Tag: إثيوبيا

اتهامات بالتدخل في حرب السودان تُعيد رسم خريطة التوترات بين الخرطوم وأديس أبابا

في الرابع من مايو الحالي، وبينما كانت الخرطوم تحاول لملمة جراحها، وذلك بعد أيام من استقبال مطارها أول رحلة دولية منذ اندلاع الحرب قبل ثلاث سنوات، دوّت عدة انفجارات عنيفة في المطار الدولي.

تصاعدت أعمدة الدخان في مطار الخرطوم الدولي ومناطق محيطة به، وفق ما وثّقه سكان، في صباح الاثنين قبل الماضي. وبحلول منتصف الليل، كان مسؤولون سودانيون كبار يعقدون مؤتمرًا صحفيًا في قلب العاصمة الخرطوم، أعلنوا فيه أن طائرات مسيرة انطلقت من مطار مدينة بحر دار الإثيوبية والواقعة في إقليم أمهرا، استهدفت مطار الخرطوم.

وتبعد مدينة بحر دار عن الخرطوم نحو 685 كيلومترًا خطًا جويًا، وفق الإحداثيات المسجّلة لكلتا المدينتين في قاعدة بيانات GeoNames الجغرافية الدولية.

جانب من مطار الخرطوم الدولي قبل اندلاع الحرب

حمّل وزير الخارجية السوداني محي الدين سالم والناطق الرسمي باسم الجيش السوداني عاصم عوض، أديس أبابا وأبوظبي المسؤولية، وأكدا أن الخرطوم قادرة على حماية سيادتها. وأعلن سالم استدعاء السفير السوداني في إثيوبيا للتشاور، بالإضافة إلى تعليق حركة الطيران في المطار لـ72 ساعة.

كل ذلك وسط إدانات عربية ودولية لاستهداف المطار والمنشآت الحيوية في الخرطوم.

وزير الخارجية السوداني محي الدين سالم

في المؤتمر الصحفي المشترك، أعلن كلٌّ من وزير الخارجية والناطق باسم الجيش أنّ السودان يمتلك «أدلة قاطعة» على أنّ طائرات مسيّرة إماراتية انطلقت من مطار بحر دار الإثيوبي لتضرب مطار الخرطوم الدولي ومنشآت عسكرية في العاصمة.

من جانبها، نفت أديس أبابا الاتهامات ووصفتها بـ«الباطلة»، واتهمت بدورها الجيش السوداني بدعم متمردي تقراي، في مشهد متوتر، لكنه ليس جديدًا بالكلية بين البلدين الجارين اللذين يتشاركان تاريخًا عريقًا.

ويُعدّ الاتهام السوداني الرسمي لإثيوبيا الثاني من نوعه منذ اندلاع الحرب في البلاد قبل ثلاث سنوات، فماذا تعرف عن العلاقات السودانية – الإثيوبية؟

علاقات قديمة

تعود العلاقات بين السودان وإثيوبيا إلى ما قبل الدولة الحديثة، إذ تعايش البلدان في سلام على مدار قرون. ومع ذلك، شهدت بعض الحقب والعصور صراعات ونزاعات وتوترات عديدة. 

ويُعد الصدام العسكري بين مملكة كوش السودانية ومملكة إكسوم الإثيوبية في القرن الرابع الميلادي، أحد أقدم الصراعات المسلحة الموثقة بين البلدين. تلاه بعد قرون عديدة الصراع بين الدولة المهدية السودانية وإثيوبيا في أواخر القرن التاسع عشر، والذي قُتل فيه الإمبراطور الإثيوبي يوحنا الرابع، كما دارت صراعات أيضًا في إقليم بني شنقول – قمز الذي كان يتبع للسودان.

وبعد سقوط الدولة المهدية بيد البريطانيين في 1898، بدأت حقبة جديدة من العلاقات بين السودان وإثيوبيا، بترسيم الحكومة البريطانية الحدود بين البلدين والبالغة نحو 1,600 كيلومتر، ومثلت الحدود مصدر توتر مستمر بين البلدين.

الإمبراطور الإثيوبي يتوسط أبيل ألير ممثلا للحكومة (يمين) وأزبوني منديري قوانزا ممثلًا المعارضة المسلحة

عقود من العلاقات الرسمية

انطلقت العلاقات الدبلوماسية رسميًا بين السودان وإثيوبيا بعد استقلال السودان في يناير 1956.

وفي عهد الإمبراطور الإثيوبي هيلا سيلاسي، رعت أديس أبابا مفاوضات السلام بين الحكومة السودانية والمعارضة الجنوبية المسلحة، والتي أسفرت عن التوقيع على اتفاق أديس أبابا في مارس 1972 والذي أنهى الحرب الأهلية الأولى بين شمال السودان وجنوبه، لتتغير وجهة العلاقات بين البلدين مع استيلاء منقستو هايلي مريام على السلطة في أديس أبابا في عام 1974.

ومع انهيار اتفاق السلام السوداني في عام 1983، دعم نظام منقستو الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، فيما آوت الخرطوم المعارضة الإثيوبية. 

وفي عام 1995، بلغت العلاقة قاعًا حقيقيًا، حين اتُّهم السودان بالتورط في محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، في أديس أبابا، فردّت إثيوبيا بدعم مسلح مكثّف للمتمردين الجنوبيين.  

وعادت العلاقة إلى مسار طبيعي بنهاية 1998. وبحلول العقد الأول من الألفية الثالثة كان البلدان مرتبطان بخط كهرباء واتفاقيات تجارية.

جانب من منطقة الفشقة – صورة نشرها مجلس السيادة السوداني

الفشقة

يمثل مثلث الفشقة الغني بالأراضي الزراعية الخصبة بولاية القضارف شرقي السودان على الحدود الدولية مع إثيوبيا، أحد ملفات الخلافات المستمرة بين البلدين. فهي تُعدّ جزءًا من الأراضي السودانية، لكن العديد من الإثيوبيين يزرعون عليها بموجب اتفاق مع الحكومة السودانية أُبرم في عام 1972، وآخر في عام 2008.

قوات الجيش السوداني في الفشقة

وظلت معظم مناطق المثلث خاضعة للسيطرة الإثيوبية منذ منتصف التسعينات، لكن في نوفمبر 2020، نفّذ الجيش السوداني عملية عسكرية في المثلث، استعاد بموجبها أكثر من 95% من مساحته، وذلك بالتزامن مع اندلاع الحرب الأهلية بين الحكومة الإثيوبية ومتمردي الجبهة الشعبية لتحرير تقراي.

افتُتح سد النهضة رسميًا في سبتمبر 2025

سد النهضة

منذ إعلان إثيوبيا البدء في بناء سد النهضة عام 2011 على بُعد نحو 40 كيلومترًا من الحدود السودانية، تأرجح الموقف السوداني بين القلق على سلامة سدوده والاستفادة من كهرباء السد الرخيصة.

ولكن بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع عمر البشير وتشكيل الحكومة الانتقالية في عام 2019، تمسّك السودان، إلى جانب مصر من جهة أخرى، بضرورة إبرام اتفاق قانوني ملزم لتشغيل سد النهضة وإدارته، وهو ما ترفضه إثيوبيا، حتى شغلت السد رسميًا في العام الماضي. فيما تزال الخرطوم متمسكة بموقفها رغم اندلاع الحرب في البلاد قبل ثلاث سنوات.

مواجهة مفتوحة ومحاولة لاحتواء الخلافات

بينما أعلن السودان عن استعداده لمواجهة مفتوحة «إن استدعى الأمر»، تلوح إثيوبيا بما تصفه بانتهاكات سودانية لم تُفصح عنها بعد، لكن المشهد الأعمق يكشف أن كلا البلدين يخوضان حربًا داخلية مدمّرة منذ سنوات، مما يشير إلى أن المواجهة المباشرة بينهما، إن وقعت، ستكون كارثة لا يتحمّلها أيّ طرف. 

وحاول الجانبان سريعًا تجاوز الخلافات، إذ عقد الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيله على هامش مراسم تنصيبه رئيسًا للبلاد في العاصمة جيبوتي في التاسع من مايو الجاري، جلسة مغلقة جمعت بين نائب رئيس مجلس السيادة السوداني مالك عقار ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد. وقال مصدر شارك في الاجتماع لقناة الجزيرة إن الجانبين تفاهما على العمل لاحتواء الخلافات.

ما حقيقة نفي الاستخبارات الأمريكية انطلاق مسيّرات من إثيوبيا لاستهداف السودان؟

ما حقيقة نفي الاستخبارات الأمريكية انطلاق مسيّرات من إثيوبيا لاستهداف السودان؟

تداولت العديد من الحسابات على منصة «فيسبوك» نص ادعاء يفيد بأنّ وكالة الاستخبارات الأمريكية نفت انطلاق مسيّرات من إثيوبيا لاستهداف السودان. وأكّد وليام بيرنز الذي وصفه الادعاء بـ«مدير الوكالة»، استنادًا إلى صور الأقمار الصناعية وإحداثيات دقيقة، أن المسيّرات التي ضربت مواقع إستراتيجية في الخرطوم وولاية الجزيرة انطلقت من داخل الأراضي السودانية – بحسب نص الادعاء.

وجاء نص الادعاء على النحو الآتي:

«عاااجل

و خطييير  #الاستخبارات الامريكيه

​نفت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) قاطعاً المزاعم حول انطلاق مسيّرات من إثيوبيا لاستهداف السودان. وأكد مدير الوكالة، وليام بيرنز، استناداً لصور الأقمار الصناعية وإحداثيات دقيقة، أن المسيّرات التي ضربت مواقع استراتيجية في الخرطوم وولاية الجزيرة انطلقت من داخل الأراضي السودانية. يأتي هذا التصريح ليدحض الشائعات حول تورط دول الجوار، مؤكداً أن الهجمات ذات بصمة داخلية محضة استهدفت البنية التحتية والأمن القومي».

بعض الحسابات والمجموعات التي تداولت الادعاء:

لتحقق من صحة الادعاء، بحث «مرصد بيم» في موقع وكالة الاستخبارات الأمريكية وحسابيها على «فيسبوك» و«إكس»، ولم يجد فيها جميعًا ما يدعم صحة الادعاء.

ولمزيدٍ من التحقق، بحث فريق المرصد عما إن كان وليام بيرنز قد أطلق أيّ تصريحات بهذا الشأن، وخلص إلى أن بيرنز ليس المدير الحالي للوكالة، وأن مديرها هو جون راتكليف، ولم يجد الفريق أيّ تصريحات من الرجلين بشأن ما وَرَدَ بالادعاء.

كما أجرى المرصد بحثًا بالكلمات المفتاحية الواردة في نص الادعاء، ولم يُسفر البحث عن أيّ نتائج تُثبت صحة الادعاء.

ويأتي تداول المقطع عقب اتهام الخرطوم لأديس أبابا بالتورط في العدوان عليها عبر إتاحة أراضيها لتكون منطلقًا للطائرات المسيّرة التي استهدفت منشآت إستراتيجية على أراضيها، بما فيها مطار الخرطوم.

الخلاصة

الادعاء مفبرك؛ إذ لم يَرِد في موقع وكالة الاستخبارات الأمريكية ولا في حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي. كما لم يصدر عن مدير الوكالة، فضلًا عن أنّ البحث بالكلمات المفتاحية لم يسفر عن أيّ نتائج تؤيد صحة الادعاء.

توترات حدودية مستمرة.. ما قصة سيادة السودان على الفشقة؟

جددت تصريحات أدلى بها قائد القوات البرية، عصام الدين كرار، يوم الأربعاء الماضي، حول سيطرة القوات المسلحة على الوضع في منطقة الفشقة الحدودية بين السودان وإثيوبيا، التساؤلات حول طبيعة وتاريخ التوترات الحدودية بين الخرطوم وأديس أبابا.

تلقي (بيم ريبورتس)، في هذا التقرير، الضوء، على تاريخ تخطيط الحدود السودانية الإثيوبية بالتركيز على مثلث الفشقة، وكيف بدأ الخلاف حولها.

رغم الاعتراف الإثيوبي بسيادة السودان على منطقة الفشقة على مر الحقب الحديثة إلا أنه ومع إعلان الجيش السوداني، في نوفمبر 2020م، ما سماها، عملية انفتاح على الحدود الشرقية، بدأ الاعتراف الإثيوبي بسيادة السودان على مثلث الفشقة الغني بالأراضي الزراعية الخصبة، محل شك من قبل أديس أبابا.

وجاءت العملية التي وصفها الجيش السوداني، بأنها إعادة انتشار وانفتاح على حدود البلاد الشرقية، بالتزامن مع إطلاق أديس أبابا من جهتها عملية عسكرية بإقليم تغراي شمالي البلاد. كما أتت التطورات على الحدود، في ظل تنامي الخلافات حول سد النهضة بين السودا، إثيوبيا ومصر.

أين تقع الفشقة؟

تقع الفشقة في ولاية القضارف شرقي البلاد، وتمتد من منطقة نهر سيتيت، وحتى منطقة القلابات جنوبي القضارف. وتضم الفشقة أخصب الأراضي الزراعية في السودان. وتنقسم إلى ثلاث مناطق أصغر؛ وهي: الفشقة الكبرى والفشقة الصغرى والمنطقة الجنوبية.

تبلغ مساحة الفشقة 5,700 كلم، وتعتبر أخصب الأراضي بالسودان. تحتكر الفشقة مسافة 168 كيلو متر من الشريط الحدودي بين السودان وإثيوبيا البالغ طوله 265 كلم.

التطورات الأخيرة:

خلال العملية العسكرية للجيش السوداني بالفشقة، تبادلت الحكومتان الاتهامات، حيث قال المتحدث الرسمي باسم الخارجية الإثيوبية (دينا مفتي) ، إن “الجيش السوداني تخطى الحدود مع إثيوبيا انتقاماً من المليشيات الإثيوبية التي هاجمت المزارعين السودانيين”. في السياق نفسه، اتهم السفير الإثيوبي بدولة الإمارات (سليمان ديدافو) الجيش السوداني بالدخول في حرب مع إثيوبيا بالوكالة عن مصر – لتصوير السودان كمناصر لمصر ضد تشييد سد النهضة-. 

بالمقابل قال وزير الثقافة والإعلام السوداني الأسبق ، (فيصل محمد صالح)، إن السودان حريص على عدم اللجوء للحرب سواء مع إثيوبيا أو غيرها من الدول الأخرى. 

غير أن عضو مجلس السيادة الانتقالي السابق، محمد الفكي سليمان رد بالتفصيل على اتهامات الحرب بالوكالة قائلاً: 

  • منطقة الفشقة سودانية، وطالبنا إثيوبيا بالانسحاب من نقطتين على الحدود بين البلدين.
  • لا نقوم بهذه الحرب وكالة عن أحد وهذه أكاذيب محضة، لم نتخذ قراراً بالحرب، ولكن من حقنا الانفتاح حتى آخر نقطة حدودية داخل أراضي السودان.
  • نستطيع أن نخوض حرباً، لكن الأولوية للحل السياسي وقرار الانفتاح شرقاً تم بموافقة مجلس الأمن والدفاع بكامل عضويته.
  • مجلس الأمن والدفاع السوداني هو الذي يوصي بإعلان الحرب وليس هنالك إعلان حرب على إثيوبيا.

أيضاً قال القائد العام للجيش السوداني، عبدالفتاح البرهان، إنه اتفق مع الرئيس الإثيوبي على تأمين حدود البلدين إبان (عملية إنفاذ القانون)، وأن ما قام به الجيش السوداني هو فقط تأمين للحدود وليس حرباً.

خلفية تاريخية:

بدأت الاشتباكات بين السودانيين والإثيوبيين عندما قاد شخص يدعى “كنفي” – يتبع لقومية الأمهرا- هجوماً على جبل أبو طيور، وسيطرت مليشياته على مساحة شاسعة في الفشقة الكبرى، بما فيها جبل أبو طيور، و كان ذلك في العام 1968م. بعدها بعام واحد، حررت الشرطة السودانية بمعاونة الأهالي المحليين المنطقة. في عام 1972م، اتفق البلدان على إعادة تخطيط الحدود بينهما عبر اتفاق موقع  من قبل وزيري الخارجية بالبلدين.

احتلال إثيوبي:

في عام 1996م، احتلت القوات الإثيوبية مساحات واسعة من أراضي الفشقة، بالتزامن مع اشتداد وتيرة الحرب الأهلية في جنوب السودان. 

بجانب انسحاب الجيش السوداني من الحدود الشرقية، لإسناد القوات المقاتلة في الجنوب، حيث مثلت المحاولة الفاشلة لاغتيال الرئيس المصري السابق، حسني مبارك، في أديس أبابا عام 1995، والتي اتهمت بها الخرطوم، دافعاً إضافياً للنظام الإثيوبي لاحتلال الفشقة.

ومع كل عملية هجومية ظلت تشنها مليشيات (فانو)، و (الشفتة) وغيرها من المليشيات التي تتبع لقومية الأمهرا؛ تتبع السلطات الإثيوبية سياسة تتبرأ بها من إحتلال الفشقة، بإلقاء اللائمة على تلك المليشيات بينما تستنكر هذه الهجمات و تدعي أنها لمليشيات لا علاقة لها بها.

بالعودة إلى الوضع الحدودي على الأرض بين السودان وإثيوبيا، عادةً ما يتم تداول مصطلح “إعادة ترسيم”، هذا المصطلح خاطئ؛ لأن ترسيم الحدود تم مسبقاً، أما ما يمكن الحديث عنه حالياً، هو تخطيط الحدود، وهو ببساطة يعني إظهار الترسيم المتفق عليه.

الإطار القانوني للحدود السودانية الإثيوبية:

بنيت حدود السودان وإثيوبيا الحالية على معاهدة (أنجلو-إثيوبيا) الموقعة في عام 1902م بين بريطانيا -إبان سيطرتها على الأراضي السودانية- وإثيوبيا إبان حكم الإمبراطور (منليك الثاني). 

نصت المعاهدة على تعريف الخط الحدودي الفاصل بين البلدين كالتالي:

“يسير من خور «أم حجر» إلى «القلابات»، فالنيل الأزرق فنهر بارو فنهر بيبور ثم نهر أكوبو حتى مليلي، ومنها إلى نقطة تقاطع خط عرض 6 شمالا مع خط طول 35 شرق جرينتش” ، تم رسم خط الحدود بالخط الأحمر في الخريطتين الملحقتين بالاتفاق.

جاءت هذه الاتفاقية تبعاً لخطاب أرسله الإمبراطور (منيليك الثاني) للقادة الأوروبيين، محدداً فيه حدود إمبراطوريته، حيث ذكر أنها تمتد غرباً حتى كركوج على النيل الأزرق بأواسط حدود السودان الحالية. الخريطة أدناه تعرض الخريطة المرفقة مع المعاهدة المذكورة، و يتضح فيها الخط الأحمر الذي يمثل الشريط الحدودي بين البلدين.

عادة ما يعترض الإثيوبيون على هذه الاتفاقية وينكرون توقيعهم عليها قائلين بأنها من حقبة الاستعمار، لكن الحقيقة أن الإمبراطور (منليك الثاني) كان موافقاً عليها وتعهد بالمادة الثانية من المعاهدة على “عدم تشييد أو السماح بتشييد أي عمل على النيل الأزرق وبحيرة تانا أو نهر السوباط”، بينما كان السودان تحت سيطرة التاج البريطاني ولم يكن له كامل الإرادة من التوقيع أو عدمه. و بناء على هذه المعاهدة كسبت إثيوبيا أراضي بني شنقول الغنية بالمعادن، بينما اعترفت المعاهدة بأن أراضي الفشقة سودانية.

نصت المعاهدة أيضاً على تشكيل لجنة لترسيم الحدود بين البلدين، و تم ترسيم الحدود في عام 1903م عن طريق الرائد الايرلندي (قُوِين) الذي استخدم صخوراً ضخمة يصل طولها لثلاثة أمتار، بالإضافة إلى بعض الأنابيب المعدنية في بعض الأحيان. بدأ (قوين) ترسيم الحدود في ديسمبر 1902م من تقاطع خور الرويان مع نهر ستيت، وانتهى في يوليو 1903م في مليلي.

صورة تظهر ترسيم الرائد (قوين) للحدود بمنطقة (قلعة الزراف) بالعام 1903 مصدر الصورة: نور طه حسن (1971) دراسة عن الجغرافيا السياسية بالحدود السودانية-الاثيوبية

دأبت السلطات الإثيوبية على استخدام حجة أن الرائد (قوين) رسّم الحدود منفرداً دون رفقة إثيوبية أو تصريح من الإمبراطور، إلا أن (قوين) نفسه ذكر في تقريره الأخير أن “الإمبراطور (منليك الثاني) أعطاه وثيقة تفوضه ليرسم الحدود بالإنابة عن إثيوبيا”. فضلاً عن ذلك، فقد ذكر (اللورد كرومر) -قنصل بريطانيا في مصر- في برقية أرسلها إلى ممثل ملكة بريطانيا في روما بتاريخ 17 نوفمبر 1902م “أفاد (هارينجتون) -ممثل بريطانيا في أديس أبابا- أنه إذا تم توظيف الرائد (قوين)، فإن الإمبراطور (مينليك) لا يريد إرسال أي مندوب. فلديه ثقة كاملة في الرائد قوين وسيصدر أوامر باحترام الحدود التي سيحددها”. 

بالإضافة إلى ذلك، أقرت اتفاقية 1972م الموقعة بين البلدين باعتراف إثيوبيا بالحدود التي رسمها (قوين). و في يونيو من العام 2015م، أقر نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الإثيوبي ديمكي مكونن ، بأن الفشقة سودانية الملكية. فقد ذكر أن الأراضي التي احتلتها إثيوبيا في عام 1996م تم إرجاعها للسودان، دون ذكر المساحة التي أرجعت.

خريطة توضح الحدود بين السودان و إثيوبيا بعد تخطيط (قوين)

الحدود مع إريتريا

كانت دولة إريتريا مستعمرة إيطالية حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث آلت بعدها لتكون تحت السيطرة الإثيوبية حتى استقلالها في عام 1993م.

وبما أن إريتريا كانت مستعمرة إيطالية، فقد تم ترسيم حدودها مع السودان وفقا لمعاهدة بالعام 1891م بين إيطاليا وبريطانيا. لم تشهد الحدود السودانية الإريترية خلافاً يذكر بين البلدين كما هو الحال بين السودان وإثيوبيا.

صورة توضح الحدود التي حددتها اتفاقية ايطاليا و بريطانيا بالعام 1891م

المبادرة الإماراتية والموقف السوداني:

تقدمت دولة الإمارات العربية المتحدة بمبادرة لحل ما أسمته “النزاع بين السودان وإثيوبيا”. تضمنت المبادرة تقسيم أراضي الفشقة للفائدة الزراعية للسودان وإثيوبيا، بالإضافة إلى الإمارات. 

لم يتم الإعلان عن تفاصيل المبادرة، لكن العديد من التسريبات اتفقت في المضمون، حيث اقترحت تقسيم الأراضي بنسبة 25 بالمئة من الأراضي للسودان، ومثلها لإثيوبيا، والنصف المتبقي يؤول استثمارياً لدولة الإمارات.

في أبريل من العام 2021م، رفض مجلس الأمن والدفاع السوداني هذه المبادرة -حسبما ذكر مصدر بالمجلس لصحيفة الشرق الأوسط-، مبرراً رفضه قائلا: “السودان لن يقبل أي مبادرة تتضمن نسباً، أو تقاسم أراضيه التي استردها من إثيوبيا، وموقف السودان الموحد هو وضع العلامات الحدودية بين الدولتين، قبل بدء أي تفاوض يتعلق بقضايا أخرى”.

المشروعات التي أقامتها القوات المسلحة بالفشقة أخيراً

استهدفت القوات المسلحة السودانية إنجاز عدة المشروعات بمنطقة الفشقة، حيث ذكرت في صفحتها الرسمية على فيسبوك في أبريل 2021م، استهدافها إنشاء (6) جسور، ومعدية، و مد (310) كلم من الطرق المعبدة، و (42) معبر خرساني، و (11) محطة مياه. ولكن على الصعيد الرسمي لم يتم الإعلان إلا عن افتتاح جسرين فقط، إبان زيارة رئيس الوزراء الدكتور عبدالله حمدوك في أغسطس 2021م بمعية القائد العام للقوات المسلحة، حيث افتتحا جسر (ود عاروض) الذي يربط بين شرق و غرب الفشقة الصغرى، بالإضافة إلى جسر (ود كولي).

عادة تذكر صفحة القوات المسلحة عبارة “مشروعات تنموية بالفشقة”، تواصل فريق البحث في (بيم ريبورتس) مع مصدر محلي مطلع بالفشقة. ذكر المصدر أن جسري (ود كولي) و (ود عاروض) خدما التنمية بالمنطقة فعلاً، لكن تخطيط إنشائهما لم يكن لأغراض التنمية، بل كان عسكريا بإمتياز نظرا لأن إختيار مواقع إنشاء الجسور لم يراع للتوزيع الجغرافي للقرى غرب نهر عطبرة، بل اعتمد على إنشاء الجسور بالقرب من المناطق التي يتمركز فيها الجيش.

الفشقة لم تحرر بالكامل:

حتى لحظة نشر التقرير، ترابط القوات المسلحة السودانية في منطقة الفشقة شرقي السودان. أكد مصدر محلي لـ(بيم ريبورتس)، أن القوات المسلحة السودانية لم تحرر الفشقة بالكامل، ولم تُعِد الأراضي المحررة لمالكيها من السكان المحليين. أيضا، ذكر القائد العام للقوات المسلحة السودانية إبان احتفاله بالعيد (67) للقوات المسلحة السودانية في أغسطس الماضي، أنه قد تبقت 7 “جيوب” قال إن القوات المسلحة ستستردها.

ما حقيقة تصريح رئيس الوزراء الإثيوبي عن حاجة بلاده لاستيراد منتجات من السودان بقيمة 5.5 مليار دولار؟

ما حقيقة تصريح رئيس الوزراء الإثيوبي عن حاجة بلاده لاستيراد منتجات من السودان بقيمة 5.5 مليار دولار؟

تداول عدد من الصفحات والحسابات الشخصية والمجموعات، على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) منشوراً يدعي أن رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، صرح بأن بلاده -مستقبلا- بحاجة لاستيراد منتجات زراعية وحيوانية من السودان بقيمة 5.5 مليار دولار سنوياً.

نص المنشور:

"آبي أحمد": توليد الكهرباء من سد النهضة خطوة كبيرة، سوف نشغل المصانع، وحينها نحتاج السودان، لاستيراد القطن والفول والسمسم والتمور والثروة الحيوانية وغيرها بسعر السوق العالمي. وقد يصل الاستيراد من السودان في العام ما بين 5 - 5.5 مليار دولار. وقال أحمد، حسب المنشور، "نريد صفقات كبرى بين البلدين وتبادل تجاري عبر القنوات الرسمية لننهض".

وكانت العديد من الصفحات تداولت المنشور مثل:

نسبت هذه الصفحات والحسابات المنشور، إلى ما أسموه “صحيفة إثيوبية”. وعليه، تقصى فريق البحث في (بيم ريبورتس) حول المنشور، لم نجد أي ذكر لهذا الإدعاء عند البحث في عدد من الصحف مثل (ديلي تلغراف) و (الجزيرة الانجليزية)، بالإضافة إلى الموقع الاخباري الإثيوبي (أديس ستاندارد).

أيضاً، بحثنا في حساب رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، على موقع تويتر، وجدنا أن آخر ذكر لكلمة “Sudan”، كان بتاريخ 22 يناير الماضي، خلال ترحيبه بزيارة نائب رئيس مجلس السيادة، محمد حمدان دقلو المعروف بـ(حميدتي) لإثيوبيا.

تعمد مروجو المنشور، على ربط استيراد إثيوبيا للمنتجات السودانية، ببدء إنتاج الكهرباء من سد النهضة، وهو مؤشر على تبني تلك الحسابات والمجموعات والصفحات، الرؤية الإثيوبية حول سد النهضة، في وقت يتمسك السودان بضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم، قبل اكتمال ملء السد وتشغيله.  

كما حاول المنشور الإيحاء، بأن العلاقات بين البلدين في وضع طبيعي، وهو أمر مُنَافٍ للواقع.

الخلاصة

ما حقيقة تصريح رئيس الوزراء الإثيوبي عن حاجة بلاده لاستيراد منتجات من السودان بقيمة 5.5 مليار دولار؟

مفبرك