هل يصبح قرار حل (تسييرية) المحامين نقطة فاصلة في معركة إعادة نقابات النظام المخلوع؟

أمام أحد المحال التجارية على مسافة نحو 50 متراً من دار المحامين بحي العمارات بالعاصمة السودانية الخرطوم، الذي تحرسه قوات عسكرية، ولا تسمح لأحدٍ بدخوله، منذ يوم الأربعاء 2 نوفمبر الحالي، جلس المحامي علاء الدين عبد اللطيف (53 عاماً)، مستعيداً ذات المشهد من العام 1997م، عندما مُنعوا من الدخول للدار بواسطة عناصر النظام المخلوع الذين كانوا يسيطرون على نقابة المحامين.

يقول عبد اللطيف الذي جاء للمشاركة في الوقفة الاحتجاجية للمحامين تنديداً بمنع الشرطة دخولهم إلى مبنى النقابة يوم السبت قبل الماضي، إنه شارك في الوقفة تعبيراً عن رفضه لقرار (لجنة استئنافات قرارات لجنة إزالة التمكين المجمدة) والتي “طعن في شرعيتها قرارها بحل اللجنة التسيرية لنقابة المحامين وتسليم الدار لنقابة النظام المخلوع التي قامت لجنة إزالة التمكين بحلها بموجب المادة 8/2 وشكلت لجنة تسيير نقابة المحامين به”.

أصر عبد اللطيف، على الاحتجاج، رغم معاناته من ضعف في النظر ومرض السكري، فضلاً عن ارتباطاته المهنية يومها، حسبما قال لـ( بيم ريبورتس).

في الأول من نوفمبر الحالي، فوجئ أعضاء اللجنة التسيرية لنقابة المحامين، بعد عقدهم مؤتمراً صحفياً، حول القرار رقم 89/ 2022 الصادر من لجنة الاستئنافات ضد قرارات لجنة إزالة التمكين وتفكيك نظام الـ30 من يونيو، بتسليم الدار وحل اللجنة التسيرية للنقابة، بهجوم أعضاء النقابة المحلولة ومجموعات مسلحة ترتدي زي مدني تتبع للنظام المخلوع بالهراوات والعصي على الدار ومحاصرة الموجودين بمقر النقابة حتى ساعات متأخرة من الليل وإتلاف بعض ممتلكات النقابة والمحامين.

وبدأت الأزمة، بإعلان لجنة استئناف قرارات لجنة إزالة التمكين التابعة لمجلس السيادة الانتقالي والمحكمة القومية العليا، قرارات متسارعة قضت بإعادة منظمات ونقابات وواجهات تابعة للنظام المخلوع كانت لجنة إزالة التمكين في فترة الحكومة الانتقالية أصدرت قرارات بحلها، منها إعادة الاتحاد العام للصحافيين السودانيين واتحاد المرأة، كما أعادت موظفين في أجهزة الدولة المختلفة فصلتهم اللجنة، وآخرها إلغاء قرار لجنة التفكيك القاضي بحل المكتب التنفيذي ومجلس نقابة المحامين السودانين وتوجيهها الجهات المختصة بتنفيذ القرار.

وامتداداً لهذه القرارات، أصدر مسجل عام تنظيمات العمل، في أواخر أكتوبر الماضي، قراراً بحل اللجنة التسييرية بالهيئة الفرعية لنقابة العاملين ببنك السودان المركزي، فيما شهد البنك موجة من التنقلات التعسفية لعدد من فروع الولايات، طالت أعضاء المكتب التنفيذي للجنة بنك السودان، في خطوة لاقت رفضاً واسعاً وتضامناً كبيراً مع العمال من كيانات نقابية وثورية.

وأصدرت مسجل عام تنظيمات العمل المستشار، آمنة الصادق كبر، في السابع من نوفمبر الحالي قراراً قضى بتكوين لجنة استلام دور وممتلكات 7 اتحادات إنفاذاً لقرار المحكمة القومية العليا. وشمل قرار الاستلام دور وممتلكات: (اتحاد عام أصحاب العمل السوداني، اتحاد أصحاب العمل ولاية الخرطوم، اتحاد الصناعات الصغيرة والحرفية، اتحاد الغرف التجارية والصناعية، اتحاد غرف الزراعة والإنتاج الحيواني واتحاد غرف النقل).

والخميس الماضي الموافق 10 نوفمبر 2022م أصدر القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان قراراين متتابعين؛ الأول قضى بإعفاء رئيس لجنة الاستئناف ضد قرارات لجنة إزالة التمكين المستشار بوزارة العدل علي عبد الرحمن محمد إدريس المعروف بـ”أبو سبيحة” من منصبه والثاني تعيين عضو مجلس السيادة بسلطة الأمر الواقع، الطاهر حجر رئيساً لها.

وحسب تعليق الخبير القانوني، مشعل الزين، على القرار الأخير، فإن البرهان التفت لوعي الشعب والإعلام بمخالفة وجود إدريس على رأس اللجنة التي ينص قانونها على رئاستها من أعضاء مجلس السيادة، هذا غير الضغوطات الأخيرة عليه وتوجهاته في المرحلة الحالية والتي وصفها -بالمتماهية- مع قوى الثورة مما جعله ينظر في إعفاء المستشار.

وحول تعيين عضو مجلس السيادة في سلطة الأمر الواقع، الطاهر حجر، قال الزين إنه يتناسب مع قانون التمكين، لكن الطاهر في شخصه “غير قانوني” قبل أن ينوه إلى أن تغيير رئيس اللجنة لا يعني إلغاء القرارت التي اتخذها الرئيس السابق علي عبد الرحمن.

فيما قال الخبير القانوني والقاضي السابق، سيف الدولة حمدنا الله، تعليقاً على قرارات المحكمة العليا بإلغاء قرارات لجنة إزالة التمكين، بأن “لغز صدور جميع الأحكام بإلغاء قرارات لجنة تفكيك نظام الإنقاذ، يكمن في كون القرار رأي دائرة محددة بالمحكمة العليا”، مشيراً إلى أن الصواب الذي كان على القضاء السوداني فعله، هو تنويع دوائر المحكمة العليا واختيار قضاة آخرين للنظر في هذه القضايا لا تركها رهينة لعقيدة واحدة، وفق تعبيره.

وأشار حمدنا الله في مقال منشور، إلى عدم جواز “نظر المحكمة العليا أو غيرها من المحاكم في الطعون ضد قرارت لجنة إزالة التمكين بوصفها قرارات إدارية صدرت بموجب قانون خاص ساري المفعول وضح طرق الطعن فيها واستئنافها”.

وقبيل الهجوم على دارها بساعات معدودة، أكدت اللجنة التسيرية لنقابة المحامين، في مؤتمر صحفي، عدم استناد قرار عودة النقابة السابقة إلى أي قانون، مشيرة إلى مناهضتها له بكافة الطرق القانونية.

من ناحية أخرى، اعتبرت اللجنة التسيرية، أن قرار الحل يأتي استمراراً لمخطط يسوقه مناصرو النظام المخلوع، ضد نقابة المحامين، قالت إنه بدأ قبل 6 أشهر بتجميد بنك السودان المركزي لحسابات النقابة، وأعقبه تسريب بثه التلفزيون بحل اللجنة التسيرية قبل أن يتراجع عنه وتنفيه الهيئة القضائية.

ورأت اللجنة التسيرية، أن القرار وتوقيته، يشيران إلى الرغبة في إيقاف أعمال اللجنة وتعطيل الجمعية العمومية بعد تنقيح سجل المحامين وإزالة التلاعب الموجود فيه. وقال أمين عام اللجنة التسيرية لنقابة المحامين، الطيب العباسي، في المؤتمر الصحفي، “بعد أن أصبحنا قريبين من إقامة الجمعية العمومية، سعى فلول النظام المعزول والعسكريين لتعطيل هذا العمل”.

"حتى المادة 128 من قانون الإجراءات الجنائية السوداني إذا حدث شغب أو إخلال بالسلامة العامة في أي سلطة يجوز للضابط المسؤول أو وكيل النيابة أن يصدر أمراً مؤقتاً بإغلاق الأماكن العامة الأخرى والتي يرتادها الجمهور في تلك المنطقة والتي تعطي النيابة والمحكمة صلاحيات إغلاق أي مكان عام، لا تمنحها شرعية قرار إغلاق دار نقابة المحامين، لأنه خاص بالمحامين فقط"، يقول علاء الدين عبد اللطيف الذي استنكر وجود الشرطة أمام الدار وإصرارها على منع المحامين من الدخول، مشيراً إلى عدم صواب القرار.

وشغلت حادثة الهجوم على دار المحامين، وحجز المقر لاحقاً بواسطة الشرطة، الرأي العام المحلي والدولي، إذ أعربت جهات وأحزاب سياسية وكيانات نقابية عن رفضها وإدانتها للهجوم على دار نقابة المحامين. كما أدان الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في السودان ورئيس بعثة (يونيتامس)، فولكر بيرتس، الهجوم على مقر النقابة، وعبر في بيان يوم الأربعاء الماضي 2 نوفمبر عن “قلقه العميق”، رافضاً تسوية الخلافات السياسية أو القانونية عن طريق العنف.

واعتبر بيرتس الهجوم، إشارة واضحة ضد “الجهود الجارية” للتوصل إلى “إجماع مقبول” بين القوى السياسية والعسكريين نحو انتقال ديمقراطي حقيقي في السودان، “مشيداً” بدور اللجنة التسييرية لنقابة المحامين في طرح مسودة إطار دستوري اعتمدت من قبل جهات عدة وأصبحت المرجع للمشاورات بين  جميع أصحاب المصلحة على حد تعبيره.

وفي الفترة من 7-10 أغسطس الماضي،عقدت اللجنة التسيرية لنقابة المحامين ورشة عمل لإعداد مسودة مشروع دستوري انتقالي للخروج بدستور متفق عليه بمشاركة عدد من السياسين والقانونين والدبلوماسيين وممثلي المجتمع المدني، توجت في السابع من سبتمبر 2022م بنسخة نهائية حوت 12 بابا و 76 مادة بعد إنهاء لجنة خبراء مراجعة صياغة الدستور تعديلاتها عليها.

وبالنسبة لتداعيات الهجوم على دار المحامين، أدانت أيضاً دول الترويكا (الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة والنرويج)، في بيان لها الخميس 3 نوفمبر الحالي الهجوم على مقر نقابة المحامين ودعت السلطات إلى تهيئة الأوضاع في البلاد لعملية سياسية، فيما أعلنت عن وقوفها “ضد الذين يرفضون قبول مطالب الشعب السوداني بالحرية والسلام والعدالة وضد الذين يسعون إلى إحباط التقدم نحو إتفاق سياسي وحكومة بقيادة مدنية”.

وفي الأثناء، أصدرت أكثر من 20 نقابة ولجنة تسييرية مهنية بياناُ مشتركاً يوم الجمعة الموافق 4 نوفمبر الحالي عبرت فيه عن غضبها من محاولة استيلاء النظام المخلوع على النقابات المهنية، بينها نقابة الصحافيين السودانيين ولجنة المعلمين.

فيما وصف بيان لـ(تضامن نقابات السودان)، الاعتداء بـ”المحاولة البائسة واليائسة لإثبات عودة الفلول إلى ساحة العمل النقابي”، مشيراً إلى أن “استخدام العنف والبلطجة في قضية قانونية، سلوك يشبه النظام البائد وسلطته الانقلابية التي مكنتهم من جديد في محاولة أخيرة منها للقضاء على الثورة والثوار”، وفق البيان.

واعتبر الخبير النقابي محجوب كناري، أن القرارات الأخيرة، “أرجعت الأمور إلى ما قبل نجاح الشعب السوداني في الإطاحة برأس النظام السابق”.

وانتقد “إقحام الشرطة في الصراع” معتبراً أن موقفها بجانب القوات الأمنية المشتركة، كان فيه انحياز لصالح منسوبي النظام المخلوع، مشيراً إلى أنه موقف متوقع، لجهة أن الأجهزة الشرطية السودانية تدين بالولاء للنظام السابق ولم تمسسها أيادي الهيكلة. 

ودعا كناري المحامين إلى توجيه الصراع نحو تنظيم عضويتهم وأنفسهم وحصر كشوفاتهم، والاستعداد للدخول مع “فلول النظام” من المحامين في معركة نقابية وتشكيل نقابة شرعية.

كما دعاهم إلى تقديم دعم قانوني للنقابات التي قامت بالفعل، مثل نقابة الصحفيين والهيئة النقابية لأساتذة جامعة الخرطوم، والتي قال إنها ستقوم مثل نقابة الدراميين والمهندسين لمواجهة المسجل والأجهزة الأمنية والتمكين بالمؤسسات الحكومية.

وربط متابعون لأحداث الهجوم على الدار، بين قيام اللجنة بعمل الإعلان الدستوري لنقابة المحامين، ورغبة أفراد النظام المخلوع في استعادة الدار في الفترة الحالية.

ولا يعتبر هجوم أعضاء النقابة السابقة الأول من نوعه، إذ هاجم أعضاء بارزون في نقابة المحامين التابعة لحزب المؤتمر الوطني المحلول بمساعدة قوى مدنية مسلحة بالعصي والهراوات في العاشر من أغسطس الماضي دار النقابة، أثناء انعقاد ورشة الإعلان الدستوري التي تمت برعاية من لجنة التسييرية لنقابة المحامين.

وفي 25 سبتمبر الماضي، استدعت نيابة التمكين رئيس اللجنة التسيرية لنقابة المحامين، علي جيلوب، وأمينها المالي، بعد بلاغ ضد اللجنة التسيرية، فتحه نقيب المحامين في عهد النظام المخلوع، عثمان الشريف، والمحامي ياسر الجاك، بسبب ما قالا إنه ممارسة اللجنة التسيرية لـ”أنشطتها حتى اليوم “.

لكن لجنة الدفاع عن أعضاء التسيرية، قدمت طعناً ضد قرار استدعاء عضوية تسيرية المحامين بموجب المادة 48 من قانون المحاماة والتي تنص على عدم مثول أي محامي أمام جهة قضائية أو شبه قضائية، دون إذن النقابة، ولاحقا تمكنت من توقيف وإلغاء قرار التكليف بالحضور عبر تقديمها طلب إجراء فحص لأعضاء لجنة التفكيك والتمكين، لدى النيابة العامة ممثلة في وكيل النيابة ماهر سعيد.

وكانت لجنة التسييرية لنقابة المحامين، قد أشارت في بيان لها وقتها، أن البلاغ يأتي في إطار “حرب فلول النظام البائد ضد اللجنة التسيرية”، مضيفة أن “هدف الفلول مصادرة حرية المحامين وتقييد الحراك الثوري داخل دار المحامين”.

"إن أكثر ما يقلق النظام القائم الآن؛ هو تمكن المحامين بكياناتهم المختلفة من فرض رقابة رصينة على انتهاكاته ضد المواطنين والثوار. بالإضافة إلى تخوفه من نجاح الإعلان الدستوري الانتقالي الذي أعدته لجنة تسيير نقابة المحامين في قيام فترة انتقالية مهمة تستطيع أن تقوم بمهام إنتقالية مطلوبة بما فيها تفكيك نظام الـ 30 من يونيو وتنفيذ مهام الثورة"، يقول أمين أمانة الإعلام بلجنة تسيير نقابة المحامين محمد جودة لـ(بيم ريبورتس)، مرجحاً أن استهداف المحامين نتج من هذين السببين.