Tag: زيادة الرسوم الدراسية

كيف قدم طلاب كلية الطب بجامعة دنقلا نموذجاً مغايراً للاحتجاج على زيادة الرسوم الدراسية؟

 “لن نرضى بأن تكون الزيادات غير القانونية سبباً لانسحاب زملائنا عن الدراسة، أو أن يحمل ذوونا أحمالاً لا تطيقها أكتافهم”، بهذه الكلمات عبرت رابطة طلاب كلية الطب بجامعة دنقلا شمالي البلاد عن رفضها واستنكاراها لزيادة رسوم التسجيل التي فرضتها إدارة الجامعة للمرة الثانية خلال عام دراسي واحد.

لم تكتفِ رابطة كلية الطب بالاحتجاج والاعتصام كما جرت العادة في الأوساط الطلابية، لكنها ذهبت إلى وجهة تبدو غير مسبوقة، وذلك باللجوء إلى القضاء في مواجهة قرارات إدارة الجامعة.

ونجحت الدعوة التي قيدتها الرابطة ضد إدارة جامعة دنقلا، بمحكمة الطعون الإدارية، في استصدار قرار مؤقت بتعليق زيادة الرسوم إلى حين الفصل في القضية، وهو الأمر الذي وضعها في سياق فريد بالنسبة لاحتجاجات الطلاب عادةً.

وكانت إدارة جامعة دنقلا، ضاعفت في أواخر سبتمبر الماضي، الرسوم الدراسية للتسجيل للفصل الدراسي الثاني بنسبة تزيد عن 500 %، بعدما كانت قد أصدرت قراراً مماثلاً في بداية المستوى الدراسي الأول.

وتزامن الحراك في كلية الطب بجامعة دنقلا، مع قرارات مشابهة، أقرتها عدد من الجامعات ومؤسسات التعليم العالي الحكومية وتسببت في موجة واسعة من الاحتجاجات والإضرابات.

وكانت رابطة طلاب الطب، قد أشارت في بيان لها أنها تنازلت عن التصعيد في الزيادة السابقة تقديرًا لما وصفته بـ”الراهن الاقتصادي”، إذ قالت في البيان: “الزيادة السابقة تم قبولها من طرفنا تقديرًا منّا للراهن الاقتصادي ودعمًا منّا لاستمرار العملية التعليمية”، قبل أن تشير في البيان  نفسه إلى أن تنازلها عن مطلب تخفيض الرسوم، تم بعد تعهد مدير الجامعة الأسبق، بعدم إضافة زيادات جديدة في الرسوم للطلاب المسجلين.

في أواخر العام 2020م، حددت جامعة دنقلا زيادة في رسوم التسجيل من 2 ألف جنيه سوادني لتصبح 5 آلاف جنيه، ووافق الطلاب في 15 كلية على دفعها بعد تعهد المدير الأسبق للجامعة، عمر بشارة، بعدم إضافة زيادة ثانية في وقت قريب، لكن المدير الحالي للجامعة، وليد مصطفى، عاد وقرر زيادة أخرى للرسوم قدرها 5 آلاف جنيه سوداني لتصبح رسوم التسجيل بالجامعة 10 آلاف جنيه.

«الضرورات تبيح المحظورات»

في سبيل الوصول إلى حلول، عقد مدير الجامعة وأمين الشؤون العلمية وعميد شؤون الطلاب في العاشر من أكتوبر الماضي، اجتماعاً مع ممثلي الرابطة. 

لكن، في أعقاب الاجتماع، أقامت الرابطة ركن نقاش للطلاب أعلنت فيه تمسك إدارة الجامعة بموقفها في الزيادة، مع إشارتها للطلاب بأن الزيادة لن تكون الأخيرة وستستمر كلما دعت الحاجة إلى زيادة جديدة دون الاحتكام لأي لائحة مالية. وأشارت الرابطة، إلى أن الإدارة بررت خرق لائحة الجامعة، بأنه جاء بتوجيه من وزارة التعليم العالي دون تسليمهم نسخة من القرار رغم مطالبة الرابطة به في بيان أصدرته بعد الاجتماع.

ودعت الرابطة بعدها الطلاب إلى التمسك بعدم التسجيل إلى حين موافقة الإدارة على مطالبهم، واستنكرت في بيان لها تبرير المدير الحالي، وليد مصطفى، تجاوزه العهد الذي التزم به المدير السابق بعدم تحديد زيادة جديدة في مدى زمني قريب، بمقولة “الضرورات تبيح المحظورات”، كما عبرت عن رفضها في البيان لما أسمته خرق الجهات التنفيذية نص لوائح يجوز فيها الخرق لجهة تشريعية فقط.

رفض التسجيل يضمن عدالة مستقبلية للطلاب

“الزيادة غير القانونية لرسوم التسجيل قد تؤدي لانسحاب بعض الطلاب عن الدراسة، وتعاطي المسائل بأنانية محضة قد يضر بفئة مكافحة منا كانت كل رؤيتها الاجتهاد بحثاً عن مستقبلٍ أمثل لهم ولعائلاتهم”، شددت رابطة طلاب كلية الطب في بيان لها على أن تمسكها بالرفض يأتي لصالح مستقبل الطلاب الحاليين والقادمين، وأضافت في البيان نفسه:

"عدم ثبات اللوائح وتغيرها على هوى الجهات التنفيذية لا يضمن أي عدالة مستقبلية، وقد يؤدي لأضرار أجسم في مستقبل الأيام".

طعن إداري ضد إدارة جامعة دنقلا

في التاسع من نوفمبر الماضي، أعلنت الرابطة عن تقييدها بلاغ لدى محكمة الطعون الإدارية بمدينة دنقلا، ضد قرار زيادة الرسوم، في خطوة فريدة حازت على اهتمام الرأي العام وروابط الطلاب بالجامعات الأخرى والنقابيين بالمؤسسات المهنية والتعليمية والعمالية، خاصة وأن الخطوة تزامنت مع حراك كبير لهذه الأوساط ضد سياسات الدولة بما فيها الموازنة الجديدة للعام 2023م، كما سيرت موكبا إلى مباني إدارة الجامعة يرفع شعارات رافضة لزيادة الرسوم الدراسية. 

وذكرت الرابطة، أن البلاغ جاء بسبب مخالفة الإدارة البند 14/1 من لائحة الرسوم لمؤسسات التعليم العالي لعام 2018م، والذي ينص على “عدم جواز زيادة رسوم التسجيل سنوياً بما لا يتجاوز عن 10% للطالب المستمر مما دفعها للجوء للقضاء الإداري”.

وبعد 3 أيام من رفع القضية، أجرت الرابطة تصويتاً للجمعية العمومية في 12 نوفمبر الماضي للإدلاء بآرائهم حول القبول بالتسجيل بالزيادة حتى صدور الحكم القضائي، أو التمسك بخيار رفض الزيادة والاستمرار في الاتجاه القضائي، حيث صوت 559 طالباً وطالبة من أصل 681 لصالح التمسك بالاتجاه القضائي، فيما عبر 79 طالباً عن قبولهم التسجيل بالزيادة.

تعليق الامتحانات ومنع الطلاب من الدخول للكلية

من جهتها، أعلنت إدارة الجامعة تعليق الامتحانات لكل الدفعات المقبلة على امتحانات في 28 ديسمبر 2022م، بتوجيه من مدير جامعة دنقلا، كما وجهت إدارة الصندوق القومي لرعاية الطلاب بإخلاء الداخليات، وشددت الحراسة عند مدخل الكلية، وجاءت القرارات قبل صدور حكم نهائي من محكمة الطعون في القضية.

لكن الرابطة، أعلنت التصعيد، ضد قرارات الإدارة بتعليق الدراسة، ورفضت طلب الإدارة التي وجهت الطلاب بدفع زيادة الرسوم المقررة لحين البت في القضية، أو تعليق الدراسة لحين صدور القرار.

وبالفعل، أصدرت محكمة الطعون الإدارية بتاريخ 29 ديسمبر الماضي،  قراراً بإيقاف تنفيذ زيادة رسوم التسجيل لحين الفصل في الطعن.

لكن رابطة طلاب كلية الطب، أعلنت في بيان لها في الثاني من يناير الحالي، بعد اجتماع  ضم كلاً من: (لجنة أمن الولاية، لجنة ممثلة للطلاب ومدير جامعة دنقلا) لمناقشة إغلاق الكلية، أعلنت عن تنفيذها اعتصاما مفتوحاً لحين تراجع الإدارة عن قرار تعليق الدراسة بالكلية. ونوهت الرابطة، إلى أن الموضوع أصبح في طاولة المحكمة الإدارية لتفصل فيه بما يوافق صحيح القانون، لكن إدارة الجامعة اشترطت على الطلاب القبول بخيار تقسيط الرسوم وشطب الطعن الإداري، مقابل استئناف الدراسة.

ومع ذلك، نفذت الرابطة اعتصاماً استمر لثمانية أيام في الفترة من 2 -11 يناير الحالي، قبل أن تعلن رفع الاعتصام قبل أسبوع، مشيرة إلى توسط أولياء الأمور وعدد من الأعيان بين الإدارة والطلاب، وتوصلهم لاتفاق أفضى إلى استمرار العملية الدراسية وعدم تعطلها، وأعلنت بعده عن فتح باب الكلية لاستقبال الطلاب. كما أثنت على مساعي هذه الجهات الشعبية، بتعهدها بالدعم الكامل للوصول لهدف اعتماد الكلية بنهاية العام الحالي.

تسليع التعليم

“خطوة فرض الزيادات في الرسوم غير قانونية ودستورية، في ظل عدم وجود حكومة تجيز الميزانية”، يقول النقابي محجوب كناري معلقاً على حراك طلاب جامعة دنقلا. واعتبر في حديثه لـ(بيم ريبورتس)، الزيادة تسليعاً للتعليم. وأضاف: “من حق الطلاب اتخاذ الإجراءات التي يرونها مناسبة في التصعيد للقضية بما فيها الاحتكام للقانون، قبل أن يدعو المحامين للوقوف معهم إلى حين كسب القضية.

ورأى الخبير النقابي، أن إدارات الجامعات الحالية، إدارات معينة، ومتجاوزة لقوانين الجامعات في تعيين الإدارات بالانتخابات. وأوضح أن موقف إدارة جامعة دنقلا في تعليق الدراسة أثناء القضية موقف يتسق مع سياسات الحكومة الانقلابية التي قال إنها لا تهتم بالتعليم، مشيراً إلى أن موقفها شبيه بقرار إغلاق المدارس بعد إضراب المعلمين.

يشير رئيس رابطة طلاب كلية الطب بجامعة دنقلا، محمد علي، إلى أنهم استبقوا خطوتهم في التقاضي باتخاذ عدة إجراءات. ويقول إن التوجه للخطوة القانونية، يجب أن يسبقه تسليم خطابي تظلم لجهتين إدارتين، ممثلتين في وزارة التعليم العالي ومدير الجامعة، مشيراً إلى أن إدارة الجامعة ردت على الخطاب برفضها إلغاء قرار زيادة الرسوم نسبة لـ”الوضع الاقتصادي”، أما وزارة التعليم العالي فلم ترد على الخطاب.

وأشار علي، إلى أن بقية الجامعة بإمكانها المضي في نفس اتجاه طلاب كلية الطب بجامعة دنقلا، حال اتباعها الإجراءات الإدارية المشار إليها.

زيادة طبيعية

عميد عمادة شؤون الطلاب بجامعة دنقلا، محمد إبراهيم محمد قال لـ(بيم ريبورتس)، إن مسألة زيادة الرسوم طبيعية، معللا ذلك بأن زيادة رسوم التسجيل بالجامعة بدأت منذ العام 2020م، بتعديل الرسوم من 2 الف جنيه إلى 5 آلاف لكل الطلاب في الجامعة. وأضاف “في أكتوبر 2021م، تمت إجازة تحديد الرسوم لكل الطلاب في 15 كلية من قبول 2015م حتى 2020م لتصبح 10 آلاف جنيه بما في ذلك كلية الطب، مشيراً إلى أن الزيادة تذهب في طباعة البطاقة الجامعية ورسوم طباعة الامتحانات والمكتبة.

وأعلن العميد عن مبادرة قادها أولياء أمور الطلاب، طالبت إدارة الجامعة بتقسيط الزيادة ودفع الطلاب مبلغ 7.5 ألف جنيه من المبلغ الكلي 10 آلاف جنيه على أن ينظر في مسألة الـ 2.5 ألف جنيه الأخيرة لاحقاً، مشيراً إلى موافقة الجامعة على الطلب.

وفيما يخص تعليقه على لجوء الطلاب للطعن ضد قرار زيادة الرسوم، يقول إبراهيم إنه ليس الجهة المناط بها تحديد الصواب أو الخطأ وأن القضاء السوداني هو المسؤول عن ذلك.

وأكد عميد شؤون الطلاب، أن الكلية لم تقم بتعليق الدراسة بالكلية، مشيرا إلى أن التعليق المعني هو تعليق موعد الإعلان عن الامتحانات، وأضاف: “قمنا بتعليق الامتحانات بسبب ضوابط ولوائح التسجيل الذي يتم فتحه لفترة زمنية محددة والتي تنص على أن الطالب يكون طالباً متى ما استكمل اجراءات التسجيل، مشيرا إلى أن الكلية كانت قد استمرت في تدريس الطلاب إلى أن استكملت كل مقررات الفصل الدراسي، لذلك تم الإعلان عن تعليق الامتحانات.

وبرر حضور الشرطة يوم قرار تعليق الامتحانات بكونه إجراءً عادياً لتأمين الكلية، وليس الغرض منه قمع الطلاب.

لكن رابطة طلاب كلية الطب ذكرت في أحد بياناتها، أن الإدارة قصدت تضليل أمين عام الولاية في أحد الاجتماعات بتمليكه معلومات غير صحيحة، منها انتهاء المقررات الأكاديمية.

ومع استقرار الدراسة في جامعة دنقلا، رغم عدم الفصل في الطعن، توجه طلاب كلية الطب نحو التركيز على قضية اعتماد الكلية التي بدأوا الحراك فيها منذ عامين. فيما لا يزال طلاب بجامعات أخرى في الخرطوم والولايات يواصلون حراكهم بشأن قضية زيادة رسوم التسجيل للطلاب الجدد بعد الزيادات الهائلة التي أقرتها الدولة في رسوم التسجيل، وهم كما يشيرون في خطاباتهم وبياناتهم، متمسكين بالتصعيد من أجل حفظ حقوق الأجيال القادمة من الطلاب في التسجيل بأسعار مناسبة.

أشبه بالخصخصة.. كيف تهدد سياسات القبول الجديدة بالجامعات الحكومية السودانية مستقبل آلاف الطلاب؟

أية السماني

أية السماني

بين أسوار ثانوية (حجر الطير) الماثلة جنوب مدينة شندي شمالي البلاد، جلست رونق نصر الدين لامتحانات الشهادة السودانية، وثابرت في سبيل حجز مقعدٍ لها بكلية الطب في إحدى الجامعات الحكومية، الأمر الذي توجته بإحرازها نسبة 92% في نتيجة هذا العام. لكن، وكما تقول والدة رونق، وصال العوض “قبل أن تكتمل فرحة ابنتي بقبولها في مجال الطب البشري بجامعة بحري، لم يكن للجامعات إلا أن تعلن عن رسومها الدراسية الجديدة، وتقطع الطريق أمام ذلك الحلم، وتكشف الستار عن واقع منافسة غير عادلٍ البتة”.

قيود وأعباء إضافية

في ظل أزمة اقتصادية تشتدُ وطأتها يوماً إثر يوم، وتطال تبعاتها غالبية المواطنين السودانيين، ومؤسسات الدولة كافة، خاصة تلك التي تعتمد في تمويلها وتسيير عملها على وزارة المالية. فإن هذه المؤسسات عادةً ما تلجأ إلى فرض مزيد من الرسوم أو مضاعفة رسوم الخدمات التي تقدمها سلفاً، لتضرب بذلك قيوداً جديدة على المواطن، وهو ما تجلى في الرسوم الدراسية للعام الجديد في مؤسسات التعليم العالي الحكومية.

تضاعفت نسبة الرسوم الدراسية بصورة مهولة مقارنة بالعام الماضي، والتي كانت هي أيضاً محل رفض من قبل الطلاب. لكن ذلك لم يدفع الجامعات إلى التراجع عنها، بل استمرت في فرض زيادات جديدة هذا العام، الأمر الذي  قوبل برفض واستنكار شديدين من قبل الطلاب وأسر الطلاب المقبولين.

تعليم للمقتدرين حصراً

“ذهبت إلى الجامعة، وعلمت بشأن المقاطعة التي نظمها طلاب كلية الطب، ولم يكن هناك خيار سوى المقاطعة” تقول والدة رونق، وصال العوض، في إفادتها لـ(بيم ريبورتس).

وتضيف العوض “بالرغم من خشيتي أن تفقد ابنتي مقعدها بالجامعة، إلا أنني لن أستطيع تسديد المبلغ، خاصة وأننا فوجئنا به الآن ولم يعلن عنه قبل فترة لنتمكن من جمعه”.

لوقتٍ طويل، كانت الجامعات الحكومية ملاذاً مضموناً لجميع الطلاب السودانيين، من  مختلف الجغرافيات والأوضاع المادية، حيث تكون المنافسة سنوياً بين الطلاب على حسب نسب نجاح مرتفعة، حيث أن المستوى الأكاديمي المتميز هو الفيصل الوحيد في المنافسة للقبول بها. 

وها هي اليوم تغير سياساتها للقبول في مفاجأة لجميع الطلاب المقبولين حديثاً بفرض رسوم تعجيزية، غير آخذة في الاعتبار الأوضاع المادية لأسر الطلاب، متجاهلة كذلك الوضع الاقتصادي المتردي في البلاد.

نسب زيادة مرتفعة

شملت زيادة الرسوم الدراسية معظم الجامعات الحكومية بالبلاد، والتي يعول عليها معظم خريجي الشهادة السودانية. وعلى سبيل المثال، فإن الرسوم الدراسية في جامعة الخرطوم  تراوحت ما بين 300-500 ألف جنيه للسنة، علاوة على الزيادة في رسوم التسجيل والإجراءات المصاحبة له، مثل الكشف الطبي للطالب، بالإضافة لارتفاع تكاليف سكن الطلاب، الذي وصل إلى 60 ألف جنيه للطالب، في حين أنه لم يتجاوز الـ 5 آلاف في الأعوام السابقة.

أما في جامعة السودان، فقد قاربت زيادات رسوم الطلاب المقبولين حديثاً من النصف مليون جنيه سوداني، وأردفت بزيادة في رسوم التسجيل لدفعات مقبولة مسبقاً، حيث ارتفعت رسوم التسجيل بالنسبة لدفعة العام 2019م بنسبة 300%، كما كانت الزيادة بالنسبة لطلاب الدفعة 2020م بنسبة 1000% متجاوزة بذلك لائحة التعليم العالي بأن لا تزيد رسوم التسجيل للدفع السابقة بأكثر من 10%.

شملت الزيادة في الرسوم الدراسية معظم الجامعات الحكومية وأكثرها قبولاً للطلاب، كجامعة الجزيرة، بحري والنيلين.

دواعي زيادة الرسوم

بينما يعيش السودانيون بالأساس، في ظل ظروف اقتصادية طاحنة، فرضت الجامعات الحكومية رسوم باهظة على الطلاب بحجج مختلفة، والتي من ضمنها العجز في ميزانية الجامعات. حيث فاقمت هذه السياسات التي لم تضع الطلاب وأسرهم ضمن أولوياتها، من سوء الوضع، الأمر الذي فجر الغضب وسط طلاب الجامعات، وانخرطوا على الفور في حراك مقاوم لهذا القرارات.

في جامعة الخرطوم، نظم الطلاب حراكاً مناهضاً لهذه القرارات، ضم روابط وجمعيات الكليات المختلفة، وشرعوا في الدعوة لاجتماعات مع إدارة الجامعة بشأن قضية الرسوم الدراسية.

"قدمنا طلباً لمقابلة مدير الجامعة، لكنه رفض الجلوس معنا ثم صعدنا بمواكب حتى تقدم بدعوتنا لاجتماع، وضح فيه موقفه من قضية الرسوم، وقال إنه لن يتم تخفيض الرسوم نهائياً". يوضح رئيس رابطة كلية الآداب بجامعة الخرطوم، عمر السر، لـ(بيم ريبورتس).

بعد مقابلة الطلاب مدير الجامعة أخرجت الروابط بياناً مشتركاً وصفت فيه تصرفات إدارة الجامعة بـ”التعنت” قبل أن تدعو لمواكب طلابية متوجهة لمكتب مدير الجامعة، وأخيراً اتجه تصعيد الطلاب نحو دعوة المقبولين حديثاً بمقاطعة التسجيل حتى تخفيض الرسوم، ودعا الطلاب بالجامعة لمقاطعة المناشط المقامة من قبل عمادة شؤون الطلاب مثل الأسبوع الثقافي و بطولة الشطرنج المفتوحة إلى حين تحقيق المطالب.

لم تقتصر الاحتجاجات على ذلك القرار من قبل الطلاب فحسب، بل شاركهم ذوو الطلاب الجدد، باعتبارهم طرف أصيل متأثر بهذه الأزمة وقد تم تجاهل وضعه في الاعتبار بهذا القرار.

في هذا السياق يواصل عمر السر قائلاً: "عندما أقمنا ركناً للنقاش بالجامعة حول قضية الرسوم، قام أحد أولياء أمور الطلبة المقبولين حديثا بطلب مداخلة، قال والد الطالب إنه لا يملك حتى رسوم الكشف الطبي 20 ألف جنيه، وإن استطاع جمعها لن يكون قادراً بالتأكيد على جمع الرسوم بهذا المبلغ".

سرعان ما انضم للحراك طلاب كلية الطب بجامعة بحري، حيث أعلنت رابطة طلاب الطب رفضها القاطع لهذا القرار ووصفت الزيادة في الرسوم بـ”غير المبررة” وبعد اجتماعات مع إدارة الجامعة دعت الطلاب المقبولين حديثاً وذويهم لمقاطعة التسجيل حتى تخفيض الرسوم.

"ليس لهذا القرار شرعية، وهو متاجرة بالتعليم فقط لا غير، في حال رضينا بهذه الزيادة فسوف تصبح زيادة ثابتة سنويا في الأعوام المقبلة" يقول رئيس رابطة كلية الطب بجامعة بحري، مهدي البشير، لـ(بيم ريبورتس).

في الوقت نفسه، نظم طلاب جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا إضراباً شاملاً بالجامعة رافضين القرار الجديد بزيادة الرسوم للدفعات القديمة والرسوم الباهظة التي فرضت على الدفع المقبولة لهذا العام.

رد الجامعات

لم تختلف ردود الفعل من قبل إدارات الجامعات عن بعضها البعض كثيراً، فقد أجمعت على رفض تخفيض الرسوم الدراسية المعلن عنها. فجامعة الخرطوم، كانت قد عقدت اجتماعاً يوم الثلاثاء 20 ديسمبر برئاسة مدير الجامعة، عماد الدين عرديب، ضم الاجتماع أعضاء بإدارة الجامعة وعمداء الكليات بحضور روابط الطلاب بكل الكليات وأقرت خلال الاجتماع عدة بنود أهمها الإبقاء على الرسوم التي أقرتها الجامعة، مع النظر في حالة الطلاب غير المقتدرين.

أما جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، فقد صرحت في بيان لها، أن الزيادات المفروضة هي “نتاج طبيعي للتضخم” وأن العملية التعلمية ستتوقف “اضطرارا” إذا لم يلتزم الطلاب بدفع الرسوم الدراسية المقررة، لكن الإضراب ظل مستمراً بكليات الجامعة وكان الرد من إدارة الجامعة أن أصدرت بيانا أعلنت فيه تعليق الدراسة إلى أجل غير مسمى.

بيان تعليق الدراسة بجامعة السودان المجمع الجنوبي

نُذر الخصخصة

يرى مختصون أن هذه المرحلة هي نتيجة حتمية لارتباطها الوثيق بتردي الوضع الاقتصادي والذي من شأنه ان يضر بقطاع التعليم و ان هذه القرارات ليست إلا امتدادا للسياسة الاقتصادية الجديدة بالبلاد.

في هذا السياق يقول الخبير الاقتصادي د.معتصم أقرع لـ(بيم ريبورتس) "مثل هذه القرارات هي نتيجة لسياسات الحكومة الاقتصادية التي بدأت من موازنة العام 2020 حيث كان لهذا التوجه الاقتصادي سمات أهمها رفع الدعم و زيادة الجبايات و تعويم الجنيه، بدعوى أن أموال الدعم ستتوجه نحو التنمية وتمويل الخدمات الأساسية كالتعليم و الصحة و من الواضح أن ذلك لم يحدث، حيث أن الوضع الاقتصادي يتدهور و النمو الاقتصادي في انكماش مستمر"

ويرى أقرع أن هناك اتجاه واضح لخصخصة التعليم ورفع الدولة يدها عن مسؤوليتها الاجتماعية، باعتبار أن ذلك يقلل من فرص الترقي الاجتماعي للفرد في السودان.

ويواصل أقرع “الفقير سيظل فقيرا لأنه لن يتمكن من الحصول على تعليم مناسب لانتشال نفسه وأسرته من الفقر”.

لابد أن لكل هذه الظروف مجتمعة أثراً كبيراً على مستقبل التعليم في السودان، وفي ظل ضائقة معيشية طاحنة وأوضاع اقتصادية متردية، فإن مثل هذه القرارات تشكل عبئاً إضافيا على الفئات التي اختارت التعليم كمخرج آمن لها، ليجد المتقدم أن الجامعات الحكومية التي كانت على مسافة واحدة من جميع الطلاب في كافة أرجاء السودان، أضحت اليوم على هيئة سلعة يحصل عليها أبناء المقتدرين حصراً.