Category: سياسي

كيف أصبح اضطراب الحدود بين السودان وأفريقيا الوسطى مدخلاً لسيطرة روسيا على موارد البلدين؟

على مدى السنوات الأخيرة، ظلت جمهورية أفريقيا الوسطى، الواقعة على حدود السودان الغربية بطول 174 كلم، تعيش حالة مستمرة من الاضطرابات السياسية والحروب الأهلية، أثرت على البلاد بشكل كبير. 

وبقيت أفريقيا الوسطى المستعمرة الفرنسية السابقة، لعقود من الزمن تحت نفوذ باريس، لكن أخيراً تمدد إليها النفوذ الروسي بشكل كبير عن طريق نظام الرئيس المخلوع عمر البشير، الذي رعى في فبراير عام 2019م مفاوضات سلام بين المتمردين والحكومة بالعاصمة الخرطوم شارك فيها مسؤولون روس رفيعو المستوى.

عقب إسقاط نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير في أبريل 2019م، تواصل التمدد الروسي في الحدود بين السودان وأفريقيا الوسطى، وصل في السنتين الأخيرتين إلى وجود عسكري شمل حتى العاصمة بانغي، إلى أن أصبح البلد الأفريقي الغني بالموارد المعدنية كما لو أنه مستعمرة روسية.

وبعد انفجار الحرب الأهلية بأفريقيا الوسطى في عام 2013م، أشارت تقارير إعلامية إلى تدخل نظام البشير المخلوع، عسكرياً إلى جانب أحد الأطراف المتصارعة.

ومع استمرار الحرب الأهلية التي اندلعت على أسس عرقية، ودينية من ناحية أخرى، أصبح السودان، وتحديداً إقليم دارفور، ملاذاً لآلاف اللاجئين الفارين من الحرب، في حدود ظلت مفتوحة أمام النشاط التجاري الشعبي لسنوات طويلة.

التجارة الرسمية والموازية بين البلدين

تنشط حركة تجارية واسعة بين البلدين، وتعتبر مدينة أم دافوق والتي تقع على بعد 370 كلم غربي مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، إحدى أكبر المناطق الحدودية التي تربط السودان بأفريقيا الوسطى، والمعبر الرئيسي لحركة التجارة بين البلدين. 

ومنطقة (أم دافوق)، كانت جزءاً من محافظة (رهيد البردي)، التي تمتد من غرب منطقة الشويب حتى حدود أفريقيا الوسطى، ولكن تم فصلهما لاحقاً وأصبحت (أم دافوق) محلية منفصلة من محلية (رهيد البردي).

وطبيعة النشاط الاقتصادي في محلية أم دافوق، نشاط رعوي، يمتد بين السودان ودولة أفريقيا الوسطى، مما أدى إلى وجود تداخل شعبي في المناطق الشرقية لأفريقيا الوسطى، مثل منطقة جبل فاطمة ومنطقة مأمون وغيرها، كما أدى التداخل إلى وجود مجموعات إثنية توزع وجودها بين السودان وأفريقيا الوسطى مثل مجموعات (الكارا) و(الصرا).

وتنتعش في (أم دافوق) التجارة الموازية، وذلك بفضل الحماية التي توفرها الجماعات المسلحة، مثل الجبهة الشعبية لنهضة أفريقيا الوسطى الإسلامية. وتنطلق الشاحنات التجارية من السودان نحو أفريقيا الوسطى محملة بالسلع السودانية مثل الزيت والبنزين وغيرها من السلع الاستهلاكية، بعد تفريغ السلع في أفريقيا الوسطى يُعاد تحميل الشاحنات بسلع محلية في مقدمتها البن لإعادة بيعها في السودان.

يعود هذا الشكل من أشكال التجارة الموازية بفائدة كبيرة على الجماعات المسلحة، والتي تعدها مورداً مالياً مهماً بفضل “الرسوم” التي تفرضها مقابل حماية القوافل، حيث يوجد حوالي 64 نقطة تفتيش لمسلحين من كل الانتماءات، وتبلغ أرباح مجموعات سيليكا السابقة وأبرزها الجبهة الشعبية حوالي 192 مليون فرنك سنوياً (حوالي 300 ألف يورو) من خلال الإقطاعات التي  تجمعها من تلك النقاط.    

أما على صعيد حركة التجارة الرسمية بين البلدين، فتبدو ضعيفة للغاية، إذ بلغ حجم الصادرات الرسمية السودانية لأفريقيا الوسطى في عام 2018م حوالي 128 ألف دولار، تتمثل في صادرات الآليات (3.78 ألف دولار)، والمعادن (124 ألف دولار). بينما بلغ حجم الواردات السودانية الرسمية من أفريقيا الوسطى، في عام 2018م، حوالي 783 ألف دولار تنقسم بين قطاعات الزراعة (530 ألف دولار)، والمعادن (36.5 ألف دولار)، والمواد الكيميائية (27.4 ألف دولار)، والآليات (165 ألف دولار)، والكهرباء (20.2 ألف دولار)، وأخرى (1.19 ألف دولار). 

جرائم الشركات الروسية

 مع تزايد نشاط التعدين التقليدي سواء كان في دارفور أو أفريقيا الوسطى، ارتفعت وتيرة الحركة بين الشعبين في الوقت الذي تمددت فيه الشركات الروسية في عمليات تعدين محمومة بالبلدين، أصبحت تطيح بالمعدنيين التقليديين السودانيين، حيث قامت قوات عسكرية تتبع للشركات الروسية في مارس الماضي بمطاردة المعدنين السودانيين من أفريقيا الوسطى إلى داخل الحدود السودانية، وقتلت العشرات منهم. 

لاحقاً، أفاد ناجون من هجوم المسلحين الروس، المسؤولين عن حماية الشركات الروسية التي تعمل في مجال التنقيب عن المعادن، على العاملين في مناجم الذهب من السودانيين والتشاديين ومواطنين  محليين من أفريقيا الوسطى بمنطقة “انداها” بافريقيا الوسطى، إن المسلحين الروس قتلوا أكثر من 20 شخصاً بعدما هاجمتهم في قرية “قورديل”،  بينما لا يزال عدد من عمال المناجم مفقودين. 

وتنشط في المناطق الشمالية لجمهورية أفريقيا الوسطى حركة “السيليكا” المسلحة المعارضة لحكومة أفريقيا الوسطى، بينما تتولى شركة الأمن الروسية “فاغنر” مساعدة الحكومة للقضاء على مسلحي الحركة.

ورغم قتل المعدنين السودانيين، بيد الروس، إلا أن الحكومة المركزية وحكومة جنوب دارفور، التزمتا الصمت حيال ذلك. بينما قال والي جنوب دارفور المكلف، حامد التجاني هنون، في مارس الماضي والذي زار مدينة أم دافوق الحدودية مع افريقيا الوسطى، إنه ليس لديه علم بالأحداث التي وقعت في منجم “اندها” بأفريقيا الوسطى.

مستوطنون جدد

وتنشط في حدود السودان مع ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى عمليات تهريب واسعة، تشمل الأجهزة الكهربائية والسيارات ومستحضرات التجميل والمخدرات، إضافة إلى نشاط تجارة البشر والأسلحة.  

وفي خضم النزاع المسلح بأفريقيا الوسطى، تمددت حركة النزوح تجاه إقليم دارفور، أيضاً أشارت تقارير أممية إلى أن مستوطنين جدد من دول عديدة، بينها أفريقيا الوسطى احتلوا أراضي النازحين في دارفور، حيث أبلغت جهات غير حكومية، فريق خبراء تابع لمجلس الأمن الدولي، عن احتلال أجانب من تشاد وأفريقيا الوسطى ومالي والنيجر ونيجيريا، أراضي النازحين واللاجئين في إقليم دارفور.

وذكر التقرير الأممي، أن معظم المحاورين غير التابعين للدولة في دارفور، أبلغوا الفريق بأن مستوطنين أجانب يحتلون أراض تعود ملكيتها للنازحين واللاجئين”، مشيراً إلى أن هؤلاء الأجانب الذين يُطلق عليهم العرب الرحل والجنجويد من تشاد وأفريقيا الوسطى ومالي والنيجر ونيجيريا.

ونقل التقرير عن محاورين من ولايات غرب وشمال ووسط وجنوب السودان، تأكيدهم وجود عناصر أجنبية – لاجئون ومهاجرون ومجرمون ومستوطنون جدد.

وتابع: “تداخلت التوترات في غرب دارفور وبعض مناطق وسط دارفور مع الحالة في الحدود المتاخمة لتشاد وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان”.

وشدد فريق الخبراء، على أن دارفور، لا تزال نقطة انطلاق للهجرة الدولية، من بلدان غرب ووسط أفريقيا والقرن الأفريقي إلى أوروبا عبر ليبيا والبحر الأبيض المتوسط، وذلك على الرغم تأكيد السلطات في الخرطوم على سيطرة قوى الأمن على الحدود.

وتابع: “التقارير المنتظمة عن الأنشطة غير القانونية في الحدود مثل تهريب المركبات والمخدرات والذهب، إلى جانب الإتجار بالبشر والسلاح من وإلى جنوب السودان وأفريقيا الوسطى وتشاد وليبيا تؤكد أن الحدود مفتوحة”.

حدود مفتوحة

ومع هذه التقارير عن المستوطنين الجدد في دارفور، أظهر فيديو منشور على الإنترنت، ضابط في قوات الدعم السريع، يتحدث إلى عشرات من مواطني أفريقيا الوسطى معظمهم نساء وأطفال، بوصفهم سودانيين وأنه مرحب بهم في بلدهم، رغم إقراره بأنهم قادمين من أفريقيا الوسطى.

وقال الضابط الذي عرف نفسه باسم، مرتضى أحمد أبوه، لعشرات الفارين من أفريقيا الوسطى

"نحن ما كنا عارفين هذه الموقع بهذه الطريقة، ولو كنا عارفين أهلنا الأتوا من أفريقيا الوسطى حالهم بهذه الطريقة كان التقيناهم قبل ما يدخلو السودان.. لكن نحن مع الأشغال، يعني نحن الآن ناس مسؤولين والشغل كتير في الدولة، الآن جرينا كتير وما منتبهين لمشاكل الأهل، فما أبت نفسنا إلى نجي نشوف مشاكل أهلنا ونسلم عليهم ونقول ليهم حمدا لله على السلامة في هذا السودان وانتو أصول من أصول السودان. ما دام الآن انتو بتمثلونا ونحن بنمثلكم، الآن انتو من أصالة السودان، والآن انتو أتيتم لسودانكم وأتيتم وطنكم".

وأضاف “أنا أتحدث معاكم ملازم أول دعم سريع/ مرتضى أحمد أبوه، قيادي من قيادات الدعم السريع، قطاع ولاية جنوب دارفور نيالا، والآن أيضاً مسؤول ومشرف بالإدارة الأهلية في المصالحات ما بين القبائل”.

إحلال ديموغرافي وتجارة سلاح

فسر الكثيرون هذا الأمر على أنه عملية إحلال ديمغرافي، وقد أكد تقرير أممي هذه المسألة، خصوصاً، وأن المنطقة المتاخمة لأفريقيا الوسطى غنية بالموارد المعدنية والغابية وبها أراض زراعية خصبة. وتشكو بشكل مستمر، مجتمعات النازحين واللاجئين في دارفور، من استيلاء مستوطنين جدد على أراضيهم بالقوة، في الإقليم الذي غيرته وما تزال الحرب التي اندلعت في عام 2003م.  

هناك أيضاً قضية تجارة السلاح في  الحدود السودانية مع دول الجوار التي من ضمنها  أفريقيا الوسطى، أو ما يعرف بـ “تجارة النمل”، وهي تشير إلى حركة الأسلحة الصغيرة التي يتم تهريبها عبر الحدود، وبالرغم من صعوبة حصر مسار هذا التدفق بحسب دراسة نطاق الأسلحة، خارطة تدفقات الأسلحة الصغيرة في أفريقيا، إلا أنه في أحيان كثيرة لا يحدث بطريقة مباشرة، بل عن طريق تغيير مسار نقل الأسلحة إلى دولة أخرى. وهو ما حدا بالسودان وتشاد وأفريقيا الوسطى لتكوين القوات المشتركة في وقت سابق. وبحسب الدراسة، فإن اضطراب الأوضاع السياسية يساهم في انتشار تجارة السلاح، حيث إمداد مناطق النزاع بالسلاح، ويتم استخدام المهاجرين الحدوديين كـ”بغال” للتهريب من قبل الجماعات المسلحة والعصابات الإجرامية.

إغلاق الحدود

وليس بعيداً عن ذلك، كانت قوات الدعم السريع، قد أعلنت بشكل مفاجئ في يناير الماضي، إغلاق الحدود بين السودان وأفريقيا الوسطى، البالغة 174 كلم، جراء ما وصفتها بالمخاطر الأمنية، دون تقديم مزيد من التوضيحات.

وقال قائد القوات المشتركة لتأمين الحدود بين السودان وأفريقيا الوسطى، أبشر بلايل، في تصريح عبر صفحة الدعم السريع على موقع فيسبوك، إنه تم إغلاق الحدود بين السودان وأفريقيا الوسطى بشكل كامل، لأسباب تتعلق بمخاطر أمنية.

وأضاف، أن القوات التي نفذت إغلاق الحدود، هي قوات مشتركة، ضمت القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، بجانب قوات من دولتي أفريقيا الوسطى وتشاد.

وأكد بلايل، وجود مخاطر أمنية وممارسات سلبية بين الحدود، استدعى إجراء السودان تنسيقاً مع أفريقيا الوسطى من جهة، ومع تشاد من جهة أخرى، لغلق الحدود بين البلدين.

وعلى عكس بيان الدعم السريع، قال مسؤول بمحلية أم دخن بولاية وسط دارفور، إن قرار إغلاق الحدود بين السودان وأفريقيا، جاء بعد تجمع مقاتلين يتبعون لمجلس الصحوة الثوري بقيادة الزعيم الأهلي، موسى هلال، في منطقة “أندها” الواقعة على الحدود بين البلدين، بغرض التعدين.

وأضاف: “هذه التحركات أثارت مخاوف قوات الدعم السريع التي دفعت في منتصف شهر يناير الماضي بنحو مائة عربة مسلحة إلى منطقة أم دخن الحدودية، لمراقبة الأوضاع، قبل أن تقرر إغلاق الحدود بشكل كامل بين البلدين ومنع تحركات المواطنين والقوافل التجارية، خاصة بعد فرار عناصر من قوات الدعم السريع الذين وصلوا المنطقة بعربة مسلحة إلى جمهورية أفريقيا الوسطى، الشيء الذي أثار مخاوف قيادات الدعم السريع.

بداية النفوذ الروسي

وتمر أفريقيا الوسطى التي نالت استقلالها في أغسطس عام 1960م، باضطرابات، إثر إطلاق جماعات مسلحة، كانت تسيطر آنذاك على معظم أنحاء البلاد، في ديسمبر 2020م، هجومًا للحيلولة، دون إعادة انتخاب الرئيس فوستين أركانج تواديرا، المدعوم من روسيا.

وتمكنت حكومة افريقيا الوسطى، بدعم روسي، من استعادة السيطرة على كل المدن الكبيرة وأجبرت المسلحين على اللجوء إلى الغابات.

وبدأت العلاقة بين مجموعة فاغنر الروسية وجمهورية أفريقيا الوسطى، بعدما وافق مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على مهمة تدريب روسية هناك، والتي على إثرها تم فك حظر الأسلحة الذي امتد منذ 2013م حتى 2017م. 

وفي أكتوبر 2017م، وقع الرئيس تواديرا عدداً من الاتفاقيات الأمنية مع الحكومة الروسية، وشمل ذلك طلب دعم عسكري، مقابل الوصول إلى كميات كبيرة من الألماس والذهب واليورانيوم في جمهورية أفريقيا الوسطى. ووافقت الأمم المتحدة على نشر 175 مدربا روسيا فقط للجيش المحلي.

في مطلع 2018م، قامت روسيا بنقل أسلحة لأفريقيا الوسطى، بالإضافة إلى أفراد سابقين في الجيش الروسي، بهدف تدريب كتيبتين عسكريّتين هناك، كما نجحت في الحصول على إعفاء من حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة بغرض توفير الأسلحة لجيش أفريقيا الوسطى لإبقاء الجماعات المتمردة تحت السيطرة.

وتتخذ مجموعة فاغنر عشر دول أفريقية كنقاط تمركز في القارة؛ وهي: السودان، جمهورية إفريقيا الوسطى، ليبيا، زيمبابوي، أنغولا، مدغشقر، غينيا، غينيا بيساو، موزمبيق وربما في جمهورية الكونغو الديمقراطية.

لم تقتصر أهداف الكرملين لدخول أفريقيا الوسطى على الوصول إلى الألماس والذهب واليورانيوم وغيرها، إذ أن روسيا اعتمدت على أفريقيا الوسطى كبوابة للاختراق وتوسيع النفوذ في القارة، وكان التوسع الروسي في أفريقيا الوسطى على حساب النفوذ الفرنسي التاريخي الذي يمثل القوة الاستعمارية المهيمنة تاريخياً.

اتفاقيات مشتركة

وأثناء فترة الحكومة الانتقالية الأولى في الخرطوم، اتفق السودان وأفريقيا الوسطى، على تعزيز التعاون بينهما في المجالات العسكرية وتأمين الحدود عبر القوات المشتركة، واستقبل وقتها رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، وزيرة الدفاع بأفريقيا الوسطى ماري نويل كويارا في نوفمبر2019م.

وأعلن وزير الدفاع السابق، جمال عمر، أنه تم الاتفاق علي تعزيز التعاون بين البلدين في المجالات العسكرية لتأمين الحدود بين البلدين عبر القوات المشتركة بين السودان وتشاد وأفريقيا الوسطي، مضيفاً

أن الجانبين اتفقا على استمرار التواصل ومراجعة الاتفاقيات والبروتوكولات العسكرية لتعزيز التعاون بين البلدين.

لم يكن هذا اللقاء، هو الأول بين الدولتين في إطار التعاون العسكري والحدود، إذ ألتقى وزير الدفاع، في عهد الرئيس المخلوع، عمر البشير، عبد الرحيم محمد حسين رئيس أفريقيا الوسطى السابق، فرانسوا بوزيزيه في سبتمبر 2007م، وأشارا إلى ضرورة تفعيل الاتفاقيات المبرمة مسبقاً (يقصد بها الاتفاقية الثنائية لتأمين الحدود الموقعة عام 2004م، والاتفاقية الثلاثية بين السودان وتشاد وأفريقيا الوسطى عام 2005م، والتي تتحدث عن تأمين الحدود بقوات مشتركة).

 وفي مايو 2011م، تم إقامة قمة ثلاثية بين رؤساء السودان وتشاد وأفريقيا الوسطى بالخرطوم لإنشاء آلية استشارية ثلاثية للتعامل مع القضايا الأمنية، والعمل على تعزيز التعايش السلمي بين القبائل المشتركة وتشجيع العودة الطوعية للاجئين، كما تم الاتفاق على تفعيل اتفاقية إنشاء القوات المشتركة لحماية الحدود المشتركة الممتدة على بعد 1500 كلم. وترتكز مهام هذه القوى على الحد من الجرائم العابرة للحدود مثل تهريب البضائع والأسلحة ومنع المعارضين المسلحين عبور الحدود.

 في يونيو 2014م، أجرى السودان وأفريقيا الوسطى مباحثات، تركزت على مسألة فتح الحدود والتبادل التجاري. 

مع استمرار الاضطرابات الأمنية في أفريقيا الوسطى من جهة، وفي إقليم دارفور من جهة أخرى، فضلاً عن الوجود الروسي على مقربة من الحدود السودانية وتأثيراته الأمنية على البلاد والصراع والتنافس على التعدين. بالإضافة لاستمرار إغلاق الدعم السريع للحدود، وحركة التغيير الديمغرافي والاستيطان المحمومة، وانتشار تجارة السلاح، يبدو أن الحدود المضطربة بين السودان وأفريقيا الوسطى، أصبحت معبراً للنفوذ الروسي على الموارد الأفريقية.

كيف تدفع إغراءات المال آلاف الجنود السودانيين لسباق المشاركة في دمار اليمن السعيد؟

سباق المشاركة

خلال أكثر من عام بقليل قضاها كمستشار عسكري على الحدود السعودية ـ اليمنية، أكمل العقيد بالجيش السوداني، (أ.أ)، والذي أنهى مهمته ضمن اللواء الثامن، قبل عدة أسابيع فقط، بناء منزل فخم من عدة طوابق في إحدى ضواحي العاصمة السودانية الخرطوم، بتكلفة بلغت ملايين الجنيهات، ما كان ليستطيع فعل ذلك، بناء على راتبه الرسمي.

العقيد (أ.أ)، ليس العسكري الوحيد الذي مثّلت له حرب اليمن، مصدراً مالياً كبيراً لتحسين وضعه الاقتصادي بما في ذلك إنشاء استثمارات صغيرة ومتوسطة، تبدو بعيدة المنال في الظروف العادية.

بينما بات حديث ضابط الصف الفني بقوات الدفاع الجوي السودانية، (م.أ) منذ عودته من حرب اليمن قبل عدة أشهر، مركزاً حول شراء عقار أو قطعة أرض، بما يعادل نحو 15 مليون جنيه سوداني، وإنشاء بعض المشروعات الصغيرة، كحصاد لعام قضاه في الحدود السعودية ـ اليمنية.

لا يعتقد (م.أ)، أنه، كان يعمل كمرتزق يقول “نحن مجرد فنيين ونقيم في القواعد العسكرية”.

بعد عام، و6 أشهر فقط قضياه في اليمن كل على حدة، تمكن الجنديان الشقيقان (م . ع)، من شراء قطعتي أرض بأمدرمان وسيارة نقل عام وركشة، وباتا حديث سكان الحي، من خلال رحلة ثرائهما السريع، أو على الأقل تحسين أوضاعهما بطريقة غير متاحة للآخرين.

أولئك الذين حققوا أحلامهم بالمشاركة في حرب اليمن لجني المال، ينتظر آلاف العسكريين السودانيين دورهم في الذهاب إلى أرض الأحلام (اليمن)، لاختبار كيف تحولك أشهر قليلة من عسكري يتقاضي ما لا يتجاوز عشرات الآلاف من الجنيهات السودانية في الشهر، إلى شخص تداعبه أياديه ملايين الجنيهات.

منذ ما يقارب العام سافر كل من العسكريين بقوات الدفاع الجوي (م.ش) و(ك.ع)، ضمن 600 عسكري آخر إلى مدينة الجنينة غربي البلاد للعمل هناك، على وعد أن يتم اختيارهما للسفر إلى اليمن بنهاية مهمتها التي قاربت على الانتهاء.

لكن أحداث العنف التي تشهدها ولاية غرب دارفور منذ يوم الجمعة قبل الماضي، ربما تمدد مهمتهما هناك، يقولان سنذهب إلى اليمن إذا بقينا أحياء.

أيضاً ينتظر المئات من قوات الدفاع الجوي الموجودون في منطقة الفشقة بولاية القضارف جنوب شرقي البلاد، دورهم في الذهاب إلى اليمن، لكن، مع بداية إعادة انتشار الجيش السوداني في الفشقة في نوفمبر 2020م، قتل العديدون بينهم، دون أن يروا اليمن.

جاءت مشاركة السودان في حرب اليمن، في عام 2015م، كتحالف عربي بقيادة المملكة العربية السعودية لاستعادة الشرعية في اليمن، لكن الدوافع والأهداف مبهمة.

عدد القوات والوحدات العسكرية

ومنذ ذلك الوقت تشارك كل الوحدات العسكرية السودانية، على رأسها المشاة، وبعض الوحدات تشارك بأطقم فنية، مثل المدرعات والمهندسين والدفاع الجوي وسلاح الإشارة، وكل فئات الجيش المشاركة عبارة عن مستشارين فنيين ومهنيين.

أيضاً استقطبت حرب اليمن عدداً من الرياضيين العسكريين، مثل لاعب نادي الهلال والمنتخب الوطني السابق، أبوبكر الشريف، حيث يشارك في اللواء 11. بجانب بطل السودان السابق في ألعاب القوى، إسماعيل أحمد إسماعيل، أيضاً يوجد ضمن اللواء 11.

وآلية الاختيار كانت تتم حسب سنوات الخدمة ونموذج العمليات، كلما كان لديك سنوات خدمة وخبرة طويلة تكون فرص المشاركة أكبر. لكن حالياً، بدأ يتم إبعاد كبار السن بجانب صغار السن، وأولئك المصابين بمرض الكبد الوبائي بطبيعة الحال. أيضاً، يضع بعض كبار الضباط أياديهم من خلال، التحكم في قائمة المشاركين عبر المال مقابل إتاحة فرصة المشاركة، في حرب اليمن لمدة عام، حيث يمنح الجنود وضباط الصف 13 ألف ريال شهرياً، بجانب قيمة للدولة غير معروفة.

وتتم المشاركة من اللواء الأول حتى العاشر، والآن تم تعديل الاتفاق المالي، بداية من اللواء الـ11، ولا تعرف القيمة بعد، لأنهم سافروا فقط الشهر قبل الماضي.

ويبلغ العدد الكلي للواء 5 آلاف جندي، بجانب ما تعرف بـ(كتائب اليمن)، وهي تضم العسكريين من كبار السن، وأولئك الذين يتم اختيارهم عبر الواسطة، ويكونوا موجودين في أماكن آمنة نسبياً، بجانب أن فترتهم 6 أشهر.

يوجد على مدار العام لواءين من الجيش السوداني في السعودية، حالياً يوجد اللواء العاشر والحادي عشر الذي لديه عقد جديد بقيمة أعلى، بينما يوجد ما يقدر بنحو 5 آلاف عسكري من الدعم السريع، غالبيتهم داخل الأراضي اليمنية، ومدة بقائهم 6 أشهر ويتم تغييرهم مرتين في العام.

حالياً يتم إعداد اللواء الـ12، لتغيير اللواء العاشر، بعد عدة أشهر، بينما سيتم تغيير اللواء 11 باللواء 13 في مارس 2023م.

شركات الجيش

مع امتلاك الجيش السوداني، لمئات الشركات التي تُقدر أصولها بمليارات الدولارات، لا يستطيع غالبية أفراده تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة، وسرت موجة غضب في أوساطهم بعد مضاعفة رواتب قوات الشرطة منذ الشهر الماضي، دون أن تشملهم زيادة الرواتب.

الأحاديث والمعلومات التي تحصلت عليها (بيم ريبورتس)، من عدد من العسكريين، توضح أن الحرب في اليمن، لا تمثل بالنسبة لهم سوى مورد اقتصادي لتحسين أوضاعهم الاقتصادية، لا يأتي فيها ذكر لأية أسباب أخرى تدعو للمشاركة فيها.

أسير سابق

“قضيت أكثر من عام في اليمن إلى أن تم أسري. لن أذهب إلى هناك مرة أخرى لأي سبب كان”، يقول المساعد في الاستخبارات (ع.ع)، وهو يمتلك حالياً حافلة مواصلات يقدر سعرها بحوالي 10 ملايين جنيه سوداني.

هروب بعد العودة من اليمن

"أولادكم الذين قمنا بتجنيدهم في الدعم السريع، يذهبون إلى اليمن ويأتون، للتو صرفوا شيك بمبلغ مليارات و400 ألف جنيه، الواحد يمشي يشتري موتر ويشتري بندقية ويشتري لي شال ويخلي الدعم السريع.. نحن يا جماعة في سنة واحدة في 8 ألف فاتوا خلونا"

يقول أحد ضباط الدعم السريع، في مخاطبة منشورة على الإنترنت قبل عدة أشهر.

أصوات رافضة للحرب

ورغم هذه الموجة الحماسية للمشاركة في حرب اليمن المستمرة منذ اكثر من سبع سنوات، إلا أن ضباطاً وجنوداً كثر يرفضون المشاركة فيها، بل ويرفضون مبدأ مشاركة الجيش السوداني في الحرب وما ترتب عليها.

الموقف المعارض للحرب داخل الجيش، يتفق مع مواقف القوى السياسية المدنية التي كانت تعارض نظام الرئيس المخلوع عمر البشير. أيضاً يتفق مع موقف الحكومة الانتقالية السابقة، حيث دعا رئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك، إلى حل سياسي للأزمة اليمنية.

بداية الحرب

في عام 2015م، أعلنت المملكة العربية السعودية، بدء عملية عسكرية في اليمن ضد المتمردين الحوثيين، تحت مسمى عاصفة الحزم بمشاركة 10 دول بينها السودان، وهي كانت بمثابة فرصة ذهبية لنظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، لتمويل اقتصاد البلاد الذي كان يعاني من تبعات انفصال جنوب السودان في 9 يوليو 2011م.  

لكن بعد أكثر من 7 سنوات على انضمامها إلى جانب المملكة العربية السعودية في حربها ضد اليمن تحت مسمى تحالف استعادة الشرعية، بدا أن مشاركة القوات المسلحة السودانية تركت آثاراً عميقة على سمعتها بالدرجة الأولى، بجانب تبعات سياسية عالية وقعت على السودان جراء المشاركة في هذه الحرب. فضلاً عن مقتل وجرح وأسر مئات العسكريين، حسب إحصائيات سودانية، لكن اليمنيين يتحدثون عن آلاف القتلى من القوات السودانية.

ومنذ بدء انضمامها إلى التحالف العربي بقيادة السعودية، ثار الجدل، وما يزال، وسط السودانيين، حول مدى مشروعية وأخلاقية مشاركة القوات السودانية، باعتبار أن عملها الأساسي حماية الشعب والتراب الوطني. 

وغداة انضمامه إلى (عاصفة الحزم)، قال الجيش السوداني في بيان، إن هذه المشاركة تأتي “من منطلق المسؤولية الإسلامية لحماية أرض الحرمين الشريفين والدين والعقيدة”.

في مارس 2015م، أعلن الناطق باسم الجيش السوداني وقتها، الصوارمي خالد سعد، مشاركة السودان في “عاصفة الحزم” رسمياً، لدعم قوات التحالف بقيادة السعودية في حربها ضد الحوثيين باليمن، وفي أكتوبر من نفس العام، أعلن الرئيس المخلوع، عمر البشير، وصول أول دفعة من الجيش إلى اليمن، وقال إن عددها لا يتجاوز لواء واحد من المشاة.

حمدوك يدعو للحل السياسي

عقب أشهر من إسقاط نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، في أبريل 2019م، أعلن رئيس الوزراء السوداني السابق، عبد الله حمدوك،  في ديسمبر من نفس العام، أن عدد القوات السودانية العاملة في اليمن هو 5 آلاف.

وقال حمدوك في تصريحات صحفية وقتها، إن بلاده بدأت سحب قواتها من اليمن تدريجيا، كاشفاُ أن العدد تقلص من 15 ألف جندي إلى 5 آلاف جندي.

وأكد حمدوك، أن الصراع في اليمن “لا يمكن حله عسكرياً.. ويجب إيجاد حل سياسي”، وقال للصحفيين إنه لم تُجر مناقشات حول سحب القوات السودانية من اليمن أثناء زيارته لواشنطن”.

وتعمل القوات السودانية في إطار تحالف تقوده السعودية تدخل في اليمن عام 2015 لمواجهة جماعة الحوثي التي تسيطر على العاصمة صنعاء.

ومنذ إعلان الإمارات الماضي تقليص وجودها العسكري في اليمن ثم سحبها لقواتها من ميناء عدن جنوبي البلاد، بدأ انخفاض عدد القوات السودانية المشاركة في اليمن خصوصاً مليشيا الدعم السريع.

سبع سنوات من الحرب

وحرب اليمن التي يشارك فيها الجيش السوداني منذ أكثر من 7 سنوات، أودت بحياة عشرات الآلاف من الأشخاص ودفعت الملايين إلى شفا مجاعة.

وكان قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، قد أعلن أن عدد القوات السودانية التي تشارك في حرب اليمن بلغ ثلاثين ألف جندي، معظمهم من قوات الدعم السريع.

تجنيد الأطفال

وكانت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، كشفت في تحقيق صحفي لها، أن 40% من الجنود أطفال يتم تدريبهم في مناطق على الحدود مع السعودية، وقالت الصحيفة الأميركية، إن أعمار الأطفال المجندين بين 14-17.  

واتخذ الرئيس المخلوع، عمر البشير، قرار المشاركة في حرب اليمن عام 2015م، بدعوى أن أمن “الحرمين الشريفين” خط أحمر، وأن ما تقوم به بلاده واجب مقدس وأخلاقي على حد تعبيره.

قادة عسكريين لعبوا دوراً رئيسياً في حرب اليمن

ومن القادة العسكريين السودانيين الذين كان لهم دور رئيسي في حرب اليمن، رئيس أركان الجيش السابق، عماد مصطفى عدوي، الذي زار قاعدة العند عام 2016م، وقائد القوات البرية السابق عبد الفتاح البرهان، الذي أشرف على القوات السودانية في اليمن بالتنسيق مع قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي).

انتشار القوات السودانية

وتنتشر القوات السودانية تحديداً في تعز والحديدة ولحج وحجة وصعدة وقد شارك أفرادها في جميع عمليات التحالف تقريبا في جنوب اليمن.

وفي سبتمبر  2018م، اعترف قائد قوات الدعم السريع، بمقتل 412 جنديا سودانيا، بينهم 14 ضابطا، بينما قدر مصدر حكومي حينها عدد الذين قتلوا من الجيش السوداني في حرب اليمن بنحو 850 عسكرياً.

قتلى جدد في اليمن

وفي مارس الماضي، أعلنت جماعة أنصار الله الحوثية اليمنية، مقتل أكثر من 80 سودانيا و15 جنديا سعوديا في عملية عسكرية بمدينة حرض الحدودية. وأفاد مصدر عسكري لقناة “لمسيرة” التابعة للحوثيين، بأنهم قاموا بتطهير عشرات المواقع والقرى غرب مدينة حرض خلال العملية الواسعة على مواقع التحالف العربي.

وصرح المصدر العسكري بأن “العملية العسكرية استمرت غرب حرض يومين كاملين سيطر المجاهدون خلالها على مساحة تقدر بـ 54 كم مربع”.

وأكد المصدر العسكري مصرع وإصابة أكثر من 500 عنصر من المقاتلين من الجنسيتين السودانية والسعودية، موضحا أنهم استحوذوا على عتاد عسكري كبير منه مدرعات ودبابات وأطقم عسكرية وأسلحة ثقيلة ومتوسطة خلال العملية غرب حرض.

وبعد أكثر من سبع سنوات من الحرب في اليمن، خلفت عشرات آلاف الضحايا والجرحى والمشردين داخلياً وخارجياً، وسط ظروف إنسانية بالغة السوء يعيش فيها ملايين اليمنيين، من دون أن تلوح بارقة أمل في وقف الحرب، رغم أن المملكة العربية أعلنت إيقاف العمليات العسكرية في شهر رمضان الماضي.

من هو علي كوشيب الذي يمثل أمام المحكمة الجنائية الدولية بعد 15 عاماً من صدور مذكرة توقيفه؟

أعلنت المحكمة الجنائية الدولية، الثلاثاء 5 أبريل 2022م، افتتاح المحاكمة في قضية المدعي العام للمحكمة ضد علي محمد علي عبد الرحمن، المعروف باسم (علي كوشيب)، أمام الدائرة الابتدائية الأولى في المحكمة الجنائية الدولية. ووجهت المحكمة إلى كوشيب (31) تهمة، متصلة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور، في الفترة بين أغسطس 2003م وأبريل 2004م على الأقل، وفقا لبيان أصدرته المحكمة، فمن هو كوشيب الذي يمثل أمام المحكمة الجنائية الدولية، بعد 15 عاماً على صدور مذكرة توقيفه.

من هو علي كوشيب؟

وُلد كوشيب عام 1957، وهو بالأساس ضابط صف بقوات الاحتياطي المركزي، تدرج فيها حتى وصل إلى رتبة المُساعد. وهي القوات التي فُرضت عليها عقوبات مؤخراً من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، بسبب قمعها العنيف للمظاهرات السلمية. 

علي كوشيب بالزي العسكري

يعتبر علي كوشيب بمثابة حلقة الوصل بين نظام الرئيس المخلوع عمر البشير وبعض المليشيات المحلية -فيما يخص تجنيد المرتزقة- التي دعمتها الحكومة السودانية في دارفور.

 كان كوشيب فاعلاً مع قوات الدفاع الشعبي، بالإضافة إلى نشاطه مع مليشيات (الجنجويد) – التي كانت النواة الأساسية للقوات المعروفة حالياً بقوات (الدعم السريع)- في الهجوم على المدنيين العزل بدارفور بين عامي 2003م و 2004م.

كوشيب والمحكمة الجنائية الدولية

في السابع والعشرين من العام 2007م، أصدر المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، مذكرة توقيف بحق كوشيب و أحمد هارون، القيادي بحزب المؤتمر الوطني، متهماً كوشيب بإصدار أوامر بالقتل والاغتصاب والنهب.

ذكرت المحكمة الجنائية الدولية، في بيان لها أنها تعتقد أن (كوشيب) “نفذ استراتيجية الحكومة السودانية في مكافحة التمرد والتي تسببت في ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور في السودان”. وأضافت أن الهجمات التي شنتها القوات المسلحة السودانية و/أو ميليشيا الجنجويد، التي كان كوشيب جزءً منها، كانت ذات طبيعة منهجية وواسعة النطاق، وكانت موجهة ضد السكان المدنيين، عملا بسياسة دولة أو منظومة تقضي بالهجوم على السكان المدنيين، أو تعزيزا لهذه السياسة.

احتوت مذكرة التوقيف الصادرة بحق (كوشيب) لائحة من (50) تهمة، حيث تتهمه بتحمل المسؤولية الجنائية الفردية عن:

  • (22) تهمة تتعلق بجرائم ضد الإنسانية (القتل، النقل القسري، الاغتصاب، الاضطهاد، التعذيب، فرض السجن أو الحرمان الشديد من الحرية، ارتكاب أفعال لا إنسانية ما يسبب معاناة شديدة أو أذى خطيراً )
  • (28) تهمة تتعلق بجرائم حرب (القتل، شن الهجمات على السكان المدنيين، الاغتصاب، الاعتداء على كرامة الأشخاص، النهب وتدمير الممتلكات).

بعد التحقيق، وجهت المحكمة لكوشيب (31) تهمة، من بين الخمسين التي أرفقت مع مذكرة التوقيف.

لم تسلِّم السلطات السودانية كوشيب ومن معه لقضبان (الجنائية الدولية)، مبررة ذلك لعدم توقيعها على نظام روما الأساسي، المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية.

استسلام علي كوشيب

في التاسع من يونيو من العام 2020م، أعلنت المحكمة الجنائية الدولية أن كوشيب أضحى في عهدتها، بعد أن سلم نفسه طوعاً إليها في جمهورية إفريقيا الوسطى. وكان كوشيب حرا طليقا، هو و عبدالله بندة من بين المتهمين السودانيين دوليا (البشير وهارون و عبدالرحيم حسين)، الذين تم احتجازهم داخل قضبان السجون السودانية.

كوشيب بعد أن سلم نفسه

أولى جلسات المحكمة

في السادس من أبريل الجاري، أجريت أول جلسات المحكمة بحضور المتهم و بإدعاء المدعي العام، كريم خان. ابتدر المدعي العام إدلاء أدلته قائلا بأنه سيذكر مجموعة كاملة من الأدلة تدعم (31) تهمة موجهة لكوشيب. وأفاد بأن الأطفال قد كانوا ضمن الضحايا “غير المرئيين” أثناء الحروب، حسب وصفه. و ذكر أن أحد مأسي الحرب في دارفور تكمن في أن عُمر معظم الضحايا الأطفال في دارفور أقل من خمس سنوات فقط.

واصل مدعي المحكمة في ذكر الأدلة الداعمة للاتهامات الموجهة لكوشيب، وأفاد في كلمته أمام رئيسة المحكمة، عدم تصويت أي دولة ضد قرار إحالة ملف دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية -حتى روسيا والصين-، ما يدل على إجماع المجتمع الدولي على ضرورة التحقيق في الاتهامات الموجهة للحكومة السودانية.

كوشيب يواجه الدائرة الابتدائية للمحكمة الجنائية

السودان والمحكمة الجنائية الدولية

 أحال مجلس الأمن الدولي الحالة في دارفور ابتداء من 1 يوليو 2002م إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بالقرار 1593 في 31 مارس 2005م، كأول حالة يحيلها مجلس الأمن للمحكمة. واثر ذلك، تسلم المدعي العام خلاصات بعثة التحقيق الدولية في دارفور. كما طلب مكتب المدعي العام معلومات من مصادر متعددة حتى تجمعت لديه آلاف الوثائق، وخلص المدعي العام إلى توافر الشروط المطلوبة وقرر الشروع في التحقيق في 6 يونيو 2005م.

في العام 2009م، أصدرت الدائرة التمهيدية في المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقال بحق الرئيس المخلوع عمر حسن البشير بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. و هي أول مذكرة توقيف تصدرها المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس دولة يمارس مهامه منذ تأسيسها في عام 2002م.

أيضا، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أمرا بإلقاء القبض على وزير الدفاع إبان عهد حكم المؤتمر الوطني، عبد الرحيم محمد حسين بالعام 2012م، موجهة له 41 تهمة بجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب يزعم ارتكابها في دارفور، حسبما ذكرت.

المحكمة الجنائية لا تحتكر توجيه الإدعاء ضد منسوبي الحكومات فقط، فقد أصدرت مذكرات إحضار ضد كل من (صالح جربو) و (عبدالله بندة) اللذين قادا حملات عسكرية ضد نظام البشير، بالإضافة إلى (بحر إدريس أبو قردة) حينما كان معارضا لنظام البشير قبل تصالحه معه.

ما مشروعية وأهداف إنشاء مفوضية خاصة بأراضي الدعم السريع؟

ضمن رحلة محاولة شرعنتها المثيرة للجدل، منذ إجازة قانونها في عام 2017م في عهد البرلمان المحلول، على أن تكون جزءاً من الجيش في (الطوارئ والحرب)، وفقاً لنص المادة (5)، وفي حال قرر (الرئيس) دمجها في وزارة الدفاع يسقط القانون.

مروراً بتعديل في قانونها، أجراه رئيس المجلس العسكري الانتقالي، عبد الفتاح البرهان، في عام 2019م، الذي قضى بإلغاء المادة (5) آنفة الذكر، وصولاً إلى وضعيتها في الوثيقة الدستورية، وليس انتهاء باستقلالها الاقتصادي والسياسي، تمضي قوات الدعم السريع قدماً، خلال 5 سنوات فقط، في محاولة الانفصال عن أجهزة الدولة عامة، والقوات المسلحة بصفة خاصة.

في الثامن من أبريل الحالي، نُشرت وثائقَ، تشير إلى إصدار قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، قراراً، قضى بإنشاء مفوضية خاصة بأراضي وعقارات الدعم السريع.

ويفتح القرار غير المسبوق، والذي أثار، وما يزال، جدلاً في الأوساط السياسية والقانونية، باب التساؤلات، حول مشروعية إنشاء مفوضية لأراضي وعقارات الدعم السريع بقرار صادر من قائد هذه القوات.

وتمتد التساؤلات، إلى الهدف من الخطوة، بالإضافة إلى الآلية والكيفية التي حددتها الوثيقة الدستورية لإنشاء المفوضيات، وما الجهات والشخصيات الاعتبارية التي منحت سلطة إنشائها.

وحدد القرار، سلطة المفوضية، بالإطلاع على الوثائق الضرورية التي تعينها في عملها، وتكوين مجموعات عمل مساعدة والاستعانة بمن تراه مناسباً لإنجاز مهامها والتوقيع على جميع المستندات والأوراق الثبوتية الخاصة بعمل المفوضية.

كما حدد القرار مهام واختصاصات المفوضية؛ وهي حصر وتصنيف الأراضي والعقارات التابعة لقوات الدعم السريع والحصول على تصديقات أراضٍ جديدة بجميع الولايات ومراجعة كل الأراضي والعقارات التابعة للدعم السريع بجميع الولايات والعمل على إكمال عملية تسجيلها باسم الدعم السريع والتأكد من أرقام الأراضي والعقارات بكشوفات مكاتب التسجيلات بجميع الولايات، واتخاذ الإجراءات اللازمة لتوفيق الأوضاع القانونية لجميع الأراضي والعقارات التابعة لقوات الدعم السريع بجميع الولايات، والحصول على تصديقات أراضٍ سكنية لمنسوبي قوات الدعم السريع من الضباط وضباط الصف والجنود بجميع ولايات السودان.

ورغم مرور نحو أسبوعين على تسريب وثائق قرار إنشاء مفوضية أراضي وعقارات الدعم السريع، لم تعلق أي من الجهات الثلاث المعنية بالقضية (الدعم السريع، وزارة الحكم الاتحادي، إدارة الأراضي) بشكل رسمي حتى الآن، فيما تتسارع المخاوف وسط الرأي العام السوداني، من استمرار هذا النمط غير المسبوق في التغول على السلطات.

تقصى فريق البحث في (بيم ريبورتس)، حول الوثائق وتأكد من صحتها، ووجد أن قرار إنشاء مفوضية أراضي الدعم السريع يهدف بشكل أساسي لتأكيد السيطرة القانونية على مقار هيئة العمليات المحلولة التي استولى عليها، وكذلك مقار كانت تتبع لجهاز المخابرات العامة، مثل المقر الرئيس للدعم السريع بالخرطوم، بجانب بعض مقار حزب المؤتمر الوطني المحلول، وبعض الأراضي والعقارات التي استردتها لجنة إزالة التمكين.

أيضاً من ضمن الأراضي التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع بالخرطوم، وتسعى لتقنينها عبر المفوضية، الحديقة الدولية، والتي كانت مقراً مؤقتاً لقوات حركة جيش تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي.

كما أن الهدف الأساسي في المرحلة الحالية، من إنشاء مفوضية أراض عقارات الدعم السريع، هو إيجاد تمويل إضافي من العقارات والأصول، للصرف على أنشطة الدعم السريع المتنامية، بعد انخفاض المصادر الأخرى، وأيضاً لزيادة تمكينها الاقتصادي.

وكان القرار، قد حدد مهام واختصاصات المفوضية:

  • حصر وتصنيف الأراضي والعقارات التابعة لقوات الدعم السريع.
  • الحصول على تصديقات أراضٍ جديدة بجميع الولايات.
  • مراجعة كل الأراضي والعقارات التابعة للدعم السريع بجميع الولايات والعمل على إكمال عملية تسجيلها باسم الدعم السريع.

"دستورياً، فإن إنشاء المفوضيات ليس من اختصاص الجيش أو الدعم السريع، وإنما هي سلطات ممنوحة للجهاز التنفيذي برئاسة مجلس الوزراء، وقد حددت الوثيقة الدستورية حصراً سبع مفوضيات كل منها تحت مرؤوسية رئيس الوزراء، وبكل تأكيد، ليس من ضمنها ما سمي بمفوضية أراضي الدعم السريع".

يقول الخبير القانوني والناشط الحقوقي، عبد الباسط الحاج.

ويضيف الحاج لـ(بيم ريبورتس): “وفق قانون القوات المسلحة والعرف الثابت لديها، فإن توفيق أوضاع منسوبي الجيش بكل وحداته يتم تحت بند الأوامر المستديمة الخاصة بتوفير الخدمات الضرورية لضباط وضباط صف وجنود القوات المسلحة، وهذا ما درج العمل به تاريخياً، بما في ذلك إدارة المؤسسات الاقتصادية التابعة للجيش والتي تكون تحت إدارة وزير الداخلية وإشراف القائد الأعلى بحسب قانون القوات المسلحة لسنة 2007”.

وتابع الحاج “حسب الوثيقة الدستورية التي تعطلت عقب الإنقلاب فإن مجلس السيادة يعين أربع مفوضيات بالتشاور مع مجلس الوزراء. ومن جانب آخر، فإن رئيس الوزراء له حق تعيين رئيس وأعضاء لثماني مفوضيات أخرى مستقلة وفق نص المادة 39، ومن ضمن هذه المفوضيات مفوضية الأراضي، ويجب أن تكون مستقله تماماً ويحدد رئيس الوزراء مهامها وصلاحياتها”، مضيفاً “وبالتالي ما نشر عن تكوين مفوضية خاصة بأراضي الدعم السريع، هو قرار باطل وفاقد للشرعية والمشروعية وخرق كبير لمهام واختصاصات الحكومة التنفيذية الغائبة”. 

وحسب الحاج، تنشأ المفوضيات عند الحاجة لها، بقرار من رئيس الوزراء، ويسمي رئيس الوزراء وفق الوثيقة الدستورية، رئيس وأعضاء المفوضية ويحدد صلاحياتها واختصاصاتها بكل تأكيد.

وحول تداعيات هذا القرار وإمكانية مفاقمته لنزاع الأرض في دارفور بشكل خاص، يقول الحاج

"هذا القرار بطبيعته كارثي ويسبب الكثير من الإشكالات لأنه بكل بساطة يعتبر قرار احتلالي يجيز بطريقة غير مشروعة لقوات مليشيا الدعم السريع حيازة عدد لا يحصى من المواقع و العقارات والأراضي دون تخصيص وفي كل السودان، ما يؤكد أن نفوذ هذه المليشيات مستمر في التغلغل داخل مؤسسات الدولة لتصبح موازية للمؤسسة الرسمية للدولة".

يقول الخبير القانوني والناشط الحقوقي، عبد الباسط الحاج.

ورأى الحاج، أن حالة دارفور لا تتحمل مثل هذه القرارات، لأن دارفور بها إشكال رئيسي وهو وجود من وصفهم بـالمستوطنين الجدد المقيمين على أراضي النازحين والمهجرين داخلياً، وهذا يعني، والحديث للحاج، أن تنفيذ مثل هذه القرارات لا يعد سوى مشروعاً استيطانياً جديداً يسعى قائد هذه المليشيات الاستحواذ على أكبر مساحة من الأراضي والتمكين اقتصاديا على حساب النازحين في المعسكرات والمشردين داخلياً.

تأسيس إشكالي للدعم السريع

مع اندلاع حرب دارفور في عام 2003م، استعان النظام البائد، في قتال الحركات المسلحة، بمليشيات ذات طابع قبلي، على رأسها مليشيا الجنجويد، التي ضمها إلى قوات حرس الحدود، ولاحقاً تم تتبيعها إلى جهاز الأمن والمخابرات، لتصبح في نهاية المطاف نواة للدعم السريع.

ومنذ إجازة قانونها في السابع عشر من يناير 2017م، بدا أن قانون قوات الدعم السريع إشكالي، من حيث الجهة التي تتبع لها القوات وما إذا كانت ستصبح قوات موازية للجيش.

وكان البرلمان المحلول، قد مرر مشروع قانون الدعم السريع، في عرضه النهائي بالأغلبية، حيث جوز لـ(رئيس الجمهورية) في أي وقت دمج قوات الدعم السريع مع القوات المسلحة، وألغى تكليف وزير الدفاع بشأن التوصية بتعيين القائد العام للدعم السريع وحصرها في الرئيس وحده.

وانتقد نواب وقتها، قانون الدعم السريع، الذي شهد إجازته القائد العام لقوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، بجانب 20 ضابطاً من قواته، حيث رأوا أن بنود المشروع تعطي مدلولاً على أن هذه القوات تشكل قوة رابعة، لأنها لا تخضع لوزير الدفاع خضوعاً كاملاً. 

أيضاً وصف نواب آخرون، مشروع القانون بغير الواضح، بخاصة فيما يتعلق بتبعية هذه القوات لوزارة الدفاع، وما إذا كانت تتبع للجيش أم لا.

وكان رئيس المجلس العسكري الانتقالي السابق ووزير الدفاع وقتها، عوض بن عوف، قد قال خلال المداولات، إن تبعية قوات الدعم السريع لرئيس الجمهورية، ليست بالحالة الشاذة، فهي مثلها مثل الدفاع الشعبي والخدمة الوطنية، إذ لهما قانونان منفصلان ويتبعان للرئيس.

وأضاف: “لا توجد مشكلة طالما تعمل وفق المنظومة العسكرية في حالة الحرب والطوارئ”، لافتاً إلى أن 22 مادة من مجموع 25 مادة مستقاة من قانون القوات المسلحة.

لاحقاً، وصّفت الوثيقة الدستورية التي تم توقيعها بين المدنيين والعسكريين في 17 أغسطس 2019م، الدعم السريع من ضمن القوات النظامية، لكن تلك القوات سرعان ما نمت وأصبحت الآن شبه قوات موازية للجيش، بعدما توسعت في مقارها في أنحاء البلاد المختلفة، كما ورثت مقار كانت تتبع لأجهزة عسكرية في عهد النظام البائد.

كما تمتلك الدعم السريع استثمارات وشركات خاصة وعلاقات دولية منفصلة، بالإضافة إلى أن قائدها ونائبه أخوين. أيضاً انشأت قطاعات في كل ولايات السودان، ووحدتي استخبارات وطب خاصة بها، وبعد انقلاب 25 أكتوبر، تمددت في أجهزة الدولة المختلفة، وصار قائدها يقوم بأدوار رئيس الوزراء، وأخيراً أصدر قراراً بإنشاء مفوضية أراضي الدعم السريع المخالف للوثيقة الدستورية، فيما يبدو أنها مرحلة أخيرة لاستقلال قواته تماماً عن الجيش، لتصبح فقط في غضون 5 أعوام، جيشاً موازياً، وهو الأمر الذي يقطع الطريق أمام دمجها في القوات المسلحة، أو يجعل تكلفته باهظة على الأقل، في ظل تقارير مقلقة عن تنامي الخلافات بين الجيش وقوات الدعم السريع. 

كيف تضع التهديدات بطرد (فولكر) مهمته على المحك؟

كان الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة ورئيس بعثة الأمم المتحدة المتكاملة للمساعدة في الفترة الانتقالية في السودان (يونيتامس)، فولكر بيرتس، يؤدي مهامه الروتينية مع أطراف الانتقال في البلاد منذ وصوله إلى الخرطوم في فبراير 2021م، عندما أعاد انقلاب 25 أكتوبر تعريف مهمته وتعقيدها بحكم الأمر الواقع. 

فبينما كان يعمل بيرتس، على دعم عملية انتقالية كانت تمضي قدماً، صار يقود عملية تسهيل للعودة إلى عملية الانتقال نفسها، في الوقت الذي صار بقاؤه هو نفسه، لإدارة هذه العمليات مهدداً، عقب تصريحات غاضبة بحقه، من قبل قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، عقب تقديم فولكر إحاطة لمجلس الأمن بشأن السودان، في مارس الماضي.

في الوقت الذي تمضي فيه عملية فولكر التشاورية قدماً، بجانب (إيغاد) والاتحاد الأفريقي، ما تزال تهديدات البرهان بطرده مستمرة في شكل تقارير صحفية شبه يومية في صحيفة القوات المسلحة، حيث خصصت الصحيفة في عددها الصادر أمس الأحد صفحة كاملة للهجوم على رئيس بعثة (يونيتامس)، اتهمته فيها بأنه متخصص في الفوضى، وأنه خبير تنشيط الإرهاب في السودان. 

وبينما اكتفت الصحيفة بالاتهامات أعلاه، وصف رئيس تحريرها، إبراهيم الحوري، وهو ضابط برتبة عقيد في الجيش السوداني، في حسابه على فيسبوك فولكر بأنه (نازي).

وسرعان ما ردت بعثة يونيتامس على التحريض بحق فولكر، دون تسمية أية جهة، وقالت في تغريدة اليوم الاثنين: “شَيطنةُ الشخصيات العامة والخاصة والتحريض على العنف ضدها، سلوكٌ يحملُ بصمات جرائم الكراهية، ومن مصلحة المجتمع والسلطات إحالة القائمين عليه للمُساءلة دون إبطاء”. 

بالعودة إلى اللغة المتوترة والعدائية التي استخدمها البرهان، أخيراً، تجاه رئيس البعثة الأممية، فولكر بيرتس، نجد أن ذلك لا يعكس، كيف عمل البرهان عن قرب لأسابيع، مع بيرتس، في أعقاب الانقلاب وحتى توقيع اتفاق 21 نوفمبر بين (البرهان وحمدوك).

صورة من عدد الأحد - صحيفة القوات المسلحة

مع خروج رئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك، عن المشهد السياسي باستقالته من منصبه في 2 يناير الماضي، وتنامي التوترات الأمنية في الأقاليم والعاصمة، وتزايد القمع الأمني تجاه المتظاهرين السلميين، وضح أن اتفاق 21 نوفمبر لم ينجح في تحقيق تطلعات السودانيين، في الوقت الذي بدأ البرهان يتخذ قرارات سياسية وإدارية تفاقم الأزمة السياسية. ومن ثم انتقل الحديث إلى أن مهمة بيرتس تسهيل التفاوض، وليس التوسط، أو إطلاق مبادرة للأطراف السودانية .

على ضوء ذلك، وعقب تلك المرحلة، بعد استقالة حمدوك، أطلق بيرتس، عملية مشاورات سياسية مع الفرقاء السودانيين المرحب بها والمدعومة من قبل المجتمع الدولي، وخصوصاً القوى الغربية، على أمل فتح الطريق نحو الانتقال الديمقراطي مرةً أخرى. كما أن البرهان نفسه، أعلن تأييده لتلك العملية، على أن يقوم بدور المسهل لا الوسيط.

أثناء عمل بيرتس على المرحلة الأولى من مبادرته، ولقائه مختلف الأطراف السودانية، بدأت أصوات موالية للعسكريين تدعو إلى طرد البعثة وتصف رئيسها بأنه حاكم عام البلاد، حيث سيّرت عدة تظاهرات إلى مقر البعثة بالخرطوم.

غير أن تلك الحملات والدعوات بالطرد، وصلت إلى قمتها بعد بيان أدلى به رئيس بعثة يونيتامس، فولكر بيرتس، أمام مجلس الأمن الدولي حول الوضع في السودان في الثامن والعشرين من مارس الماضي، أشعلت غضب البرهان لدرجة تهديده بالطرد.

وتناول بيان بيرتس ما يجري في البلاد بالتفصيل، بما في ذلك عمليات الاغتصاب والعنف الجنسي ضد النساء، وتوصيف ما حدث في 25 أكتوبر بأنه انقلاب، وهي ضمن أمور أخرى أغضبت البرهان.

فولكر في مجلس الامن,28-مارس2022

ومنذ تهديدات البرهان بطرد بيرتس، درجت صحيفة القوات المسلحة، على نشر تقارير منددة بتدخلاته في الشأن الداخلي. وفي أحد التقارير، عقدت مقارنة بينه وبين حاكم العراق السابق، في عهد الاحتلال الأمريكي، بول بريمر، رغم اختلاف السياق كلياً لحالتي البلدين. 

وعقب تلك التوترات، فبركت بعض المواقع الصحفية، رداً من بيرتس على تصريحات البرهان، لكن المتحدث الرسمي باسم بعثة يونيتامس، أكد أن الممثل الخاص للأمين العام فولكر بيرتس ‎لم يُدلِ بأي تصريحات أو ملاحظات تعقيباً على تصريحات رئيس مجلس السيادة السوداني؛ وأن ما تتناقله بعض المواقع الإخبارية من تصريحات منسوبة للسيد بيرتس؛ عاريةٌ تماماً عن الصحة”.

‏ولاحقاً، وبعد يوم واحد فقط من الهجوم عليه، التقى رئيس بعثة يونيتامس فولكر بيرتس، برئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان، حيث ناقش معه سبل الخروج من الأزمة السياسية وتحقيق إنتقال ديمقراطي وتهيئة بيئة مواتية للعملية السياسية التي تيسرها الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والإيقاد، وهو كان أول لقاء بينهما بعد تهديدات البرهان بطرده.

البرهان يلتقي فولكر، 3-أبريل-2022

وتعيين بيرتس رئيساً للبعثة، كان في الأصل، خياراً وسط، بعد احتدام الصراع في أروقة مجلس الأمن، وبين المكونين المدني والعسكري، على تعيين مرشحين آخرين. كان المكون العسكري، رشح الجنوب أفريقي نيكولاس هايسوم، لرئاسة البعثة الأممية، ورفضه المدنيون. بالمقابل، رفض المكون العسكري وكل من الصين وروسيا المرشح الفرنسي الدبلوماسي جان كريستوف بليار، حيث جاء التوافق على الألماني فولكر بيرتس، لإنهاء الخلافات بين أعضاء مجلس الأمن، وحسم تباين الرؤى بين المكونَين العسكري والمدني في الحكومة الانتقالية السودانية. 

وفي يونيو 2020، قرر مجلس الأمن إنشاء بعثة أممية جديدة في السودان، بناء على طلب الحكومة السودانية، ممثلة في رئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك، بموجب القرار الأول رقم 2524. وحسب القرار 2524، فإن مهمة بعثة الأمم المتحدة المتكاملة للمساعدة في الفترة الانتقالية في السودان (يونيتامس)، تبدأ في الأول من يناير 2021م، ولمدة 12 شهرا كمرحلة أولية.

وتهدف بعثة يونيتامس للمساعدة في تحول البلاد إلى حكم ديمقراطي، ودعم حماية وتعزيز حقوق الإنسان والسلام المستدام، بجانب الوحدة أيضاً وعمليات السلام وتنفيذ اتفاقات السلام في المستقبل؛ مساعدة بناء السلام والحماية المدنية وسيادة القانون، لا سيما في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق. بالإضافة إلى ذلك، كلف المجلس بعثة يونيتامس بدعم تعبئة المساعدة الاقتصادية والإنمائية وتنسيق عمليات المساعدة الإنسانية.

في 3 يونيو 2021 م، مددت الأمم المتحدة تفويض بعثة يونيتامس لعام آخر، وقال بيرتس في تلك المناسبة “ستواصل يونيتامس في نفس الأهداف الاستراتيجية حتى نهاية الفترة الانتقالية لتنفيذ التفويض المتمثل في المساعدة على عملية الانتقال السياسي في السودان، دعم اتفاق السلام، المساعدة في بناء السلام وحماية المدنيين، حشد الموارد الاقتصادية للسودان”.

تستعيد اللغة الغاضبة من البرهان تجاه بيرتس، إلى الذاكرة عملية طرد الرئيس المخلوع، عمر البشير ليان برونك ممثل الأمين العام للأمم المتحدة الراحل كوفي عنان في عام 2006م، وما إذا كانت ستتكرر مرة أخرى.

لا يتوقع المحلل السياسي، الحاج حمد، إن يقوم البرهان بطرد فولكر، وقال “حتى لو فعل ذلك، فإنه لن يلغي من قرار التكليف الأممي، بند رصد أوضاع حقوق الإنسان، ويكون كمن فسر الماء بعد جهد بالماء”.

ويضيف حمد لـ(بيم ريبورتس)، “أن البرهان يحب الظهور بأنه صاحب القرار والمتنفذ، لكن معيار الحقيقة هو الممارسة، وفي الممارسة فهو يتخذ قراراته  بلا قاعدة معلومات”.

ويتابع: “فولكر بيرتس شخصية اعتبارية، وحددت الأمم المتحدة مهامه بدقة، وبالتالي يغيره مجلس الأمن.. بالطبع، يجب ألا ننسى، بعد يوم واحد من “الدون كيشوتية” استقبل البرهان فولكر، وبالتالي مارس عملياً اعترافاً بالشخص والمهام”.

فيما أكد مصدر مطلع لـ(بيم ريبورتس)، أن فولكر بيرتس مستمر في عمله بشكل عادي، لكنه أشار إلى أن تهديدات البرهان لا تعبر عن سوء تفاهم وحسب، وإنما تعبر عن رغبة العسكر في كونهم لا يريدون البعثة في الأساس.

ولا تختلف الاتهامات الموجهة إلى برونك وبيرتس كثيراً، حيث جرى اتهام الأول بأنه لم يكن مساعداً، بل كان مسيئاً وأصبح جزءاً من المشكلة. بعد طرده طلبت الحكومة وقتها من الأمم المتحدة أن ترسل بدلاً منه مبعوثاً جديداً.

كذلك طلبت الحكومة السودانية وقتها من كوفي أنان، أن يتم استبدال برونك بشخص آخر تمنت أن يكون أكثر التزاما ومسؤولية تجاه التفويض الممنوح له. وأوضحت، أن من بين المخالفات التي رصدت لبرونك دعمه المعنوي للمتمردين في إقليم دارفور غربي السودان، و”تجاوزه” الاتفاقات المبرمة بين الخرطوم والمنظمة الدولية.

ويأتي قرار الخرطوم بطرد برونك، بعدما قال الجيش السوداني، وقتها، إن “رئيس بعثة الأمم المتحدة شخص غير مرغوب فيه، متهما إياه بالتدخل السافر في شؤونه، وبنشر معلومات مضللة تشكك في قدراته”.

التهديدات بطرد المسؤولين الأمميين، أو طردهم بالفعل، كما حدث في وقت سابق، بقدر ما أنه يعقد مهامهم، إلا أنه يضع البلاد على شفا مواجهة عزلة دولية، والسودان الذي خرج لتوه من عزلة دولية طويلة، قد تعيده مثل هذه التصريحات والتصرفات لتلك العزلة مجدداً.

ما خلفية مرسوم (البرهان) بأيلولة سلطات قانون المناطق البحرية لوزير الدفاع؟

في الثامن والعشرين من مارس الماضي، أصدر قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، مرسوماً، قضى بتعيين وزير الدفاع ياسين إبراهيم ياسين، كوزير مختص، لتنفيذ (قانون المناطق البحرية والجرف البحري لسنة 2018م). 

ونص المرسوم الذي نشرته صفحة مجلس السيادة الانتقالي، على أن تؤول جميع السلطات الخاصة بتنفيذ القانون المشار إليه لوزير الدفاع من (المفوضية القومية للحدود).

وأتى القرار البرهان، بعد تحركات إقليمية، أعقبت زيارة قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو حميدتي إلى موسكو، وتصريحه بأن بلاده لا تمانع في إنشاء قاعدة عسكرية على البحر الأحمر، سواء كان لروسيا أو غيرها. 

وقال “نحن مستعدون للتعاون مع أي دولة تريد بناء قاعدة على ساحلنا الذي يبلغ 730 كلم طالما تحقّق مصالحنا ولا تهدد أمننا القومي سواء كانت روسيا أو غيرها”.

سلطات القانون

لمعرفة تفاصيل أكثر حوله، تقصى فريق البحث في (بيم ريبورتس) عن القانون المذكور في موقع وزارة العدل السودانية وغيره من المواقع الحكومية على الإنترنت، وكل ما وجدناه هو نسخة مترجمة للغة الإنجليزية في موقع المفوضية القومية للحدود.

يمنح قانون المناطق البحرية والجرف البحري للعام 2018م السلطات التالية:

  1. منع السفن الأجنبية من المرور البريء في مساحات محددة من البحر الإقليمي.
  2. عدم مرور السفن الأجنبية الحربية في البحر الإقليمي.
  3. مراقبة السفن التي تعمل أو تحمل الطاقة النووية.
  4. اتخاذ الإجراءات الجنائية على ظهر أي سفينة أجنبية.
  5. تحديد مناطق السلامة في البحر الأحمر وشروطها.
  6. التصديق بتوصيل الكوابل البحرية.

خلفية القرار

صدر القرار، عقب عودة البرهان من زيارته الأخيرة للرياض في نهاية مارس الماضي، والتي كان قد التقى خلالها العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد محمد بن سلمان، حيث تم الاتفاق على التعاون فيما يخص أمن البحر الأحمر، بالإضافة إلى المجال العسكري على نحو عام.

وكان الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، سبق البرهان إلى الرياض، حيث أكد السيسي وبن سلمان على أهمية “ضمان أمن البحر الأحمر”، باعتباره ركيزة أساسية في حركة التجارة الإقليمية والدولية. ونوه الجانبان، في بيان مشترك، إلى ضرورة تضافر جهود الدول المتشاطئة لضمان حرية وأمن الملاحة في البحر الأحمر.

وكانت السلطات المصرية، عقدت مباحثات في مطار القاهرة الدولي، مع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وهو في طريق عودته إلى الخرطوم، قادماً من موسكو.

العلاقات السودانية الروسية

تمتنت العلاقات السودانية ـ الروسية، خلال حكم الرئيس المخلوع عمر البشير، حيث استغلت موسكو العزلة الدولية والعقوبات المفروضة على الخرطوم في توسيع نشاطها مستهدفة الموارد الطبيعية. بالمقابل، استفادت الخرطوم من توفير السند السياسي الدولي والأسلحة الروسية التي يعتبر السودان من بين أكبر مستورديها في أفريقيا.

عقب سقوط البشير، وقعت موسكو اتفاقيات مع المجلس العسكري الانتقالي، وفي ديسمبر 2019م، نشرت الجريدة الرسمية الروسية، نص اتفاقية بين السودان وروسيا، حول إقامة قاعدة تموين وصيانة للبحرية الروسية على ساحل البحر الأحمر، بهدف ما وصف بتعزيز السلام والأمن في المنطقة، كما نص الاتفاق على أن القاعدة لا تستهدف أطرافاً أخرى حسب  ما ورد في مقدمتها، على أن يحصل السودان مقابل ذلك على أسلحة ومعدات عسكرية من روسيا، حسب الاتفاقية التي وقعها الرئيس الروسي بوتين في نوفمبر من العام 2020م.

 لكن، لاحقاً مرّت هذه العلاقة بمنعرجات خلال الفترة الانتقالية التي تلت سقوط البشير ونظامه، حيث كان تركيز السودان منصباً نحو العودة للمجتمع الدولي وفك العزلة وتطبيع العلاقات مع الدول الغربية من جديد، إلا أن انقلاب 25 أكتوبر الماضي، أعاد فتح الطريق بين الخرطوم وموسكو مرة أخرى. 

أدانت العديد من الدول الغربية والمؤسسات الدولية ما سمته “الاستيلاء العسكري على السلطة”، في 25 أكتوبر الماضي، وهو ما جعل سلطة الأمر الواقع في السودان تتجه نحو المحور الروسي من جديد.

ذكرت صحيفة (ديلي تلغراف) البريطانية، أن روسيا تجهزت مسبقا للعقوبات الأمريكية بعد غزوها لأوكرانيا عبر مخزون من الذهب السوداني المهرب.

الوجود الروسي في أفريقيا

في السنوات الأخيرة، بدأت روسيا في تعزيز وجودها في أفريقيا، للاستفادة من مواردها الطبيعية، وتقوية شوكتها العسكرية في المنطقة. وعادةً ما يكون مدخلها عبر الأسلحة والتدريب العسكري، وهو ما يتضح عند البحث عن مصادر الأسلحة بالدول الأفريقية.

استطاعت روسيا، خلال سنوات معدودة، إنشاء علاقات قوية مع بعض الدول الأفريقية، تكاد تصل مرحلة السيطرة على مقاليد الدولة ككل. وكمثال على ذلك السيطرة الروسية على جمهورية أفريقيا الوسطى المجاورة للبلاد، كما أن الإدعاءات المقدمة من عدة جهات، تتهم فيها روسيا بتنفيذ انقلابات عسكرية في العديد من الدول الأفريقية، أو الوقوف وراءها على رأسها السودان، مالي وبوركينا فاسو، بجانب المحاولة الانقلابية الفاشلة في (غينيا بيساو)، توضح حجم التمدد الروسي بالقارة السمراء.

لروسيا أيضاً علاقة قوية مع جمهورية الكونغو (برازفيل)، فقد تقدمت موسكو بباقة من العتاد العسكري والأسلحة والتدريب للدولة الواقعة بوسط أفريقيا في 2019م، بالإضافة إلى توقيع اتفاق تعاون نووي للاستخدامات السلمية. أيضا أعلنت موسكو في 2018م، إرسال “مدربين مدنيين” مكلفين بتدريب الجيش الحكومي بأفريقيا الوسطى، فيما قال خبراء إنهم من مجموعة “فاغنر” شبه العسكرية.

كيف يمكن للسودان أن يكون بوابة روسيا لأفريقيا؟

يمثل موقع السودان الاستراتيجي نقطة قوة له، ولكن ترى روسيا، أنه يمكن يمثل بوابتها إلى القارة الأفريقية. 

توجد روسيا بثلاث دول ذات علاقات مميزة معها، وهي (السودان، أفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو). إثنتان من هذه الدول ساحليتان -السودان وجمهورية الكونغو-، إحداهما مطلة على البحر الأحمر والأخرى على المحيط الأطلنطي، وهي ميزة كبيرة تقوي الدول اقتصادياً وسياسياً.

بالنظر إلى خريطة أفريقيا من المحيط الأطلنطي إلى البحر الأحمر، نجد أن روسيا تعمل على خلق طريق يربط بين المحيط والبحر. وكبداية، فإن إنشاء قاعدة على البحر الأحمر بمنطقة (فلامنغو) السودانية، يمكن أن يكون بوابة لروسيا إلى مناطق نفوذها في أفريقيا، وربطها بالمحيط الأطلنطي عبر الشواطئ الكونغولية.

إقامة قاعدة روسية في البحر الأحمر، بالإضافة لقاعدة (طرطوس) بالشواطئ السورية على ساحل البحر الأبيض المتوسط، عوضا عن ربط أفريقيا من شرقها لغربها، مع إمكانية إقامة قاعدة بالمحيط الأطلسي، يمكن أن يجعل من روسيا قوة جديدة تغير من طبيعة النظام العالمي وتؤثر على قواعد لعبة المصالح بين الدول الغربية من جهة، والصين وروسيا من جهة أخرى.

تهديد روسي لأعالي البحار

التمدد الروسي في أفريقيا، يمكن أن يكون بداية لسيطرةٍ روسيةٍ على المياه الدولية، أو ما يعرف بأعالي البحار. المياه الدولية الآن تحت حماية الولايات المتحدة الأمريكية، وظهور قوة منافسة لتنفيذ هذه المهمة من الممكن أن يخلق نزاعا بأعالي البحار بين القوى العظمى، وهو ما يهدد أمن طرق التجارة الدولية والأمن والسلم الدوليين.

 وبالعودة، إلى أيلولة سلطات تنفيذ قانون المناطق الحرية والجرف البحري بالسودان لوزير الدفاع، يبدو أنه جاء تحت دفع إقليمي من القاهرة والرياض، لتحجيم التمدد الروسي.

على خطى (البشير).. كيف يحاول (حميدتي) تأمين بقائه في السلطة عبر بوابة موسكو؟

“من حق روسيا الدفاع عن شعوبها ومواطنيها وفقاً للقانون والدستور” يقول نائب رئيس مجلس السيادة في السودان، وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، غداة وصوله إلى العاصمة الروسية موسكو، في ليل الثالث والعشرين من فبراير الماضي، قبيل ساعات معدودة من غزو الأخيرة لأوكرانيا.

ولا يبدو أن حميدتي، في هذا السياق مضى بعيداً، عن تصورات الرئيس المخلوع، عمر البشير، مهندس التدخل الروسي في البلاد، في طلب حماية موسكو لبقائه في السلطة.

خلال لقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بمدينة سوتشي في نوفمبر 2017م، أبلغ البشير بوتين، إن بلاده بحاجة إلى حماية من العدوان الأميركي. وقال موجهاً حديثه إليه: “الأميركان نجحوا في تقسيم السودان لدولتين وساعين لمزيد من التقسيم”، مضيفاً “ونحن نحتاج كسودان لحماية من العدوان الأميركي علينا”.

في ديسمبر 2019م، نشرت الجريدة الرسمية الروسية نص اتفاقية بين السودان وروسيا حول إقامة قاعدة تموين وصيانة للبحرية الروسية على ساحل البحر الأحمر، بهدف ما وصف بتعزيز السلام والأمن في المنطقة، كما نص الاتفاق على أن القاعدة لا تستهدف أطرافاً أخرى حسب  ما ورد في مقدمتها، على أن يحصل السودان مقابل ذلك على أسلحة ومعدات عسكرية من روسيا، حسب الاتفاقية التي وقعها الرئيس الروسي بوتين في نوفمبر من العام 2020.

أتى طلب البشير الحماية ، بعد وقت بسيط من رفع الولايات المتحدة الأمريكية العقوبات الاقتصادية على البلاد.

وسريعاً استطاع الروس، تحويل طلب الحماية ذلك، إلى قرارات فاعلة، فبدأ الحديث عن اتفاق لإنشاء قاعدة عسكرية لموسكو على البحر الأحمر، أيضاً تمكنوا من تحويل السودان، إلى بوابة نحو جمهورية أفريقيا الوسطى المجاورة، ومنها إلى أفريقيا جنوب الصحراء وغرب أفريقيا.

وفي هذا السياق، رعت الخرطوم، بإيعاز من موسكو محادثات سلام بين أطراف أفريقيا الوسطى، مكّنها هذا الأمر رويداً رويداً من أن تكون لاعباً أساسياً في ذلك البلد الفقير و الغني بالمعادن والثروات الطبيعية في الوقت نفسه. 

لم يمر وقت طويل، بين بدء تعاون موسكو مع نظام البشير، حتى واجه الأخير ثورة شعبية أطاحت بنظام حكمه في أبريل 2019م، رغم محاولات موسكو الحثيثة وقتها لإنقاذ حليفها من السقوط. عندما أيقنت موسكو أن نظام البشير ساقط لا محالة، سرعان ما عقدت اتفاقاً مع المجلس العسكري الانتقالي الذي خلفه، يتعلق أيضاً بالقاعدة البحرية.

تحت وقع الضغوط الروسية، كانت استجابة المجلس العسكري الانتقالي حتمية، مرةً بسبب هشاشته السياسية، ومرة أخرى بسبب ضعف خبرته السياسية. 

نجحت روسيا في مايو 2019م في التوقيع على اتفاقية المركز اللوجيستي على البحر الأحمر، مع المجلس العسكري الانتقالي والذي صادق عليه في يوليو من العام نفسه. بالمقابل، دعمت روسيا المجلس العسكري الانتقالي، في تعطيل إقرار مشروع قرار بمجلس الأمن الدولي، يُدين قتل الحكومة العسكرية السودانية للمدنيين في يونيو 2019م، بالتزامن مع أحداث فض اعتصام القيادة العامة.

ويعتقد أن موسكو وظفت رغبة الجيش السوداني في تعزيز قدراته الدفاعية، ورغبته في الحصول على أسلحة ومعدات عسكرية مجانية من موسكو، بجانب تعزيز أسطوله البحري، وتوفير الدعم والحماية في المنصات الأممية في تحقيق مكاسب استراتيجية لروسيا متعلقة باستخدام السودان كبوابة للتوسع الروسي في القارة وفي استغلال الموارد والسيطرة عليها.

ووفقاً لمعهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي، فإن الأسلحة الروسية تشكل في الواقع الغالبية بالنسبة لواردات الأسلحة السودانية بنسبة 87 %، إذ أن روسيا هي المورد الرئيسي للأسلحة إلى السودان، بينما  8 %  فقط من الأسلحة السودانية، هي أسلحة صينية.

وفي الفترة بين عامي 2015 ـ 2019، استورد السودان أسلحة من روسيا بقيمة 125 مليون دولار، حسب معهد ستوكهولم لأبحاث السلام.

تاريخ العلاقات بين الخرطوم وموسكو

عند استقلال السودان في عام 1956، كان الاتحاد السوفيتي من أوائل الدول التي اعترفت باستقلاله، وعقب انهيار الاتحاد السوفيتي، أعلن السودان في ديسمبر 1991م، اعترافه بجمهورية روسيا الاتحادية.

مرّت العلاقات بين البلدين بحالات متباينة عسكرياً، سياسياً واقتصادياً، فمع انقلاب جعفر نميري في مايو 1969م، بدأ الجيش السوداني التوجه نحو التسليح الشرقي، (السوفيتي)، لكن بعد انقلاب 19 يوليو 1971، ساءت العلاقة بين الخرطوم وموسكو، بسبب إعدام نميري بعض القادة الشيوعيين.

بالعودة إلى فترة حكم المجلس العسكري الانتقالي أبريل ـ أغسطس 2019م، وانقلاب 25 أكتوبر 2021م، مرّت الكثير من التحولات العميقة في سياسة البلاد الخارجية تجاه القوى الغربية، لكن وتحت الظل، تمكنت موسكو من تعزيز وتمتين علاقتها مع المؤسسة العسكرية المتمثلة في الجيش السوداني، بالإضافة إلى علاقة أخرى جديدة تمكنت من بنائها مع قوات الدعم السريع، فيما بدا امتداداً لسياستها مع حليفها السابق، البشير.

في غضون نحو 3 سنوات، استطاعت موسكو، ودون أن يلحظ الكثيرون ذلك، في التمدد على طول البلاد وعرضها، في التنقيب عن الذهب والمعادن الأخرى شمالاً شرقاً وغرباً، تمكنت أيضاً من إنشاء قاعدة عسكرية في منطقة أم دافوق على حدود السودان وأفريقيا الوسطى، في وقت بات هدفها الرئيسي المتمثل في إنشاء قاعدة عسكرية على البحر الأحمر قريباً على ما يبدو، تفسره تصريحات حميدتي الموافقة ضمنياً على إنشاء القاعدة.

وعقب عودته من موسكو في يوم الأربعاء 2 مارس، قال حميدتي في تصريحات صحفية، إنه لا يمانع من إنشاء قاعدة عسكرية على البحر سواء لروسيا أو غيرها.

مؤتمر صحفي لحميدتي عقب عودته من روسيا

لم يأتِ ذهاب حميدتي إلى موسكو، في خضم أزمة عالمية، جعلت العاصمة الروسية مركزاً للعنات القوى الغربية، سوى كونه مضي في التحالف القائم على مصالح ضيقة مشتركة بين الجانبين، بينما يستفيد من تدريب شركة (فاغنر) المقربة للكرملين لقواته، وأيضاً تقديم عناصرها استشارات إعلامية وسياسية له، بجانب تأمين أسلحة روسية وحماية سياسية، في مساعيه لتمديد نفوذه المالي، السياسي والعسكري. مقابل، استفادة الروس في تهريب الذهب وفتح الطريق أمامهم لزيادة تأثير موسكو على أفريقيا، بعد رعايتها عدة انقلابات هنا، بجانب الهدف الرئيسي المتمثل في إنشاء قاعدة عسكرية في مدينة بورتسودان.

يقول مصدر عسكري رفيع لـ(بيم ريبورتس)، إن إنشاء قاعدة عسكرية على البحر الأحمر محل شكوك، نسبة لأن الاتفاق مجمد، والحاجة الملحة لموافقة الدول المتشاطئة، ورفض القوى الغربية المؤكد لهذا الأمر.  

لكن يوم الثلاثاء 15 فبراير، وصل حميدتي إلى مدينة بورتسودان، فيما بدا أن الزيارة لها صلة بالقاعدة البحرية وميناء بورتسودان، وهو كان قد قال في معرض تبريره لإنشاء قاعدة عسكرية، إن مثل هكذا أمر يعود بالفائدة على المجتمعات المحلية.

وبالعودة إلى تداعيات زيارته إلى موسكو، وبعد أقل من أسبوع على عودته، تم الإعلان عن وصول 20 ألف طن من القمح الروسي، إلى ميناء بورتسودان، في إطار ما سّمته وكالة الأنباء السودانية ـ سونا، المنحة الروسية للشعب السوداني. 

وكان حميدتي وصل إلى العاصمة الروسية موسكو، بالتزامن مع بدء الأخيرة حربها ضد أوكرانيا، وقال وقتها في تصريحات صحفية، إن روسيا لديها الحق في الدفاع عن شعوبها ومواطنيها وفقاً للقانون والدستور على حد تعبيره.

جدول الأعمال المعلن

التقى حميدتي خلال زيارته التي امتدت أسبوعاً، عدداً من المسؤولين الروس، بينهم وزير الخارجية، ونائب رئيس الوزراء، ونائب رئيس مجلس الأمن، ونائب وزير المالية، ونائب وزير الدفاع، بالإضافة إلى زيارته للجامعة الروسية الحكومية للعلوم الإنسانية.

أثارت الزيارة علامات استفهام عديدة داخلياً وخارجياً، بسبب توقيتها المتزامن مع الغزو الروسي لأوكرانيا، ومرةً أخرى، بسبب المخاوف والاعتراضات على الدور الذي تلعبه موسكو في البلاد، المرتبط بدعم المكون العسكري، خصوصاً مع قائد قوات الدعم السريع، ونهب الموارد المحلية، وفي هذا السياق، اتهمت قوى الحرية والتغيير، موسكو بنهب موارد البلاد ودعم الانقلاب العسكري، قبل أن تدين الغزو الروسي لأوكرانيا، بالإضافة إلى انتقادها لتوقيت الزيارة.

حميدتي ووزير الخارجية الروسي(لافروف)

ورغم أن جدول أعمال الزيارة، شهد لقاءات مع مسؤولين عسكريين وأمنيين روس، إلا أن حميدتي اكتفى فقط، باصطحاب وزراء القطاع الاقتصادي، دوناً عن مسؤولين أمنيين وعسكريين سودانيين، وهو الأمر الذي كان لافتاً وأثار العديد من التساؤلات.

رافق حميدتي في زيارته إلى موسكو التي بدأها يوم الأربعاء 23 فبراير وأنهاها يوم الأربعاء 2 مارس، كل من: وزير المالية، جبريل إبراهيم، و وزير المعادن، محمد بشير أبو نمو، ووزير الزراعة، بالإضافة إلى وكيل وزارة الخارجية. وجلهم ممثلين لأطراف اتفاق سلام جوبا. 

تفتح زيارة حميدتي إلى موسكو، والتي وصفت بالرسمية، تساؤلات حول علاقات السودان وروسيا، في ظل الوضع العالمي الراهن بعد الحرب الأوكرانية، وحول تمدد الدعم السريع على حساب القوات المسلحة، خصوصاً وأن العلاقات العسكرية بين البلدين والتي تمتد على مدى عقود، كان يسيطر عليها الجيش، ليصبح السؤال المهم؛ هل تسهم زيارة حميدتي، في قلب هذه المعادلة لصالح قوات الدعم السريع، خاصة وأنه أبدى استعداده لتحقيق رغبة موسكو في إنشاء قاعدة عسكرية بحرية على البحر الأحمر.

تأثيرات إقليمية

أيضاً تثور التساؤلات، حول تأثير الزيارة على البلاد، بالتزامن مع حرب قسّمت العالم إلى معسكرين، معسكر واشنطن والغرب، ومعسكر روسيا وحلفائها. كذلك، تمتد تأثيرات زيارة حميدتي، إلى علاقة البلاد مع دول الإقليم، وفي هذا السياق، قالت كل من القاهرة والرياض، في بيان مشترك عقب زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى المملكة العربية السعودية، يوم الثلاثاء 8 مارس الماضي، أن الجانبين، أكدا على أهمية ضمان أمن البحر الأحمر، باعتباره ركيزة أساسية في حركة التجارة الإقليمية والدولية.

وأوضح البيان، أن هذا الأمر يتطلب تضافر جهود الدول المتشاطئة، لضمان حرية وأمن الملاحة في البحر الأحمر.

تباين مواقف بين البرهان وحميدتي

بينما يمضي (حميدتي) قدماً في الاستجابة للطب الروسي بإنشاء قاعدة بحرية عسكرية على البحر الأحمر، وفقاً لتصريحاته الأخيرة، يبدو أن البرهان من جانبه، يتشارك القلق مع كل من القاهرة والرياض حول أمن البحر الأحمر.

بعد أقل من أسبوع على البيان السعودي المصري، الذي شدد على أهمية ضمان أمن البحر الأحمر وصل رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، إلى الرياض، لإجراء مباحثات مع الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده محمد بن سلمان، في الوقت الذي ذكر فيه بيان لمجلس السيادة، إن مباحثات البرهان وبن سلمان، أمنت على ضرورة التنسيق والتعاون في مجال أمن البحر الأحمر والتعاون في المجال العسكري.

ولاحقاً في 28 مارس الماضي، أصدر البرهان، مرسوماً دستورياً، قضى بأيلولة إختصاصات الإشراف على المناطق البحرية و الجرف البحري إلى وزير الدفاع.

ونص المرسوم على تعيين وزير الدفاع، وزيراً مختصاً بتنفيذ قانون المناطق البحرية والجرف القاري السوداني لسنة 2018م.

كما نصّ المرسوم الدستوري على أن “تؤول جميع السلطات الخاصة بتنفيذ قانون المناطق البحرية والجرف القاري لسنة 2021م لوزير الدفاع من المفوضية القومية للحدود”.

وحسب خبراء، فإن المرسوم الدستوري، يعني أن ساحل السودان الشرقي على البحر الأحمر أصبح شأناً يهم الأمن القومي والنواحي الأمنية والعسكرية. 

ويختص قانون المناطق البحرية والجرف السوداني بالسيادة على المياه الداخلية، المياه الإقليمية، خط الأساس لقياس البحر الإقليمي. كما يختص القانون بالسلطة في اتخاذ إجراءات في البحر الإقليمي تجاه السفن الأجنبية وممارسة السلطة في فرض الرقابة في منطقة أعالي البحار، إلى جانب مسائل أخرى.

تداعيات سياسية داخلية

وكان حميدتي قال في تصريحات صحفية بمطار الخرطوم الدولي، عقب عودته من موسكو، يوم 2 مارس، إنه لا يوجد ما يمنع إنشاء قاعدة عسكرية على البحر الأحمر سواء كانت روسية أو غيرها.

ما نزال فقط ضمن تداعيات زيارة حميدتي المحلية، فعقب تصريحاته عشية وصوله إلى موسكو، التي بدا فيها داعماً لروسيا في حربها على أوكرانيا، سارعت وزارة الخارجية، لمحاولة تخفيف حدتها، قبل أن يُصدر مجلس السيادة بياناً قال فيه إنه يدعو إلى حل سياسي ودبلوماسي للأزمة. توالت ردود الأفعال المحلية، حيث وصفت الحركة الشعبية ـ شمال بزعامة عبد العزيز الحلو، زيارة حميدتي إلى موسكو، بأنها “تجسد التهريج الدبلوماسي”.

وقال نائب رئيس الحركة، جوزيف توكا، فى تصريح رسمى لموقع الحركة الشعبية على الانترنت، يوم الأحد 27 فبراير الماضي، إن “زيارة حميدتى إلى موسكو ليست مجرد سوء تقدير سياسي، وإنما خطوة جسدت الغباء السياسى والتهريج الدبلوماسي لحكومة الإنقلاب”.

جوزيف توكا نائب رئيس الحركة الشعبية

وأضاف توكا إن “زيارة حميدتي إلى العاصمة الروسية موسكو من حيث التوقيت، تزامنت مع بداية اجتياح الجيش الروسي لأوكرانيا، ويبدو أن حميدتى قد ورط حكومته بتأييد ما تقوم به روسيا، بحجة أن لروسيا الحق فى الدفاع عن حدودها وسيادة أراضيها”. 

ورأى توكا، أن هذا “الموقف المتهور غير مقبول أخلاقياً،  كما لا يتسق مع مراعاة توازن القوى على الأرض، وحميدتي غير مؤهل للقفز من لعبة المحاور التي ورط فيها البلاد للإقدام على هذه اللعبة الخطيرة في حلبة الكبار ليجلب على السودان سخط العالم ووعيد أمريكا وحلفائها”.

وحسب توكا، فإن طلب حميدتي الدعم العسكري والتعاون الاستخباراتي من روسيا للقضاء على الحركة الشعبية، يقف دليلا على أن الزيارة مدفوعة بأجندة حربية، خاصة وأن الإنقلابيين يخططون لشن الحرب ضد الجيش الشعبي في جبال النوبة والنيل الأزرق، وهو ما تؤكده التحركات والتعزيزات العسكرية على الأرض. 

وتابع “يبدو أنهم يتوهمون إمكانية إجتياح الإقليمين وسحق قوات الجيش الشعبى والقضاء على الحركة الشعبية حتى يتسنى لهم توطين الإنقلاب وفرضه كأمر واقع”. 

وأوضح توكا قائلاً، أن “زيارة حميدتي لموسكو، أكدت أن الموقف السياسي للطغمة العسكرية الحاكمة لا علاقة له بمصالح السودان، وهو لا يعدو كونه سلعة تباع وتشترى في مزاد العمالة والارتزاق السياسى لمن يدفع أكثر”. 

ودعا توكا، المجتمع الدولي إلى تصنيف قوات الدعم السريع سيئة السمعة والتاريخ كجماعة إرهابية، وليس بعيداً عن هذا، أكد رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب الأمريكي، السيناتور غريغوري ميكس، إن إرسال السودان وفداً إلى روسيا، وهي تشن غزواً ضد أوكرانيا يبعث برسالة لا يمكن إنكارها إلى العالم مفادها؛ أن المجلس العسكري السوداني ليس لديه مصلحة في دعم الديمقراطية أو المبادئ الأساسية للسيادة. وقال في تغريدة نشرت يوم 24 فبراير الماضي “نحن نراقب”.

في يوم الجمعة 25 فبراير، انتقد رئيس (حزب الأمة)، مبارك الفاضل، وهو أحد الشخصيات السياسية المؤيدة لانقلاب 25 أكتوبر الزيارة. وقال “لا شك أن زيارة حميدتي والوفد المرافق له إلى موسكو في هذا التوقيت المتزامن مع المواجهة الغربية مع روسيا تعتبر قفزة في الظلام”. وأضاف في حسابه على موقع تويتر “مشاركة وفد وزاري له في هذه الزيارة يورط معه قيادة القوات المسلحة السودانية التي تسعى للتحالف مع الغرب.. روسيا ليست في وضع يمكنها تقديم دعم اقتصادي للسودان”.

ولأن الزيارة لم تشمل قادة عسكريين وأمنيين، تثور التساؤلات ما إذا كانت زيارة حميدتي إلى موسكو تمثل الدعم السريع، أم كل مكونات المجلس العسكري، وهل ينظر أي من الجانبين إلى علاقة السودان بروسيا والغرب بشكل مختلف، بالنظر إلى تاريخ العلاقات العسكرية بين السودان وروسيا الذي قادته القوات المسلحة منذ عقود.

على عتبة 6 أبريل.. ما أبرز المشتركات بين إعلانات ومواثيق لجان المقاومة السودانية؟

بمرور 3 سنوات، على بدء اعتصام القيادة العامة بالمقار الرئيسة للجيش بالعاصمة السودانية الخرطوم، والذي أسفرعن إسقاط نظام الرئيس المخلوع عمر البشير، تغير وجه السياسة في البلاد وباتت لجان المقاومة، هي القائد الأبرز لعملية التغيير. 

على عتبة الذكرى الثالثة، لبدء اعتصام القيادة العامة، تسير لجان المقاومة غداً الأربعاء مليونية 6 أبريل، وفي رصيدها 3 مواثيق وإعلانات سياسية، تحوي تصورات ولبنات الدولة المدنية الديمقراطية، في بلد عاش غالبية فترات تاريخه بعد الاستقلال في أتون الحروب الأهلية، والنظم العسكرية الشمولية، لكن أولئك الملايين المنخرطين في معركة التغيير، قرروا دفع ثمن إنهاء الانقلابات العسكرية مرة واحدة وللأبد. 

عندما اندلعت ثورة ديسمبر 2018م، كانت تكتيكات نظام الرئيس المخلوع عمر البشير، لقمعها، تتراوح؛ بين القتل والاعتقال والتخويف، ظناً بأن ذلك الطريق يمكنهم كالعادة، في إخماد شرارة تلك الاحتجاجات واستعادة الأمور إلى ما قبلها.

مضى في طريق القمع، فمحاولة تثبيت أركان سلطته بالقوة، لا يبدو أمراً عصياً، بالنسبة لنظام حكم البلاد على مدى 3 عقود، ويعرف خصومه جيداً. لكنه بطبيعة الحال، اصطدم بـ(لجان المقاومة) بالأحياء والمدن السودانية، ذلك الخصم الذي لم يكن في حساباته وتخلق من رحم الاحتجاجات، إلى أن ساهم في الإطاحة بنظامه في أبريل 2019 م. 

وبدايةً من انقلاب 25 أكتوبر، تصدت لجان المقاومة لقيادة الاحتجاجات السلمية ضد السلطة العسكرية الحاكمة في البلاد. وبالتزامن مع ذلك، مضت في خطوات سياسية وتنظيمية، وصولاً إلى كتابة مواثيق وإعلانات سياسية، تقدم رؤية ليس لما بعد إسقاط الانقلاب وحسب، وإنما لإدارة البلاد مؤسسياً، أي كيف يحكم السودان، على امتداد المستقبل.

وتتشكل لجان المقاومة على المستوى القاعدي، من ائتلاف بين أبناء الحي الواحد، يتم الاتفاق فيه على حد أدنى من مبادئ مقاومة الحكم العسكري، وتركز دورها لفترات طويلة كجماعات ضغط، ضد جميع أولئك الذين يعملون عكس الإرادة الشعبية وتطلعاتها للحرية والسلام والعدالة.

لكن، مع استمرار تقلبات الحالة السياسية في البلاد، صارت لجان المقاومة، تياراً سياسياً ومن بين أكبر العاملين على ميلاد نظام مدني ديمقراطي.

مع هذا الحراك السياسي المتنامي للجان المقاومة، فضلاً عن جانب قيادة الاحتجاجات، تعرض (بيم ريبورتس) مقارنة بين إعلانات ومواثيق (لجان مقاومة مدني) و(لجان مقاومة مايرنو) و(تنسيقية لجان مقاومة ولاية الخرطوم).

مقارنة بين إعلانات ومواثيق لجان المقاومة السودانية التي طرحت خلال الفترة الماضية:

المفوضيات:

مدني:

  1. السلام.
  2. العدالة.
  3. إصلاح الخدمة المدنية.
  4. صناعة الدستور.
  5. هيكلة القوات النظامية.
  6. الانتخابات.
  7. مكافحة الفساد.
  8. تفكيك أنظمة القهر و التبعية.

الخرطوم: 

  1. السلام.
  2. العدالة.
  3. إصلاح الخدمة المدنية.
  4. صناعة الدستور.
  5. إصلاح القطاع الأمني والعسكري.
  6. الانتخابات.
  7. مكافحة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة.
  8. التنمية المستدامة.
  9. إصلاح المنظومة الحقوقية والعدلية.
  10. ترسيم الحدود والأراضي.
  11. المرأة و العدالة النوعية.

مايرنو

  • لم تذكر مفوضيات.

الأهداف والخطوات

الهدف\الخطوة

مدني

الخرطوم

مايرنو

اسقاط الانقلاب

نعم

نعم

لم تذكر

محاسبة المشاركين

لم تذكر

نعم

لم تذكر

الدستور

الرجوع لدستور 1956

بناء دستور انتقالي

مؤتمر دستوري لبناء دستور دائم

رئيس الوزراء

ترشيح من البرلمان

تسمية

ترشيح من البرلمان

المجلس التشريعي

انتخاب من المجالس البلدية

تكوين مجلس متوافق عليه

ممثلي الأحياء و النقابات المختارون من قبل قواعدهم

مجالس تشريعية محلية وولائية

لم يذكر

نعم

نعم

نظام الحكم

لامركزي

فدرالي

لم يذكر

الوزارات

10 وزارات

لم يذكر

لم يذكر

وزارات لجان مقاومة مدني المقترحة:

  • الصحة و البيئة.
  • التربية و التعليم العام و العالي.
  • الري و الزراعة و الثروة الحيوانية.
  • العدل.
  • الدفاع.
  • الخارجية والسيادة الوطنية.
  • الداخلية.
  • المالية والموارد.
  • الحكم المحلي.
  • الشفافية والمحاسبة ومراقبة الأداء.

كيف ضللت صفحة (العربية ـ السودان) متابعيها من خلال نشر تصريح (فولكر) “لن تسيروا وحدكم”؟

قبل أن ينتهي السجال، بين بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية بالسودان (يونيتامس)، وبعض المنصات والحسابات الشخصية التي نشرت أخباراً مفبركة حول رد رئيس البعثة فولكر بيرتس على تصريحات قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، التي هدد فيها بطرده، نشرت صفحة (العربية-السودان) التي يتابعها ما يزيد عن مليوني و 500 ألف متابع، تصريحاً قديماً لفولكر، دون أن توضح لقرائها، تاريخ الإدلاء به، وفقاً لقواعد نشر الأخبار المعروفة. 

وجاء التصريح الانتقائي الذي نقلته الصفحة، في خضم هجوم إعلامي على رئيس بعثة يونيتامس، من قبل جهات محسوبة على السلطة العسكرية الحاكمة، عقب إحاطته لمجلس الأمن عن الوضع في السودان يوم الخميس الماضي.

وكانت العديد من الصفحات والحسابات الشخصية على موقعي التواصل الاجتماعي (فيسبوك) و(تويتر)، تداولت منشوراً نسب فيه رد رئيس بعثة (يونيتامس)، فولكر بيرتس، على تصريحات مهاجمة له من قبل قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان.

نص المنشور على التالي:

“فولكر معلقاً على تهديد البرهان بطرده حضوري أو مغادرتي للسودان ليس برغبة البرهان بل وفق أمر أممي لمعالجة انسداد الأفق السياسي في السودان والأمر ليس قاصر فقط علي هذه الوساطة بل تعقبها إجراءات حينها  ليس للبرهان خيار الرفض أو القبول.”

تم تداول هذا المنشور على خلفية خطاب قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان خلال حفل تخريج بالكلية الحربية يوم الجمعة الماضي، قال فيه إنه من الممكن طرد فولكر بيرتس إذا تعدى حدود التفويض الممنوح له.

الصفحات والحسابات التي تداولت المنشور:

م

إسم الصفحة / الحساب / المجموعة

عدد المتابعين

1

كمال الدين عوض الله

2,154 متابع

2

Ammar

2,961 متابع

3

#تسقط_قحت (مجموعة)

53,100 ألف متابع

4

يلا نوثق

173,925 ألف متابع

5

جمعية وآنجا

2,222 ألف متابع

لاحقاً في الثاني أبريل الجاري، نفت بعثة (يونيتامس) التصريحات المنسوبة لفولكر. وقال المتحدث الرسمي باسم البعثة، إن “الممثل الخاص للأمين العام السيد فولكر بيرتس لم يُدلِ بأي تصريحات أو ملاحظات تعقيباً على تصريحات رئيس مجلس السيادة السوداني؛ وأن ما تتناقله بعض المواقع الإخبارية من تصريحات منسوبة للسيد بيرتس؛ عاريةٌ تماماً عن الصحة”.

لكن هذا النفي الرسمي، لم يمنع صفحة العربية السودان، من أن تنشر بعد ساعات قليلة خبراً منسوباً لفولكر، ذكرت فيه أن رئيس بعثة (يونيتامس) وجه رسالة للسودانيين يقول فيها: “لن تسيروا وحدكم”، دون توضيح سياق التصريح المجتزأ بشكل انتقائي. أيضاً، وجد فريق البحث في (بيم ريبورتس) أن صفحة القناة التي توجه خطابها للجمهور السوداني لم تنشر النفي المذكور أعلاه.

لقطة شاشة المنشور على صفحة (العربية- السودان)

للتأكد من صحة المنشور، تقصى فريق البحث في (بيم ريبورتس) حول التصريح المنسوب لرئيس البعثة. وجدنا أن التصريح المنسوب حقيقي و لكنه  قديم ويعود إلى تاريخ 28 فبراير 2022م. وهو مقتطع من خطاب (فولكر) الذي وجه فيه رسالة شكر للمشاركين والمشاركات في المشاورات حول العملية السياسية بالسودان.

يتضح من سياق الأحداث، أن صفحة العربية السودان، تجاوزت المعايير المهنية لنشر الأخبار، بنشرها لتصريح قديم عمره أكثر من شهر بعدم ذكر تاريخ نشره وتوضيح ذلك للقراء، بخاصة وأن الموضوع أثار جدالاً سياسياً كبيراً.

كيف تراجع المركزي عن سياسة تعويم الجنيه السوداني تحت غطاء الأخبار المضللة ؟

مع تزايد حدة الأزمة الاقتصادية التي أعقبت انقلاب 25 أكتوبر، أعلنت (اللجنة العليا للطوارئ الاقتصادية) برئاسة قائد الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، في السابع من مارس المنصرم، “توحيد سعر صرف” الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية. 

بينما كان من المنتظر، أن يُسهم القرار، حسب بيان لبنك السودان المركزي في استقرار سعر الصرف، شهد سوق العملات الأجنبية الرسمي والموازي، حالة من الاضطرابات، كان على رأسها تراجع كبير لقيمة الجنيه السوداني. 

والخميس قبل الماضي، بلغ سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الجنيه في نافذة (بنك الخرطوم) (647) جنيهاً للشراء و(651.8) للبيع، فيما تراوح سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الجنيه في السوق الموازي بين (680) و(720) جنيهاً، ضمن سياسة البنك السودان المركزي التي قضت بتعويم الجنيه.

لكن، بعد نحو 3 أسابيع من إقرارها، تراجع البنك المركزي عن سياسة (توحيد سعر الصرف)، بعد رحلة انهيار متسارع للجنيه السوداني مقابل الدولار الأمريكي، انخفض فيها سعر الصرف لـ(800) جنيه لكل دولار أمريكي، بالسوق الموازي.

وكانت الحكومة الانتقالية، برئاسة رئيس الوزراء السابق، عبدالله حمدوك، وحدت سعر صرف الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية في فبراير 2021م، وهي السياسة التي ساهمت في استقرار سعر الصرف لنحو 8 أشهر، بعد استقبال قدر من المساعدات والهبات الأجنبية، بالإضافة إلى تحويلات المغتربين.

في خضم نشاط إعلامي صاحب قرار تعويم الجنيه، بدأ الترويج لإستقبال بنك السودان المركزي لودائع بمليارات الدولارات، حيث تداول مستخدمون بمواقع التواصل الاجتماعي منشورات عديدة تتحدث عن حصول بنك السودان المركزي على وديعة مليارية.

وجدت هذه المنشورات والأخبار تفاعلاً كثيفاً بين السودانيين، حيث رحب البعض بالخطوة، فيما نبّه آخرون إلى عدم صحتها.

كانت وكالة السودان للأنباء ـ سونا، في قلب تفاعلات الأخبار التي تتحدث عن أموال في طريقها إلى خزينة بنك السودان المركزي، حيث نشرت يوم الخميس قبل الماضي، خبراً عن اقتراب جنوب السودان من إكمال دفع مبلغ 3.2 مليار دولار للسودان.

عنونت وكالة الأنباء الرسمية خبرها كالتالي:

“جنوب السودان تقترب من إكمال دفع المبلغ المستحق للخرطوم وقدره (3.2 مليار دولار)”.

في الوقت الذي يشير فيه عنوان الخبر، إلى أن هناك مبلغ 3.2 مليار دولار في طريقه إلى خزينة بنك السودان المركزي، تنفي تفاصيل الخبر المنشور هذا الإدعاء.

تقصى فريق البحث حول مبلغ الـ 3.2 مليار دولار الذي نقلت خبره (سونا)، ووجد أنه جزء من تسوية، بين السودان وجنوب السودان أطلق عليها (الترتيبات المالية الانتقالية) التزمت بموجبها جوبا بدفع مبلغ 3.028 مليار دولار، بواقع (15 دولار) لكل برميل يتم تصديره عبر الأراضي السودانية.

مصدر ببنك السودان ينفي لـ (بيم ريبورتس)

نفى مصدر مسؤول في بنك السودان المركزي لـ(بيم ريبورتس) استقبال خزينة البنك المركزي لأي دعم إقليمي، أو أي وديعة في حساباته الخارجية أو الداخلية. 

من ناحية أخرى، قال المصدر، إن بنك السودان المركزي، أوقف مزادات النقد الأجنبي في الثامن من مارس المنصرم، وقرر تخصيص النقد الأجنبي للمصارف من البنك عبر غرفة التعامل بالنقد الأجنبي، وهي طريقة بديلة لتخصيص الموارد للمستوردين عبر المزادات.

وأضاف المصدر، أن “غرفة التعامل بالنقد الأجنبي كان قد تم تجريبها في عهد رئيس وزراء النظام المخلوع معتز موسى وأثبتت فشلها”. 

وتابع “حينها، خفض بنك السودان سعر الصرف من 18 إلى 47.5 جنيه للدولار، بالرغم من ذلك، فشل البنك المركزي في الوفاء بطلبات المستوردين”.

شبكة من الحسابات والمواقع تتداول منشور الوديعة:

وجد فريق البحث في (بيم ريبورتس) أن الخبر الذي نشرته (وكالة الأنباء الرسمية) مقتبس من موقع (فرصة في السودان- Chance in Sudan) الذي أعاد صياغة خبر صحيفة (الشرق الأوسط). 

بمقارنة محتوى خبري موقع (فرصة في السودان) و(سونا)، لم نجد اختلافاً، سوى إيراد سونا لتفاصيل وخلفيات أكثر.

باستخدام أداة (Page source) في متصفح الإنترنت، وجد فريق البحث في (بيم ريبورتس) أن الخبر المنشور على موقع (فرصة في السودان) قبل موقع (وكالة الأنباء الرسمية) بثلاث ساعات. 

الصورة (1) توضح تاريخ و وقت نشر الخبر في موقع (فرصة في السودان)، أما الصورة (2) فتعرض تاريخ و وقت نشر الخبر في موقع (سونا) حسبما يوضح الموقع.

صورة (1)
صورة (2)

باستخدام الكلمات المفتاحية المذكورة في الخبر، وجدنا أن الخبر المنشور في صحيفة (الشرق الأوسط) نفسه، تمت إعادة صياغته من لقاء صحفي أجرته صحيفة (اليوم التالي) مع المدير التنفيذي لشركة (نايل بت) بجنوب السودان، شول دينق طون، بتاريخ 22 مارس 2022م.

 

صورة للقاء الصحفي مع (شول دينق طون) في 22 مارس

لاحظ فريق البحث في (بيم ريبورتس)، أنه قد تم ذكر مبلغ الـ(3 مليارات دولار) وأرقام أخرى ذات قيمة تقارب الـ(3 مليارات دولار) في العديد من الصفحات المهتمة بالشأن السوداني، حتى قبل أن تنشره وكالة الأنباء الرسمية. 

أدناه بعض الأمثلة لبعض الصفحات التي ذكرت هذا المبلغ:

وجد فريق البحث في (بيم ريبورتس) أن الصفحة بالصورة رقم (3) كانت خاملة عن النشر منذ أوائل فبراير الماضي، وكان آخر منشور لها يخص القصة الشهيرة للطفل المغربي (ريان)، مما يشير إلى أن هذه الصفحة قد نشطت مجدداً من أجل نشر هذا الخبر.

Picture_7
صورة توضح خمول الصفحة عن النشر منذ الخامس من فبراير 2022م

بالإطلاع على تاريخ صفحة (الخبر السريع)، وجدنا أنها كانت تسمى بـ”الصفحة الرسمية للعميد أمن/ محمد حمدان دقلو – حميدتي”، و من ثم تم تغيير اسمها إلى عدة أسماء متعلقة بالدعم السريع حتى تغير أخيراً لـ”الخبر السريع”.

صورة توضح تاريخ تغير إسم الصفحة

بعد انتشار هذه المنشورات والأخبار، و تراجع بنك السودان المركزي عن سياسته المعلنة بـ(توحيد سعر الصرف) عقب تدخله في تحديد سعر الصرف، تراجعت قيمة العملات الأجنبية أمام الجنيه السوداني، حيث بلغ سعر صرف الدولار الأمريكي بالسوق الموازي (600 جنيه سوداني) ، فيما بلغ سعر الصرف في بنك الخرطوم (576 جنيها سودانيا) أمس الخميس.

أيضاً تم توظيف جولات خارجية قام بها قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، أشيع خلالها حصول البلاد على منح ومساعدات مالية، في وقت لم تعلن تلك الدول التي زارها البرهان عن شيء من هذا القبيل، وانحصرت تصريحاتها في إبداء رغبتها في الاستثمار بالبلاد. 

حسب تقصي (بيم ريبورتس)، يتضح أن قرار تدخل البنك المركزي مجددا في تحديد سعر الصرف، بعد السقوط الحر الذي مارسه الجنيه السوداني، سبقته حملات على وسائل التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام الأخرى. ركزت كل هذه الحملات التضليلية على أن هناك احتياطي كبير من العملات الأجنبية موجود أو قادم إلى خزينة البنك المركزي.