Tag: روسيا

كيف أصبح اضطراب الحدود بين السودان وأفريقيا الوسطى مدخلاً لسيطرة روسيا على موارد البلدين؟

على مدى السنوات الأخيرة، ظلت جمهورية أفريقيا الوسطى، الواقعة على حدود السودان الغربية بطول 174 كلم، تعيش حالة مستمرة من الاضطرابات السياسية والحروب الأهلية، أثرت على البلاد بشكل كبير. 

وبقيت أفريقيا الوسطى المستعمرة الفرنسية السابقة، لعقود من الزمن تحت نفوذ باريس، لكن أخيراً تمدد إليها النفوذ الروسي بشكل كبير عن طريق نظام الرئيس المخلوع عمر البشير، الذي رعى في فبراير عام 2019م مفاوضات سلام بين المتمردين والحكومة بالعاصمة الخرطوم شارك فيها مسؤولون روس رفيعو المستوى.

عقب إسقاط نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير في أبريل 2019م، تواصل التمدد الروسي في الحدود بين السودان وأفريقيا الوسطى، وصل في السنتين الأخيرتين إلى وجود عسكري شمل حتى العاصمة بانغي، إلى أن أصبح البلد الأفريقي الغني بالموارد المعدنية كما لو أنه مستعمرة روسية.

وبعد انفجار الحرب الأهلية بأفريقيا الوسطى في عام 2013م، أشارت تقارير إعلامية إلى تدخل نظام البشير المخلوع، عسكرياً إلى جانب أحد الأطراف المتصارعة.

ومع استمرار الحرب الأهلية التي اندلعت على أسس عرقية، ودينية من ناحية أخرى، أصبح السودان، وتحديداً إقليم دارفور، ملاذاً لآلاف اللاجئين الفارين من الحرب، في حدود ظلت مفتوحة أمام النشاط التجاري الشعبي لسنوات طويلة.

التجارة الرسمية والموازية بين البلدين

تنشط حركة تجارية واسعة بين البلدين، وتعتبر مدينة أم دافوق والتي تقع على بعد 370 كلم غربي مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، إحدى أكبر المناطق الحدودية التي تربط السودان بأفريقيا الوسطى، والمعبر الرئيسي لحركة التجارة بين البلدين. 

ومنطقة (أم دافوق)، كانت جزءاً من محافظة (رهيد البردي)، التي تمتد من غرب منطقة الشويب حتى حدود أفريقيا الوسطى، ولكن تم فصلهما لاحقاً وأصبحت (أم دافوق) محلية منفصلة من محلية (رهيد البردي).

وطبيعة النشاط الاقتصادي في محلية أم دافوق، نشاط رعوي، يمتد بين السودان ودولة أفريقيا الوسطى، مما أدى إلى وجود تداخل شعبي في المناطق الشرقية لأفريقيا الوسطى، مثل منطقة جبل فاطمة ومنطقة مأمون وغيرها، كما أدى التداخل إلى وجود مجموعات إثنية توزع وجودها بين السودان وأفريقيا الوسطى مثل مجموعات (الكارا) و(الصرا).

وتنتعش في (أم دافوق) التجارة الموازية، وذلك بفضل الحماية التي توفرها الجماعات المسلحة، مثل الجبهة الشعبية لنهضة أفريقيا الوسطى الإسلامية. وتنطلق الشاحنات التجارية من السودان نحو أفريقيا الوسطى محملة بالسلع السودانية مثل الزيت والبنزين وغيرها من السلع الاستهلاكية، بعد تفريغ السلع في أفريقيا الوسطى يُعاد تحميل الشاحنات بسلع محلية في مقدمتها البن لإعادة بيعها في السودان.

يعود هذا الشكل من أشكال التجارة الموازية بفائدة كبيرة على الجماعات المسلحة، والتي تعدها مورداً مالياً مهماً بفضل “الرسوم” التي تفرضها مقابل حماية القوافل، حيث يوجد حوالي 64 نقطة تفتيش لمسلحين من كل الانتماءات، وتبلغ أرباح مجموعات سيليكا السابقة وأبرزها الجبهة الشعبية حوالي 192 مليون فرنك سنوياً (حوالي 300 ألف يورو) من خلال الإقطاعات التي  تجمعها من تلك النقاط.    

أما على صعيد حركة التجارة الرسمية بين البلدين، فتبدو ضعيفة للغاية، إذ بلغ حجم الصادرات الرسمية السودانية لأفريقيا الوسطى في عام 2018م حوالي 128 ألف دولار، تتمثل في صادرات الآليات (3.78 ألف دولار)، والمعادن (124 ألف دولار). بينما بلغ حجم الواردات السودانية الرسمية من أفريقيا الوسطى، في عام 2018م، حوالي 783 ألف دولار تنقسم بين قطاعات الزراعة (530 ألف دولار)، والمعادن (36.5 ألف دولار)، والمواد الكيميائية (27.4 ألف دولار)، والآليات (165 ألف دولار)، والكهرباء (20.2 ألف دولار)، وأخرى (1.19 ألف دولار). 

جرائم الشركات الروسية

 مع تزايد نشاط التعدين التقليدي سواء كان في دارفور أو أفريقيا الوسطى، ارتفعت وتيرة الحركة بين الشعبين في الوقت الذي تمددت فيه الشركات الروسية في عمليات تعدين محمومة بالبلدين، أصبحت تطيح بالمعدنيين التقليديين السودانيين، حيث قامت قوات عسكرية تتبع للشركات الروسية في مارس الماضي بمطاردة المعدنين السودانيين من أفريقيا الوسطى إلى داخل الحدود السودانية، وقتلت العشرات منهم. 

لاحقاً، أفاد ناجون من هجوم المسلحين الروس، المسؤولين عن حماية الشركات الروسية التي تعمل في مجال التنقيب عن المعادن، على العاملين في مناجم الذهب من السودانيين والتشاديين ومواطنين  محليين من أفريقيا الوسطى بمنطقة “انداها” بافريقيا الوسطى، إن المسلحين الروس قتلوا أكثر من 20 شخصاً بعدما هاجمتهم في قرية “قورديل”،  بينما لا يزال عدد من عمال المناجم مفقودين. 

وتنشط في المناطق الشمالية لجمهورية أفريقيا الوسطى حركة “السيليكا” المسلحة المعارضة لحكومة أفريقيا الوسطى، بينما تتولى شركة الأمن الروسية “فاغنر” مساعدة الحكومة للقضاء على مسلحي الحركة.

ورغم قتل المعدنين السودانيين، بيد الروس، إلا أن الحكومة المركزية وحكومة جنوب دارفور، التزمتا الصمت حيال ذلك. بينما قال والي جنوب دارفور المكلف، حامد التجاني هنون، في مارس الماضي والذي زار مدينة أم دافوق الحدودية مع افريقيا الوسطى، إنه ليس لديه علم بالأحداث التي وقعت في منجم “اندها” بأفريقيا الوسطى.

مستوطنون جدد

وتنشط في حدود السودان مع ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى عمليات تهريب واسعة، تشمل الأجهزة الكهربائية والسيارات ومستحضرات التجميل والمخدرات، إضافة إلى نشاط تجارة البشر والأسلحة.  

وفي خضم النزاع المسلح بأفريقيا الوسطى، تمددت حركة النزوح تجاه إقليم دارفور، أيضاً أشارت تقارير أممية إلى أن مستوطنين جدد من دول عديدة، بينها أفريقيا الوسطى احتلوا أراضي النازحين في دارفور، حيث أبلغت جهات غير حكومية، فريق خبراء تابع لمجلس الأمن الدولي، عن احتلال أجانب من تشاد وأفريقيا الوسطى ومالي والنيجر ونيجيريا، أراضي النازحين واللاجئين في إقليم دارفور.

وذكر التقرير الأممي، أن معظم المحاورين غير التابعين للدولة في دارفور، أبلغوا الفريق بأن مستوطنين أجانب يحتلون أراض تعود ملكيتها للنازحين واللاجئين”، مشيراً إلى أن هؤلاء الأجانب الذين يُطلق عليهم العرب الرحل والجنجويد من تشاد وأفريقيا الوسطى ومالي والنيجر ونيجيريا.

ونقل التقرير عن محاورين من ولايات غرب وشمال ووسط وجنوب السودان، تأكيدهم وجود عناصر أجنبية – لاجئون ومهاجرون ومجرمون ومستوطنون جدد.

وتابع: “تداخلت التوترات في غرب دارفور وبعض مناطق وسط دارفور مع الحالة في الحدود المتاخمة لتشاد وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان”.

وشدد فريق الخبراء، على أن دارفور، لا تزال نقطة انطلاق للهجرة الدولية، من بلدان غرب ووسط أفريقيا والقرن الأفريقي إلى أوروبا عبر ليبيا والبحر الأبيض المتوسط، وذلك على الرغم تأكيد السلطات في الخرطوم على سيطرة قوى الأمن على الحدود.

وتابع: “التقارير المنتظمة عن الأنشطة غير القانونية في الحدود مثل تهريب المركبات والمخدرات والذهب، إلى جانب الإتجار بالبشر والسلاح من وإلى جنوب السودان وأفريقيا الوسطى وتشاد وليبيا تؤكد أن الحدود مفتوحة”.

حدود مفتوحة

ومع هذه التقارير عن المستوطنين الجدد في دارفور، أظهر فيديو منشور على الإنترنت، ضابط في قوات الدعم السريع، يتحدث إلى عشرات من مواطني أفريقيا الوسطى معظمهم نساء وأطفال، بوصفهم سودانيين وأنه مرحب بهم في بلدهم، رغم إقراره بأنهم قادمين من أفريقيا الوسطى.

وقال الضابط الذي عرف نفسه باسم، مرتضى أحمد أبوه، لعشرات الفارين من أفريقيا الوسطى

"نحن ما كنا عارفين هذه الموقع بهذه الطريقة، ولو كنا عارفين أهلنا الأتوا من أفريقيا الوسطى حالهم بهذه الطريقة كان التقيناهم قبل ما يدخلو السودان.. لكن نحن مع الأشغال، يعني نحن الآن ناس مسؤولين والشغل كتير في الدولة، الآن جرينا كتير وما منتبهين لمشاكل الأهل، فما أبت نفسنا إلى نجي نشوف مشاكل أهلنا ونسلم عليهم ونقول ليهم حمدا لله على السلامة في هذا السودان وانتو أصول من أصول السودان. ما دام الآن انتو بتمثلونا ونحن بنمثلكم، الآن انتو من أصالة السودان، والآن انتو أتيتم لسودانكم وأتيتم وطنكم".

وأضاف “أنا أتحدث معاكم ملازم أول دعم سريع/ مرتضى أحمد أبوه، قيادي من قيادات الدعم السريع، قطاع ولاية جنوب دارفور نيالا، والآن أيضاً مسؤول ومشرف بالإدارة الأهلية في المصالحات ما بين القبائل”.

إحلال ديموغرافي وتجارة سلاح

فسر الكثيرون هذا الأمر على أنه عملية إحلال ديمغرافي، وقد أكد تقرير أممي هذه المسألة، خصوصاً، وأن المنطقة المتاخمة لأفريقيا الوسطى غنية بالموارد المعدنية والغابية وبها أراض زراعية خصبة. وتشكو بشكل مستمر، مجتمعات النازحين واللاجئين في دارفور، من استيلاء مستوطنين جدد على أراضيهم بالقوة، في الإقليم الذي غيرته وما تزال الحرب التي اندلعت في عام 2003م.  

هناك أيضاً قضية تجارة السلاح في  الحدود السودانية مع دول الجوار التي من ضمنها  أفريقيا الوسطى، أو ما يعرف بـ “تجارة النمل”، وهي تشير إلى حركة الأسلحة الصغيرة التي يتم تهريبها عبر الحدود، وبالرغم من صعوبة حصر مسار هذا التدفق بحسب دراسة نطاق الأسلحة، خارطة تدفقات الأسلحة الصغيرة في أفريقيا، إلا أنه في أحيان كثيرة لا يحدث بطريقة مباشرة، بل عن طريق تغيير مسار نقل الأسلحة إلى دولة أخرى. وهو ما حدا بالسودان وتشاد وأفريقيا الوسطى لتكوين القوات المشتركة في وقت سابق. وبحسب الدراسة، فإن اضطراب الأوضاع السياسية يساهم في انتشار تجارة السلاح، حيث إمداد مناطق النزاع بالسلاح، ويتم استخدام المهاجرين الحدوديين كـ”بغال” للتهريب من قبل الجماعات المسلحة والعصابات الإجرامية.

إغلاق الحدود

وليس بعيداً عن ذلك، كانت قوات الدعم السريع، قد أعلنت بشكل مفاجئ في يناير الماضي، إغلاق الحدود بين السودان وأفريقيا الوسطى، البالغة 174 كلم، جراء ما وصفتها بالمخاطر الأمنية، دون تقديم مزيد من التوضيحات.

وقال قائد القوات المشتركة لتأمين الحدود بين السودان وأفريقيا الوسطى، أبشر بلايل، في تصريح عبر صفحة الدعم السريع على موقع فيسبوك، إنه تم إغلاق الحدود بين السودان وأفريقيا الوسطى بشكل كامل، لأسباب تتعلق بمخاطر أمنية.

وأضاف، أن القوات التي نفذت إغلاق الحدود، هي قوات مشتركة، ضمت القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، بجانب قوات من دولتي أفريقيا الوسطى وتشاد.

وأكد بلايل، وجود مخاطر أمنية وممارسات سلبية بين الحدود، استدعى إجراء السودان تنسيقاً مع أفريقيا الوسطى من جهة، ومع تشاد من جهة أخرى، لغلق الحدود بين البلدين.

وعلى عكس بيان الدعم السريع، قال مسؤول بمحلية أم دخن بولاية وسط دارفور، إن قرار إغلاق الحدود بين السودان وأفريقيا، جاء بعد تجمع مقاتلين يتبعون لمجلس الصحوة الثوري بقيادة الزعيم الأهلي، موسى هلال، في منطقة “أندها” الواقعة على الحدود بين البلدين، بغرض التعدين.

وأضاف: “هذه التحركات أثارت مخاوف قوات الدعم السريع التي دفعت في منتصف شهر يناير الماضي بنحو مائة عربة مسلحة إلى منطقة أم دخن الحدودية، لمراقبة الأوضاع، قبل أن تقرر إغلاق الحدود بشكل كامل بين البلدين ومنع تحركات المواطنين والقوافل التجارية، خاصة بعد فرار عناصر من قوات الدعم السريع الذين وصلوا المنطقة بعربة مسلحة إلى جمهورية أفريقيا الوسطى، الشيء الذي أثار مخاوف قيادات الدعم السريع.

بداية النفوذ الروسي

وتمر أفريقيا الوسطى التي نالت استقلالها في أغسطس عام 1960م، باضطرابات، إثر إطلاق جماعات مسلحة، كانت تسيطر آنذاك على معظم أنحاء البلاد، في ديسمبر 2020م، هجومًا للحيلولة، دون إعادة انتخاب الرئيس فوستين أركانج تواديرا، المدعوم من روسيا.

وتمكنت حكومة افريقيا الوسطى، بدعم روسي، من استعادة السيطرة على كل المدن الكبيرة وأجبرت المسلحين على اللجوء إلى الغابات.

وبدأت العلاقة بين مجموعة فاغنر الروسية وجمهورية أفريقيا الوسطى، بعدما وافق مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على مهمة تدريب روسية هناك، والتي على إثرها تم فك حظر الأسلحة الذي امتد منذ 2013م حتى 2017م. 

وفي أكتوبر 2017م، وقع الرئيس تواديرا عدداً من الاتفاقيات الأمنية مع الحكومة الروسية، وشمل ذلك طلب دعم عسكري، مقابل الوصول إلى كميات كبيرة من الألماس والذهب واليورانيوم في جمهورية أفريقيا الوسطى. ووافقت الأمم المتحدة على نشر 175 مدربا روسيا فقط للجيش المحلي.

في مطلع 2018م، قامت روسيا بنقل أسلحة لأفريقيا الوسطى، بالإضافة إلى أفراد سابقين في الجيش الروسي، بهدف تدريب كتيبتين عسكريّتين هناك، كما نجحت في الحصول على إعفاء من حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة بغرض توفير الأسلحة لجيش أفريقيا الوسطى لإبقاء الجماعات المتمردة تحت السيطرة.

وتتخذ مجموعة فاغنر عشر دول أفريقية كنقاط تمركز في القارة؛ وهي: السودان، جمهورية إفريقيا الوسطى، ليبيا، زيمبابوي، أنغولا، مدغشقر، غينيا، غينيا بيساو، موزمبيق وربما في جمهورية الكونغو الديمقراطية.

لم تقتصر أهداف الكرملين لدخول أفريقيا الوسطى على الوصول إلى الألماس والذهب واليورانيوم وغيرها، إذ أن روسيا اعتمدت على أفريقيا الوسطى كبوابة للاختراق وتوسيع النفوذ في القارة، وكان التوسع الروسي في أفريقيا الوسطى على حساب النفوذ الفرنسي التاريخي الذي يمثل القوة الاستعمارية المهيمنة تاريخياً.

اتفاقيات مشتركة

وأثناء فترة الحكومة الانتقالية الأولى في الخرطوم، اتفق السودان وأفريقيا الوسطى، على تعزيز التعاون بينهما في المجالات العسكرية وتأمين الحدود عبر القوات المشتركة، واستقبل وقتها رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، وزيرة الدفاع بأفريقيا الوسطى ماري نويل كويارا في نوفمبر2019م.

وأعلن وزير الدفاع السابق، جمال عمر، أنه تم الاتفاق علي تعزيز التعاون بين البلدين في المجالات العسكرية لتأمين الحدود بين البلدين عبر القوات المشتركة بين السودان وتشاد وأفريقيا الوسطي، مضيفاً

أن الجانبين اتفقا على استمرار التواصل ومراجعة الاتفاقيات والبروتوكولات العسكرية لتعزيز التعاون بين البلدين.

لم يكن هذا اللقاء، هو الأول بين الدولتين في إطار التعاون العسكري والحدود، إذ ألتقى وزير الدفاع، في عهد الرئيس المخلوع، عمر البشير، عبد الرحيم محمد حسين رئيس أفريقيا الوسطى السابق، فرانسوا بوزيزيه في سبتمبر 2007م، وأشارا إلى ضرورة تفعيل الاتفاقيات المبرمة مسبقاً (يقصد بها الاتفاقية الثنائية لتأمين الحدود الموقعة عام 2004م، والاتفاقية الثلاثية بين السودان وتشاد وأفريقيا الوسطى عام 2005م، والتي تتحدث عن تأمين الحدود بقوات مشتركة).

 وفي مايو 2011م، تم إقامة قمة ثلاثية بين رؤساء السودان وتشاد وأفريقيا الوسطى بالخرطوم لإنشاء آلية استشارية ثلاثية للتعامل مع القضايا الأمنية، والعمل على تعزيز التعايش السلمي بين القبائل المشتركة وتشجيع العودة الطوعية للاجئين، كما تم الاتفاق على تفعيل اتفاقية إنشاء القوات المشتركة لحماية الحدود المشتركة الممتدة على بعد 1500 كلم. وترتكز مهام هذه القوى على الحد من الجرائم العابرة للحدود مثل تهريب البضائع والأسلحة ومنع المعارضين المسلحين عبور الحدود.

 في يونيو 2014م، أجرى السودان وأفريقيا الوسطى مباحثات، تركزت على مسألة فتح الحدود والتبادل التجاري. 

مع استمرار الاضطرابات الأمنية في أفريقيا الوسطى من جهة، وفي إقليم دارفور من جهة أخرى، فضلاً عن الوجود الروسي على مقربة من الحدود السودانية وتأثيراته الأمنية على البلاد والصراع والتنافس على التعدين. بالإضافة لاستمرار إغلاق الدعم السريع للحدود، وحركة التغيير الديمغرافي والاستيطان المحمومة، وانتشار تجارة السلاح، يبدو أن الحدود المضطربة بين السودان وأفريقيا الوسطى، أصبحت معبراً للنفوذ الروسي على الموارد الأفريقية.

على خطى (البشير).. كيف يحاول (حميدتي) تأمين بقائه في السلطة عبر بوابة موسكو؟

“من حق روسيا الدفاع عن شعوبها ومواطنيها وفقاً للقانون والدستور” يقول نائب رئيس مجلس السيادة في السودان، وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، غداة وصوله إلى العاصمة الروسية موسكو، في ليل الثالث والعشرين من فبراير الماضي، قبيل ساعات معدودة من غزو الأخيرة لأوكرانيا.

ولا يبدو أن حميدتي، في هذا السياق مضى بعيداً، عن تصورات الرئيس المخلوع، عمر البشير، مهندس التدخل الروسي في البلاد، في طلب حماية موسكو لبقائه في السلطة.

خلال لقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بمدينة سوتشي في نوفمبر 2017م، أبلغ البشير بوتين، إن بلاده بحاجة إلى حماية من العدوان الأميركي. وقال موجهاً حديثه إليه: “الأميركان نجحوا في تقسيم السودان لدولتين وساعين لمزيد من التقسيم”، مضيفاً “ونحن نحتاج كسودان لحماية من العدوان الأميركي علينا”.

في ديسمبر 2019م، نشرت الجريدة الرسمية الروسية نص اتفاقية بين السودان وروسيا حول إقامة قاعدة تموين وصيانة للبحرية الروسية على ساحل البحر الأحمر، بهدف ما وصف بتعزيز السلام والأمن في المنطقة، كما نص الاتفاق على أن القاعدة لا تستهدف أطرافاً أخرى حسب  ما ورد في مقدمتها، على أن يحصل السودان مقابل ذلك على أسلحة ومعدات عسكرية من روسيا، حسب الاتفاقية التي وقعها الرئيس الروسي بوتين في نوفمبر من العام 2020.

أتى طلب البشير الحماية ، بعد وقت بسيط من رفع الولايات المتحدة الأمريكية العقوبات الاقتصادية على البلاد.

وسريعاً استطاع الروس، تحويل طلب الحماية ذلك، إلى قرارات فاعلة، فبدأ الحديث عن اتفاق لإنشاء قاعدة عسكرية لموسكو على البحر الأحمر، أيضاً تمكنوا من تحويل السودان، إلى بوابة نحو جمهورية أفريقيا الوسطى المجاورة، ومنها إلى أفريقيا جنوب الصحراء وغرب أفريقيا.

وفي هذا السياق، رعت الخرطوم، بإيعاز من موسكو محادثات سلام بين أطراف أفريقيا الوسطى، مكّنها هذا الأمر رويداً رويداً من أن تكون لاعباً أساسياً في ذلك البلد الفقير و الغني بالمعادن والثروات الطبيعية في الوقت نفسه. 

لم يمر وقت طويل، بين بدء تعاون موسكو مع نظام البشير، حتى واجه الأخير ثورة شعبية أطاحت بنظام حكمه في أبريل 2019م، رغم محاولات موسكو الحثيثة وقتها لإنقاذ حليفها من السقوط. عندما أيقنت موسكو أن نظام البشير ساقط لا محالة، سرعان ما عقدت اتفاقاً مع المجلس العسكري الانتقالي الذي خلفه، يتعلق أيضاً بالقاعدة البحرية.

تحت وقع الضغوط الروسية، كانت استجابة المجلس العسكري الانتقالي حتمية، مرةً بسبب هشاشته السياسية، ومرة أخرى بسبب ضعف خبرته السياسية. 

نجحت روسيا في مايو 2019م في التوقيع على اتفاقية المركز اللوجيستي على البحر الأحمر، مع المجلس العسكري الانتقالي والذي صادق عليه في يوليو من العام نفسه. بالمقابل، دعمت روسيا المجلس العسكري الانتقالي، في تعطيل إقرار مشروع قرار بمجلس الأمن الدولي، يُدين قتل الحكومة العسكرية السودانية للمدنيين في يونيو 2019م، بالتزامن مع أحداث فض اعتصام القيادة العامة.

ويعتقد أن موسكو وظفت رغبة الجيش السوداني في تعزيز قدراته الدفاعية، ورغبته في الحصول على أسلحة ومعدات عسكرية مجانية من موسكو، بجانب تعزيز أسطوله البحري، وتوفير الدعم والحماية في المنصات الأممية في تحقيق مكاسب استراتيجية لروسيا متعلقة باستخدام السودان كبوابة للتوسع الروسي في القارة وفي استغلال الموارد والسيطرة عليها.

ووفقاً لمعهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي، فإن الأسلحة الروسية تشكل في الواقع الغالبية بالنسبة لواردات الأسلحة السودانية بنسبة 87 %، إذ أن روسيا هي المورد الرئيسي للأسلحة إلى السودان، بينما  8 %  فقط من الأسلحة السودانية، هي أسلحة صينية.

وفي الفترة بين عامي 2015 ـ 2019، استورد السودان أسلحة من روسيا بقيمة 125 مليون دولار، حسب معهد ستوكهولم لأبحاث السلام.

تاريخ العلاقات بين الخرطوم وموسكو

عند استقلال السودان في عام 1956، كان الاتحاد السوفيتي من أوائل الدول التي اعترفت باستقلاله، وعقب انهيار الاتحاد السوفيتي، أعلن السودان في ديسمبر 1991م، اعترافه بجمهورية روسيا الاتحادية.

مرّت العلاقات بين البلدين بحالات متباينة عسكرياً، سياسياً واقتصادياً، فمع انقلاب جعفر نميري في مايو 1969م، بدأ الجيش السوداني التوجه نحو التسليح الشرقي، (السوفيتي)، لكن بعد انقلاب 19 يوليو 1971، ساءت العلاقة بين الخرطوم وموسكو، بسبب إعدام نميري بعض القادة الشيوعيين.

بالعودة إلى فترة حكم المجلس العسكري الانتقالي أبريل ـ أغسطس 2019م، وانقلاب 25 أكتوبر 2021م، مرّت الكثير من التحولات العميقة في سياسة البلاد الخارجية تجاه القوى الغربية، لكن وتحت الظل، تمكنت موسكو من تعزيز وتمتين علاقتها مع المؤسسة العسكرية المتمثلة في الجيش السوداني، بالإضافة إلى علاقة أخرى جديدة تمكنت من بنائها مع قوات الدعم السريع، فيما بدا امتداداً لسياستها مع حليفها السابق، البشير.

في غضون نحو 3 سنوات، استطاعت موسكو، ودون أن يلحظ الكثيرون ذلك، في التمدد على طول البلاد وعرضها، في التنقيب عن الذهب والمعادن الأخرى شمالاً شرقاً وغرباً، تمكنت أيضاً من إنشاء قاعدة عسكرية في منطقة أم دافوق على حدود السودان وأفريقيا الوسطى، في وقت بات هدفها الرئيسي المتمثل في إنشاء قاعدة عسكرية على البحر الأحمر قريباً على ما يبدو، تفسره تصريحات حميدتي الموافقة ضمنياً على إنشاء القاعدة.

وعقب عودته من موسكو في يوم الأربعاء 2 مارس، قال حميدتي في تصريحات صحفية، إنه لا يمانع من إنشاء قاعدة عسكرية على البحر سواء لروسيا أو غيرها.

مؤتمر صحفي لحميدتي عقب عودته من روسيا

لم يأتِ ذهاب حميدتي إلى موسكو، في خضم أزمة عالمية، جعلت العاصمة الروسية مركزاً للعنات القوى الغربية، سوى كونه مضي في التحالف القائم على مصالح ضيقة مشتركة بين الجانبين، بينما يستفيد من تدريب شركة (فاغنر) المقربة للكرملين لقواته، وأيضاً تقديم عناصرها استشارات إعلامية وسياسية له، بجانب تأمين أسلحة روسية وحماية سياسية، في مساعيه لتمديد نفوذه المالي، السياسي والعسكري. مقابل، استفادة الروس في تهريب الذهب وفتح الطريق أمامهم لزيادة تأثير موسكو على أفريقيا، بعد رعايتها عدة انقلابات هنا، بجانب الهدف الرئيسي المتمثل في إنشاء قاعدة عسكرية في مدينة بورتسودان.

يقول مصدر عسكري رفيع لـ(بيم ريبورتس)، إن إنشاء قاعدة عسكرية على البحر الأحمر محل شكوك، نسبة لأن الاتفاق مجمد، والحاجة الملحة لموافقة الدول المتشاطئة، ورفض القوى الغربية المؤكد لهذا الأمر.  

لكن يوم الثلاثاء 15 فبراير، وصل حميدتي إلى مدينة بورتسودان، فيما بدا أن الزيارة لها صلة بالقاعدة البحرية وميناء بورتسودان، وهو كان قد قال في معرض تبريره لإنشاء قاعدة عسكرية، إن مثل هكذا أمر يعود بالفائدة على المجتمعات المحلية.

وبالعودة إلى تداعيات زيارته إلى موسكو، وبعد أقل من أسبوع على عودته، تم الإعلان عن وصول 20 ألف طن من القمح الروسي، إلى ميناء بورتسودان، في إطار ما سّمته وكالة الأنباء السودانية ـ سونا، المنحة الروسية للشعب السوداني. 

وكان حميدتي وصل إلى العاصمة الروسية موسكو، بالتزامن مع بدء الأخيرة حربها ضد أوكرانيا، وقال وقتها في تصريحات صحفية، إن روسيا لديها الحق في الدفاع عن شعوبها ومواطنيها وفقاً للقانون والدستور على حد تعبيره.

جدول الأعمال المعلن

التقى حميدتي خلال زيارته التي امتدت أسبوعاً، عدداً من المسؤولين الروس، بينهم وزير الخارجية، ونائب رئيس الوزراء، ونائب رئيس مجلس الأمن، ونائب وزير المالية، ونائب وزير الدفاع، بالإضافة إلى زيارته للجامعة الروسية الحكومية للعلوم الإنسانية.

أثارت الزيارة علامات استفهام عديدة داخلياً وخارجياً، بسبب توقيتها المتزامن مع الغزو الروسي لأوكرانيا، ومرةً أخرى، بسبب المخاوف والاعتراضات على الدور الذي تلعبه موسكو في البلاد، المرتبط بدعم المكون العسكري، خصوصاً مع قائد قوات الدعم السريع، ونهب الموارد المحلية، وفي هذا السياق، اتهمت قوى الحرية والتغيير، موسكو بنهب موارد البلاد ودعم الانقلاب العسكري، قبل أن تدين الغزو الروسي لأوكرانيا، بالإضافة إلى انتقادها لتوقيت الزيارة.

حميدتي ووزير الخارجية الروسي(لافروف)

ورغم أن جدول أعمال الزيارة، شهد لقاءات مع مسؤولين عسكريين وأمنيين روس، إلا أن حميدتي اكتفى فقط، باصطحاب وزراء القطاع الاقتصادي، دوناً عن مسؤولين أمنيين وعسكريين سودانيين، وهو الأمر الذي كان لافتاً وأثار العديد من التساؤلات.

رافق حميدتي في زيارته إلى موسكو التي بدأها يوم الأربعاء 23 فبراير وأنهاها يوم الأربعاء 2 مارس، كل من: وزير المالية، جبريل إبراهيم، و وزير المعادن، محمد بشير أبو نمو، ووزير الزراعة، بالإضافة إلى وكيل وزارة الخارجية. وجلهم ممثلين لأطراف اتفاق سلام جوبا. 

تفتح زيارة حميدتي إلى موسكو، والتي وصفت بالرسمية، تساؤلات حول علاقات السودان وروسيا، في ظل الوضع العالمي الراهن بعد الحرب الأوكرانية، وحول تمدد الدعم السريع على حساب القوات المسلحة، خصوصاً وأن العلاقات العسكرية بين البلدين والتي تمتد على مدى عقود، كان يسيطر عليها الجيش، ليصبح السؤال المهم؛ هل تسهم زيارة حميدتي، في قلب هذه المعادلة لصالح قوات الدعم السريع، خاصة وأنه أبدى استعداده لتحقيق رغبة موسكو في إنشاء قاعدة عسكرية بحرية على البحر الأحمر.

تأثيرات إقليمية

أيضاً تثور التساؤلات، حول تأثير الزيارة على البلاد، بالتزامن مع حرب قسّمت العالم إلى معسكرين، معسكر واشنطن والغرب، ومعسكر روسيا وحلفائها. كذلك، تمتد تأثيرات زيارة حميدتي، إلى علاقة البلاد مع دول الإقليم، وفي هذا السياق، قالت كل من القاهرة والرياض، في بيان مشترك عقب زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى المملكة العربية السعودية، يوم الثلاثاء 8 مارس الماضي، أن الجانبين، أكدا على أهمية ضمان أمن البحر الأحمر، باعتباره ركيزة أساسية في حركة التجارة الإقليمية والدولية.

وأوضح البيان، أن هذا الأمر يتطلب تضافر جهود الدول المتشاطئة، لضمان حرية وأمن الملاحة في البحر الأحمر.

تباين مواقف بين البرهان وحميدتي

بينما يمضي (حميدتي) قدماً في الاستجابة للطب الروسي بإنشاء قاعدة بحرية عسكرية على البحر الأحمر، وفقاً لتصريحاته الأخيرة، يبدو أن البرهان من جانبه، يتشارك القلق مع كل من القاهرة والرياض حول أمن البحر الأحمر.

بعد أقل من أسبوع على البيان السعودي المصري، الذي شدد على أهمية ضمان أمن البحر الأحمر وصل رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، إلى الرياض، لإجراء مباحثات مع الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده محمد بن سلمان، في الوقت الذي ذكر فيه بيان لمجلس السيادة، إن مباحثات البرهان وبن سلمان، أمنت على ضرورة التنسيق والتعاون في مجال أمن البحر الأحمر والتعاون في المجال العسكري.

ولاحقاً في 28 مارس الماضي، أصدر البرهان، مرسوماً دستورياً، قضى بأيلولة إختصاصات الإشراف على المناطق البحرية و الجرف البحري إلى وزير الدفاع.

ونص المرسوم على تعيين وزير الدفاع، وزيراً مختصاً بتنفيذ قانون المناطق البحرية والجرف القاري السوداني لسنة 2018م.

كما نصّ المرسوم الدستوري على أن “تؤول جميع السلطات الخاصة بتنفيذ قانون المناطق البحرية والجرف القاري لسنة 2021م لوزير الدفاع من المفوضية القومية للحدود”.

وحسب خبراء، فإن المرسوم الدستوري، يعني أن ساحل السودان الشرقي على البحر الأحمر أصبح شأناً يهم الأمن القومي والنواحي الأمنية والعسكرية. 

ويختص قانون المناطق البحرية والجرف السوداني بالسيادة على المياه الداخلية، المياه الإقليمية، خط الأساس لقياس البحر الإقليمي. كما يختص القانون بالسلطة في اتخاذ إجراءات في البحر الإقليمي تجاه السفن الأجنبية وممارسة السلطة في فرض الرقابة في منطقة أعالي البحار، إلى جانب مسائل أخرى.

تداعيات سياسية داخلية

وكان حميدتي قال في تصريحات صحفية بمطار الخرطوم الدولي، عقب عودته من موسكو، يوم 2 مارس، إنه لا يوجد ما يمنع إنشاء قاعدة عسكرية على البحر الأحمر سواء كانت روسية أو غيرها.

ما نزال فقط ضمن تداعيات زيارة حميدتي المحلية، فعقب تصريحاته عشية وصوله إلى موسكو، التي بدا فيها داعماً لروسيا في حربها على أوكرانيا، سارعت وزارة الخارجية، لمحاولة تخفيف حدتها، قبل أن يُصدر مجلس السيادة بياناً قال فيه إنه يدعو إلى حل سياسي ودبلوماسي للأزمة. توالت ردود الأفعال المحلية، حيث وصفت الحركة الشعبية ـ شمال بزعامة عبد العزيز الحلو، زيارة حميدتي إلى موسكو، بأنها “تجسد التهريج الدبلوماسي”.

وقال نائب رئيس الحركة، جوزيف توكا، فى تصريح رسمى لموقع الحركة الشعبية على الانترنت، يوم الأحد 27 فبراير الماضي، إن “زيارة حميدتى إلى موسكو ليست مجرد سوء تقدير سياسي، وإنما خطوة جسدت الغباء السياسى والتهريج الدبلوماسي لحكومة الإنقلاب”.

جوزيف توكا نائب رئيس الحركة الشعبية

وأضاف توكا إن “زيارة حميدتي إلى العاصمة الروسية موسكو من حيث التوقيت، تزامنت مع بداية اجتياح الجيش الروسي لأوكرانيا، ويبدو أن حميدتى قد ورط حكومته بتأييد ما تقوم به روسيا، بحجة أن لروسيا الحق فى الدفاع عن حدودها وسيادة أراضيها”. 

ورأى توكا، أن هذا “الموقف المتهور غير مقبول أخلاقياً،  كما لا يتسق مع مراعاة توازن القوى على الأرض، وحميدتي غير مؤهل للقفز من لعبة المحاور التي ورط فيها البلاد للإقدام على هذه اللعبة الخطيرة في حلبة الكبار ليجلب على السودان سخط العالم ووعيد أمريكا وحلفائها”.

وحسب توكا، فإن طلب حميدتي الدعم العسكري والتعاون الاستخباراتي من روسيا للقضاء على الحركة الشعبية، يقف دليلا على أن الزيارة مدفوعة بأجندة حربية، خاصة وأن الإنقلابيين يخططون لشن الحرب ضد الجيش الشعبي في جبال النوبة والنيل الأزرق، وهو ما تؤكده التحركات والتعزيزات العسكرية على الأرض. 

وتابع “يبدو أنهم يتوهمون إمكانية إجتياح الإقليمين وسحق قوات الجيش الشعبى والقضاء على الحركة الشعبية حتى يتسنى لهم توطين الإنقلاب وفرضه كأمر واقع”. 

وأوضح توكا قائلاً، أن “زيارة حميدتي لموسكو، أكدت أن الموقف السياسي للطغمة العسكرية الحاكمة لا علاقة له بمصالح السودان، وهو لا يعدو كونه سلعة تباع وتشترى في مزاد العمالة والارتزاق السياسى لمن يدفع أكثر”. 

ودعا توكا، المجتمع الدولي إلى تصنيف قوات الدعم السريع سيئة السمعة والتاريخ كجماعة إرهابية، وليس بعيداً عن هذا، أكد رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب الأمريكي، السيناتور غريغوري ميكس، إن إرسال السودان وفداً إلى روسيا، وهي تشن غزواً ضد أوكرانيا يبعث برسالة لا يمكن إنكارها إلى العالم مفادها؛ أن المجلس العسكري السوداني ليس لديه مصلحة في دعم الديمقراطية أو المبادئ الأساسية للسيادة. وقال في تغريدة نشرت يوم 24 فبراير الماضي “نحن نراقب”.

في يوم الجمعة 25 فبراير، انتقد رئيس (حزب الأمة)، مبارك الفاضل، وهو أحد الشخصيات السياسية المؤيدة لانقلاب 25 أكتوبر الزيارة. وقال “لا شك أن زيارة حميدتي والوفد المرافق له إلى موسكو في هذا التوقيت المتزامن مع المواجهة الغربية مع روسيا تعتبر قفزة في الظلام”. وأضاف في حسابه على موقع تويتر “مشاركة وفد وزاري له في هذه الزيارة يورط معه قيادة القوات المسلحة السودانية التي تسعى للتحالف مع الغرب.. روسيا ليست في وضع يمكنها تقديم دعم اقتصادي للسودان”.

ولأن الزيارة لم تشمل قادة عسكريين وأمنيين، تثور التساؤلات ما إذا كانت زيارة حميدتي إلى موسكو تمثل الدعم السريع، أم كل مكونات المجلس العسكري، وهل ينظر أي من الجانبين إلى علاقة السودان بروسيا والغرب بشكل مختلف، بالنظر إلى تاريخ العلاقات العسكرية بين السودان وروسيا الذي قادته القوات المسلحة منذ عقود.