيه. وبحسب منشوره، حدثت اشتباكات بالقرب من مسيد وقتل جراءها أحد طلابه المتطوعين بالمسيد.
يشار إلى أن المسيد وبحسب ما ذكر (الأمين) في لقاء له على منصة كلوب هاوس يعمل بمثابة مركز إيواء لعدد من الأسر في مدينة أم درمان منذ اندلاع الحرب وحتى اليوم، حيث يحتوى على مطبخ عام وعيادة إسعافات ومدرسة، ويعمل به عدد من المتطوعين بعضهم طلاب المسيد والبعض من سكان المنطقة.
ويقع المسيد في منطقة بيت المال بأم درمان القديمة التي كانت تخضع لسيطرة قوات الدعم السريع في ذلك الوقت، وبالتالي تم تداول مقاطع فيديو لزيارات قام بها أفراد من الدعم السريع للمسيد.
ونشرت صفحات موالية للجيش ادعاء قالت فيه إن الأمين متعاون مع قوات الدعم السريع، وهو الأمر الذي نفاه. ومع تقدم الجيش في مدينة أم درمان اصبحت المنطقة محل نزاع، ثم فرض الجيش سيطرته عليها أمس الأحد .
وفي هذا السياق، تم تداول الصور والادعاءات من ذات الحسابات لتؤكد على الرواية التي تقول بأن الأمين متعاون مع قوات الدعم السريع، وبالتالي يجب القبض عليه، حيث يرد الأخير على هذه الاتهامات عبر مقطع فيديو منشور على حسابه الشخصي في فيسبوك.
السمات المشتركة للحسابات:
- بعض الحسابات تضع صور لجنود يتبعون للجيش السوداني
- بعض الحسابات تضع صورة شعار الجيش السوداني
- بعض الحسابات تضع صورة شعار جهاز المخابرات العامة السوداني
- تتفاعل الحسابات مع بعضها البعض عن طريق المشاركة
- تنشر الحسابات عبر وسم موحد
- تتولى جميع الحسابات الدعاية الحربية للجيش السوداني
الموقع الجغرافي
بالبحث في الموقع الجغرافي الذي يتم منه ادارة هذه الصفحات والحسابات توصلنا إلى أن عدد من المنصات يتم إدارتها بالكامل من داخل السوان، بينما يتم إدارة بعض الصفحات بالكامل من خارج السودان.
تنقسم بعض الصفحات حيث بها مشرفين من خارج السودان ومشرفين من الداخل.
مثلما هو في الصور
الخلاصة:
تعمل مجموعة الحسابات التي تقصى عنها فريقنا على نشر معلومات أفراد مدنيين تتضمن معلومات شخصية مثل السكن ورقم الهاتف وبعض أفراد الأسرة. تتهم هذه الحسابات هؤلاء الأفراد بالعمل لصالح قوات الدعم السريع، وتحرض ضدهم وتطالب من الجيش والمخابرات وغيرهم بالقبض على هؤلاء الأفراد.
أيضًا توصلنا إلى أن الحسابات تنشر المحتوى المعني عبر استخدام وسوم محددة وفي مواقيت متقاربة يبدو وكأنها تستخدم أسلوب السلوك الزائف المنسق لنشر هذا المحتوى.
بالبحث في المحتوى الذي تقوم بنشره مجموعة الصفحات والحسابات توصلنا إلى أنها تناصر الجيش السوداني وتتولى الدعاية الحربية له، أيضًا تحقق فريقنا من الموقع الجغرافي الذي يتم منه إدارة هذه الصفحات وتوصلنا إلى أن بعض الصفحات يتم إدارتها من خارج السودان، بينما يتم إدارة البعض من السودان.