Category: اجتماعي

قلق الاستقرار وهاجس العودة: تجربة السودانيين خلال الانتخابات الأوغندية

بعد مرور نحو شهر من إجراء الانتخابات اليوغندية، والتي جرت وسط توتر أمني أثار المخاوف بين اللاجئين السودانيين في البلد الواقع في شرق إفريقيا حيث يعيش هناك أكثر من 90 ألف لاجئ معظمهم في معسكرات، أعلنت السفارة السودانية عن بدء رحلات عودة طوعية للاجئين السودانيين ابتداء من يوم 20 فبراير الجاري. 

وقد رصدت بيم ريبورتس مخاوف السودانيين من الانتخابات في يوغندا خاصة العاصمة كمبالا والتي جرت في يوم 15 يناير الماضي حيث أعيد انتخاب الرئيس يوري موسفيني للمرة السابعة وسط أعمال عنف وتضييق على مرشح المعارضة بوبي واين في خضم انقطاع الإنترنت والاتصالات طيلة أيام. 

وسط الصدمات التي سببتها الحرب في السودان والتي أجبرت الملايين على الفرار إلى خارج البلاد، أمضى اللاجئون في يوغندا أيام الانتخابات بين الترقب والأمل، في أن تمضي بسلام يعرفون معناه وعنف يتخوفون منه.  

فيما قرر أولئك الذين يمتلكون المال السفر إلى خارج يوغندا إلى الجارتين كينيا ورواندا وغيرهما من البلدان الأخرى تخوفًا من وقوع اضطرابات وأعمال خلال الانتخابات، واضعين في الاعتبار تجربة الفرار من الحرب في السودان

يقول محمود (اسم مستعار) لبيم ريبورتس “كُنّا حذرين وقلقين في آن، فمع قطع خدمات الإنترنت وخدمات التحويل المصرفي، لم تتح مصادرٍ كافية لمتابعة المستجدات بشأن تطورات الأحداث في يوغندا نفسها، كما لم نكن على تواصلٍ مع الأهل في السودان للإطمئنان عليهم، خاصة مع تصاعد المعارك العسكرية في محور كردفان”

وجرت الانتخابات الرئاسية اليوغندية بين يومي 15 و18 يناير الماضي وسط أجواءٍ سياسية محتقنة ما بين الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة، وشهدت انتشارًا أمنيًا كبيرًا، من قبل الجيش والشرطة والقوات الخاصة، في العاصمة كمبالا وغيرها من المدن الرئيسية وسط توتراتٍ في الشارع العام. كما قطعت خدمات الإنترنت ما بين 13 إلى 18 يناير.

وقالت الأمم المتحدة إن الشرطة والجيش استخدما الذخيرة الحية لتفريق التجمعات السلمية، وقاما بعمليات اعتقال تعسفية، واختطاف أنصار المعارضة قبل خلال المسيرات التي انتظمت عددًا من المناطق قبل الانتخابات، علاوةً على إصدار الحكومة أوامر إيقاف بحق عدد من المجموعات والمنظمات الحقوقية، من ضمنها شبكة حقوق الإنسان الصحفية بأوغندا. 

ما قبل 15 يناير 

كان القلق التوتر وسط السودانيين سابقًا لقيام الانتخابات وتركز التخوف عما ستسفر عنه الانتخابات اجتماعيًا وسياسيًا خاصة وهم يضعون في الحسبان تجربة الحرب التي كانت العامل الأساسي في لجوئهم وتهجيرهم من منازلهم، وفقدان أغلبهم البنية الاقتصادية والاجتماعية التي كانوا يتوفرون عليها في السودان، الأمر الذي جعل من وجود غالبيتهم وجودًا هشًا.

“أصبحت لا أخرج من المنزل إلا بعد التأكد من حمل أوراقي الثبوتية، خاصة بطاقة اللجوء، وذلك على إثر توقيفي عدة مرات من قبل جهاتٍ أمنية مختلفة لم استطع التمييز عن كنهها” – يقول البخيت وهو شاب مقيم ويعمل بالعاصمة كمبالا. إثر تجاربه مع الجهات الأمنية، قلل البخيت حركته بالكامل خلال فترة الانتخابات، لتقتصر على الالتزامات السريعة والمشاوير الخاطفة الضرورية.

السفر خارج يوغندا

مع تأكيد الجهات المختلفة على توجيهات محددة للالتزام بها خلال فترة الانتخابات، إلا أن مقدار التوتر كان مرتفعًا ومتصاعدًا لدى السودانيين، خاصة مع غياب المعرفة الكافية بالسياق الاجتماعي المحلي، الأمر الذي دفع عددًا مقدرًا من الأسر والأفراد لترتيب مغادرة أوغندا إلى دولٍ مجاورة حتى تنقضي فترة الانتخابات. وقد نشطت عدد من وكالات السفر السودانية في تنظيم رحلاتٍ جماعية وفردية إلى رواندا، بلغت تكلفة السفر للفرد 450 دولارًا أمريكيًا، كما سافر آخرون  بشكلٍ فردي إلى كينيا وجنوب السودان وزنجبار، كلٍ حسب استطاعته وقدرته المالية، لكن السواد الأعظم من السودانيين بقي في أوغندا مع اتباع إجراءاتٍ صارمة في الحركة، علاوةً على تجهيز مؤنٍ واحتياجاتٍ معيشية.

فترة الانتخابات

الرئيس الأوغندي يوري موسفيني

ما بعد إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية والتي شهدت فوز الرئيس يوري موسيفيني (81 عامًا) بدورة رئاسية سابعة، بينما احتجز منافسه بوبي واين (43 عامًا) في الإقامة الجبرية، قبل أن يتمكن من الهرب ويظهر في مقابلةٍ متلفزة يشكك فيها في صدقية الانتخابات، ويدعو مناصريه للاحتجاج السلمي عبر تنظيم التظاهرات وأشكاله المختلفة، الأمر الذي جاء في وقتٍ أعلن فيه الجيش اليوغندي عبر قائده موهوزي كاينيروجابا، نجل الرئيس موسيفيني، عن مقتل 30 شخصًا من المعارضة، علاوة على اعتقال ما يزيد عن الـ 2000 شخص.

اضطرابات في كاومبي

المرشح الرئاسي بوبي واين

تعد منطقة كاومبي بالعاصمة كمبالا إحدى المناطق الحية في يوغندا، وقد شهدت اندلاع توتراتٍ في مركز فرز الأصوات في مقاطعة كاومبي خلال عملية فرز أصوات الانتخابات الرئاسة.

 وخلال عملية الفرز وقعت اشتباكات بين أنصار حركة المقاومة الوطنية وحزب الوحدة الوطنية، ومع احتواء المنطقة على أعدادٍ كبيرة من السودانيين، جنبًا إلى جنب أنها منطقة قوامها الأكبر من المعارضة المناصرة لبوبي واين.

وقالت زينب (اسم مستعار) لبيم ريبورتس “كنا لا نخرج من البيت نهائيًا، وفي اليوم الثاني من الانتخابات، شهد حينا بكاومبي مطاردات القوات النظامية لمناصري بوبي واين، وإطلاق الغاز المسيل للدموع، الذي وصل حتى منطقة سكننا بعد أن لاذ عدد من المطاردين به”. 

عنتيبي…هدوء وتمشيط للشوارع

القصر الرئاسي في مدينة عنتيبي

كان الوضع في مدينة عنتيبي، والتي يسكنها عدد كبير من السودانيين خاصة في منطقة شيتورو ونُشوغو، مغايرًا لما هو عليه في كمبالا، إذ كانت الحركة إلى قبل الانتخابات بيوم عادية، مع استمرار عمل غالبية المحال التجارية الأوغندية، والسودانية التي تتركز في سوق شيتورو.  “سنعمل اليوم حتى ساعة متأخرة، أما يوم غدٍ، 15 يناير،  فلن نعمل كإجراء احترازي، حتى نرى كيف تسير الأمور” – كان هذا تقدير عبد الكريم (اسم مستعار) في حديثه لمراسل بيم ريبورتس قبل يوم انطلاق الانتخابات، ويبدو أن هذا ما انتهجته أغلب المحال والأفراد في حركتهم وأداء مهامهم، ليعودا بعدها لمباشرة أعمالهم. 

وتكتسب عنتيني بعدًا مهمًا في الخارطة السياسية والعسكرية في أوغندا، إذ تتمركز فيها قيادات عدد من المؤسسات الأمنية، علاوةً على أنها المدينة التي تضم المطار الرئيس في البلد، والأخير كان سببًا في لجوء عدد من المسافرين أيام الانتخابات للقدوم إليها حتى يكونوا بالقرب من المطار بهدف تجنب أي تعقيداتٍ في الحركة، إضافةً إلى هؤلاء، لاذ إلى المدينة عددًا من الأسر والأفراد وذلك لهدوء المدينة والأمان الكبير مقارنة بكمبالا. 

“كان الوضع عاديًا ولم يختلف عن أي فترة أخرى خلال الفترة التي تزيد عن العامين قضيتهما في هنا. كنتُ أذهب إلى العمل وأرجع راجلة. الشئ الوحيد الذي لاحظته هو تمشيط عددًا من أفراد الجهات الأمنية الشوارع جيئةً وذهابًا” هذه تجربة تبيان، عاملة في القطاع الصحي في عنتيبي، خلال فترة الانتخابات. وتضيف “مع قطع الإنترنت في جميع البلاد، واستثناء المؤسسات الحكومية والمستشفيات فقد أتاح لي ذلك تطمين بقية أسرتي خارج أوغندا عليّ، ونقل رسائل ملحة وضرورية من الأصدقاء إلى ذويهم بالخارج”.

بدء العودة الطوعية من أوغندا

ووسط هذه التوتر أثناء الانتخابات أعلنت اللجنة العليا لتنظيم العودة الطوعية للسودانيين في أوغندا، يوم الأحد 15 فبراير الحالي عن بدء أولى رحلات الإجلاء الجوي للعائدين إلى السودان في 20 فبراير الجاري، من مطار عنتيبي إلى مدينة بورتسودان.

ويعيش في أوغندا نحو 92 ألف لاجئ سوداني، استقر نحو 13 في المئة بينهم في العاصمة كمبالا ومدينة عينتبي فيما يعيش الغالبية في معسكرات للاجئين. 

وقالت المتحدثة باسم اللجنة، ريم عبد الجليل، في تصريح لـ “سودان تربيون”، إن مشروع العودة الطوعية سيُدشَّن رسميًا في 19 فبراير بمقر السفارة السودانية في كمبالا، على أن تنطلق أول رحلة للعائدين طوعًا ابتداء من يوم الجمعة الموافق 20 فبراير الحالي. 

وأكدت عبد الجليل أن الرحلة الأولى ستنطلق عبر طيران تاركو من مطار عنتيبي إلى بورتسودان، حيث ستُقلّ 146 سودانيًا، إلى جانب أربعة من أعضاء اللجنة العليا.

وأفادت بوجود تنسيق بين اللجنة ومنظومة الصناعات الدفاعية التابعة للجيش السوداني لتنفيذ مشروع نقل العائدين من بورتسودان إلى الولايات الآمنة داخل البلاد.

وبحسب عبد الجليل، فإن عدد السودانيين المسجلين للعودة الطوعية عبر المنصة الإلكترونية التابعة للجنة بلغ نحو 4818 شخصًا، متوقعةً ارتفاع العدد بعد تنفيذ الرحلة الأولى. ولفتت إلى أن أعضاء اللجنة سيعقدون لقاءات مع مسؤولين في الحكومة السودانية لبحث استقطاب التمويل اللازم لبرامج العودة من أوغندا.

وكان نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي، مالك عقار، قد تعهد خلال زيارته إلى يوغندا، بدعم مشروع العودة الطوعية.

ووصل إلى مطار بورتسودان صباح الجمعة 150 من اللاجئين السودانيين بيوغندا من جملة نحو 93 ألفا في إطار العودة الطوعية للبلاد. 

وقالت وكيلة وزارة الثقافة والإعلام السودانية سمية الهادي إن الرحلة تعد الأولى لمقدم لاجئين سودانيين من يوغندا وأن الرحلات ستتوالى تباعا، برحلات عديدة لعودة المزيد من اللاجئين من دول أخرى خاصة ليبيا.

هدوء حذر

وبين موسم انتخابي مشحون وبدء رحلات العودة الطوعية، وجد كثير من السودانيين في أوغندا أنفسهم أمام مفارقة قاسية: البحث عن أمانٍ خارج وطنٍ مشتعل، مع استمرار شعورٍ بعدم اليقين حتى في بلدان اللجوء. وتمثل أوغندا مثالًا على هذا التعقيد؛ فالرئيس يوري موسيفيني، البالغ من العمر 81 عامًا، يحكم البلاد منذ عام 1986، بعد إلغاء القيود الدستورية المتعلقة بدورات الرئاسة والسن القصوى للترشح. ويطرح طول أمد الحكم، مقرونًا بتقدّم الرئيس في السن وغياب مسارٍ واضح لانتقال السلطة، تساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة. فالمشهد قد يبدو مستقرًا ظاهريًا، غير أن غموض ما بعده يجعل الاستقرار مشروطًا وقابلًا للاهتزاز عند أي منعطف مفاجئ، وهو ما يعمّق إحساس التحسّب لدى اللاجئين السودانيين بالذات، الذين لا تزال ذاكرة الحرب تؤطر قراراتهم بين بقاءٍ هشّ في المنفى وعودةٍ إلى السودان تحفها الهواجس.

وسط عاصفة الدمار.. مبادرات أرشفة تقاوم لحفظ «ذاكرة السودان»

مجاهد الدومة

مجاهد الدومة

بحلول مايو 2023، وبعد أسابيع قليلة فقط من اندلاع حرب مدمرة في العاصمة السودانية الخرطوم، لم يكن ملايين السودانيين في قلب حرب مدن وحشية فقط، وإنما كانت الثقافة والوثائق والأرشيف وتاريخ البلاد الذي يعود إلى آلاف السنين تحت حطام الصراع وقبضة التخريب والتهريب العابر للحدود.

 

منذ ذلك الوقت بدأت الأخبار تترى باندلاع حرائق المكتبات وسرقة آلاف القطع الأثرية، حيث تصاعدت المخاوف من أن وثائق وأرشيفًا يوثقان حقبًا مختلفة في تاريخ هذا البلد، قد تكون تعرضت للدمار الكامل أو الجزئي، في ظل ضعف التوثيق الرقمي. 

 

ومنذ أيامها الأولى، حملت الحرب بوادر معركة أخرى وساحاتها هذه المرة الشواهد التاريخية والذاكرة كالمتاحف، علاوةً على مصادر المعرفة المختلفة؛ من مؤسسات الأرشفة، كدار الوثائق، بالإضافة إلى المكتبات العامة، خاصة أن معظمها يقع داخل خطوط الاشتباك العسكري بقلب الخرطوم.

 

لكن كل ذلك لم يمنع جهات ومؤسسات مهتمة بالأرشفة والتوثيق في الانخراط في مبادرات في مسعى لإنقاذ هوية وتاريخ وتراث السودان على مر الحقب والعصور.

 

محاولات حثيثة للحفاظ على الأرشيف 

 

حتى قبل سنوات عديدة من اندلاع الحرب انطلقت مبادرات الأرشفة والتوثيق والتي تتخذ من المادة التاريخية والحفاظ عليها حقلًا لعملها وانشغالها، بما في ذلك الاستفادة من التقنيات الرقمية في الأرشفة والحفاظ على الوثائق ومن ثم تقديمها للجمهور. 

 

كان مشروع (ذاكرة السودان) في قلب هذه المبادرات والذي بدأ التفكير فيه منذ العام  2013 من قبل الجمعية السودانية لأرشفة المعرفة، إلا أن انطلاقته الفعلية كانت في العام 2018 عبر منصةٍ إلكترونية تعمل على الحفاظ على (الحفاظ على المواد الثقافية القيمة من السودان وحوله والترويج لها من خلال الرقمنة).

 

وقد جاء هذا المشروع في الأساس لما تتعرض له المحفوظات من مخاطرٍ جمة تتسبب في ضياعها أو تلفها في جميع أرجاء السودان، وذلك بسبب الإهمال المؤسسي وظروف الحفظ والتخزين غير الملائمة، علاوةً على أن الكثير من المحفوظات هي ملك خاص لأفراد، ما يصعب حصرها أو الوصول إليها بسهولة.

 

وتشارك في مشروع ذاكرة السودان العديد من المؤسسات والشركاء والأفراد كذلك، مثل هيئة الإذاعة والتلفزيون السودانية واستوديو رشيد مهدي للتصوير والهيئة القومية للآثار والمتاحف ودار الوثائق القومية ومتحف نساء دارفور، بالإضافة إلى باحثين ومنشغلين في الحقلين الفني والثقافي . 

 

وتنبع أهمية هذا المشروع من عدة جهات، فأولًا كونه انطلق قبل الحرب الجارية، مما منحه امتيازًا للحفاظ على عديد من المواد ومسحها ضوئيًا، مثل الأفلام والصور والمخطوطات والأشياء والوثائق والأعمال الفنية. كما أن استخدام التقنية في إعادة حفظ المواد من خلال تسجيل القصص والمقالات التاريخية، يعد بمثابة بوابة لعرضها على جمهورٍ متنوعًا ومتسعًا.

 

فقدان المكان يحوله متحفًا رقميًا 

 

واحدة من المشاريع التي انطلقت بعد اندلاع الحرب، والمعنية بمشروع الذاكرة والتراث، هو مشروع مدوَّنة متحف صون تراث السودان الحي، والذي كان في اساسه فكرة لإعادة افتتاح متحف الإثنوغرافيا كمتحفٍ للتراث الحيّ في السودان، إلا ان هذا الحلم صار متعذرًا بسب الحرب التي اندلعت أول ما اندلعت في قلب العاصمة الخرطوم، والتي يقع المتحف ضمن جغرافيتها.

 

مع هذا الواقع الجديد، حول القائمات والقائمين على المبادرة المشروع إلى مساحة رقمية ومدونة على الإنترنت، اتخذت في تصميمها رؤية تعبر عن تصميم المتاحف، وذلك في سبيل عرض القصص المختلفة في تبويباتٍ أُطلق عليها (الغرف) إذ تحتوي كل غرفةٍ على موضوع محدد، يمكن للزائر الاطلاع على موضوعاتها، فمثلًا هناك غرف يمكن التعرف فيها على تنويعات الطعام والتعايش، علاوة على غرف أخرى حول مفاهيم معرفية، مثل الجنس واللغة.

 

أرشيف الأشرطة السودانية.. من المرئي إلى السماعي 

 

واحدة من المسائل المهمة التي تتمظهر في مبادرات الأرشيف والانشغال به وعليه، هي في تعدد ليس عدد المبادرات فقط، بل في أنواعها وأهدافهما. وفي حين أن عدد من هذه المبادرات يأتي من مبادرات أفراد ومجموعات، فإن المسارات التي تتخذها هذه المبادرات تتقاطع بصورة كبيرة باهتمامات هؤلاء الأفراد أو المجموعات، مثلما يظهر في مبادرة أرشيف الأشرطة السودانية، والتي تسعى للحفاظ على  التراث الموسيقي السوداني، عبر  رقمنة أشرطة الكاسيتات، وذلك من أجل الحفاظ على الذاكرة الجماعية. لكن الهدف الأكبر هو (ربط السودانيين عبر العالم والأجيال بالتراث الموسيقي) كما يرد في الموقع الإلكتروني للمبادرة، والذي ما إن تدخله حتى ينفتح أمامك بابًا متنوعًا لما يزيد عن الخمسين كاسيتًا من حقبٍ زمنية وتجارب موسيقية متنوعة ومختلفة.

يعكس الهدف الذي يضعه الأرشيف في “ربط السودانيين عبر العالم” تجربة وجودية وحياتية للفنانة متعددة الوسائط، حنين سيد أحمد، القائمة عليه. وحنين مواطنة سودانية أمريكية تقيم في كاليفورنيا، تتقاطع أعمالها الفنية مع الاشتغال على الأرشيف بشكلٍ لصيق، كما أن اهتماماتها تتركز على استكشاف الكيفيات التي تتبعها مجتمعات الشتات السودانية في معالجة تجاربهم من خلال الذاكرة الجماعية والخيال. 

صورة لبعض الألبومات من أرشيف الأشرطة السودانية

إهمال قديم

مع اندلاع الحرب خلال شهر أبريل 2023 وسيطرة قوات الدعم السريع على وسط الخرطوم، بما في ذلك متحف السودان القومي، راجت الأخبار عن تعرض المتحف لسرقاتٍ كبيرة، وعرض مقتنايته للبيع في أسواقٍ ومنصاتٍ إلكترونية خارجية. وفي مطلع العام 2024، أظهرت صور لأقمار صناعية شاحنات محملة بالمقتنيات تغادر المتحف.

صورة لأحد غرف المتحف التي لحق بها الدمار خلال الحرب

وبالرغم من الاتهامات التي نفتها قوات الدعم السريع، إلا أن قضية الآثار والمتاحف والأرشيف الوطني تتجاوز الحرب الحالية، إلى إهمال شبه كامل منذ سنواتٍ بعيدة تتجاوز المتحف كحالةٍ فردية، بل هناك عنف مؤسسي واجتماعي تجاه الآثار ومواقعها. 

فمنذ بدايات التعدين عن الذهب، تعرضت عدد من المواقع الأثرية في شمال السودان (ولايتي نهر النيل والشمالية) للتخريب، مثل جبل البركل الأثري بمدينة كريمة، الذي طالته عمليات سرقة متتالية ما بين الأعوام 2000 و 2008، والتي كانت محصلتها فقدان 50 تمثالًا، عاودت ثلاث منها  الظهور خلال مزاد علني بالعاصمة الإسبانية مدريد، في أكتوبر 2020، وهي تماثيل تخص الملك تهارقا.

لم تسلم كثيرُ من المتاحف من السرقات والتعديات خلال الحرب الحالية، فمتحف بيت الخليفة بأم درمان، نهبت مقتنياته النادرة، التي تعود إلى حقبة الدولة المهدية، ودمرت أول سيارة تدخل السودان وأخذت إطاراتها.

أما متحف التاريخ الطبيعي، الذي يعود تاريخ افتتاحه إلى العام 1958، فطالته القذائف والرصاص وتعرض لأضرارٍ كبيرة لقربه من مقر القيادة العامة للقوات المسلحة، بوسط الخرطوم. إذ نفقت حيواناتٍ نادرة جراء الجوع والعطش، وفقدت أخرى منقرضة ومحنطة، علاوة على بذورٍ ونباتاتٍ نادرة. لكن الفقدان والهدر لم يتوقف هنا، فقد فقدت سجلات المتحف أيضًا، وبذلك فقد تاريخ عمره عمر الدولة السودانية بعد استقلالها.

صورة تظهر الخراب الذي طال متحف بيت الخليفة

معرفةُ تحال رمادًا 

إذا كان من الممكن تتبع القطع الأثرية المسروقة والمهربة خارج حدود البلاد، والمطالبة باسترجاعها فإن المسألة مغايرة بالكامل فيما يخص قطاع المكتبات بأشكالها المختلفة، الجامعية والعامة ومراكز البحوث ودور الوثائق، إذ ما وصلها هي نيرانُ الحرب التي احالتها رمادًا، ويقف مركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية بجامعة أم درمان الأهلية، أو ما تبقى منه، شاهدًا على مأساة الفقدان الكبيرة لمصادر المعرفة. فقد تعرض، بتاريخ الإثنين 15 مايو 2023، إلى حريقٍ كامل تسبب في فقدان أرشيف كبير من المسودات والكتب التي تتجاوز الـ 10 آلاف وثيقة ومرجع، استمر العمل عليها طوال 37 عامًا.

صورة توضح تحول مخطوطات وكتب مركز محمد عمر بشير إلى رماد بفعل الحريق

طالت يدُ الحرب أيضًا الدار السودانية للكتب، وهي الدار الأكبر والأشهر في السودان باحتوائها على ما يزيد عن المليوني كتاب، تعرض منها ما يزيد على النصف مليون للسرقة والتخريب.

تجدر الإشارة هنا إلى أن ما فقد من المكتبات ومراكز البحث والمؤسسات العامة ليس هو الفقدان الأوحد، بل كذلك ما فقدته المؤسسات الثقافية المختلفة والمنتشرة في أصقاع البلاد، والتي أنشئت في الأساس لتغطي الاعتلالات الكبيرة التي يشهدها قطاع النشر في السودان، بدءًا من شح مؤسساته، وليس انتهاءً بتمركزها في المدن وما يخلقه هذا التوزيع المناطقي، والذي في جوهره يعكس تصورات مؤسسات الدولة وخلفيتها في توزيع ليس الثروة والموارد المادية فقط، بل وأيضًا احتكار المعرفة ومصادرها في جيوبٍ مركزية. 

ومن هذا الفضاء وفي محاولات رتق الفراغ الذي تخلقه هذه البنية التحتية الهشة، وُلدت عشرات المبادرات بأهدافٍ تسعى لتوفير الكتب في المدن البعيدة والقرى والفرقان، عبر المكتبات الشعبية والنوادي الاجتماعية في الأحياء، هذه المكتبات أيضًا فُقدت. 

أما المكتبات الشخصية، والتي أنفق عليها ملاكها الذين أخذهم طريق القراءة إلى تكوين المكتبات وإنفاق ساعاتٍ طويلة وهم جاثون على ركبهم في أرفف المكتبات، أو منحني الظهور عند فريشة الكتب، للتنقيب عن كتب طبعت طبعاتٍ محدودة ثم أغلقت دور النشر أبوابها مرةً وللأبد، أو لكل الأسباب التي يمكن تخيلها في انتفاء كتاب سوداني من تلك المكتبات الشخصية، قد يكون فقدان أخر نسخة متوفرة منه، وبذلك هي ليست خسارة فردية بأي حالٍ من الأحوال، بل خسارة لجزء من الذاكرة الثقافية والجماعية.

وقد يبدو لوهلةٍ أن الحرب هي المتسبب الأوحد في تهديد وضياع الأرشيف السوداني، لكن نظرة متفحصة للمناحي المرتبطة بالأرشيف والآثار ومصادر المعرفة المختلفة في السودان، تكشف عن بنية مؤسسية في الأصل هشة جرفتها الحرب، لتطرح أسئلة صعبة حول إمكانية استعادة ما فقد من آثار المتاحف، وعلى ما لا يمكن استعادته كمسودات مركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية بجامعة أم درمان الأهلية، والتي حولت النار التي اندلعت فيه جهد مبذول لقرابة الأربعين عامًا إلى رماد.

«اعتني بأطفالنا إذا لم أعد».. شبح الترحيل القسري يهدد شتات اللاجئين السودانيين في مصر

«في طريقه من المنزل إلى مكان عمله، حمل زوجي جواز سفره وأوراقه الثبوتية، وتوجه بالحديث إليّ قبل ذهابه إلى محطة المترو: في حال اُعتقلتُ ولم أعد، ورُحّلت إلى السودان، فإن طلبي الوحيد هو الاعتناء بأطفالنا جيدًا». هكذا تصف ربة المنزل عفراء (اسم مستعار)، وهي أم لأربعة أطفال ولاجئة في العاصمة المصرية القاهرة، حالة القلق والترقب التي تعيشها منذ الأسبوع الماضي، على خلفية حملات الاحتجاز والاعتقال والترحيل المستعرة التي شرعت السلطات المصرية في تنفيذها بشكلٍ متصاعد ومكثف منذ مطلع الأسبوع الثاني من يناير الماضي.

وشملت الحملات اعتقال اللاجئين السودانيين من الشوارع والأماكن العامة، ومن ثم الشروع في ترحيلهم إلى السودان. تشعر إسلام (اسم مستعار) وهي لاجئة وصلت إلى القاهرة رفقة أسرتها قبل نحو سنتين، بالرعب وعالم اللجوء يتداعى بين يديها، ومن ناحية أخرى ينتابها خوف من العودة إلى السودان. لم تغادر إسلام شقتها منذ بدء حملات السلطات المصرية والتي طالت الجميع بمن في ذلك النساء والأطفال.

ويقول العديد من الذين تحدثنا إليهم إن الوثائق الثبوتية التي يقدمها اللاجئون واللاجئات، بما في ذلك «بطاقة اللجوء» التي تصدرها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وحتى الإقامات النظامية الصادرة من وزارة الداخلية المصرية، لا تحمي في بعض الحالات من الاعتقال والترحيل.

تضمنت هذه الحملات اعتقال وترحيل طلاب يدرسون في الجامعات المصرية بشكلٍ رسمي ويحملون بطاقات جامعية. ومن بين الذين جرى ترحيلهم طالب اعتُقل تعسفيًا على الرغم من أنه يحمل إقامة سارية حتى نهاية العام الجاري وبطاقة جامعية، وصدر قرار بترحيله، بحسب مصادر أسرية تحدثت إلى «بيم ريبورتس».

تضييق الدخول إلى مصر

لجأ إلى جمهورية مصر العربية، منذ اندلاع الصراع المسلح في السودان بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في منتصف أبريل 2023، ما يقارب الـ 1.5 مليون سوداني، وذلك وفقًا لإحصاءات مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة.

صورة لعشرات السودانيين المتكدسين في معبر أرقين البري 

لم يكن وصول غالبية السودانيين الفارين من الحرب يسيرًا إلى مصر، فبعد أشهرٍ من الحرب، وضعت السلطات المصرية قيودًا وشروطًا جديدة للدخول. كما أنها بشكلٍ غير معلن، تخلت عن اتفاقية الحريات الأربع، الموقعة بين البلدين في العام 2004 والتي كانت تكفل لمواطني البلدين حرية الحركة والتنقل والإقامة غير المشروطة بالحصول على تصريح، بالإضافة إلى الحق في العمل والتملك في كلا البلدين. 

وقبل اندلاع الحرب، كان دخول السودانيين إلى مصر أكثر يسرًا، إذ لم تكن النساء والفتيات، فضلاً عن الفتيان دون سن الـ 16 والرجال فوق سن الـ 49 في حاجةٍ إلى تأشيرة دخول.

لكن بعد اندلاع الحرب، تصاعدت الصعوبات التي يواجهها السودانيون، وباتت متطلبات دخول مصر أكثر صعوبة، فتأشيرة الدخول التي كانت مجانية أصبحت في حاجةٍ لما يعرف الآن بالموافقة الأمنية، وهي إذن دخول ذي رسومٍ مرتفعة، تتراوح ما بين 3000 نزولًا إلى 800 دولار أمريكي، بحسب الوقت الذي تستغرقه في استخراجها.

بدأت هذه التغييرات تدريجيًا، إذ جاء أول قرار بعد شهرٍ من اندلاع الحرب، وتمثل في وقف التعامل بوثائق السفر المؤقتة للسودانيين، وهي الوثائق التي كانت تسمح من خلالها السلطات المصرية بعبور حامليها للحدود، بدلًا عن جوازات السفر التي لا يملكونها.

طرق بديلة ومصاعب أكبر

مع القيود الجديدة التي فرضتها السلطات المصرية على حركة ودخول السودانيين منذ يوليو 2023، علاوةً على فترات الانتظار الطويلة، في حال امتلاك الموارد الاقتصادية، اضطرت مئات الأسر والأفراد لسلوك طرق بديلة لدخول مصر، وذلك عبر المعابر البرية التي ينشط فيها مهربون يطلبون مبالغ كبيرة، علاوةً على سلك طرق وعرة وخطرة، يتعرض اللاجئون خلالها لعمليات نهب واستغلال مالي واحتيال من المهربين، بالإضافة إلى مخاطر الحوادث المرورية التي تقل فرص النجاةٍ منها بسبب غياب فرق إسعاف.

مجموعة من الأسر والأفراد في واحدة من رحل عبور الصحراء

منذ ديسمبر 2023 تزايدت أعداد السودانيين من عابري الحدود البرية إلى مصر بشكلٍ غير رسمي، نتيجة اجتياح قوات الدعم السريع ولاية الجزيرة، والتي كانت في الأصل مركزًا فر إليه مئات الآلاف من ولاية الخرطوم عقب اندلاع الحرب فيها في أبريل من العام نفسه، وبعدها فإن اتساع جغرافيا ونطاق الحرب ساهم بشكلٍ كبير في زيادة اللاجئين إلى دول الجوار.

وتمثل مصر وتشاد أكبر الدول المستضيفة للاجئين السودانيين الذين فروا من الحرب. 

ولم يكن ما يتعرض له السودانيون من حملات اعتقال وتضييق على وجودهم في المساحات العامة في مصر حدثًا جديدًا، ففي سبتمبر 2023، أي بعد خمسة أشهر من اندلاع الحرب، نفذت قوات حرس الحدود والشرطة المصرية اعتقالات جماعية تعسفية بحق السودانيين الذين دخلوا إلى مصر بطرق غير رسمية عبر المعابر الحدودية بين البلدين، وكانت السلطات قد احتجزت نساءً ورجالًا وأطفالًا في ظروف وصفت بالقاسية وغير الإنسانية. وكان قد رُحل ما يزيد عن الـ 800 لاجئ سوداني إلى بلدهم في الفترة ما بين يناير إلى مارس 2024.

تعزيز الخطاب المعادي للاجئين

مع ما يشهده المصريون من صعوبات اقتصادية جمة، وتحدياتٍ متعلقة بمعيشهم اليومي منذ سنوات، فإن الوضع بعد اندلاع الحرب في السودان وموجات اللجوء قد كانت عاملًا ضمن عوامل أخرى في تشكل خطاب معاد تجاه اللاجئين عمومًا، والسودانيين خاصة. إذ انخرطت حساباتٍ شخصية وصفحاتٍ عامة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، في حملاتٍ منسقة لتقديم صورٍ وإشارتٍ سلبية عن وجود السودانيين في مصر.

وقد تكررت شكاوى مختلفة من مسؤولين مصريين بشأن الأعباء الاقتصادية الزائدة بسبب اللاجئين الذين صاروا يقاسمون المصريين موارد في الأصل شحيحة. وقد شارك في هذه الموجة جهات إعلامية مقربة للسلطات المصرية.

ومع تصاعد حملات الترحيل القسري وتضارب المعلومات حول وضع السودانيين في مصر، عقد سفير السودان لدى القاهرة عماد الدين عدوي مؤتمرًا صحفيًا يوم الجمعة الماضي.

سفير السودان لدى القاهرة عماد الدين عدوي يتحدث خلال مؤتمر صحفي 

وقال عدوي إن الإجراءات الأمنية التي تطبقها السلطات المصرية تشمل جميع الأجانب، مشددًا على حق القاهرة في تنظيم قوانين الإقامة واللجوء. 

وحث عدوي المواطنين السودانيين على الالتزام بالقوانين المنظمة للإقامة والعمل، مشيرًا إلى أن دور السفارة يتركز في معالجة أوضاع السودانيين، وتنسيق مبادرات العودة الطوعية للراغبين، بالإضافة إلى تقديم الرعاية القنصلية. 

وكانت الصحفية المصرية المهتمة بالشأن السوداني، أماني الطويل، قد ألمحت إلى أن الحملات ضد السودانيين قد تكون جاءت بطلب من الخرطوم. 

وبحسب عدوي، فقد رُحّل 2974 سودانيًا خلال العام الماضي، مشيراً إلى أن 1765 منهم، رٌحلوا بعد استخراج وثائق سفر اضطرارية لهم بواسطة السفارة بعد توقيفهم بواسطة السلطات المصرية، بينما لفت إلى أن آخرين تم ترحيلهم رغم امتلاكهم وثائق ثبوتية لمخالفتهم ضوابط الإقامة، على حد قوله، فيما نفى صحة طلب الخرطوم تقييد وجود مواطنيها في مصر.

خيارات قاسية

في ظل هذه التعقيدات، يواجه آلاف السودانيين الذين فرّوا من تداعيات الحرب في بلدهم بحثًا عن الأمان والعلاج وحياة كريمة، جحيمًا آخر، وخوفًا من غدٍ لا يبشّر بخير. وكما أن موجات النزوح واللجوء داخل السودان ارتبطت إلى حدٍّ كبير بالقدرة المادية للناس وأوضاعهم الاجتماعية — وهو ما انعكس على طرق سفرهم وتوقيت خروجهم من منازلهم التي هُجّروا منها — فإن خيارات العودة إلى السودان، أو مغادرة مصر إلى دولة أخرى، تخضع للمنطق نفسه، وتقديرات تختلف من أسرة إلى أخرى، ومن فرد إلى آخر، في محاولاتهم المستمرة لتوفيق أوضاعهم ومعيشتهم اليومية.

من بين هؤلاء، يخطّط علاء (اسم مستعار)، الذي يقيم مع أسرته الصغيرة في القاهرة منذ أكثر من عام، لمغادرة البلاد إلى إحدى الدول الخليجية، ويقول: «لم يعد في مقدوري العيش في ظل هذا الوضع».

ومن جهة أخرى، يجد زوج عفراء — التي وردت قصتها في مستهل التقرير — نفسه بين نارين: البقاء في القاهرة والعمل لأكثر من اثنتي عشرة ساعة يوميًا مقابل أجر زهيد لا يكفي لأسبوع، مع التعرّض لتهديدات مستمرة بالاعتقال والترحيل، مقابل ضمان حصول أطفالهما، الذين انقطعوا عن الدراسة طوال فترة الحرب، على تعليم جيد في إحدى المدارس؛ أو ترك أسرته في القاهرة تواجه صنوفًا مختلفة من التحديات، والعودة وحيدًا إلى السودان لاستكشاف إمكانية تأسيس حياة جديدة، كانت في الأصل معركة يومية حتى قبل اندلاع الحرب.

كادقلي تفرغ من سكانها: نزوح جماعي تحت وطأة الجوع والشتاء

في مدينة كادقلي، المحاصرة منذ أكثر من عامين، لم تعد عقارب الساعة تشير إلى الزمن، بل إلى حركة «التكاتك» التي تغادر المدينة محمّلةً بوجوهٍ أتعبها الانتظار. ففي مشهد أقرب إلى «الإفراغ السكاني» الممنهج، يفر آلاف المواطنين هربًا من شبح مجاعة تلوح في الأفق وانهيار صحي لم يترك للمدينة من عافيتها شيئًا. 

تأتي هذه الموجة من النزوح امتدادًا لحصار مزدوج مشدد، تفرضه قوات الدعم السريع والحركة الشعبية – شمال (قيادة عبد العزيز الحلو)، وضع العاصمة كادقلي بين فكي كماشة. ولم يترك هذا الحصار المزدوج للجيش السوداني سوى التمترس داخل حدود المدينة، مما حول كادقلي إلى منطقة معزولة جغرافيًا ومحرومة من أيّ طرق إمداد برية آمنة منذ اندلاع الصراع، في ظل غياب تام للسلطات والمنظمات الإنسانية التي قُيّد عملها على نحو مفاجئ.

ووصل عدد الفارين من مدينة كادقلي قرابة 90 ألف نازح، بحسب مصادر محلية تحدثت إلى «بيم ريبورتس» من المدينة، الأسبوع الماضي، 95% منهم من النساء والأطفال الذين باتوا يشكلون الوجه الحقيقي للنزوح. وأشارت المصادر إلى أن الفارين لم يتعرضوا لمضايقات على الطريق حتى وصولهم إلى مناطق سيطرة الحركة الشعبية – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو.

في المقابل، ذكر رئيس لجنة الإعلام بمجلس التحرير القومي للحركة الشعبية، جاتيقو أموجا دلمان، في تصريح لـ«بيم ريبورتس»، في منتصف ديسمبر، أن أكثر من 11 ألف شخص وصلوا إلى مناطق سيطرة الحركة، خلال ثلاثة أيام فقط.

ووصف دلمان وضع النازحين بـ«السيئ جدًا»، مشيرًا إلى أن أغلبهم من النساء والأطفال، ولافتًا إلى أنهم يفترشون العراء تحت الأشجار في معسكرات «توبو» و«أم دولو» و«دبي» و«كاتشا» و«أقيري»، بمقاطعات كادقلي وهيبان، في ظل شتاء قارس، يفتقرون فيه إلى أبسط الأغطية والملابس. كما أفاد دلمان بعبور أعداد من المواطنين الحدود نحو معسكري «فامير» و«أجوانق» بإدارية «روينق» بجنوب السودان. 

وحذر دلمان من كارثة إنسانية في ظل انعدام الغذاء والأغطية، بالتزامن مع فصل الشتاء، لافتًا إلى أن المنظمات الوطنية العاملة في المنطقة تفتقر إلى الإمكانات اللازمة لمواجهة الاحتياجات المتزايدة.

وفي قلب المدينة، يسود اقتصاد مشوّه يصفه الأهالي بـ«الوفرة الخادعة»؛ فالبضائع تملأ الأرفف بعد فتح بعض المعابر جزئيًا وتهريب البضائع عبرها، لكنها تظل معروضة لمن لا يملك ثمنها. فبينما يتقاضى الموظف راتبًا هزيلًا لا يتجاوز 72 ألف جنيه، يجد نفسه مضطرًا إلى دفع 16 ألف جنيه مقابل كيس صغير من الخبز، في ظل انعدام تام للسيولة النقدية (الكاش) وتوقف شبكات الاتصال، ما جعل الحصول على لقمة العيش معركة يومية خاسرة لكثيرين.

وأكد التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، في سبتمبر 2025، وجود مجاعة مؤكدة في مدينة كادقلي المحاصرة، يصل تصنيفها إلى «المرحلة الكارثية»، لافتًا إلى أنها تهدد حياة 30 ألف نسمة، و240 ألف نسمة في المرحلة الطارئة. ومن المتوقع أن تستمر هذه الظروف حتى يناير 2026.

صحيًا، دفع الواقع المأساوي في المدينة الدواء إلى قائمة السلع المهربة عبر طرق الوعرة، الشهيرة بـ«السمبك»، فوصلت أسعار الأدوية إلى أرقام فلكية، تزيد بنسبة 300% على قيمتها الحقيقية.

أما داخل أروقة مستشفى كادقلي، فإن المأساة، بحسب المصادر، تتجاوز الوصف؛ إذ تحولت غرف العمليات إلى مساحات لـ«الجراحات البدائية» في ظل انعدام الأكسجين وأدوات التخدير والمستلزمات الجراحية. ويضطر الأطباء إلى استخدام «الكيتامين»، المخصص للحيوانات، لتخدير المرضى، في وقت يُدار فيه المستشفى عبر طواقم تمريض قليلة، بعد استقالة إدارتها الطبية وهجرة الأطباء المتخصصين.

ووصل التدهور الإنساني إلى منتهاه، بأن غدا البحث عن «كفن» لدفن الموتى غايةً لا تُدرك، مما اضطر الأهالي إلى مواراة جثامين أحبائهم الثرى بملابسهم التي ماتوا بها.

ميدانيًا، تبدو كادقلي محاصرة بين فكي كماشة؛ فقوات الدعم السريع تحكم قبضتها على المحاور الشمالية والشرقية، وصولًا إلى «هبيلة» و«أبو زبد»، بينما تسيطر الحركة الشعبية على الاتجاهات الجنوبية والغربية. 

ولم يسلم حتى العمل الدولي من شظايا الصراع، إذ تعرض مقر بعثة حفظ السلام الخاصة بمنطقة أبيي «اليونيسفا» شمالي المدينة لضربة طائرة مسيّرة، أودت بحياة ستة من أفراد القوة البنغلاديشية، مما سرّع وتيرة إجلاء الموظفين الدوليين، وسط نقص حاد في الوقود والمؤن.

ومع استمرار أزيز الطائرات التي تهبط أسبوعيًا لإجلاء من تبقى من طواقم دولية أو نقل الجرحى، تترسخ عزلة كادقلي يومًا بعد يوم، عزلة إعلامية وعزلة رقابية أممية، بعد ترك المنظمات الإنسانية آلاف المدنيين لمصيرهم في مواجهة الجوع والمرض.

ومع كل طائرة تغادر مدرج المدينة، يزداد شعور السكان بأنهم باتوا وحيدين في مواجهة حصار يطبق بفكيه على مدينة يقتلها الغياب تمامًا كما يقتلها الرصاص.

حرب قديمة

ومنذ يونيو 2011 انزلقت ولاية جنوب كردفان في أتون الحرب بين الجيش الحكومي والجيش الشعبي التابع للحركة الشعبية-شمال إثر خلافات في نتائج الانتخابات الولائية في المنطقة التي منحها اتفاق السلام الشامل الموقع بين شمال وجنوب السودان في عام 2005 وضعية خاصة.
وتسيطر الحركة الشعبية على مناطق واسعة في ولاية جنوب كردفان التي تعد أحد معاقلها الرئيسية، بالإضافة إلى جنوب إقليم النيل الأزرق.
وكانت الحركة الشعبية-شمال قد انقسمت إلى فصيلين في عام 2017 الأول برئاسة عبد العزيز الحلو والثاني بقيادة مالك عقار حيث وقع الأخير على اتفاق سلام جوبا مع الحكومة السودانية في أكتوبر 2020، بينما رفض الأول.
وبمجئ الحكومة الانتقالية في أعقاب إسقاط نظام الرئيس المخلوع عمر البشير في أبريل 2019، حافظت المنطقة على سلام نسبي،بعد أن أعلنت الأطراف المتحاربة وقفًا لإطلاق النار كل على حدة.
لكن بعد أسابيع قليلة من اندلاع الحرب في أبريل 2023 سيطرت الحركة الشعبية على حامية تابعة للجيش في ولاية جنوب كردفان، غير أن انخراطها في تحالف سياسي وعسكري مع قوات الدعم السريع في فبراير 2025، أعاد حربًا شرسة في المنطقة.
ومع اشتداد العمليات العسكرية خلال الأسابيع الماضية، دعت الحركة الشعبية الجيش السوداني إلى تسليم العاصمة كادقلي، متوعدة بالسيطرة عليها قريبًا.

سهل الطيب وحسام عبد السلام…جداريات وموسيقى تفتح أفقاً للحياة في آزمنةٍ حالكة

يتلمس الملايين في العاصمة الخرطوم، منذ اندلاع الحرب،  طرق وسبلُ للحياة عبر مبادراتٍ تدبير معاشهم اليومي، في سعيً حثيث لتوفير احتياجاتهم من الغذاء والماء والرعاية الصحية، والدعم النفسي، وذلك عبر أجسامٍ قاعدية ومبادرات متعددة؛ غرف الطوارئ والمطابخ والتكايا المركزية، وغرف الطوارئ النسوية ومبادرات الأحياء المختلفة.

واليوم، بعد استعادة الجيش السوداني العاصمة، يواصل ساكنوها في تشييد الحياة العامة كهمٍ مشترك وفعلٍ من مواقع مختلفة، والتي من ضمنها ما يقوم به الفنانون بأشكالٍ مغايرة، يأتي ذلك والمدينة مثقلة ومنهكة بشواهد القتل والدمار التي تدلل عليها المقابر في الأحياء والساحات العامة، وآثار القذائف والحرائق في الجدران، وانتشار الوبائيات من كوليرا وحمى الضنك، المشهدُ الذي يشمل كل المدن السودانية التي وصلت إليها الحرب، ولكن حظ الخرطوم، كان كبيراً بما تمثله من رمزية للسلطة وصراعاً عليها.

فمن وسط جامعة الخرطوم، يظهر الموسيقي حسام عبد السلام، وهو مؤلف موسيقي وعازف كمان، ومحاضر بجامعة الأحفاد للبنات وأستاذ للنظريات الموسيقية ببيت العود العربي فرع الخرطوم، متوسداً كمنجته بحنوٍ، يعزفُ لحن الجنزير التقيل الكردفاني، الذي يرتبطُ بأوقات الشدة والتكاتف والتعاضد “يوم الحارة الزول بلقا أخو” ومن بعدها يناشد الناس للتبرع في سبيل التخفيف وسد رمق إخوانهم وأخواتهم في الفاشر وجنوب كردفان. 

ومجدداً يظهر حسام في فيديو آخر يعزف لحناً وبعد انتهاء العزف، يناشد الناس للتبرع مالياً لإصلاح محطة توليد مياه امتداد ناصر بحي بري شرق الخرطوم.

من جهةٍ أخرى، وانتقالاً من الصوت والموسيقى إلى اللون والرسم، ينطلق الفنان والخطاط سهل الطيب، عبر جهودٍ فردية في توفير موادٍ التلوين، والانتقال من مرفقٍ عام إلى آخر للرسم على جدرانه باستخدام فن الخط العربي ومهاراته في الفن التشكيلي، يفتح سهل الطيب أفقاً مغايراً في مسألة عودة المواطنين إلى مدينة الخرطوم، وذلك بعد ما يقارب عامين ونصف، عملت فيهما الآلة العسكرية للحرب في تفتيت بنية تحتية كانت في الأصل متهالكة قبلها.

جدارية للفنان سهل الطيب

فنانون بالتزاماتٍ اجتماعية

ينطلق سهل الطيب في ممارساته الفنية وانشغالاته من تعريف نفسه كـ “مواطن” معتبراً المواطنة – حسب قوله –  “دافعاً أساسياً وشرفاً عظيماً في عمل المبادرات خاصة في هذه المرحلة من عمر السودان”.

وبهذا المعنى، يشير سهل إلى أن المبادرة ليس لها علاقة بالتحشيد السياسي، ولا تنتمي لجهةٍ ماعدا توجهها في نشر روح التفاؤل ونبذ الكراهية والعنصرية، والبعد من فضاءات الصراع السياسي “والتراشق الحزبي” على حد تعبيره، وهو توجه يرى أن كل السودانيون يحبون بلدهم، ولكنهم يختلفون  في الرؤى والأساليب، وأن الفن يمتلك إمكاناً ليصبح أرضية مشتركة، خاصةً مع التضاريس الصعبة والعميقة التي يمر بها السودان ومواطنيه، والذي “لا أمتلك فيه سوى الريشة واللون، والرغبة والقدرة في التغيير من خلال استخدام ألواناً زاهية ومفرحة، لأننا لن نقيم في هذا  الواقع البائس للأبد”.

عبارة من إحدى جداريات سهل التي استخدم فيها فن الخط

يقول حسام تمهيداً لموقفه وانشغالاته الفنية والاجتماعية “إن هناك رؤيتان للفن، ترى الأولى أن الفن قيمة مستقلة بذاته، لا يجب أن يُستخدم لأغراض تعليمية أو سياسية أو اجتماعية، بينما الثانية تعتبر أن للفن دورًا في التوعية، النقد، والتغيير الاجتماعي وتربط بين الإبداع الفني والرسالة الأخلاقية أو الاجتماعية”. 

ويضيف أنه يؤمن بالرؤيتين، وقد يتأرجح بينهما. لكن بطبيعة المرحلة التي تمر بها البلاد الآن وسابقاً، فإن الرؤية الثانية تجد كل القبول من المجتمع لذلك يعتقد عبد السلام “أن هناك حاجة في نفس الجميع لوسيلةٍ تعبيرية عن الشعور الجمعي للناس، خاصةً في الأزمات التي تجعل الفن قادراً على توحيد الوجدان والتأثير في عقول وقلوب قاعدة عريضة من الناس”.

يعضد سهل ما ذهب إليه حسام، مستبصراً أفقاً نحو الانفراج والانعتاق من آثار الحرب ومحاولة تجنبها في المستقبل، والذي يحتاج أن نتزود بالأمل والغد المشرق، إذ “هناك كوة ضوء ونافذة أمل لا يمكن أن نتجاهلها” لأن السودان يمتلك الامكانيات لتجاوز هذه المرحلة الصعبة، والتي يكون فيها للفنانين والمثقفين “دوراً كبيراً، وكل ما نعيشه الآن هو نتيجة لغياب الفنون والثقافة” واللذين بإمكانهما معالجة الجهوية والعنصرية والتحشيد الأعمى بحسب تعبيره.

معاناة ممتدة

برغم هذه المهمة التي يضطلع بها الفنانون والفاعلون الثقافيون في مختلف الحقول الإبداعية، إلا أنهم كانوا الأكثر معاناةٍ خلال الحرب الجارية، وذلك بطبيعة البنية التحتية المختلة من قبل الحرب في الأصل، وهشاشة المؤسسات الثقافية في البلاد، نسبة لغياب الدعم المادي والأمان الاجتماعي لها وغيباها من مخيال الدولة كذلك. 

وفي هذا السياق، يشير حسام إلى أن الفنانين هم من أكثر الفئات تضررًا من حالة الحرب وعدم السلام، لأن في ظل الحرب تتغير أولويات الناس وحاجاتهم بشكل يتوافق مع المرحلة، حيث تتحول أولوياتهم إلى الأمن والغذاء ، ما يجعل الفن في ذيل قائمة الاحتياجات.

يقول حسام “إن الوضع الحرج الذي عايشناه كفنانين خلال الحرب جعل الكثير منهم يضطر إلى العمل في مهن أخرى، ربما تكون هامشية فقط من أجل أن نبقى على قيد الحياة، ونؤمن لأسرنا سبل العيش”. لكن رغم هذه المعاناة، فإن حسام كان ينظر وينخرط، منذ اليوم الأول للحرب، في تيسير الحياة بالنسبة لآلاف المواطنين في أماكن مختلفة، فعبر مشروع مبادرة توفير الطعام “پروماتيك” والتي انطلقت في فبراير 2024 وحتى الآن، بهدف توفير وجبات غذائية متكاملة وتوزيعها على آلاف المحتاجين في بورتسودان وأم درمان والخرطوم، وذلك “من خلال فاعلين الخير من بنات وأبناء الشعب السوداني الذين ما بخلوا على المجتمع بأي شيء” على حد وصفه.

تكامل الفردي والجماعي

بدأت المبادرات التي أطلقها كلٍ من سهل وحسام، كشراراتٍ فردية لمشاريع تحاول خدمة المواطنين بطرقٍ مختلفة، ولكنها سرعان ما تحولت إلى فضاء مملوك للجميع. يؤكد حسام على الوضع الشائك الذي أفرزته الحرب في جميع الأصعدة، إلا أنه يقول “بالرغم من ذلك فقد لاحظت في كل مكانٍ من فضاءات النزوح، في أمدرمان والخرطوم وبورتسودان، أن الفنانين في كل مجالات الفن لديهم القدرة على تلطيف حياة المجتمع الجديد الذي يعيشون فيه، علاوةً على القدرة على نشر قيم الخير والمحبة وقبول الآخر بأبسط الإمكانيات المتاحة”. ويضيف  “وهذا يعكس فعليا أثر الفن وقيمة الفنان في المجتمع”.

هذه الإمكانيات البسيطة هي التي كانت باباً لمشروع الجداريات الذي بدأه سهل بإمكانياتٍ بسيطة للغاية؛ عبر عبوتي طلاء “بوماستك” والقليل من الغِراء والألوان، انطلاقاً من شارع النيل أمدرمان – جنوب كبري الحلفايا “هناك، وتصادف مرور شباب من المؤسسة التعاونية الوطنية – وهي كيان اقتصادي يتبع للقوات المسلحة – أعجبوا بالجداريات ووعدوا بالمساعدة. أنزلوا المواد دون أن يطلبوا توقيع اسم المؤسسة. لقد كانوا شباباً، الأمر الذي أقوله للتأكيد على العنفوان والإقدام والحماس.

الفن والسلطة…علاقة ملتبسة

لطالما لعبت الفنون والثقافة دوراً طليعياً في السودان، منذ الجمعيات الأدبية التي تشكلت ما قبل الاستقلال، وكانت ملاذاً ومساحة مقاومة للفنانين من أمثال خليل فرح، علاوةً على أدوار الفنون في مختلف التغيرات الاجتماعية التي شهدتها البلاد، وآخرها ثورة ديسمبر.

في المقابل فإن السلطات الرسمية تنظر إلى الفنون بعين الريبة والتشكك إذا كانت تهدد سلطتها وخطابها، وهو ما شاهدناه إبان مجزرة القيادة العامة، في 3 يونيو 2019، إذ أول ما فعلته السلطة العسكرية أن أزالت جداريات الشهداء من المساحات العامة؛ خاصة محيط القيادة العامة الذي شهد اعتصاماً امتد لعدة أشهر، وهو ما يمكن قراءته كفعلٍ يهدف إلى محو الذاكرة الجمعية.

أما اليوم، ومع حالة الاستقطاب التي أنتجتها الحرب، فنجد أن نفس الفنون التي كانت مبعدة، يجري تسيسها لتحقيق أهدافٍ مختلفة، وهو ما ظهر جلياً في الزيارات التي قام لها كلٍ من نائب رئيس مجلس السيادة، مالك عقار، ورئيس الوزراء المعين، كامل إدريس، إلى معرض سهل الطيب بمركز أمدرمان الثقافي على سبيل المثال. وفي حين أن هذا لا يقدح في العمل الجليل الذي تؤديه هذه الأعمال الفنية، إلا أنه يطرح تساءلاً حول الأفق الذي يمكن أن يوجد للفن والثقافة، خاصةً إذا كانت نقدية للسلطة ولا تدعم سردياتها، في فضاء السودان حالياً ومستقبلاً.

«التكايا».. إرث سوداني يُستعاد بقوة في قلب الحرب

في بلد أنهكته حرب طاحنة وإفقار ممنهج، لم يجد السودانيون، سوى العودة إلى إرثهم التاريخي في التكافل الاجتماعي، كوسيلة لمواصلة الحياة في مواجهة الجوع والنزوح والحرب لمساعدة بعضهم البعض. وفي ظل استمرار هذه المحنة القاتلة ما كان إلا أن عادت هذه المؤسسة الشعبية التي كانت جزءًا من النسيج الاجتماعي والديني منذ قرون لتصبح طوق نجاة لملايين الآلاف من الأسر في خضم الأزمة.  

عقب اندلاع شرارة الحرب في العاصمة السودانية الخرطوم في 15 أبريل 2023، بدأ نزوح كثيف للمواطنين من العاصمة إلى القرى والأرياف، ومن ضمن هذه الأماكن التي كانت من هذه المحطات قرية السروراب، بالريف الشمالي لأم درمان، حيث تحولت مدرستها إلى مأوى للأسر النازحة. 

ومع واقع النزوح الذي اصطدمت فيه الأسر بفاجعة فقدان وغياب سبل العيش والعمل، في مواجهة مصاعب التكيف. في تلك اللحظة، وتحديدًا في مايو 2023،  بادر المصور مازن الرشيد وهو أحد سكان المنطقة، باطلاق مطبخ السروراب الخيري، وذلك من خلال  مبادرة عرض أعماله الفنية للبيع من أجل توفير احتياجات الأسر النازحة،ومع الوقت نما المطبخ وأصبح “تكية السروراب” بفضل الجهود التطوعية المختلفة، مادية وتشغيلية، لا سيما من النساء النازحات اللواتي يتحدرن من جغرافيات مختلفة، حيث كان لهن الدور الأكبر في تشغيل واستمرار عمل المطبخ،  رغم الصعوبات الجمة التي واجهنها.

صورة من مطبخ السروراب الخيري، تظهر فيها النساء وهنْ يعددن كِسرة الطعام

بعد السروراب امتد صدى الفكرة إلى الخارج حيث اجتمع طلاب وأطباء سودانيين، في جامعتي تورنتو ومونتريال بكندا وذلك للتفاكر سويًا حول ما يمكن أن يقدموه ويقدمنه للمواطنين المكتوين بنار الحرب داخليًا.

ومن لحظتها انخرطت المجموعة التي أطلقت على نفسها لاحقا اسم Sudan Solidarity collective  ويمكن ترجمتها إلى (مجموعة التضامن السوداني) في عمليات تواصل مختلفة مع غرف الطوارئ والمطابخ المركزية والتكايا في أنحاء مختلفة من البلاد، واختارت أن تدعم المطابخ والتكايا مادياً دون التدخل في طريقة عملها، حتى لا تصبح هناك شبهات تصاحب  صرف التبرعات.

ويأتي هذا الموقف من أن المجموعة لديها نقدها الخاص للطريقة التي تعمل بها منظمات العون الإنساني. بالإضافة إلى ذلك، أن عملها لم يكن  ينحصر على الدعم المادي فقط، بل التحدث عن حرب السودان في مستوًى مكبر، وربطها بالتقاطعات الإقليمية والدولية، وقضايا الإبادة في فلسطين وحراك السكان الأصليين في كندا.

صورة تظهر إحدى فعالية نظمتها المجموعة لإضاءة الوضع في السودان من خلال القصص

ضحى المرضي – إحدى عضوات المجموعة تقول في حديثها لـبيم ريبورتس: “التبرعات التي نجمعها، لا تأتي من منظمات أو مؤسسات، بل من أفراد 

يتضامنون مع السودان، سواء عبر التبرع مباشرةً أو تنظيم حملات دعم خاصة بهم، ومن ثم إرسال التبرعات إلينا”.

 فمن الفاشر إلى بري، ومن حي الوحدة غرب مدينة الأبيض إلى مطبخ السروراب في ريف أمدرمان الشمالي، لعبت التكايا والمطابخ المركزية، وما تزال، دورًا محوريًا في توفير احتياجات الطعام لملايين الأسر والنازحين منذ الأشهر الأولى لاندلاع الحرب الجارية، وما تسببت فيه من فقدان أغلبية المواطنين لمصادر رزقهم، خاصة العاملين والعاملات في القطاع غير الرسمي.

إرث طويل

لم يكن بروز التكايا وليد الأزمة الحالية؛ بل هو امتداد لتاريخ طويل من الممارسات الاجتماعية يستند إلى إرث طويل من أشكال الحياة الاجتماعية، والتي تخرج خلالها أماكن صنع الطعام (المطابخ) المرتبطة في معظم الأحيان بالفضاء الداخلي للبيوت والأسر إلى الشارع، وبرزت خلال الحرب كطريقة ونمط معيشي في إدارة المجتمعات المختلفة لمعيشها اليومي، الأمر الذي كان بمقدوره التخفيف عن المعاناة والمشقة التي يتكبدها الناس خلال الحرب.

وإن كانت هذه التكايا والمطابخ المشتركة تتلقى دعمًا من عدد من الجهات، مثل المنظمات الدولية، كبرنامج الغذاء العالمي، أو مبادرات وأجسام وطنية أخرى، إلا أن الجهد الأكبر وبذرتها هي إحدى طرق إدارة الناس لمعيشهم، لذلك فإن التكايا لا تتوقف على الدعم المادي فقط، بل تتعداه إلى سلسلة متكاملة من العمل التكافلي التطوعي وإدارته، وجزءاً من هذه السلسلة هي الأدوار المختلفة التي يلعبها السودانيين والسودانيات في بقاعٍ مختلفة، داخلياً وخارجياً في دعم عمل واستمرار هذه المطابخ والتكايا.

تاريخ ممتد

لمفهوم التكية وجود قديم في تاريخ المجتمعات السودانية، وقد ارتبطت بالإرث الصوفي وبالرغم من الاختلاف حول أصل تسمية “التكية” إلا أن كثيرٍ من الراجع تربطها بعض المصادر بالفعل “اتكأ” والذي يشير إلى الاعتماد والاستناد إلى الشيء.

 بينما تذهب مصادر أخرى على أن أصل التكية عثماني، ومن جانب آخر تذهب مصادر إلى الأصل الفارسي للتكية. 

وبغض النظر عن أصلها إلا أن التعريفات المختلفة للتكية تقدم ممارسة مشتركة، وهي تقديم العون والسند للفئات غير المقتدرة وعابري السبيل، من خلال توفير احتياجات الطعام والشراب، علاوةً على رعاية الزهاد واليتامى وكسوتهم وعلاج المرضى.

وفي السودان، يحضر هذا الإرث الديني للتكية، وذلك في ارتباطها بمؤسسة المسيد وتحفيظ القرآن، علاوةً على امتدادها العميق في بنية الطرق الصوفية، وهناك عدد من التكايا التي تحمل هذا الإرث، مثل تكية الطريقة الختمية بالخرطوم بحري، وتكية الزعيم الديني عبد الرحمن المهدي زعيم طائفة الأنصار بأم درمان. وبرغم شهرة هاتين التكيتين، إلا أنهما ليستا الوحيدتين، فهناك عدداً غير متناه من التكايا.

صورة من إحدى ليالي الصوفية، والتي تُظهر حلقة ذكرٍ ومديح

مخاطر

من بداية عملها، واجهت مبادرات المطابخ المركزية وغرف الطوارئ عدداً من المخاطر والتحديات المختلفة، بدءاً من التهديد العسكري والعنف والاعتقالات التي طالت عضوية هذه المبادرات في أماكن متفرقة في السودان، سواء من الجيش السوداني أو قوات الدعم السريع. ففي مارس 2024، نفذت الدعم السريع حملة اعتقالاتٍ واسعة لمنسقي ومتطوعي المطابخ المركزية بمحلية شرق النيل، حينها كان عدد المستفيدين من المطابخ المختلفة 150 ألف مواطن. 

وعادةً ما يصاحب حملات الاعتقال والاحتجاز للعاملين والمتطوعين في المطابخ المركزية والتكايا باتهاماتٍ تشمل التواطؤ والعمل مع جهاتٍ معادية. 

من جانبٍ آخر، فإن التحدي الأكبر الذي واجه ويواجه عمل هذه المبادرات هو شح وقلة الموارد المادية أو البشرية، والذي يتقاطع مع العمليات العسكرية وإغلاق الطرق وصعوبة حركة البضائع والسلع الأساسية، مما يتسبب في غلاء الأسعار، وهو ما يحدث في مدينة الفاشر المحاصرة بولاية شمال دارفور، أو في مدينة الأبيض بشمال كردفان.

بالإضافة إلى ذلك، تواجه غرف الطوارئ والمطابخ صعوباتٍ بيروقراطية متعلقة بالإجراءات الرسمية؛ سواء تلك القادمة من منظمات العون الإنساني، أو المتعلقة بإجراءات وتقييدات داخلية من قبل الحكومة. 

فبعد استعادة الجيش السوداني ولاية الخرطوم التي كانت تسيطر الدعم السريع على معظم أجزائها طالبت حكومة ولاية الخرطوم بالتسجيل لدى مفوضية العمل الطوعي والإنساني.

 وأضافت أنها لن تسمح بممارسة أي نشاط من أي كيانات لا تتبع الإجراءات القانونية التي تنظم العمل الطوعي الإنساني، وهو الأمر الذي وضع قيوداً على سلاسة عمل المبادرات والمطابخ، وأدخلها في سلسلة من المتطلبات الرسمية.

 يضاف إلى ذلك توقف أو تقليل الدعومات من وكالات العون الإنساني، مثل برنامج الأغذية العالمي وغيرها، حيث يشير المتطوعون إلى المدة الزمنية الطويلة التي يحتاجها الدعم للوصول إليهم، علاوةً على إجراءات أخرى مرهقة، مثل تقديم التقارير المالية والتي تتطلب وقتاً في ظل واقع يومي متسارع ومتحرك.

 في مدينة بحري، تسببت هذه الإجراءات المعرقلة في معاناة  أكثر من 70 ألف شخص من الجوع، نسبةً لتوقف التكايا والمطابخ المجتمعية.

إدارة المجتمعات لنفسها

البنية الأساسية التي يستند عليها عمل التكايا والمطابخ المركزية وغرف الطوارئ هي بنية عمل وإدارة المجتمعات لنفسها بنفسها، ولذلك نلاحظ أن صعود هذه المبادرات أثناء الحرب، قد أعاد تعريف علاقة المجتمعات مع نفسها أو مع أجهزة الدولة، إذ برزت عدداً من المبادرات التي لا تقدم الطعام والشراب فقط، بل وكذلك تجارب التعليم الحرفي التشاركي والدعم النفسي واحتياجات فئوية مختلفة مثل غرف الطوارئ النسوية.

 علاوةً على تجارب الزراعة المنزلية وغيرها من أشكال استدامة الحياة خلال فترة عنوانها عدم اليقين، لتقدم كل هذه المبادرات المختلفة نقطة انطلاق مشتركة، تضع المعيشي واليومي للناس كنقطةً مرجعية، لذلك فهي تمثل حالة مربكة لكافة الأطراف العسكرية والسياسية، والتي تحاول عبر أشكالٍ مختلفة الاستثمار سياسياً في مجهودات هذه المبادرات، ما يجعل هذه الغرف والمبادرات تخرج في كثيرٍ من الأحيان لتنفي عن نفسها “محاولات بعض الكيانات السياسية والعسكرية استغلال اسم الغرف أو الزج بها في صراعات لا علاقة لها بها، سواء عبر بيانات مضللة، أو من خلال الإيحاء بدعم أو انتماء مزعومين”.

تستند غرف الطوارئ والتكايا والمبادرات المجتمعية المختلفة على إرث اجتماعي كبير وضخم، أعيد استدعاؤه والعمل على تطويره في سياق الحرب الحالية في سبيل مجابهة ما فرضته الرحب من واقع مأساوي ومحنة مشتركة يعشيها ملايين السودانيين، الذين انخرطوا في إدارة مواردهم وحياتهم منذ اندلاع الحرب الحالية، والتي يضاعف استمرارها من حجم التحديات الواقعة على هذه المبادرات، علاوةً على تقليم أجنحتها ومحاولة تدجينها، ما يطرح تساؤلاً حول أفق عمل هذه المبادرات في ظل التحديات والعنف اليومي.

قدور خامدة ومواقد مطفأة في الفاشر المحاصرة وسط أزمة جوع معلنة

10 أغسطس 2025 – كانت أصوات الملاعق وهي تضرب باطن القدور الكبيرة في المطابخ المجتمعية «التكايا» بمثابة موسيقى الحياة في الفاشر. هناك، حيث يتجمع الأطفال قبل الظهر، ويمتد صف النساء وهن يحملن الأواني، كانت رائحة العدس أو العصيدة الساخنة كافية لبث الأمل في يوم آخر من النجاة في المدينة المحاصرة منذ أكثر من عام وتواجه أزمة جوع حادة منذ أشهر. لكن منذ أيام خفتت معظم الأصوات، وأُطفئت المواقد، إلا من مطبخ واحد، «مطبخ الخير» في حي أبو شوك الدرجة الأولى، يقاوم على أمل أن يصمد أكثر.

منذ 10 مايو 2024 تحاصر قوات الدعم السريع التي تقاتل الجيش السوداني عاصمة شمال دارفور، الفاشر، في محاولة لإسقاطها باعتبارها آخر مدينة كبرى في دارفور في يد الجيش.

خلّف الحصار أزمة إنسانية تضاعفت في 13 أبريل الماضي بتكثيف الدعم السريع هجماتها علي معسكرات النازحين في أبو شوك وزمزم واقتحامها، بالإضافة إلى عشرات القرى حول الفاشر مما خلف ما يزيد عن 400 قتيل بينهم ما لا يقل عن 11 عامل إغاثة وخلقت هذه الهجمات موجات نزوح وفرار نحو محليات أخرى وإلى داخل عاصمة شمال دارفور، مما ضاعف الضغط على المطابخ.

ورغم أن الأحداث العسكرية الجارية في الفاشر صاحبتها إدانات أممية ودولية واقليمية واسعة وتحذيرات من استمرار الحصار والقتال إلا أنها لم تجد أذنًا صاغية حتى اللحظة فيما توقفت المساعدات الإنسانية من المنظمات الدولية بسبب الوضع الأمني.

أيضًا صاحب التعنت في استمرار الحصار تجاهل لطلب أممي من الأمم المتحدة في يونيو الماضي بفتح مسار لإدخال المساعدات الإنسانية مما رمى مزيدًا من الأعباء على عاتق القائمين على التكايا والمتبرعين من أهالي الفاشر والسودان لاعتماد المواطنين عليها كليًا، خاصة مع إغلاق غالبية الأسواق واستمرار غلاء السلع.

الوضع لم يقف عند ذلك فقط فقد حرقت عمدًا إحدى أكبر القوافل الإنسانية مكونة من 15 شاحنة في يونيو الماضي حينما كانت في طريقها إلى الفاشر محملة بشحنة مساعدات غذائية وطبية في يونيو الماضي قادمة من بورتسودان بعد اعتراضها وحجزها في منطقة الكومة فيما تبادل طرفا القتال الاتهامات بشأن المسؤول عن الهجوم.

وبعد أشهر من صمود الفاشر في وجه التجويع الذي اتخذته قوات الدعم السريع كسلاح في المنطقة، أعلنت تنسيقية لجان مقاومة الفاشر يوم السبت عن توقف تكية الفاشر وتوقفها عن استقبال التبرعات مؤقتًا نظرًا لإنعدام السلع الأساسية، مشيرةً إلى أن التوقف إلى حين التمكن من توفير سلع لازمة وناشدت بإيقاف الجوع والحصار وارسال الغذاء والدواء جوا.

المطبخ الأخير

محمد الرفاعي المشرف على مطبخ الخير بالفاشر وهو المطبخ الأخير الذي يعمل حاليًا بشكل متواضع لإنقاذ ما تبقى، يقول لـ«بيم ريبورتس» بصوت متعب: «السلع غير موجودة وحتى البسيطة منها أصبحت معدومة، البصل معدوم، الأرز إن وجد الكيلو منه بتسعين ألف، وعبوة الزيت الكبيرة بمليار و850 مليون، والسكر معدوم».

ويوضح الرفاعي أن أسواق الفاشر اليوم تشبه مخازن خاوية، ويقول: «آخر كيلوجرام سكر بيع قبل يومين بعد صف طويل، وحتى الأمباز – الذي كان غذاء الطوارئ – أصبح نادرًا وارتفع سعره أكثر من خمسة أضعاف. اللحوم اختفت، الماشية استهلكت حتى آخر رأس، وكيلوجرام اللحم إن وجد صار بمائة ألف جنيه سوداني.

ويشير الرفاعي إلى أن معظم ما يتداوله التجار الآن مصدره المؤن التي خبأها نازحون قدموا إلى الفاشر من حوالي 35 قرية حولها قبل أن ينزحوا مرة ثانية إلى خارج المدينة.

ويذكر أنهم بعضهم طرح هذه السلع المخزنة للبيع عبر أقاربهم الموجودين في الفاشر بعد نداءات من أئمة المساجد وحملات على وسائل التواصل الاجتماعي تطالب ببيع السلع المخزنة لتتمكن التكايا من مواصلة العمل في ظل توقف الأسواق إلا سوق واحد تحفظ الرفاعي عن ذكره لأسباب أمنية خوفًا من قصفه.

لكن هذه المخزونات تقترب من النفاد، بحسب الرفاعي، ومعها تتوقف محاولات التهريب الفردية التي كان يقوم بها بعض الشباب الذين يقطعون مسافات طويلة على الأقدام من مناطق مثل مليط، قرني، زمزم، طويلة، وحلة شيخ إلى حاملين علي ظهورهم مؤن بسيطة.

يشير الرفاعي أيضًا إلى احتمالية انتقال الوضع للأسوأ وينوه إلى أن 3522 شخص نازح في الفاشر يواجهون الجوع ما لم تتوفر السلع في الفاشر، كما يلفت إلى أن أعداد سكان الفاشر المقيمين أكبر من المتداول في وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام، لافتاً أن سكان الفاشر لم ينزحوا منها بل النازحين هم الذين كانو قد قدموا من مناطق أخرى إلى الفاشر.

وراء هذه الأرقام والبيانات أيضًا مشاهد يصعب احتمالها: أطفال برؤوس كبيرة وأجساد هزيلة بفعل سوء التغذية، وسوق ومخازن خالية وأسر تعيش على وجبات عبارة عن 15 كيلو من الحبوب والمعكرونة أو أمباز يحاول الواقفين علي التكايا خلطه مع لبن أو كاسترد لجعل مزاقه مستساقاً.

«نناشد بالدعم.. ثم الدعم»، يكرر الرفاعي، مؤكدًا أن وكالات الأمم المتحدة هي الأمل الوحيد الآن، لكنه يوضح أن إيصال المساعدات مرهون بموافقة أطراف النزاع، وموسم الأمطار في دارفور يجعل الطرق طينية ولا تسمح بمرور القواقل البرية ولذا يرى أن الحل الوحيد في الإسقاط الجوي.

وبينما ينتظر الجميع لقمة تخمد جوعهم يواصل مطبخ الخير إطعام من يستطيع، مدركًا أن اللحظة التي يخبو فيها آخر موقد، ستكون الفاشر قد دخلت قلب المجاعة.

ويوم الثلاثاء حذر وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، توم فليتشر، وفق ما أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أوتشا، من أن خطر المجاعة يتزايد في مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور في السودان، وأن «الوقت ينفد».

وأكد فليتشر أن مكتب الأمم المتحدة يواصل الدفع من أجل هدنة إنسانية تسمح بإدخال المساعدات على نطاق واسع، بالإضافة إلى عودة الوجود الكامل للأمم المتحدة في المنطقة.

الأبيض تستمر في الصمود تحت عصف أزمنتها القاسية المُستعادة من التاريخ

في قلب الطريق الرابط بين غرب ووسط السودان تقف «الأبيّض» المدينة التي وضعت مرارًا بين فوهات المدافع وعرفت الحصار كما تعرف المواسم. جعلها موقعها مطمعًا، لكن بالمقابل جعلها أهلها حصنًا منيعًا وساحة صلبة لا تنكسر. 

فمن مدافع الأتراك في القرن التاسع عشر إلى حصار جيش المهدي في أواخره، ثم إلى محاولة خنقها من الدعم السريع اليوم، تغير الأعداء وتبدلت الرايات، لكن المدينة لم تتغير، احتفظت بصبرها وتاريخها وسكانها الذين تشبثوا بترابها وصمدوا كما جدرانها، مقدمين ارتباطهم بجذورها على مشاعر الخوف. 

تعد الأبيّض من أقل المدن التي شهدت نزوح سكانها منها – بحسب ما يخبرنا أحد المحاضرين في جامعة كردفان، مُرجعًا ذلك إلى أن مواطنيها يحملون تاريخ المدينة القديم في معاشهم اليومي والذي يمنحهم جلدًا على البقاء فيها.

وصلت تداعيات الحرب التي اندلعت في العاصمة السودانية الخرطوم بين الجيش والدعم السريع في 15 أبريل 2023 إلى الأبيض، المعروفة بعروس الرمال، مباشرة في اليوم الأول من اندلاعها، وذلك عبر مهاجمة قاعدتها الجوية.

والأبيض عُرفت تاريخيًا بأنها منطقة تجارية منذ منتصف القرن الخامس عشر الميلادي، وتمثل ذلك في ازدهار القوافل بين سلطنة سنار ومصر، إذ كانت تمر عبرها القوافل القادمة من الجنوب ومن سنار – بحسب ما نقل الناشط الثقافي محمد أحمد (ود السك) لـ«بيم ريبورتس».

 

يقول (ود السك)، وهو من أبناء المدينة، إن الأبيّض كانت في تلك الحقبة التاريخية محطة لتجميع السلع ومستراحًا للقوافل قبل انطلاقها نحو الشمال إلى محافظة أسيوط في مصر وإلى ليبيا عبر الصحراء الكبرى ومن ثم إلى البندقية في أوروبا، وأصبحت أهم ميناء بري صحراوي جنوب الصحراء.

وعرفت الأبيض أيضًا باستقبال قوافل الحجيج القادمة من نيجيريا والغرب الأوسط الإفريقي في طريقها نحو الأراضي المقدسة في الحجاز. 

واستمر تطور المدينة في القرن السابع عشر الميلادي، وأصبحت سوقًا مهمة في المنطقة، زاخرة بالسلع القادمة من جنوب السودان وغربه، مثل محاصيل السمسم والدخن والصمغ العربي والفول السوداني والعاج.

 

وتعدّ الأبيّض منطقة إستراتيجية في البلاد، إذ أنها ملتقى طرق يربط الخرطوم بولايات شمال دارفور وشرق دارفور وجنوب دارفور، إلى جانب الطريق القومي بارا – أم درمان، وهو ما جعلها في لحظة اندلاع الحرب الحالية ساحة للعمليات العسكرية مع محاولات السيطرة عليها.

وعلى مدار أكثر من عامين شهدت عاصمة شمال كردفان، وما تزال، أشكالًا وأنواعًا مختلفة من الاشتباكات العسكرية والقصف المدفعي والحصار، والتي تحولت في الأسابيع الماضية إلى قصفٍ بالمسيّرات الإستراتيجية التي تطلقها «الدعم السريع» مستهدفةً عبرها البنية التحتية بالمدينة من مستشفيات ومحطات كهرباء، مما ألقى بثقله العسكري على حياة المواطنين ومعيشتهم، تقتيلًا ومعاناةً اقتصادية في توفير معاشهم اليومي.

دور الأبيّض في تشكل السودان الحديث

اضطلعت مدينة الأبيّض، وما تزال، بدور سياسي واجتماعي في تشكل السودان الحديث، منذ نشأتها في القرن الخامس عشر كمركز تجاري، وعلى امتداد سنين الغزو والإدارة التركية والثورة المهدية. كما تطور دورها السياسي كذلك إبان فترة الاستعمار الإنجليزي المصري وتشكل الدولة الوطنية ما بعد الاستقلال، إذ كان للمدينة دور كبير في دعم الحركة الوطنية في السودان.

ومع تأسيس نادي الخريجين في العام 1936، في أم درمان وبدء نشاطه السياسي بدعوة إدارة الاستعمار الثنائي (البريطاني – المصري) إلى منح حق تقرير المصير للشعب السوداني، اختار الأبيض مقرًا للجنته في غرب السودان. 

كما أنشئ خلال تلك الفترة نادي الأعمال الحرة في الأبيّض، الذي اضطلع بدور في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية وفي حركة التعليم الأهلي بالمدينة.

 

لكل ذلك، فإنّ ارتباط سكان الأبيّض بمدينتهم ليس لحظة عابرة، ما يجعلهم يخلقون آليات اجتماعية وتضامنية التعاطي اليومي مع الصعوبات التي تجعل من «الحياة في المدينة جحيم فعلي» كما يصفها أحد مواطني المدينة الذين تحدثت إليهم «بيم ريبورتس».

حصار الأبيّض ما بين لحظتين

«كانت حياتنا رخية، تصلنا البضائع من عُدة جهات، وأسعارها في متناول الجميع. كل ذلك تغّير لحظة اندلاع الحرب، إذ حُوصرت المدينة وأغلقت الطرق الرئيسية من قبل الدعم السريع، وأصبح المعيش اليومي قاسيًا وصعبًا. اليوم نبذل جهدًا كبيرًا للحصول على الماء والغذاء والعلاج» – تصف سارة عبد الله (اسم مستعار) الحياة اليومية في الأبيض منذ أكثر من عامين. 

عاش سكان الأبيض لأكثر من عامين تحت حصار عسكري فرضته قوات الدعم السريع على المدينة وقصف مدفعي قتل وجرح المئات.

وأدى الحصار كذلك في جانب آخر إلى إغلاق المداخل الرئيسية التي تربط المدينة بكل ما حولها والسيطرة على الحركة التجارية وفرض ضرائب على كل ما يدخل المدنية من بضائع وسلع أساسية وأدوية ومستلزماتٍ معيشية، مما تسبب في انهيار اقتصادي واجتماعي كبير في جميع القطاعات الخدمية والمعيشية.

لم يكن التدهور ذا طابع واحد في غلاء الأسعار والبضائع وتضرر البنية التحتية الخدمية فقط، بل ومن جانب آخر فإن حصار المدينة نفسه تسبب في فقدان المواطنين لأغلب مصادر دخلهم ومعيشتهم؛ إذ تأثر، مع التدهور الاقتصادي، العاملون والعاملات في القطاع غير الرسمي أشد التأثر جراء الوضع الاقتصادي، فيما اتجه موظفو القطاع الرسمي، مع انقطاع أجورهم وفقدان عملهم، إلى العمل في كل ما هو متاح من حرفٍ أو مهنٍ بسيطة في محاولة التغلب على سوء الوضع الاقتصادي، ما جعل «عدد العاملين الفريشة والسقايين يكاد يكون جل سكان المدينة» – كما تخبرنا متطوعة في غرف الطوارئ من داخل المدينة.

صورة لأحد المحلات التجارية في سوق الأبيّض

الأقل نزوحًا

لكن على الرغم من الحصار الذي تعرضت له المدينة منذ بداية الحرب، إلا أنها بالمقابل، تعد من أقل المدن التي شهدت نزوحًا من سكانها – كما يخبرنا أحد المحاضرين في جامعة كردفان، ويرجع ذلك –بحسب قوله– إلى أن مواطني الأبيض يحملون تاريخ المدينة القديم في معاشهم اليومي والذي يمنحهم جلدًا على البقاء فيها.

تعود تلك الذاكرة إلى عهد الغزو التركي، حين اتجه جزء من جيش محمد علي باشا إلى المدينة لما تمثله من فضاء محوري يربط أجزاءً مختلفة من السودان.

ومع ذلك، وعلى الرغم من المقاومة التي أبداها المقدوم مسلم الذي كان قائدًا عسكريًا في مملكة «المسبعات»، في مواجهته جيشًا مدججًا بالسلاح الناري والمدافع في معركة «بارا» القريبة من الأبيّض في العام 1821، إلا أنها اُخضعت لسيطرة الغزو التركي حينها.

وفيما بعد، عقب اندلاع الثورة المهدية، هاجم جيش الإمام محمد أحمد المهدي مدينة الأبيض، في العام 1882 لاستعادتها من الأتراك الذين كانوا قد جعلوها مركزًا لحكمهم الاستعماري في غرب البلاد إلا أنها استعصت على أنصار المهدي بسبب الحصن العسكري وتمترس الأتراك داخلها، وبعدها فرضت قوات المهدي حصارًا على المدينة، قبل أن يقتحمها جيش الأنصار ويستولي عليها في 19 يناير 1883، مما شكل ضربة موجعة للإدارة التركية. 

في تلك الحقبة شهدت الأبيض أزمة جوع حادة نتيجة حصار لمدة أربعة أشهر فرضه جيش المهدية على المدينة، وإن كان الحصار مفروضًا في الأساس على الأتراك إلا أن آثاره امتدت عميقًا إلى جموع سكان الأبيض، متمظهرًا في نقص الغذاء والمياه.

 

ذاكرة تاريخية

بهذه الذاكرة التاريخية للمدينة، صمد سكانها خلال الحرب الحالية، رغم ما عانوه من تقتيل وقصف عشوائي وعنف «الدعم السريع» التي حاصرت المدينة ومنعت سبل الحياةِ منها، وأذاقت سكان الأحياء الغربية خاصةً الويلات من الهجمات المستمرة والنهب والسلب.

فما بين حصار المهدية للمدينة، والذي أتى في مواجهتها لحكمٍ استعماري فرض الضرائب الباهظة على أرجاء البلاد كافة، إلى لحظة حصار «الدعم السريع» التي سعت إلى السيطرة على المدينة وحاصرها، ما تزال المدينة تقاوم.

فك الحصار

في فبراير 2025 تنفس مواطنو مدينة الأبيض الصعداء، بعد فك الجيش السوداني الحصار الذي فرضته «الدعم السريع» لما يقارب العامين، إذ أصبح، بعد سيطرة الجيش على الخرطوم في مارس 2025، الطريق من الخرطوم إلى الأبيض –الذي يبلغ طوله نحو 500 كيلومترًا– سالكًا.

قوبل هذا الحدث المهم بالفرح والاحتفال من المواطنين، هذه الاحتفالات كانت احتفالاتٍ تعي وجود إمكان ما للحياة الآن، وانسياب البضائع والسلع، والتواصل مع المدن الأخرى، وانتعاش السوق الاقتصادي.

لكن في المقابل، شنت قوات الدعم السريع قصفًا شديدًا على المدينة، في 25 فبراير الماضي، استهدف عدة أحياء سكنية في الجهة الشمالية من المدينة، مما أدى إلى سقوط القذائف على منازل المواطنين في أحياء مكتظة، وتسبب في وقوع إصابات وخسائر في الممتلكات.

ومع فقدان قوات الدعم السريع سيطرتها على كامل ولايات وسط السودان وجنوب شرق السودان، اتجهت إلى استخدام الطائرات المسيرة المختلفة، لا سيما في المناطق التي لا تمتلك فيها أو داخلها قوات مشاة أو التي استعصى عليها دخولها. فهاجمت مدن مروي في شمال السودان ومحليات ولاية الخرطوم والعاصمة الإدارية بورتسودان، علاوةً على مدينة الأبيض التي لم تسلم من هذه الهجمات؛ إذ شهدت المدينة عددًا من عمليات القصف عبر المسيرات منذ فبراير الماضي، استهدفت المستشفى العسكري ومحطات المياه ومستشفى «الضمان»، مما أدى إلى مقتل ستة مواطنين وإصابة 14 آخرين.

ما بعد كسر الحصار 

كان كسر الحصار عن الأبيض خبرًا جيدًا لسكان الأبيض، إذ انفتحت الطرق التجارية وانسابت السلع والبضائع، مما خفف المعاناة عن كاهل المواطنين، لكن صاحب ذلك في المقابل، بروز تحدياتٍ جديدة في عدة أصعدة، فقد اتجهت قوات الدعم السريع إلى قصف المدينة ومنشآتها وأحيائها بالمسيرات، والتي «أحدثت رعبًا وهلعًا جماعيًا وسط المواطنين» – بحسب ما تشير سارة عبد الله.

وقصفت مسيرات «الدعم السريع» مستشفى «الضمان» والمستشفى العسكري، مما أدى إلى مقتل العشرات من المواطنين، بالإضافة إلى توقف العمل في مستشفى الضمان لنحو أسبوعين، علاوةً على محطة الكهرباء البديلة.

لكن ليست المسيرات وحدها ما يثير الهلع، فعلاوةً على  ذلك تسود أرض المدينة حالة عسكرة جعلت منها ثكنة عسكرية دائمة، بعد دخول متحرك «الصيّاد» التابع للجيش السوداني إلى المدينة، إذ تشهد المدينة يوميًا، كما يوضح خالد عباس وسارة عبد الله، عشرات حالات النهب والسرقة، إلى الإطلاق العشوائي للرصاص على المواطنين.

ورغم كل ما سبق، ومع استمرار هجمات «الدعم السريع» من جهة بارا القريبة –على بُعد نحو 40 كيلومترًا– ومن القرى المحيطة وأحيانًا من غرب الإقليم – ما تزال الأبيض صامدة.

مدينة اعتادت على الحصار، واعتادها أهلها في كل الظروف. ورغم التعب، تواصل حياتها يومًا بعد يوم، كما لو أنها قررت أن لا تغيب عن مشهد البلاد، وأن تبقى، ببساطتها وعنادها، حاضرة تتنفس.

السودان: مساعٍ لاستعادة قطاع صحي مدمر بعد عامين من الحرب

لم يكن قد مر يومان على اندلاع الحرب في العاصمة السودانية الخرطوم حتى أعلنت اللجنة التمهيدية لنقابة أطباء السودان عن تعرض أربع مستشفيات للقصف وخروج ثلاثة عن الخدمة وتعرض مستشفى للاعتداء واخلاء المستشفيات بما في ذلك مركز دكتورة سلمى لأمراض الكلى القريب من رئاسة قيادة الجيش بوسط الخرطوم.

وامتد الضرر حتى مستشفيات أخرى خارج الخرطوم إذ قالت اللجنة في تصريح صحفي بتاريخ 17 أبريل 2023 إنه تم اقتحام مستشفى الضمان التخصصي بمدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان مما أدى إلى خروجه عن الخدمة، مضيفةً كما خرج مستشفى الجنينة بولاية غرب دارفور ومستشفى الضمان ومشفى مروي العسكري عن الخدمة.

وسرعان ما ظهرت نتائج هذه الأضرار في الأيام الأولى حيث حبس مئات المرضى الذين كانوا يتلقون العناية في هذه المستشفيات والمرافقين لهم والكوادر الطبية العاملة بها كما اقتحمت الدعم السريع بعض هذه المستشفيات وشنت عددًا من الهجمات.

بتاريخ 15 أبريل قبل عامين اندلعت شرارة نزاع عسكري دامي في أعقاب التوترات العسكرية التي تصاعدت لأيام بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع معلنة بداية أكبر أزمة انسانية في العالم وفق ما وصفتها منظمات عالمية مخلفة آثارًا كارثية تضررت منها جميع القطاعات والخدمات خاصة الصحية في البلد المهترئ منذ ما قبل الحرب واستشرت خراباً ودراماً هائلاً وقتل وأصيب فيها مئات الآلاف.

في أول تصريح لمنظمة الصحية العالمية على الوضع في السودان أدان مديرها الإقليمي وقتها، أحمد المنظري، بشدة الهجمات المبلَّغ عنها على الموظفين الصحيين والمرافق الصحية وسيارات الإسعاف معتبرًا أنها آخذة في الازدياد. وأعرب عن قلقه البالغ إثر هذه البلاغات والتقارير وشدد على أن الهجمات على مرافق الرعاية الصحية انتهاك صارخ للقانون الدولي والحق في الصحة. مطالباً بإيقافها على الفور. 

بمرور الشهر الأول للحرب أعلن الجيش السوداني في تصريح صحفي بتاريخ 17 مايو 2023 عن استمرار سيطرة الدعم السريع على 22 مستشفى ومرفق صحي وحولت بعضها إلى قواعد عسكرية. كما قالت اللجنة التمهيدية إن 66 بالمائة من مستشفيات البلاد الخاصة في المناطق القريبة من الإشتباكات توقفت عن الخدمة وتابعت : فمن أصل 89 مستشفى أساسياً في الخرطوم والولايات توقف عن الخدمة 59 مستشفى، و30 مستشفى فقط تعمل بشكل كامل أو جزئي.

وفيما يخص الأطباء قالت وزارة الصحة إن 11 طبيبًا قتلوا قضي بعضهم داخل المستشفيات التي تعرضت للقصف وآخرون أثناء ذهابهم إلى أماكن عملهم أو عودتهم منها.

وفي بادرة انسانية تجلت فيها معاناة الشعب في الوصول إلى العلاج وتخفيف الأطباء على المحاصرين في النزاع نشر أطباء متطوعون أرقام هواتفهم على منصات التواصل الاجتماعي، معلنين عن استعدادهم لتقديم الإستشارات الطبية للمرضى، وأكدوا أنه لا مانع لديهم من زيارتهم إذا كانوا بالقرب من مناطق سكنهم، كما أن آخرين حولوا أجزاء من منازلهم إلى عيادات يرتادها سكان الحي كما أنشأ بعضهم مجموعات على موقع التواصل واتس آب حولوها إلى عيادة عبر الأثير.

أيضًا تعرض الأطباء إلى المضايقات والإعتقال منذ بدايات الحرب وحتى اللحظة في مناطق سيطرة الدعم السريع، وذكرت منظمة أطباء السودان من أجل حقوق الإنسان في  تقرير لها صدر في أبريل الحالي قامت فيه بتوثيق وتحليل أنماط اعتقال الأطباء خلال الفترة من أبريل 2023 وحتى مارس 2025 ـ ذكرت أنها سجلت اعتقال 10 أطباء في 2023 وارتفعت إلى 15 حالة مضيفةً وفي 2025 سُجلت 11 حالة اعتقال جديدة حتى مارس.

وبحسب التوزيع الجغرافي الذي نشرته المنظمة، فإن الإعتقالات تركزت في أحياء أم درمان، شرق النيل، جبل أولياء، الرياض، الكلاكلة، المنشية، والحاج يوسف. وفي ولاية الجزيرة خصوصاً عاصمتها مدينة ود مدني، بالإضافة إلى حالات متفرقة في شمال كردفان، الدمازين، ربك، والدويم. 

ولفتت إلى أن العديد من هذه الاعتقالات تمت داخل المستشفيات أو العيادات الخاصة ،وأخرى من منازل الأطباءً أو حتى من المساجد ،منبهة إلى أن ذلك يعكس الطبيعة التعسفية والاستهداف الشخصي للكوادر الطبية.

بمرور 100 يوم على الحرب في السودان أعلنت اللجنة التمهيدية لنقابة أطباء السودان في 23 يوليو 2023  أن 70% من المستشفيات في مناطق الاشتباكات بالخرطوم والولايات الأخرى متوقفة عن الخدمة من أصل 89 مستشفى أساسية في العاصمة والولايات.

ولفت البيان إلى أن هناك 62 مستشفى متوقفة عن الخدمة، و27 مستشفى تعمل بشكل كامل أو جزئي.وقبلها بأيام وثقت منظمة الصحة العالمية 82 هجوماً على مرافق الرعاية الصحية منها 17 هجوم خلال ستة أسابيع فقط.

توقف المراكز المتخصصة

مع دخول الحرب شهرها الثاني دق ناقوس الخطر في المراكز المتخصصة مثل القلب والأورام والكلى ففي يوليو 2023 أشار تقرير للإدارة العامة للطب العلاجي، إلى خروج مراكز قسطرة وجراحة القلب عن الخدمة البالغة ست مراكز منها  خمس مراكز بولاية الخرطوم، ومركز واحد بولاية الجزيرة جراء الحرب والتي تعتبر من أهم المراكز، بينما أُجريت 280 عملية قسطرة علاجية، وتشخيصية وناظمات في المراكز العاملة وأشارت الإدارة إلى توقف مراكز المخ والأعصاب بالخرطوم، ود مدني ونيالا، فيما نوهت إلى أن 44 مركزا للكلى تعمل حاليًا من جملة 102مركزًا.وأضافت أنّ المركز القومي لأمراض وجراحة الكلى وفر7 ماكينات للغسيل مع توزيع 38 ماكينة مقدمة من صندوق المرضى السعودي لبعض الولايات.

غير أن أزمة مراكز الكلى عادت بشكل أكبر وتضاعفت في أغسطس 2023 إذ  أصبحت غالب مراكز الغسيل في الولايات الآمنة مهددة بالإغلاق بسبب تزايد الضغط عليها جراء توافد أعداد كبيرة من النازحين لتلقي العلاج وإجراء الفحوص الطبية.

وإزاء هذا الوضع، أطلقت شبكة أطباء السودان نداءً عاجلاً إلى السلطات الصحية ومنظمة الصحة العالمية والمنظمات الإقليمية والمحلية العاملة في المجال، للإسهام في توفير معينات مرضى الكلى وإعادة صيانة الماكينات لفتت شبكة أطباء السودان إلى توقف المراكز في الأقاليم التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع.

بالنسبة لمراكز علاج الأورام والعلاج الإشعاعي التي كانت شحيحة في الأصل بالبلاد فقد السودان بسبب الحرب خمسة أجهزة للعلاج الإشعاعي كانت موجودة في ولايتي الخرطوم والجزيرة، ولم يتبق إلا جهاز واحد في مستشفى مروي شمالي السودان.

وكانت منظمة الصحة العالمية قد قالت إن السودان كدولة نامية يحتاج إلى 42 جهاز علاج إشعاعي وذلك بناء على توصيات صدرت عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وقال مدير المراكز القومية لعلاج الأورام في السودان دفع الله عمر أبو إدريس في تصريح يوليو 2023 :”للأسف هذا هو الواقع، لا يتوفر علاج إشعاعي الآن في السودان، فقدنا كل آلات العلاج الإشعاعي في مدني والخرطوم، لدينا آلة واحدة بمستشفي مروي، وهذه الآلة توفر نحو 5 بالمائة فقط من حاجتنا للعلاج الإشعاعي”.

وقبل يومين وقعت وزارة الصحة الإتحادية اتفاقية مع مدينة الملك حسن الطبية ومركز الحسين للسرطان في المملكة الأردنية الهاشمية بغرض تعزيز التعاون الطبي لعلاج مرضى السرطان خاصة سرطان الأطفال والعلاج الإشعاعيّ وتوفير فرص تدريب للكوادر السودانية.

الفاشر قصة الصمود

طالت الحرب اقليم دارفور منذ الأيام الأولى غرباً وشمالاً وتعرضت مدينة الفاشر عاصمة شمال دارفور لعدد من الهجمات التي استهدفت المستشفيات بدايات الحرب وازدادت عنفاً يوماً عن يوم حتى انهار القطاع بالكامل في المدينة ومعسكرات النزوح بها.

وطالت الهجمات التي وصفت بالممنهجة من قبل الدعم السريع جميع مستشفيات الفاشر وأبرزها: (المستشفى التعليمي، مستشفى النساء والتوليد التخصصي، المستشفى العسكري، مستشفى الشرطة، مستشفى الفاشر الجنوبي)، وأغلقت بعضها أكثر من مرة ابتداءً من يونيو 2023  إلى أن توقفت بالكامل.

تمسك بالنجاة في الفاشر

ورغم استمرار الهجمات لم يستسلم المواطنين الموجودين في الفاشر من تشديد الدعم السريع حصارها عليها منذ مايو 2024 حيث افتتح المواطنون بمجهودات أهلية بعض المراكز بالإضافة إلى المستشفى السعودي للولادة لكن الدعم السريع استمرت في استهدافه عبر هجمات مستمرة لاقت انتقادًا دولياً واقليمياً حتى أغلق أكثر من مرة أخرها في ديسمبر 2024.

برز صمود أهل الفاشر في الحفاظ علي حقهم في العلاج عبر تصمميهم  ملاجئ تحت الأرض تحت إشراف إدارة المستشفى التخصصي للنساء والتوليد (السعودي) بهدف توفير الحماية اللازمة للأطباء والمدنيين، ولضمان استمرارية الخدمات الصحية الحيوية، حيث عُدت هذه الملاجئ خطًا دفاعيًا أساسيًا لضمان وصول الخدمات الصحية إلى الأشخاص الأكثر احتياجًا  وهي من حاويات (سعة 20 قدم)، تم دفنها في باطن الأرض وتغطيتها بأكياس من التراب.

وداخل هذه الهياكل، توجد غرفة مكتب للأطباء والطاقم الطبي، بالإضافة إلى غرفة للعمليات الطبية الطارئة في حالة اشتداد القصف أو الاشتباكات، ولكي يتمكن الأطباء والطاقم الطبي من مباشرة المهام الطبية والإسعافية بأمان.

أيضًا في يناير الماضي خطفت صورة تظهر اجراء أطباء المستشفى السعودي في الفاشر عملية جراحية بأضواء الهواتف المحمولة أثناء تعرضه للقصف وانقطاع الكهرباء قلوب السودانيين وعكست أقصى درجات الصمود والصبر من الكوادر الطبية . 

اعتراف بالانهيار

استمر الوضع الصحي في البلاد في التدهور حتى انهار القطاع بشكل شبه كامل إذ أعلن وزير الصحة السوداني هيثم محمد إبراهيم في مؤتمر صحفي أواخر ديسمبر الماضي توثيق وزارة الصحة وفاة 12 ألف مدني في مستشفيات البلاد، وهو ما يمثل 10% فقط من إجمالي عدد القتلى في الحرب. 

واسترسل إبراهيم قائلاً إن الخسائر التي تكبدها القطاع الصحي نتيجة الحرب وصلت إلى نحو 11 مليار دولار. وأشار إلى أن 250 مستشفى من أصل 750 مستشفى خرجت عن الخدمة بسبب الدمار الذي لحق بها، مما حرم الملايين من الرعاية الصحية الأساسية.ووصف وزير الصحة الوضع الإنساني في السودان بأنه الأسوأ في تاريخ البلاد.

الأوبئة تفاقم الأزمة

 لم تتوقف مأسي الحرب حيث تفاقمت الأزمة الصحية مع تفشي الأمراض الناجمة عن تلوث المياه إذ أكد وزير الصحة، تسجيل  1258 حالة وفاة بالكوليرا وأكثر من 48 ألف إصابة و8450 حالة بحمى الضنك،نتيجة انهيار البنية التحتية لمحطات المياه في عدة مناطق،  و870 حالة وفاة أمهات حوامل بسبب غياب الخدمات الصحية بمناطق سيطرة الدعم السريع، وأشار إلى فقد 60 كادراً صحيا أرواحهم أثناء تأدية عملهم.

80 مليون دولار لإصلاح النظام الصحي

مع تقدم الجيش السوداني في عدد من المحاور القتالية في العاصمة الخرطوم وبعض الولايات وعدت عدد من الدول بينها السعودية ومصر بالمساهمة في إعادة إعمار دمار الحرب وصحياً أطلقت وزارة الصحة السودانية مشروع المساعدة الصحية والاستجابة للطوارئ في السودان، الذي يستهدف 8 ملايين مواطن في عشر ولايات كمرحلة أولى.وقالت إن الولايات المستهدفة بالمشروع هي الشمالية، كسلا، نهر النيل، البحر الأحمر، الخرطوم، النيل الأزرق، سنار، شمال كردفان، جنوب دارفور، وغرب دارفور.

وبحسب تصريح صادر عن وزير الصحة يناير الماضي فإن المشروع مدعوم بمبلغ 20 مليون دولار من البنك الدولي، كجزء من ميزانية إجمالية تبلغ 80 مليون دولار مخصصة لإصلاح النظام الصحي، منها 20 مليونًا لتطوير المستشفيات عبر منظمة الصحة العالمية، و62 مليونًا للرعاية الصحية الأساسية عبر اليونيسف.

واعتبر وزير الصحة المُكلف هيثم محمد إبراهيم، أن المشروع يمثل خطوة رئيسية نحو إعادة بناء النظام الصحي في السودان، مشيرًا إلى الحاجة الملحّة لدعم 6 آلاف مؤسسة صحية في البلاد.

وأمس الأحد قدر الوزير المكلف في تصريح صحفي حوجة إعادة تأهيل القطاع الصحي المالية بـ(2.2) مليار دولار خلال العام الأول مضيفاً :”نعمل على توفيرها مع الدولة والمانحين”.

توقف حكايات نيالا وصافرات قطارها وميلاد أزمنة حربها المدمرة

22 مارس 2025 – على مدى نحو عامين لم يطلق قطار نيالا صافرته التي بدأت انطلاقتها الأولى في بدايات ستينات القرن الماضي، ليمثل انقطاع الصافرة، مؤشرًا لانقطاع الحياة والحكايات التي تدور في مسافة تتجاوز الألف كيلومتر مربع، في مواطن كثيرة يمر بها القطار في رحلته إلى العاصمة السودانية الخرطوم. 

كان كل ذلك، على رأسه ذاكرة القطار المنقطعة، نذيرًا، بأن نيالا البحير خلف الجبيل، لن تعود كما كانت، لتدخل في دورة حرب مدمرة في الفترة من أبريل إلى أكتوبر 2023 لتفرض قوات الدعم السريع سيطرتها عليها بعد استيلائها على قيادة الجيش في المدينة.

منذها حاولت قوات الدعم السريع إدارة المدينة الاستراتيجية بما في ذلك إنشاء إدارة مدينة لتطبيع الحياة فيها، لكن لغة السلاح والفوضى كانت أكثر قوة لتنزلق في أتون عالم فوضوي شيدته العصابات المسلحة والسيولة الأمنية على عجل، ما حول المدينة والتي تعد من أكبر مدن البلاد، إلى منطقة غير تلك التي عرفها أهلها على مدى عقود من الزمن. 

لتصبح خريطة الحياة فيها تتمثل في نهب المواطنين في الطرقات والأسواق وسط أحياء مهجورة وسلاح في كل مكان، وبخلاف ذلك تشهد نيالا مشاكل معقدة في القطاعات الخدمية على رأسها القطاع الصحي. كما تعاني المدينة من ضربات سلاح الجو التابع للجيش السوداني.

 

«الوضع الصحي في نيالا قاس.. ارتفعت رسوم الخدمات الصحية المقدمة، مثل عمليات الولادة والعمليات القيصرية والتي وصلت من 350 ألف جنيه سوداني إلى 600 ألف جنيه سوداني»، يقول مصدر من نيالا لـ«بيم ريبورتس».

ويضيف «أما مقابلة الطبيب تكلف 15 ألف جنيه في المستشفيات الخاصة، بينما تكلف 5 آلاف جنيه في المستشفى التعليمي». 

ويشير إلى أن كل المستشفيات العاملة في هي مستشفيات خاصة، موضحًا أن المستشفى الوحيد الذي يعمل بصورة عمومية هو مستشفى نيالا العام، والذي بدأ عمله قبل سنة، عبر رعاية منظمة أطباء بلا حدود، بالإضافة إلى تسيير عمل المرافق الصحية من خلال الرسوم المحصلة من الخدمات.

معيشيًا، يقول المصدر أن الوضع المعيشي في المدينة يشهد استقرارًا وصفه بـ النسبي  في أسعار السلع الأساسية، بعد ارتفاعها بشكلٍ كبير في فترة الخريف الماضي نسبة لصعوبة الحركة وتدفق السلع والبضائع. لكن من جانب آخر، أشار أحد مواطني نيالا، إلى أن السلع شهدت ارتفاعًا خلال الأيام القليلة السابقة لشهر رمضان.

 بيانات تُوضح آخر تحديثات أسعار السلع:

 

البند

السعر بالجنيه السوداني

جوال السكر زنة 50 كيلو

175 ألف

ملوة البصل

4 ألف

ملوة التبلدي

10 ألف

كيلو العدس

6 ألف

كيلو لحم البقر

7.5 ألف

كيلو لحم الضأن

11 ألف

كيلو لبن البدرة

15 ألف

جوال الفحم

12 ألف

برميل المياه

3 ألف

 

أوضاع مأساوية في مخيم كلمة 

تشهد مخيمات النازحين في ولاية جنوب دارفور وعلى رأسها مخيم كلمة شرقس مدينة نيالا أوضاعًا إنسانية كارثية، حيث يواجه النازحون خطر الموت جوعًا بسبب نقص حاد في الغذاء وانهيار سبل العيش.

 وأدت الحرب المستمرة إلى توقف توزيع حصص الغذاء التي كان يقدمها برنامج الأغذية العالمي، كما توقفت مهن القطاع غير الرسمي التي كانت تشكل مصدر دخل أساسي للنازحين لتغطية احتياجاتهم اليومية. 

 ويُعتبر مخيم “كلمة” من أكبر مخيمات النزوح في المنطقة، حيث تزايدت أعداد النازحين بشكل كبير منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. ومع سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة نيالا في أكتوبر 2023، أصبحت المدينة والمخيمات المحيطة بها تعاني من عزلة شبه كاملة، مما حال دون وصول المساعدات الإنسانية الضرورية.

الوضع خارج العاصمة نيالا 

يقول الصحفي مصعب محمد، إن الأوضاع المعيشية في نيالا أفضل من الأوضاع الأمنية والصحية بكثير. لكن الوضع خارج نيالا وفي أريافها ومخيمات النزوح يبدو أكثر صعوبة وقسوة، فمع التوغل من مدينة نيالا شمالاً، يختلف الوضع بالكامل في محلية ميرشنج وقراها التي تشكلت إثر موجات النزوح الكبيرة إبان الحرب في دارفور في العام 2003.

وتعاني المنطقة من تدهورٍ حاد في القطاع الصحي من قبل الحرب الجارية، ليزيد الوضع من صعوبة الحال ويضاعف ما تعيشه المنطقة. ومع استمرار النزاع المسلح وتفاقم الأوضاع الاقتصادية، أصبحت الظروف الصحية أكثر صعوبة، مما ينذر بكارثة صحية وبيئية قد تهدد حياة المئات من المواطنين.

وتسببت الحرب في انقطاع الإمداد الدوائي عن المنطقة، مما ترك معظم الصيدليات والمرافق الصحية فارغة، بدون أدوية أو مستلزمات طبية. حتى القليل المتبقي من الأدوية المتوفرة أصبح باهظ الثمن، بحيث لم يعد في إمكان معظم سكان المنطقة شراؤه. 

 وقال مواطن تحدث لـ”بيم ريبورتس” من محلية مرشنج إن ” الأزمة الصحية جاءت في وقت حرج، حيث تزامنت مع موسم الخريف، الذي يشهد انتشار الأمراض الطفيلية والمعدية مثل الملاريا والإسهالات المائية، مما عقد الوضع الصحي الهش في المنطقة”. 

وأثرت الحرب على قرى شمال ولاية جنوب دارفور بشكلٍ كبير، خاصةً فيما يتعلق بالأوضاع الاقتصادية والأمنية. فمع اعتماد القرى على الزراعة بشكلٍ أساسي، إلا أن الوضع الأمني حد بصورة كبيرة من حركة الناس في الأراضي الزراعية.

 ويوضح  المواطن أن الانتهاكات التي يتعرض لها مواطنو القرى تتفاوت من الضرب والنهب، إلى اغتصاب النساء، الأمر الذي جعل من المنطقة فضاء معزولًا، وأصبح الناس غير قادرين على ممارسة أنشطتهم الاقتصادية اليومية.

سيطرة الدعم السريع وتصاعد العنف

شهدت ولاية جنوب دارفور، وخاصة مدينة نيالا، تصاعدًا حادًا في العنف منذ أن سيطرت قوات الدعم السريع على المدينة في أكتوبر 2023، وذلك بعد انسحاب الجيش السوداني من  المدينة. 

وقد سبق ذلك اشتباكات عنيفة دارت بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أغسطس 2023، أسفرت عن مقتل 137 شخصًا، بينهم 54 طفلًا و47 امرأة، ونزوح آلاف الأهالي نحو محليات تلس، قريضة، ورهيد البردي، بالإضافة إلى ولاية شمال دارفور.

وفي ديسمبر 2023، عادت نيالا إلى صدارة الأحداث العسكرية بعد أن شن الطيران الحربي التابع للجيش السوداني غارات جوية مكثفة استهدفت مقر قيادة الفرقة 16 مشاة وعددًا من الأحياء الشرقية للمدينة. أدى القصف إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى بين المدنيين، وتدمير أجزاء كبيرة من البنية التحتية، مما تسبب في حالة من الهلع الجماعي وتهجير آلاف الأسر.

أما في المناطق الريفية شمال ولاية جنوب دارفور، فقد أثرت الحرب بشكل كبير على الحياة اليومية للسكان الذين يعتمدون بشكل أساسي على الزراعة. إلا أن تدهور الأوضاع الأمنية حد من حركة المواطنين في الأراضي الزراعية، وتعرض الكثيرون لانتهاكات خطيرة تتراوح بين الضرب والنهب وصولًا إلى الاغتصاب، مما جعل المنطقة معزولة وغير قادرة على ممارسة أنشطتها الاقتصادية المعتادة.

هذه التطورات جعلت جنوب دارفور واحدة من أكثر المناطق تأثرًا بالصراع الدائر، حيث يعاني السكان من ويلات الحرب التي طالت كل جوانب حياتهم، بدءًا من انهيار الخدمات الصحية والتعليمية، وصولًا إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية والأمنية، مما يضع المنطقة على حافة كارثة إنسانية كبرى.