Tag: العسكر

بعد عام من حكم الجيش.. هل أصبح الاقتصاد السوداني على حافة الانهيار؟

من تحت رماد الأزمة الاقتصادية والمالية، انطلقت شرارة ثورة ديسمبر 2018م، التي أطاحت بنظام الرئيس المخلوع عمر البشير في أبريل 2019م.

والأزمة الاقتصادية التي يمر بها السودان حالياً، تعد في الأصل امتداداً لتركة الخسائر التي خلفها نظام البشير، تضافرت مع فقدان البلاد لأكثر من ثلثي عائداتها الاقتصادية من النفط عقب انقسام جنوب السودان في يوليو 2011م.

لم يكن فقدان عائدات النفط كل شيء، إذ صاحبه سوء في إدارة الموارد واستشراء الفساد، بالإضافة إلى تسارع وتيرة التدهور الاقتصادي والصرف الأمني العالي، للنظام المخلوع، أثناء محاولته قمع الثورة.

كان “البرنامج الإسعافي” خطة المعارضة الرئيسية لمعالجة الوضع الاقتصادي في البلاد، قبل سقوط نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير. لكن، مع وصول الحكومة الانتقالية للسلطة في أغسطس 2019م، بدا أن لديها خطة مختلفة في إدارة الملف الاقتصادي عن حاضنتها السياسية، في خضم عقوبات غربية وديون مليارية وسيطرة القطاع العسكري على الاقتصاد، اختارت إعادة هيكلة الاقتصاد عن طريق الدعم الخارجي المرتبط بمؤسسات التمويل الدولية.

لتبدأ الحكومة الانتقالية تعاطيها مع الأزمة الاقتصادية، من خلال العمل على إعادة علاقات البلاد مع المجتمع الدولي، قبل أن تنخرط في اتفاقات وتفاهمات، على أمل إعفاء الديون وإيجاد تمويل من المؤسسات الدولية، في محاولة لإعادة هيكلة الاقتصاد وإنعاشه.

وأثمر حراك الحكومة الانتقالية في هذا الاتجاه، عن وصول السودان في التاسع والعشرين من يونيو 2021م إلى نقطة القرار التي قضت بتخفيف أعباء الديون، بعد قرار المجلسين التنفيذيين للمؤسسة الدولية للتنمية بالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، إذ تعد هذه العملية هي الأكبر في تاريخ مبادرة دعم الدول الفقيرة المثقلة بالديون (الهيبيك).

لكن، بعد عام واحد فقط من انقلاب الجيش في 25 أكتوبر 2021م، تم تعليق عملية إعفاء الديون، وأصبحت حتى تلك المكتسبات القليلة والتي كانت في طور البداية في مهب الريح، ولم يعد الاقتصاد السوداني، يعاني من حالة تدهور وحسب، وإنما بات أقرب إلى حالة السقوط الحر.

تلقائياً تعمقت أزمة الاقتصاد السوداني، كون الحكومة الانتقالية كانت تعول على الدعم الخارجي المرتبط بعملية إعفاء الديون والاستمرار في تطبيق سياسات البنك الدولي.

ومع ذلك، أعلنت سلطة الأمر الواقع، أنها ستعتمد على الموارد الذاتية، لكن بعد عام من خطتها المعلنة، انزلقت البلاد إلى حالة حادة من الركود الاقتصادي، تجلت مظاهرها في انخفاض كبير للطلب، وخروج قطاعات عديدة وحيوية من خط الإنتاج، بجانب احتجاجات مستمرة للتجار والشركات والمنتجين، بما في ذلك الإضرابات والعصيان المدني، خلال الأشهر الأخيرة.

ويعرف المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية، وهو مجموعة من الاقتصاديين، الركود بأنه: “انخفاض كبير في النشاط الاقتصادي، ينتشر في جميع أنحاء الاقتصاد ويستمر لأشهر عديدة”.

في مسار الاقتصاد قبل الانقلاب، أشار المجلسين التنفيذيين للمؤسسة الدولية للتنمية بالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي وقتها، إلى أنه من شأن تخفيف أعباء الديون دعم جهود السودان في تنفيذ إصلاحاته المرجوة، بموجب هذا التخفيف وفق مبادرة (هيبيك) وغيرها من المبادرات، سينخفض الدين الخارجي العام للسودان بأكثر من 50 مليار دولار، أي ما يمثل أكثر من 90% من مجمل الدين الخارجي إذا تمكن السودان من الوصول لنقطة الإنجاز وفق هيبيك في غضون 3 أعوام تقريباً. في خطوة وصفها رئيس الوزراء آنذاك، عبد الله حمدوك، بأنها “علامة فارقة ومهمة تدعم جدول أعمال السودان للإصلاح والتنمية وتشجع رفع المستويات المعيشية لبلادنا”.

كما اعتبر وصول السودان رسمياً الى نقطة قرار مبادرة الهيبيك بأنه “إنجاز هائل”، بعدما أصبح مؤهلاً للاستفادة من هذه المبادرة.

ونتيجة لهذه الخطوات التي تصب “في مصلحة الإصلاحات الاقتصادية” اقترب السودان من تحقيق استقرار اقتصادي في الفترة التي سبقت انقلاب الجيش في 25 أكتوبر 2021م، حيث انخفض معدل التضخم بمقدار 35 نقطة لأول مرة منذ ما يزيد عن عام، نتيجة لذلك أيضاً انخفض العجز المزمن في الميزان التجاري بنسبة 25%.

علاوة على ذلك، بلغت حصيلة الضرائب غير المباشرة ما يقارب 48 مليار جنيه في أغسطس 2021م مما ساعد وزارة المالية على تغطية التزاماتها، لكن لم يستمر الحال طويلا حيث تأثر الاقتصاد بإغلاق الشرق وميناء بورتسودان ضمن سلسلة الأحداث التي سبقت الانقلاب.

غير أن انقلاب القائد العام للجيش، عبد الفتاح البرهان، في 25 أكتوبر 2021م، مثل نقطة تراجع كبيرة بالنسبة إلى التقدم المحرز، وأفشل خطط الحكومة الانتقالية التي سعت حثيثا من أجل الوصول إليها.

عقب إطاحته بالحكومة الانتقالية، أصدر البرهان عدداً من القرارات تبنى فيها التزام السودان بالمضي في نفس مساره الاقتصادي، لكن لم تمر ساعات حتى تتالت ردود الفعل الدولية الحاسمة إزاء الانقلاب، كان أولها إعلان “واشنطن الصارم” إنها “مستعدة للجوء إلى كل الإجراءات المناسبة لمحاسبة من يحاولون تعطيل إنفاذ إرادة الشعب السوداني “مؤكدة قيامها بقطع المساعدات المالية”.

في وقت وجيز، علّق المجتمع الدولي مساعداته وخططه تجاه السودان، وأصبحت سلطة الأمر الواقع في مواجهة داخلية وخارجية، جعلت الاقتصاد يتراجع سريعاً إلى الخلف، بناء على ما خلفته التغييرات السياسية.

جزء من هذه التراجعات التي شهدها الاقتصاد السوداني، كشفها نائب محافظ بنك السودان المركزي السابق، فاروق كمبريسي، والذي قال إن السودان خسر حوالي 4.6 مليار دولار أمريكي من المساعدات التنموية الضرورية، من بينها حوالي 2.6 مليار دولار من مؤسسة التنمية الدولية التابعة للبنك الدولي، كانت مخصصة لتطوير مشاريع حيوية في الزراعة والري والطاقة والصحة، بالإضافة إلى حوالي 580 مليون دولار خصصها المانحون الأجانب لبرنامج دعم الأسر السودانية (ثمرات). كما قامت الولايات بتعليق 700 مليون دولار من المساعدات التي تمت الموافقة عليها بعد إلغاء تصنيف السودان كدولة راعية للإرهاب.

تجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة كانت قد بدأت في تسليم السودان 350 ألف طن متري من القمح بقيمة 125 مليون دولار لتخصص للخبز المدعوم في البلاد، قبل أن توقفها. واستمرت التداعيات عندما أعلنت مجموعة دول نادي باريس، في يونيو 2022م، تعليق إعفاء مديونيتها المستحقة على السودان، إلى حين قيام حكومة ديمقراطية بقيادة مدنية.

كل تلك الخسائر الاقتصادية، لم توقف البرهان من مواصلة ما سماه “إجراءات تصحيحية” غداة انقلابه حيث أعد وزير المالية في سلطة الأمر الواقع، جبريل إبراهيم موازنة في مطلع العام 2022م، قال إنها تعتمد على موارد البلاد الذاتية. غير أن خبراء، رأوا أنها موازنة فاشلة وغير منطقية، بل وشككوا في مقدرة الدولة على الالتزام بها، بالنظر للتحديات التي يواجهها السودان في مشهده السياسي الحالي.

في هذا السياق، يقول الباحث والمحلل الاقتصادي، فتحي هيثم لـ(بيم ريبورتس)، "إن غياب الدعم الخارجي، أدى إلى صعوبات بالغة في موزانة العام 2022م، مضيفاً أن هذه الصعوبات سوف تمتد حتى موازنة العام 2023م، إذ أن هناك بنوداً لا تستطيع الدولة القيام بها دون مساعدات خارجية، أهمها بنود استحقاقات اتفاق سلام جوبا والمشاريع التنموية في مناطق النزاعات".

خلال عام من الانقلاب، فرضت سلطة الأمر الواقع، سلسلة من الزيادات على أسعار الخدمات والرسوم والضرائب لتغطية العجز الكبير في الموازنة بسبب المشكلات المتنامية التي يعاني منها الاقتصاد في الوقت الراهن، بالإضافة للعزلة الاقتصادية التي يعانيها السودان بعد انقطاع وإيقاف المساعدات الدولية.

ساهمت هذه العوامل مجتمعة في تدهور كبير في أوضاع الموظفين والعاملين، وتمثل ذلك في ضعف الأجور في ظل ارتفاع هائل في أسعار السلع الاستهلاكية والخدمات الأساسية. بالإضافة إلى زيادات جمركية أثرت على التجار والمنتجين الذين يواجهون تحدياً مزدوجاً في مواجهة ارتفاع تكاليف السلع المحلية والمستوردة والتراجع المهول في القدرة الشرائية، ما اضطر التجار والمنتجين إلى وقف البيع خوفاً من الآثار الكارثية المرتبطة بارتفاع الضرائب والرسوم وتكاليف النقل والشحن وغيرها.

وينطبق هذا الأمر على المنتجين الذين يواجهون عقبات كثيرة، للاستفادة من إنتاجهم مما جعلهم في نفس موقف التجار.

يقول الخبير الاقتصادي معتصم أقرع لـ(بيم ريبورتس) “على الرغم من أنه لا توجد إحصاءات دقيقة، لكن المؤشرات تقول إن النمو الاقتصادي ضعيف للغاية، إذ يقدر بين 1%-2%، أو يعتبر نمواً سلبياً.”

ويشتكي التجار من أن بضائعهم لا تباع والغرف الصناعية تحتج على الضرائب الباهظة، بالإضافة لعدم استقرار الكهرباء التي أدت لتوقف عملها كلياً أو جزئياً، وحاليا يعمل القطاع الصناعي بطاقة أقل من 20 %”.

في ظل هذه الظروف الطاحنة، اضطر الموظفون والعاملون في القطاعات الحكومية للاحتجاج وذلك باللجوء للإضرابات التي نظمتها نقابات وأجسام مهنية من أجل زيادة الأجور. شملت الإضرابات والاحتجاجات، مختلف القطاعات المهنية مثل أطباء الامتياز والعاملين في الكهرباء وأساتذة جامعات ومدارس حكومية وغيرها من مؤسسات إنتاجية وخدمية لها تأثيرها المباشر على الوضع في السودان، كما طالت الأزمة عدداً من الأسواق في مدن مختلفة حيث أقفلت أبوابها احتجاجاً، على سياسات سلطة الأمر الواقع.

استمرت تداعيات الركود الاقتصادي في التنامي مع تطور الأزمة السياسية في السودان، ومنذ الخامس والعشرين من أكتوبر 2021م، دخلت سلطة الأمر الواقع في معركة متواصلة لتهدئة الوضع السياسي لكنها لم تفلح في ذلك، حيث تواصلت الاحتجاجات منذ اليوم الأول للانقلاب بالتزامن مع موجة من الإضرابات المتواصلة والتي تزداد رقعتها يوماً بعد يوم.

يعتقد خبراء، أن لهذه الظروف مجتمعة آثارها على الاقتصاد والذي يضع سلطة الأمر الواقع في خيارات ضيقة، اختارت فيها حتى الآن، صرف أموال الدولة على القطاع الأمني باعتباره أولويتها ضد المعارضة.

يعود أقرع ويقول: “إن تأزم الوضع والاحتقان السياسي الخارجي والداخلي، جعل موارد الدولة موجهة تجاه السيطرة الأمنية واحتواء التظاهرات من أدوات للقمع ورواتب للموارد البشرية التي أصبحت تعمل لوقت إضافي، مشيراً إلى أنه كان بالإمكان صرف تلك الموارد والأموال لدعم الاقتصاد، لكنها اليوم تذهب لتمويل الأجهزة الأمنية.”

طوال هذه الفترة المتأزمة كانت التقارير الصادرة من الجهاز المركزي للإحصاء السوداني تشير إلى انخفاض هائل ومستمر في معدل التضخم الاقتصادي، حتى وصل في سبتمبر الماضي إلى (107%)، لكن تلك الأرقام التي تظهر في التقارير لم تنعكس على أسعار السلع الاستهلاكية الأمر الذي يراه محللون وخبراء اقتصاديون انخفاضاً سلبياً.

السودان - معدل التضخم

يقول المحلل الاقتصادي (فتحي هيثم) لبيم ريبورتس: “إن الاقتصاد السوداني الآن في أوج ضعفه وهناك عرض كبير للسلع مقابل انخفاض في الطلب.

ويضيف “ما حدث من انخفاض في التضخم جاء نتيجة ارتفاع معدل الركود في الأسواق قياسا بأسعار الدولار إلى جانب انخفاض دخل الأسر السودانية، ما أدى إلى خفض استهلاكها اليومي من السلع الضرورية”.

في حين يصف أقرع تقارير الجهاز المركزي للإحصاء، بأنها “أرقام مسيسة”، قائلاً “إن هذه الإحصاءات مشكوك في مصداقيتها، لأن الجهاز المركزي لا يوضح منهجيته في حساب المعدل ولا يوضح ماهية سلة السلع التي بنى عليها الإحصائية، بالإضافة لضعف قدرات وإمكانيات الجهاز المادية”.

حديث الخبراء الاقتصاديين عن ارتفاع معدل الركود وانخفاض الطلب مقابل العرض يعضده تجار يعملون في قطاع المواد الغذائية.

"القوة الشرائية منخفضة للغاية، كان متجري السابق بمنطقة الطائف بالخرطوم مكتظاً طوال الوقت، خاصة في بداية الشهر، أما الآن لا يوجد زبائن على الإطلاق"، يقول محمد بلة صاحب محل لبيع المواد الغذائية.

ويضيف “يظهر الفرق أيضاً في نوعية المشتريات، يشتري الزبائن الآن الضروريات الاستهلاكية فقط، معظم المشتريات؛ إما سكر، بصل أو زيت، أما بالنسبة للمعلبات والبضائع المستوردة وأي سلعة غير ضرورية فهي غالباً ما تنتهي بالتلف داخل الرفوف، نتيجة لذلك صافي الربح من المتجر أصبح لا يغطي معي تكاليف المعيشة، مع أني أعمل فيه بدوامين صباحي ومسائي”.

ويتابع بلة قائلًا “حتى الشركات أصبحت غير مستقرة. فالأسعار ليست ثابتة وكل شهر له أسعاره المختلفة وبعض الشركات تُوقِف إنتاجها لأشهر ثم تعاود التوزيع بعد مدة بأسعار عالية”.

الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تعيشها البلاد، حذرت من تداعياتها الأمم المتحدة والتي أعلنت في آخر تقرير لها في أغسطس بخصوص الوضع في السودان، عن استمرار ارتفاع أسعار المحاصيل المحلية الاستهلاكية، حيث ارتفعت بنسبة 10-35%. وكشف التقرير عن تأثر المحاصيل التي سيتم حصادها في الشهر الحالي سلبيا نتيجة ارتفاع أسعار المدخلات الزراعية كالوقود وتكاليف النقل وغيرها.

كل تلك الأزمات الطاحنة إلى جانب انخفاض احتياطيات العملات الأجنبية والذهب واستمرار انخفاض قيمة الجنيه السوداني، تمثل مصدراً إضافياً للقلق بشأن قدرة البلاد في السيطرة على الاقتصاد في ظل وضع سياسي محتدم ونزاعات أهلية في مناطق متفرقة بالبلاد، علاوة على اعتماد الدولة على جيب المواطن بشكل كبير لتغطية الموازنة الموضوعة.

كيف يحاول العسكر احتواء الإدارات الأهلية وتوظيفها لخدمة أجندتهم السياسية؟

لم يكن رفض مجلس شورى الأمرأر بشرق السودان، لسيارات أهداها لهم قائد الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، قبل عدة أسابيع، سوى مؤشر جديد، لمحاولات قديمة معلنة من المجلس العسكري الانتقالي وحميدتي على وجه الخصوص، لاستمالة الإدارات الأهلية والعمل معها، منذ الإطاحة بالرئيس المخلوع، عمر البشير، عبر ثورة شعبية في أبريل 2019 م. 

وتكثفت هذه المحاولات، لتحويل الإدارات الأهلية، إلى حاضنة سياسية للمجلس العسكري، عقب فض اعتصام القيادة العامة بالمقار الرئيسية للجيش السوداني في العاصمة الخرطوم ومدن أخرى، في 3 يونيو 2019 م. ومع انقلاب 25 أكتوبر الماضي، عادت المحاولات الحثيثة مرة أخرى، للاحتماء بالإدارات الأهلية، لتثبيت السلطة العسكرية من ناحية، واستبقائها نشطة كحاضنة سياسية، للاستعانة بها في أية انتخابات محتملة.   

ويحاول المجلس العسكري، ممثلاً في القائد العام للجيش، عبد الفتاح البرهان، وقائد الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي) من الجانب الآخر، فيما يشبه عملية تنافسية، تثبيت وجودهما في السلطة، وفتح نافذة لمستقبل سياسي من خلال احتواء الإدارات الأهلية وتوظيفها في خدمة أجنداتهما السياسية.

مساومة في الحقوق

وفي هذا الإطار، التقى البرهان، يوم الثلاثاء الماضي، ضمن لقاءات مستمرة، وفداً من الإدارة الأهلية قادم من ولاية جنوب دارفور، والذي أشاد خلال لقائه بهم، بما وصفها بــ”الأدوار المتعاظمة التي ظلت تضطلع بها الإدارات الأهلية في بسط السلم والأمن المجتمعي ونشر ثقافة السلام”. 

وفي بلدٍ تعاني أريافه انعداماً للخدمات، يظل الحديث عن التنمية مدخلاً أساسياً، لاختراق الإدارات الأهلية بتقديم وعود تنموية. حيث أكد البرهان، أثناء استقباله، لإدارات أهلية قادمة من محلية عد الفرسان بولاية جنوب دارفور، على “ضرورة توفير الخدمات الضرورية لكافة الولايات والمحليات وتحسين معاش الناس”. 

ومع عجز الدولة المستمر، عن حماية مجتمعات الريف وحل مشاكلها التنموية والخدمية، دعا البرهان، لأهمية، ما وصفها بــ“وحدة الصف والتماسك المجتمعي وضرورة نبذ العنف والتفرقة، بما يضمن استتباب الأمن والاستقرار وتحقيق التنمية المستدامة”. 

فيما قال ناظر عموم بني هلبة، التوم الهادي عيسى دبكة، إن الوفد جاء ليؤكد دعمهم لعملية الحوار الجامع من أجل تحقيق “تطلعات” الشعب السوداني، داعياً الأحزاب والقوى السياسية لما وصفها بتغليب المصلحة الوطنية وتحكيم صوت العقل وإعلاء روح التسامح من أجل تحقيق السلام والحرية والعدالة المنشودة.

محاولات حميدتي لصناعة قاعدة شعبية

ومنذ انقلاب 25 أكتوبر الماضي، أصبح المجلس العسكري، وخصوصاً حميدتي يعمل بشكل علني، فيما يبدو أنها، محاولات لخلق قاعدة انتخابية شعبية، بالتحالف مع الإدارات الأهلية للانتخابات المحتمل قيامها في العام المقبل، من طرف واحد. 

في مارس الماضي، زار حميدتي ولاية البحر الأحمر لمدة 5 أيام، كان طابع الزيارة الأساسي؛ هو عقد لقاءات مع قادة الإدارات الأهلية، بجانب زيارات للموانئ وإصدار قرارات بشأنها، أيضاً تحدث عن مشكلة المياه في مدينة بورتسودان، حيث قدم وعوداً بحلها، مقدماً نفسه في صورة رجل دولة يسعى لحل قضايا شعبه.

خلال زيارته إلى بورتسودان، وبعدها، نشطت حملات ترويجية على وسائل الإعلام التقليدية والحديثة، تشيد بقراراته وكونه قادر على حل مشاكل شرق السودان المستعصية، والتي يتحالف مع أطرافها المتناقضة جنباً إلى جنب.

أجندة قديمة في قوارير جديدة!

عمل حميدتي المستميت مع الإدارات الأهلية، لجعلها حاضنة سياسية واجتماعية، على حساب الأحزاب السياسية المدنية وتجمع المهنيين السودانيين ولجان المقاومة، بدأ بعد أيام من فض اعتصام القيادة العامة بالخرطوم. ففي يونيو 2019م، تم تجميع عدد كبير من الإدارات الأهلية من أنحاء البلاد المختلفة بمعرض بري، شرقي العاصمة السودانية الخرطوم، لتفويض المجلس العسكري الانتقالي الذي استولى على السلطة، لتشكيل حكومة تكنوقراط.

ونشر الموقع الإلكتروني للقصر الجمهوري، في يوم 18 يونيو 2019م، خبراً عن تفويض الإدارات الأهلية في عموم السودان، المجلس العسكري الانتقالي، بتشكيل حكومة تكنوقراط من الكفاءات السودانية لإدارة الفترة الانتقالية.

وجاء إعلان الإدارات الأهلية، بتفويض المجلس العسكري الانتقالي، في البيان الختامي لملتقى الإدارات الأهلية في عموم السودان، بالخرطوم والذي أشار الخبر، إلى حضور أكثر من (٧) آلاف من قيادات الإدارة الأهلية من كل أنحاء البلاد.

وقال حميدتي، خلال مخاطبته ختام الملتقى، إن البلاد تحتاج في الوقت الراهن إلى الإسراع في تكوين حكومة من الكفاءات السودانية إلى حين قيام انتخابات حرة ونزيهة في “أقرب وقت”.  

وأضاف “أن هذا اليوم هو يوم نصر، لأنه جمع الإدارات الأهلية التي تضم كل مكونات الشعب السوداني” على حد قوله. متابعاً: “الإدارات الأهلية تمثل برلمان السودان ومجالسه التشريعية في ظل غياب البرلمان المنتخب”، مطالباً قيادات الإدارة الاهلية بالعمل جنباً إلى جنب مع المجلس العسكري في “هذه المرحلة”، باعتبارهم “أصحاب إرث راسخ” في تقديم الحلول للقضايا من خلال الأعراف السودانية التي أصبحت مُعترف بها عالمياً، وفق قوله.

من جهتها، أشادت الإدارات الأهلية في البيان الختامي للملتقى بدور القوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى، في دعم الثورة وانحيازها للشعب، وفوضت المجلس العسكري الانتقالي لتشكيل الحكومة الانتقالية والإسراع بقيام انتخابات تفضي إلى حكومة منتخبة، فضلاً عن اتخاذ كافة القرارات التي تفضي لاستقرار البلاد.

ودعت الإدارات الأهلية، في بيانها الختامي، إلى “الشروع الفوري” في مفاوضات سلام مع الحركات المسلحة لتحقيق الاستقرار بالبلاد. وسلمت الإدارات الأهلية بالبلاد في ختام الملتقى، حميدتي، ما سمتها وثيقة عهد وميثاق، أكدت فيها وقوفها مع المجلس العسكري.

كيان سياسي

في تلك الفترة التي تلت فض اعتصام القيادة العامة، بدأ المجلس العسكري الانتقالي، توجهاً واضحاً في محاولة تشكيل كيان سياسي، يعمل من خلاله على إدارة الدولة وشؤون الحكم بعد تباطؤه في تسليم السلطة للمدنيين. حيث تم الإعلان عن حزب جديد تحت مسمى “الحزب الأهلي السوداني”، بمباركة حميدتي الذي عبر عن ترحيبه بالكيان الجديد، وأنه يعوّل في المستقبل على رجالات الإدارة الأهلية والطرق الصوفية في تحقيق الأمن والاستقرار بالسودان.

مشهد قاتم بالشرق من صنع حميدتي

بالعودة إلى رفض مجلس شورى الأمرار، السيارات التي أهداها لهم (حميدتي)، ندد المجلس بالخطوة. وقال في بيان، “إن هذه السيارات ليست مكرمة وإنما اساءة بالغة لنا ولا يمكن تقبلها”. مضيفاً “هذا المسلك مرفوض بالنسبة لنا وإساءة بالغة لا يمكن تقبلها، وهذه ليست مكرمة يمكن تقبلها وإنما تدنيس لدماء شهداء البجا”.

ويعتقد ناشط في قضايا شرق السودان تحدث لـ(بيم ريبورتس)، أن حميدتي، يحاول من خلال نفوذه مع قادة أطراف الإقليم الرئيسية أن يوازن وجوده في السلطة، لكن هذا الأمر يشكل خطراً كبيراً إذا ما شعر بأن وجوده في السلطة المركزية بات محل شكوك، إذ بإشارة منه يمكن أن يشعل الشرق. 

ورغم أن قضية شرق السودان، واضحة المعالم، يقول الناشط، إلا أن حميدتي لا يريد حلها لاستخدامها كورقة سياسية يحافظ بها على موقعه في أي تسوية مقبلة. 

بيان مجلس شورى الأمرأر بشرق السودان

وقال في هذه الحالة، يمكن أن يُشكل خطراً كبيراً على الشرق، باعتبار علاقاته الوثيقة مع الأطراف المتناقضة والوعود التي قدمها للجميع، لحل مشاكل الإقليم، إذ يتعامل معه الجميع ليس بصفته الشخصية ولكن كممثل للدولة.  

أيضاً يسيطر حميدتي على تنظيمات كانت موالية للنظام البائد بولاية البحر الأحمر، مثل مؤتمر البجا بقيادة موسى محمد أحمد، كذلك يسيطر على ما يسمى بتجمع المهنيين (المركز العام)، في ولاية البحر الأحمر.

أبعاد جيوسياسية وإقليمية تتفاعل في أزمة الشرق، حيث منح مجلس السيادة، الرئيس الإرتري، أسياس أفورقي، الضوء الأخضر، للتعاطي مع قادة الإقليم، حيث ينشط في محاولة ترك كلمته في الأزمة.

تاريخ الإدارة الأهلية

وتعود نشأة الإدارة الأهلية إلى عهد السلطنات السودانية القديمة، وارتبطت بتاريخ نشأة مملكة الفونج ومملكة التنجر ومملكة الفور، حسب بعض المؤرخين.

وعقب إطاحتها بالحكم التركي – المصري، في عام 1885م، استصحبت الدولة المهدية، التكوين القبلي الذي يمثل روح الإدارة الأهلية، وعملت على تكريس ذلك النظام وأسبغت على زعماء الإدارات الأهلية الألقاب والرتب وأصبحوا أمراء.

ليأتي بعدهم البريطانيون، عقب احتلالهم البلاد في عام 1898م ويستمروا في ذلك النمط الإداري، في حكمهم للسودان، بل عملوا على تهجينه وتطويره مع ما يتماشى ورغبتهم في إحكام قبضتهم على البلاد، فعملوا على تعزيز دور قادة الإدارات الأهلية  بالترهيب والترغيب والرشاوى ومنحهم الامتيازات وشكلوا عاملاً مشاركا في إدارة البلاد.

بعد إجلاء الاستعمار البريطاني في عام 1956م دخلت الإدارة الأهلية مرحلة جديدة في نموها، إذ انقسمت كياناتها بين القوى الحزبية الطائفية وشكلت ذلك النسيج الضارب الجذور في خلايا الدولة السودانية.

غير أن الإدارات الأهلية، تاريخياً، ظلت ترى الدعوة للديمقراطية والحداثة خطراً يهدد امتيازاتها التاريخية المادية والمعنوية الموروثة، وبالتالي أصبحت ذلك الحليف الطبيعي لأنظمة الاستبداد، حيث تبدي تخوفها من كل نزعة نحو المستقبل والتغيير، خاصة التحديث في هيكل الدولة القديمة المتوارث.

توظيف في الحروب الأهلية

وشهدت عقود النظام البائد الثلاثة في الحكم، تمدد نسيج الإدارة الأهلية في جهاز الدولة وعصره الذهبي، ولم يقم المجلس العسكري الحالي، سوى بإعادة إحيائه مجدداً. أيضاً وظف النظام البائد، الإدارات الأهلية ضمن الحروب الأهلية، حيث عمل مع قياداتها لمده بالمتطوعين للقتال ومساندة الجيش، قبل أن تتحول إلى شيء أشبه بالعمليات التجارية، حيث كانت تتم عبر مقاولات مباشرة، بين بعض شيوخ الإدارات الأهلية وبين مسؤولي نظام الإنقاذ المخلوع، حيث يتلقوا عوائد مالية نظير كل شخص يتم إرساله إلى مناطق العمليات العسكرية. أيضاً كانوا يتلقوا أموالاً وامتيازات أخرى نظير تجميع حشود مصنوعة لاستقبال مسؤولي نظام الإنقاذ المخلوع.

لكن هذه العمليات، عملت من جانب آخر على تفكيك النسيج الاجتماعي، من خلال عمليات استنفار المجموعات للانخراط في الحروب. وتمثل بعض الإدارات الأهلية، امتداداً للنظام البائد، ويتم استخدامها حالياً من قبل المجلس العسكري، لخلق حالة من الاضطرابات والتناقضات السياسية والاجتماعية، في مشهد البلاد القاتم.