في أقصى جنوب شرقي إقليم النيل الأزرق، حيث لا يفصلها سوى مجرى مائي موسمي عن جارتها الإثيوبية التي تحمل الاسم ذاته، تقع مدينة الكرمك السودانية الاستراتيجية، مسجلةً نحو أربعة عقود من أهوال صراع مسلح ما تزال فصوله تُكتب بالدم والنزوح واللجوء.
مثّل استرداد الجيش للكرمك، في الثامن من يوليو الجاري، من قبضة قوات الدعم السريع وحليفتها الحركة الشعبية – شمال، بعد سيطرتهما عليها في 24 مارس الماضي، أحدث فصول الصراع العسكري التاريخي، والذي بدأ في أواخر ثمانينات القرن الماضي للسيطرة على مدينة تُعد بوابة حدودية حيوية لإقليم النيل الأزرق.
في نوفمبر 1987، دخلت الكرمك إلى دائرة الصراع المسلح في السودان عندما سيطرت عليها الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق لأول مرة، قبل أن تصبح مع مرور الأيام جزءًا من مسرح عنيف للمواجهات العسكرية وتبادل السيطرة الميدانية بين الجيش الحكومي والجماعات المسلحة في موقع جغرافي استراتيجي يطل مباشرةً على الحدود الدولية الفاصلة بين السودان وإثيوبيا، وتبعد نحو 136 كيلومترًا جنوب مدينة الدمازين عاصمة إقليم النيل الأزرق.
تتمتع الكرمك بمزايا عديدة، إذ تمنح السيطرة العسكرية عليها التحكم في الحدود مع إثيوبيا، بالإضافة إلى تأمين مدينة الدمازين، كما تحظى المدينة بأهمية اقتصادية كبرى بوصفها مركزًا زراعيًا ومنطقة غنية بالموارد والمعادن.
دخول الكرمك في دائرة الصراع المسلح
زعيم الحركة الشعبية الراحل جون قرنق في النيل الأزرق 1986
أدخلت سيطرة قوات الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق خلال الحرب الأهلية الثانية بين شمال وجنوب السودان (1983 – 2005) على الكرمك في نوفمبر 1987، المدينة إلى دائرة الصراع المسلح، وذلك في فترة حكم رئيس الوزراء الراحل الصادق المهدي، في خطوة شكلت صدمة سياسية في الخرطوم آنذاك.
ودفعت تلك الصدمة السياسية بسيطرة الحركة الشعبية على منطقة خارج معاقلها التقليدية في جنوب السودان، الجيش السوداني إلى قيادة هجوم مضاد في يناير من عام 1988، سبقته تعبئة عامة، مكّنته من استعادة السيطرة على المدينة.
لم تمر سوى أشهر معدودة على استرداد الجيش لمدينة الكرمك، حتى وقع انقلاب عسكري في الخرطوم بقيادة الرئيس المخلوع عمر البشير، أطاح بالحكومة الديمقراطية في البلاد في 30 يونيو 1989، لتتمكن الحركة الشعبية في أواخر أكتوبر من العام نفسه من بسط سيطرتها مرةً أخرى على الكرمك. غير أنّ الجيش استعادها في 29 نوفمبر من العام نفسه.
وهكذا بقيت الكرمك منذها تحت سيطرة الجيش إلى أن شنت الحركة الشعبية لتحرير السودان وقوات التجمع الوطني الديمقراطي، في دورة صراع جديدة، عملية عسكرية واسعة في إقليم النيل الأزرق في يناير 1997، تمكنت خلالها القوات المهاجمة من السيطرة على المدينة ومناطق حدودية أخرى مثل قيسان.
وأطلق زعيم الحركة الشعبية الراحل جون قرنق على عملية الاستيلاء على الكرمك آنذاك اسم (وثبة الثعلب الأسود)، حيث تميز الهجوم بكثافة نيران عالية جدًا. وكانت تلك اللحظة التي دخلت فيها الجارة الشرقية إثيوبيا في خضم الصراع الداخلي في السودان، إذ اتهمت الخرطوم، آنذاك، أديس أبابا بتقديم دعم مدفعي ولوجستي مباشر للحركة الشعبية مكّنها من اجتياح حامية الكرمك والبلدات المجاورة مثل قيسان، وأتبعت ذلك بتقديم شكوى رسمية إلى مجلس الأمن الدولي.
وبعد نحو ثلاثة عقود، عادت الخرطوم إلى توجيه اتهامات مماثلة إلى أديس أبابا، بتمكين قوات الدعم السريع وحليفتها الحركة الشعبية – شمال من الدخول إلى الكرمك مرةً أخرى، ضمن تاريخ قديم متجدد، بدعم كل بلد للجماعات المسلحة في البلد الآخر.
سيطرة امتدت لنحو 14 عامًا
ومثلت الفترة من 1997 وحتى 2011 أطول فترة سيطرة للحركة الشعبية على مدينة الكرمك، إذ لم يتمكن الجيش السوداني من استردادها إلا بعد مرور 14 عامًا، وتحديدًا في الثالث من نوفمبر 2011.
وخلال فترة سيطرتها الطويلة، حوّلت الحركة الشعبية المدينة إلى معقل إداري وعسكري. كما استغلت الحركة موقع المدينة الحصين طبيعيًا في عمليات تجنيد واسعة وتأمين خطوط الإمداد العابر للحدود، وإدارة العمليات الحربية في جبهة النيل الأزرق.
وفي يناير 2005، أقرّ اتفاق السلام الشامل الذي وقعت عليه الحكومة السودانية مع الحركة الشعبية لتحرير السودان، بالأمر الواقع في المدينة؛ فظلت الكرمك تحت إدارة الحركة الشعبية أمنيًا وإداريًا، وذلك رغم تحولها إلى شريك في الحكم بالخرطوم وفقًا للاتفاق. وعُيّن نائب رئيس مجلس السيادة الحالي، مالك عقار، حاكمًا للإقليم، وظلت قواته متمركزة في الكرمك وغيرها من المناطق الأخرى في إقليم النيل الأزرق حتى تجدد الصراع في عام 2011.
تجدد الصراع
في عام 2011 تجدد الصراع في النيل الأزرق بين الجيش والحركة الشعبية
قبل شهر واحد فقط من استقلال جنوب السودان في يوليو 2011، تجدد الصراع المسلح في جنوب كردفان بين الحكومة والحركة الشعبية – شمال، لينتقل الصراع في سبتمبر من العام نفسه إلى إقليم النيل الأزرق.
يقول ناشط سياسي واجتماعي من سكان منطقة قيسان بإقليم النيل الأزرق لـ«بيم ريبورتس» إن حاكم إقليم النيل الأزرق السابق، مالك عقار، اتخذ من مدينة الكرمك عاصمة إدارية للإقليم في أعقاب اتفاق السلام الشامل في عام 2005 وحتى تجدد النزاع المسلح في 2011. وأشار إلى بدء العمل في تشييد طريق الدمازين – الكرمك في تلك الفترة، لكنه لم يكتمل، إلى جانب استضافة المدينة مقار رئاسة الحكومة ورئاسة المنظمات الدولية، في محاولة لتطوير المدينة وتنميتها، لكن كل ذلك تبدد بتجدد الحرب.
أطلق الجيش السوداني آنذاك حملة برية وجوية واسعة النطاق لاستعادة المناطق خارج سيطرته في النيل الأزرق، بما في ذلك مدينة الكرمك. وتمكن في الثالث من نوفمبر 2011، من تدمير الدفاعات الرئيسة للحركة، واقتحام المدينة والسيطرة عليها.
وأجبر بسط الجيش سيطرته الكاملة على الكرمك في ذلك اليوم ودخول قواته حاميتها، مقاتلي الحركة الشعبية – شمال على الانسحاب والتحصن في المناطق الجبلية الوعرة، مثل جبال الأنقسنا ومحيط يابوس. وتسبب القتال في لجوء آلاف المدنيين إلى داخل الأراضي الإثيوبية.
تدهور الوضع الإنساني
غرفة طوارئ الروصيرص تقدم دعمًا لنازحي الكرمك – أبريل 2026
للنزاع وتبادل السيطرة العسكرية على الكرمك وجه آخر يدفع ثمنه المدنيون.
يقول الناشط السياسي والاجتماعي إن الصراع العسكري في الكرمك أحدث تحولات في حياة سكانها، مؤكدًا صعوبة اللحاق بالموسم الزراعي الحالي، رغم أن مستوى الزراعة ليس كبيرًا، وموضحًا أن الغالبية العظمى من سكان الكرمك يعتمدون على التعدين الأهلي، بما في ذلك العمل داخل مناطق سيطرة الحركة الشعبية – شمال.
«مدينة الكرمك أفرغت من سكانها حتى قبل سيطرة الحركة الشعبية – شمال وقوات الدعم السريع عليها في مارس الماضي، إذ نزحوا إلى معسكرات في مناطق مثل الزمازين ودندرو، وباتوا في حالة نزوح مستمرة، سواء في معسكرات أو مستضافين في قرى» – يضيف المصدر، مرجحًا عدم عودة سكان الكرمك إليها في المستقبل المنظور حتى بعد سيطرة الجيش على المدينة في الثامن من يوليو الجاري، مؤكدًا غياب أيّ خطط للعودة في الوقت الحالي.
وأوضح أن بداية موسم الأمطار، وفقدان السكان منازلهم، تجعل عودتهم من الصعوبة بمكان، رغم أن القليل منهم قد يعودون. ومع ذلك سيكون الوضع سيئًا مع ضعف الوجود الحكومي في مناطق جنوب النيل الأزرق، بما في ذلك الكرمك والمناطق الواقعة في التماس بين سيطرة الجيش والحركة الشعبية – شمال، قائلًا «لا توجد مؤسسات حكومية على النحو المعروف، مثل المراكز الصحية والمدارس والمدرسين».
لقراءة المزيد عن الأوضاع الإنسانية يمكنك الاطلاع على التقرير التالي:
في مارس الماضي، تصاعدت وتيرة العمليات العسكرية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع وحليفتها الحركة الشعبية – شمال، في إقليم النيل الأزرق، مما أدى إلى موجات نزوح جديدة لآلاف الأشخاص، معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن، داخل مناطق عديدة في الإقليم المثقل بالنزاعات، والذي عرف عقودًا من النزوح واللجوء والسلام الهش.
وفي 26 مارس الماضي، أي بعد يومين من سيطرة قوات الدعم السريع والحركة الشعبية – شمال على مدينة الكرمك، أعلنت غرفة طوارئ النيل الأزرق الإنسانية، في بيان، عن نزوح عشرات الآلاف من المنطقة إلى مدينة الدمازين والمناطق المجاورة، مشيرةً إلى أن معظمهم من النساء والأطفال.
ووصفت إحدى النازحات رحلتها من الكرمك إلى الدمازين بالقاسية، مشيرةً إلى أنها وصلت بعد تعب ومشقة، ولافتةً إلى أن كثيرين نزحوا سيرًا على الأقدام.
وقالت غرفة طوارئ قيسان، في بيان، في 27 مارس الماضي، إن المنطقة شهدت موجات نزوح، إذ أجبرت الظروف الأمنية والإنسانية أعدادًا كبيرة من المواطنين على مغادرة منازلهم بحثًا عن الأمان والاستقرار.
وأضافت الغرفة أن التصعيد الأخير أدى إلى تفاقم ملحوظ للأوضاع الإنسانية، إذ يواجه النازحون نقصًا حادًا في الاحتياجات الأساسية، بما في ذلك الغذاء والمياه والمأوى والخدمات الصحية، وسط تحديات كبيرة في الوصول إلى مناطق آمنة.
ولم يقتصر النزوح على الداخل السوداني، إذ نقلت الأمم المتحدة، عن مصادر محلية، أن ما لا يقل عن أربعة آلاف شخص فروا إلى إثيوبيا.
بعد استرداد الجيش لمدينة الكرمك، يأمل سكانها أن تنتهي هذه الدورة الطويلة من الصراع المسلح والتي عصفت على مدار أربعة عقود بالاستقرار والحياة الطبيعية وبأجيال متعاقبة. فقد سلبتهم المحرقة المستمرة الحق في الحياة ودفعتهم مرارًا إلى جحيم النزوح واللجوء.
