مع ازدياد تدفق سكان الفاشر إلى معابر الخروج من مدينتهم المنكوبة، في الأيام التي تلت سقوطها بيد «الدعم السريع» في 26 أكتوبر 2025، وعلى مدى أسابيع، حوّل عناصر القوات النجاة إلى سلعة باهظة التكلفة. وأصبحت الروح في المعابر، تقايض بحوالة مالية تُسدد عبر تطبيق «بنكك».
دفع الفدى المالية، أو مواجهة القتل في معابر الخروج من الفاشر، أكدتها أربعة مصادر من سكان الفاشر لـ«بيم ريبورتس».
قالت المصادر الأربعة، كل على حدة، إنهم دفعوا فدى مالية لعناصر من «الدعم السريع»، بلغت ملايين الجنيهات، في الفترة من أواخر أكتوبر وحتى نوفمبر 2025، لإنقاذ ذويهم من القتل.
«كانت المفاوضات مباشرة وشاقة، وتُجرى خلال مكالمات الفيديو عبر تطبيق واتساب»، يقول أحد المصادر.
يمنح عناصر «الدعم السريع» الضحية الهاتف ليُظهر مأساته لذويه أو أصدقائه، ويحدد المبلغ الذي قد ينقذ حياته. ثم يتحدث بعدها أحد عناصر «الدعم السريع»، ويحدد المهلة الواجبة لسداد الأموال عبر تطبيق «بنكك»، والتي لا تتجاوز، في الغالب، أيامًا معدودة. ونفت قوات الدعم السريع في بيانات سابقة اتهامات بارتكاب انتهاكات بحق المدنيين في الفاشر.
تجارة الفدية
لم تكن المأساة، مع سقوط الفاشر في يد «الدعم السريع»، محصورة فقط في من قُتلوا مباشرة في حملات انتقامية داخل المدينة. فقد لاحقت أولئك الذين حاولوا الخروج من المدينة إلى مناطق «قرني» و«طويلة» وغيرهما من معابر الخروج، إذ كان عليهم مواجهة عنف المعابر، والتي تحول بعضها إلى مقابر جماعية، حسبما أفاد سكان من الفاشر تحدثوا إلى «بيم ريبورتس».
«حتى بعد مرور عام، ما زلت منخرطًا في تفاوض لإطلاق سراح بعض أقاربي»، يقول أحد سكان الفاشر لـ«بيم ريبورتس». «أما في الأيام الأولى لسقوط المدينة، فقد اضطررت إلى دفع ملايين الجنيهات لإخراج أقاربي، وحتى بعد دفع المال فقدت بعضهم»، يضيف متحسرًا.
مصدر آخر من سكان الفاشر يقول لـ«بيم ريبورتس» إن أحد عناصر «الدعم السريع» اتصل به مكالمة فيديو عبر تطبيق «واتساب» للتفاوض لإطلاق سراح أحد أصدقائه في الحي. ويضيف: «تركوا صديقي يتحدث، وطلب 13 مليون جنيه سوداني ثمنًا لإنقاذ حياته»، أي ما يعادل وقتها نحو ثلاثة آلاف دولار أمريكي، وفقًا لأسعار السوق الموازي. «طلبت منهم مهلة أسبوع حتى نتمكن من جمع المبلغ وتحديد مسار خروجه»، أردف المصدر.
وواصل المصدر سرد حكايته قائلًا: «لكنهم قالوا لي إذا كنت تخشى على حياته، فمدة أسبوع طويلة جدًا». وزاد: «أبلغتهم أنها مدة قصيرة لا تكفي لجمع هذا المبلغ الكبير من المال، كما أن علي أن أدفع أموالًا لمحتجزين آخرين، لكني في نهاية المطاف قلت لهم سأبذل قصارى جهدي، قبل انقضاء الأسبوع».
«انتهت المكالمة على مهلة الأسبوع. وكان علي جمع ملايين الجنيهات. كان ذلك في نوفمبر 2025»، يقول المصدر.
«في الأسبوع التالي، حوّلنا المبلغ، فأخرجوا صديقي عبر منطقة (قرني) إلى نقطة اتفقنا عليها، وتمكن من النجاة»، يضيف المصدر.
نهاية المشهد العسكري
في مساء 27 أكتوبر 2025، توقفت أصوات الرصاص في مركز جامعة الفاشر وحي الدرجة، بعد مواجهات ضارية استمرت لأكثر من 24 ساعة بين القوات المدافعة عن الفاشر من جهة، وقوات الدعم السريع من جهة أخرى، إيذانًا بنهاية معركة الفاشر، إحدى أكثر المعارك دموية في تاريخ حروب السودان الحديثة.
يومها، اقتحم مسلحون ينتمون إلى قوات الدعم السريع، على متن دراجات نارية، المركز الرئيسي لجامعة الفاشر وحي الدرجة، آخر المناطق التي كان يتمركز فيها المقاتلون المدافعون عن الفاشر.
وقبلها بيوم، أي في 26 أكتوبر 2025، كانت قوات الدعم السريع، بقيادة نائب قائد القوات عبد الرحيم دقلو، قد استولت على الفرقة السادسة مشاة، قاعدة الجيش الرئيسة في المدينة.
ظهر دقلو منتشيًا بين جنوده من داخل الفرقة السادسة مشاة التابعة للجيش، بالتزامن مع تحديد مختبر الأبحاث الإنسانية التابع لجامعة ييل صورًا عبر الأقمار الاصطناعية تُظهر تجمعات دماء ضخمة وأجسامًا تتطابق مع رفات بشرية في الفاشر عقب سيطرة قوات الدعم السريع.
انتشاء دقلو، جاء بعد قيادته حصار الفاشر لنحو 18 شهرًا، قُصف فيها السكان يوميًا، وجُوّعوا وحُرموا من وصول المساعدات الطبية والغذائية. كما رفضت قوات الدعم السريع، هدنة إنسانية لمدة أسبوع اقترحها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في يونيو 2025، ووافق عليها الجيش.
على مدى 18 شهرًا من الحصار، بدأ سكان الفاشر في مغادرتها تحت وطأة القتال والقصف اليومي بمدفعية قوات الدعم السريع ومسيّراتها.
وفي بيان أصدره الاثنين 26 أكتوبر 2026، بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لسقوط الفاشر بيد قوات الدعم السريع، قال والي ولاية شمال دارفور حافظ البخيت التابع للحكومة السودانية بقيادة الجيش، إن الإحصاءات الأولية تشير إلى تصفية ما لا يقل عن 5,000 شخص في المستشفى السعودي وجامعة الفاشر والمنازل وطرق النزوح نحو «قرني وجبل أنا وطرة»، بينهم أكثر من 80 شخصًا داخل جامعة الفاشر وحدها، بتوجيه مباشر من نائب قائد قوات الدعم السريع عبد الرحيم دقلو، وفق شهادات ناجين، نقلها الوالي.
استمرار الاحتجاز والتعذيب
تقول منظمة العفو الدولية، في تقرير حديث صدر في 23 أكتوبر الجاري، إن المدنيين في مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور في السودان ما يزالون يعانون الاحتجاز والتعذيب ومحدودية المساعدات الإنسانية، بعد مرور عام على استيلاء «الدعم السريع» على المدينة، وما ارتكبته فيها من أعمال وحشية بحق المدنيين.
ففي شهادات جديدة، روى بعض السكان الذين فرّوا من المدينة مؤخرًا لمنظمة العفو الدولية، كيف تحولت المدارس إلى مراكز احتجاز، وكيف فُرضت رقابة صارمة على تحركاتهم، فضلًا عن تفشي عمليات القتل غير المشروع.
المنظمة أكدت أن وصول المساعدات الإنسانية إلى المدينة ما يزال محدودًا، ويخضع العاملون في المجال الإنساني وغيرهم من المدنيين في المدينة للمراقبة أو الرصد بصفة دائمة. وأضافت: «ما يزال الاحتجاز التعسفي خطرًا بالغًا يتربص بالمدنيين والعاملين في المجال الإنساني على السواء».
ملاحقة السكان حيًا تلو حي
في 26 أكتوبر 2025، كان على سكان الفاشر مواجهة نشوة عناصر قوات الدعم السريع بالاستيلاء على المدينة، والتي ترجموها بملاحقة السكان، حيًا تلو حي، بحسب مختبر الأبحاث الإنسانية التابع لجامعة ييل، ما دفع الآلاف منهم إلى التوجه إلى معابر الخروج من المدينة.
«لم تعد الفاشر كما عرفناها؛ لقد دُمرت الفاشر، ولم يعد هناك شيء على الإطلاق»، يقول أحد سكان المدينة لـ«بيم ريبورتس»، بعد عام من سيطرة «الدعم السريع» عليها.
«كأنّ تسونامي ضرب المدينة»، هكذا قال أحد سكان الفاشر الذي عاد إلى المدينة ليجدها مدمَّرة وخالية في معظمها، بعد سيطرة قوات الدعم السريع عليها في أكتوبر 2025، لمنظمة هيومن رايتس ووتش.
من نجا من أهوال سيطرة «الدعم السريع» على الفاشر ووصل إلى منطقة نزوح، سواء داخل إقليم دارفور أو في الولاية الشمالية أو النيل الأبيض، أو تشاد، أو ليبيا، فإنه وصل جسدًا بلا روح. العديد من سكان الفاشر كان من الصعب عليهم الحديث باسترسال عن المأساة التي أتمت عامًا.
بدا من التقيناهم وتحدثنا إليهم محطمين تمامًا، وفقد الأشقاء والأمهات والآباء والأبناء والجدات، والمكان، ما يزال ينزف.
لا أحد يعرف على وجه الدقة، كم عدد المفقودين، أما عن مصيرهم، فيعتقد العديد من سكان الفاشر ممن تحدثنا إليهم إنهم قد قُتلوا. ومع ذلك، بدأت جهود منظمة في حصر المفقودين، حسبما أبلغنا أحد سكان الفاشر منخرط في هذه العملية.
غير أنّ منظمة العفو الدولية تقول إنه يوجد في الفاشر حاليًا أقل من 70 ألف شخص، مقارنةً بعدد سكانها قبل اندلاع الحرب في أبريل 2023، والذي كان يتجاوز مليون نسمة. فيما قدّرت الأمم المتحدة أعداد سكانها قبل السقوط في أكتوبر 2025 بنحو 260 ألف نسمة.
جرائم ممنهجة
تقول منظمة حقوقية دولية تجري تحقيقات في الفاشر لـ«بيم ريبورتس»، طلبت حجب هويتها نسبة لحساسية التحقيق، إن ما توصلت إليه حتى الآن هو أن الجرائم التي وقعت في الفاشر ذات طبيعة منظمة وممنهجة، وتمثل سياسة اتّبعتها قوات الدعم السريع لاستهداف جماعات إثنية معينة.
«لقد كان سؤال الانتماء القبلي محوريًا في تحديد من سينجو من بنادق جنود الدعم السريع خارج أسوار مدينة الفاشر، وكانت كل هذه الجرائم بحضور قادة كبار وبموافقتهم»، تضيف المنظمة.
وتقول المنظمة: «كما وقعت جرائم اغتصاب بأعداد كبيرة بحق النساء والفتيات ضمن عمليات الفرار الجماعي لحظة سقوط الفرقة السادسة مشاة، ووقعت أيضًا اعتداءات جنسية منظمة في مراكز احتجاز تسيطر عليها قوات الدعم السريع». وتضيف: «تؤكد تحقيقاتنا تعمد الدعم السريع استهداف أعيان مدنية محمية وفق قواعد القانون الدولي الإنساني».
كانت قوات الدعم السريع قد نفت في بيانات سابقة اتهامات بارتكاب انتهاكات بحق المدنيين.
واليوم، بعد مرور عام على سقوط مدينة الفاشر، العاصمة التاريخية لإقليم دارفور، بيد قوات الدعم السريع، يظل المشهد قاتمًا، إذ نزح ولجأ عشرات الآلاف من سكانها داخل البلاد وخارجها، ليعيشوا دورة جديدة من المعاناة. فيما يعيش أقل من 70 ألف شخص داخل المدينة تحت ظروف غامضة أمنيًا وإنسانيًا وصحيًا.
وما تزال منظمات دولية تطالب بمحاسبة القادة المسؤولين عن قيادة الحملة على الفاشر وحصارها وقصفها وتجويع سكانها 18 شهرًا. ويذكر سكانها، بحسرة، ما جرى لهم من انتهاكات واسعة النطاق تحمل سمات الإبادة الجماعية، وفق ما خلصت إليه بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة بشأن السودان.