Category: سياسي

كيف واجهت القوات الحكومية مظاهرات 30 يونيو في السودان؟

سطر الشعب السوداني في الثلاثين من يونيو، بقيادة لجان المقاومة في الأحياء والمدن والقرى والفرقان، ملحمة جديدة من ملاحم نضاله السلمي المستمر من أجل الدولة المدنية وإبعاد العسكر من المشهد السياسي بالبلاد.

وانتظمت المظاهرات السلمية نحو (42) مدينة ومنطقة بجميع أنحاء السودان، جنوباً وشمالاً، شرقاً وغرباً، بالإضافة إلى المواكب الهادرة بمدن العاصمة الثلاث.

وواجهت سلطة الأمر الواقع، المظاهرات بالعنف واسع النطاق، والقمع والانتهاكات، ففي صبيحة الثلاثين من يونيو أوقفت السلطات خدمات الإنترنت والإتصالات الهاتفية عن كل البلاد، كما أغلقت الجسور والكباري الرابطة بين مدن العاصمة الثلاثة، ونشرت آلاف الجنود المدججين بشتى أنواع الاسلحة وسط المدن.

تعاملت القوات الأمنية والعسكرية والشرطية مع المتظاهرين بعنف مفرط، وقتلت (9) من المتظاهرين بالرصاص الحي، علاوة على العديد من الإصابات -احصت اللجان الطبية منها- نحو (629) حالة إصابة، في عدد من المدن، ولم تستطع الفرق الطبية إحصاء مئات الإصابات نظراً للإستخدام الواسع والممنهج للعنف ضد المتظاهرين السلميين، علاوة على اعتقال نحو (444) متظاهرا في أنحاء مختلفة من البلاد، من بينهم (39) إمرأة على الأقل وعدد كبير من الأطفال القاصرين.

تحاول (بيم ريبورتس) في هذا التقصي، تقديم إحصائية لحصيلة العنف الذي استخدمته القوات الأمنية والعسكرية الشرطية بحق المتظاهرين السلميين، في مظاهرات الثلاثين من يونيو، ويأتي هذا العنف الواسع النطاق على الرغم من تصريحات الشرطة بأنها لن تستخدم الأسلحة النارية لفض التظاهرات السلمية.

أنواع الأسلحة التي استخدمتها القوات الحكومية ضد المتظاهرين السلميين:

  • الرصاص الحي
  • الغاز المسيل للدموع
  • خراطيم المياه، التي يعتقد بأنه يخلط معها نوع من الغاز السائل
  • بعض الجنود كانوا يحملون أسلحة بيضاء (سكاكين وأدوات حادة)

نجم عن الاستخدام المفرط للعنف عبر هذه الوسائل والأسلحة مئات الإصابات المتنوعة، بالإضافة لفقدان الارواح.

أعداد الإصابات بالتفصيل كالآتي:

أعداد الإصابات حسب المدينة:

الإصابات في الأقاليم:

الاعتقالات

المصادر:

  • الإصابات: لجنة أطباء السودان المركزية
  • الاعتقالات: محامو الطوارئ

في خضم حملات تضليلية.. السودانيون يستعدون لتكرار سيناريو 30 يونيو 2019م

بعد فض اعتصام القيادة العامة الدموي بالعاصمة السودانية الخرطوم ومدن إقليمية أخرى في 3 يونيو 2019م، اعتقد الكثيرون أنه كان بمثابة تشييع لثورة ديسمبر وإيذاناً بسيطرة كاملة للمجلس العسكري الانتقالي المحلول. لكن لم تكد تمر أقل من 4 أسابيع، حتى تغير المشهد تماماً، تحت هدير الشوارع في مواكب مليونية 30 يونيو والتي أنهت اعتقادات العسكريين بالسيطرة من جهة، وفاجأت أولئك المتابعين للشأن السوداني من جهة أخرى.

وأتت مواكب 30 يونيو 2019م، رغم القبضة الأمنية المشددة وظروف قطع الانترنت والصدمة التي اعترت ملايين السودانيين، لا لتنهي انقلاب المجلس العسكري الانتقالي المحلول، على الثورة وحسب، وفقاً لبيان القائد العام للجيش وقتها، عبد الفتاح البرهان، وإنما كانت إعلاناً مزلزلاً باستمرار الثورة. كما أنها قادت المجلس العسكري الانتقالي للتراجع عن انقلابه واستئناف التفاوض مع قوى إعلان الحرية والتغيير والذي أسفر عن توقيع الوثيقة الدستورية في السابع عشر من أغسطس 2019م والتي تقاسم بموجبها المدنيون والعسكريون السلطة إلى حين انقلاب 25 أكتوبر الماضي.

عقب انقلاب 25 أكتوبر في العام الماضي، عاد السودانيون مجدداً إلى نقطة 3 يونيو 2019م، يواجهون الموت في الطرقات والقبضة الأمنية المشددة على يد المجلس العسكري الانتقالي نفسه، بعدما أعاده البرهان إلى الحياة مجدداً، ضمن فقرات بيانه المتعلقة بالوثيقة الدستورية التي تلاها في بيان انقلابه يوم الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي.

مياهاً كثيرة مرت تحت الجسر منذ 30 يونيو 2019م، لكنها اليوم تتجمع مرة أخرى على عتبة مواكب 30 يونيو 2022م، لتتخذ مجرى جديداً لها، في خضمِ واقع سياسي واقتصادي واجتماعي ملتهب، لكنه على تناقضات الفاعلين فيه، إلا أنه ذو هدف واحد؛ “إسقاط الانقلاب العسكري واستعادة الحكم المدني”؛ وإن كان بلافتات متعددة.

“في الفترة التي سبقت 30 يونيو 2019م، وبعد أن عطل المجلس العسكري خدمات الإنترنت، عملت لجان المقاومة بصورة مباشرة داخل الأحياء للحشد لمليونية 30 يونيو، حيث استعملت اللجان تكتيكات الكتابة على الجدران باستخدام البخاخات والمخاطبات المباشرة في الأحياء والأسواق والتجمعات المختلفة وتوزيع الأوراق الدعائية، كما عملت على تنظيم نقاشات مع السكان بصورة مستمرة”، تروي عضوة لجنة الإعلام في تنسيقية لجان مقاومة بحري، مآب صلاح، جانباً من الاستعدادات لمليونية 30 يونيو 2019م.

وتضيف مآب، في إفادتها لـ(بيم ريبورتس) أن “السبب الأساسي لنجاح مليونية يوم 30 يونيو 2019م هو أن الناس كانوا مشحونين أصلاً بسبب الانتهاكات التي ارتكبها المجلس العسكري في فض الاعتصام”.

وأوضحت أن طريقة عمل اللجان في الحشد لمليونيات 30 يونيو في 2020م و2021م اختلفت حيث اعتمدت على مواقع التواصل الاجتماعي بصورة أكبر، وبدأت في عمل (لايفات) – البث المباشر عبر الانترنت- وفتح قنوات للناس لطرح الأسئلة وغيرها من الطرق التي تضمن للجان الوصول إلى عدد كبير من الناس.

وتعود إلى تنظيم مليونية 30 يونيو 2019م قائلة: “في مليونية 30 يونيو 2019 عملت اللجان الميدانية والإعلامية التابعة للجان المقاومة مع اللجان الميدانية لقوى الحرية والتغيير في تنظيم المظاهرات وتحديد المسارات، ولكن انتهى هذا الشكل من أشكال التنسيق وأصبحت لجان المقاومة تنظم المليونيات بصورة منفردة”.

المشهد السياسي في 30 يونيو 2022م

تأتي مليونية 30 يونيو هذا العام، والمشهد السياسي ينقسم إلى معسكرين رئيسيين؛ انقلاب 25 أكتوبر وحلفائه، مقابل القوى الساعية لإسقاطه، بالإضافة إلى حراك دولي وإقليمي يحاول جمع الأطراف السودانية على طاولة تفاوضية. بينما ترفض لجان المقاومة والحزب الشيوعي ومنظومات أخرى التفاوض، تقبله قوى الحرية والتغيير بشرط أن يُبنى على إنهاء الانقلاب.

فيما دعا رئيس بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم الانتقال الديمقراطي في السودان (يونيتامس) والممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، فولكر بيرتس، السلطات إلى ضمان التزامها بحماية الحق في التجمع السلمي وحرية التعبير، مشددا على أنه لن يتم التسامح مع العنف ضد المتظاهرين. أيضاً دعا بيرتس “الجميع” إلى عدم إعطاء أي فرصة لـ”المفسدين” الذين يريدون تصعيد التوترات في السودان.

بينما قالت الشرطة السودانية، في بيان نادر، إنها سوف تلجأ لاستخدام “القوة المدنية” في مليونية 30 يونيو. كما ذكر البيان تقدم وزير الداخلية ورئاسة الشرطة بطلب للنائب العام ووزير العدل بنشر مستشارين اتحاددين بأقسام الشرطة كمراقبيين للقوات منذ خروجها والتأكد من تسليحيها، ومرافقة وكلاء النيابة التابعيين لولاية الخرطوم. 

ويأتي بيان الشرطة بعد مقتل 104 متظاهرين وإصابة الآلاف، منذ انقلاب 25 أكتوبر. 

تأكيدا لذلك طلب السيد وزير الداخلية و رئاسة الشرطة من النائب العام ووزير العدل نشر مستشارين اتحاديين باقسام الشرطة ومواقع التعامل كمراقبين للقوات منذ خروجها والتاكد من تسليحها ومرافقة وكلاء النيابة التابعين لولاية الخرطوم وتدوين اي ملاحظات اثناء التعامل.

حملات تضليل إعلامية تسبق 30 يونيو

بيان الشرطة بعد مقتل 104 متظاهرين وإصابة الآلاف، بالتزامن، مع الدعوات لمليونية 30 يونيو بدأت تغزو وسائل التواصل الاجتماعي السودانية حملات تضليل إعلامي ممنهجة في محاولة لضربها و التشكيك في جدواها.

وتنشط الحملات على زرع الخوف وسط أولئك الذين ينوون التظاهر في مليونية 30 يونيو، حيث اتجهت المجموعات التي تعمل في التأثير على الرأي العام، بتنسيق حملات ممنهجة، تعمل على التخويف من المشاركة في مليونية 30 يونيو، واستبقوا ذلك اليوم، بادعاء أن أي دماء سوف تكون مسؤولية القوى المعارضة.

بدأ هذا النشاط المنسق، بفبركة مقال للقيادي بتجمع المهنيين السودانيين (الحرية والتغيير)، محمد ناجي الأصم، بعنوان (عودة الوعي للأصم، حيث ادعى المقال المفبرك أنه دعا إلى (حفظ دم الشباب وعدم الاستجابة لدعوات الخراب)، لكن الأصم نفى صلته بالمقال جملة وتفصيلاً، في منشور كتبه على حسابه بموقع فيسبوك.

وفي إطار الحملة الممنهجة ضد مليونية 30 يونيو نشر الكاتب ورئيس التحرير السابق لـ(صحيفة الرائد) ،الناطقة باسم حزب المؤتمر الوطني المحلول، ياسر محجوب الحسين، في تغريدة على حسابه بموقع تويتر إن الدعوة “لتظاهرات مليونية 30 يونيو ليست لأمر مبدئي كإزالة ما يسمونه بالانقلاب وإنما تكتيكي لتحسين الموقف التفاوضي المُستهدِف حصاد كراسي الحكم، فلو حصلوا على كراسيهم فليس هناك سبب لازالة (الانقلاب) ولا عزاء لأمهات الشهداء وكذلك الذين هم مشاريع شهداء فداءً للكراسي”.

بينما نشر القيادي الإسلامي، ورئيس تحرير (صحيفة مصادر)، عبد الماجد عبد الحميد، منشوراً على حسابه بموقع فيسبوك، قال فيه الإدعاء الآتي:

بينما درجت مجموعة على فيسبوك باسم (مبادرة تفويض القوات المسلحة لاستلام السلطة)، منذ أيام على نشر معلومات مضللة ومفبركة، ومنشورات تخويفية تحث على عدم المشاركة في مليونية 30 يونيو ونشر أحد أعضاء المجموعة الإدعاء الآتي:

أيضاً نشرت مجموعات على موقع فيسبوك، إدعاءات تهدف إلى بث مناخ الخوف، عن خطة مدروسة عن عملية اغتيالات خلال مليونية 30 يونيو المقبل. وجاء الادعاء كالآتي:

يعتقد مروجي هذا النوع من المعلومات المضللة بأنها قد تثبط عزم المتظاهرين، ولكن دائماً ما يكون الرد هو امتلاء الشوارع بالمزيد من الحشود.

اتساع رقعة المقاومة في 30 يونيو 2022م

بعد ثلاث سنوات، نمت لجان المقاومة في السودان، وشملت غالبية أحياء ومدن وقرى البلاد، وأصبحت مستقلة عن قوى الحرية والتغيير، ورغم أنهما يتشاركان الأهداف العامة، إلا أن الحيثيات مختلفة بعد 25 شهراً من تجربة الحكومة الانتقالية، التي كانت فيها قوى الحرية والتغيير شريكاً في السلطة.

لكن رغم ذلك، حشدت القوى الرئيسية المعارضة لانقلاب 25 أكتوبر لمليونية 30 يونيو هذا العام على حد سواء، وفق عناوين عامة تبدو متشابهة، مجتمعة على إسقاط الانقلاب وإقامة حكم مدني.

ومع احتمالية انقطاع خدمات الانترنت والاتصالات، وإغلاق الجسور في العاصمة الخرطوم، وضعت لجان المقاومة والقوى الأخرى المشاركة في مليونية 30 يونيو خطوط الحراك العامة وموجهات ومسارات المواكب، واستعدت لتكرار سيناريو 30 يونيو 2019م، الذي استعادت فيه الجماهير زمام المبادرة في قيادة الثورة.

ما الدور الذي لعبته عائلات الضحايا عالمياً من أجل تحقيق العدالة؟

تجمعت 14 من النساء الأرجنتينيات في ظهيرة 30 أبريل 1977م بساحة ميدان مايو أمام قصر الرئاسة في العاصمة بوينس آيرس، معترضات على النظام العسكري الذي مارس أشد أنواع القمع والقتل والتعذيب و تورطه في اختطاف الأطفال الرضع وإخفائهم قسرياً.  وقفت النساء هناك للمطالبة بعودة أطفالهنْ المختطفين، وكانت هذه المسيرة هي النواة التي شكلت كيان منظمة أمهات ميدان مايو حيث زاد عدد النساء المشاركات في القدوم إلى الساحة كل خميس، واضعات أغطية بيضاء على رؤسهنْ تحمل أسماء أبنائهنْ المفقودين.

منظمة أمهات ميدان مايو

مارس نظام الجنرال فيديلا القتل والاختطاف والتعذيب طوال سنوات حكمه في الفترة ما بين 1976 إلى 1983م، والتي عرفت باسم “الحرب القذرة” والتي لم تكن تهدف فقط إلى تصفية معارضي النظام اليساريين، بل كل النشطاء السياسيين وعائلاتهم والمتعاطفين معهم في كل مكان في الأرجنتين. وخلال هذه السبع سنوات اختفى ما يقارب 30 ألف أرجنتيني، مات بعضهم جراء التعذيب أو الرصاص أو رحلات الموت؛ حيث كان يتم تخدير الضحايا ومن ثم رميهم من الطائرات في المحيط الأطلسي. وجزء من هؤلاء الضحايا كنّ من النساء الحوامل تم قتلهنْ بعد أن وضعنْ أطفالهنْ وبعدها منح الأطفال لأسر تابعة للنظام العسكري حتى لا ينشأ جيل جديد من المعارضين، وحدث هذا الأمر مع 500 امرأة.

الأمهات من نحيب الفقد إلى القيادة

بعد 8 أشهر من نشاط أمهات ميدان مايو، بادر النظام في الأرجنتين باختطاف النساء المشكلات للمجموعة، حيث اختطف العديد من مؤسسات المجموعة ومنهنْ أزوسينا فيلا فلور والتي تلقت عائلتها خبراً بمقتلها ودفنها في مقبرة جماعية بعد 28 عاماً.

بالرغم من الترهيب الذي تعرضت له النساء في مجموعة أمهات ساحة مايو إلا أنهنْ نظمن أنفسهن من جديد وعدن إلى الميدان بعد فترة مع الخطر الذي ظل يداهمهنْ دائماً، وبلغ عدد النساء في المجموعة المئات. ومع الرقابة على الصحف والإعلام فإن أمهات ساحة مايو لم يجدن فرصة للتعريف بقضيتهن إلا أثناء استضافت الأرجنتين لبطولة كأس العالم في 1978م حيث استفدنْ من التغطية الإعلامية الدولية لعكس قضيتهنْ للعالم، واستمر الاحتجاج برغم من إرهاب وتهديد الدولة وإطلاق الشرطة النار على جزء من المجموعة خلال الاحتجاجات.

نوعت أمهات ساحة مايو في تكتيكات عملهن ومقاومتهنْ، والتي شملت البحث المنفرد عن الأطفال المفقودين، ونشر إعلانات في الجرائد بأسمائهم، وتوزيع المنشورات في مواصلات النقل العام من حافلات وقطارات، بالإضافة إلى الاستعانة بالشخصيات العامة في الأرجنتين لدعم قضيتهنْ؛ مثل الأديب خورخي لويس بورخيس، والمدير الفني لمنتخب كرة القدم الأرجنتيني سيزار مينوتي، كان ذلك بالتوازي مع الاستمرار في الاحتجاج والمسيرات إلى ساحة مايو كل خميس، “منظمة أمهات ساحة مايو” التي حظيت بدعم كبير.

مسيرة المقاومة واستمرار البحث عن المخفيين

ارتفع صوت حركة أمهات ميدان مايو في أوائل الثمانينيات، ومع التردي الاقتصادي وارتفاع الممارسات القمعية للنظام العسكري إنضم الآلاف من الشعب الأرجنتيني إلى الأمهات في “مسيرة المقاومة” التي استمرت 24 ساعة في 10 ديسمبر 1982م، مما أدى إلى إنهيار شرعية النظام وأجبره على التخلي عن السلطة نتيجة الضغط الشعبي والدولي، وأجريت انتخابات ديمقراطية في عام 1983م.

وبالرغم مع انتهاء الحكم الديكتاتوري فإن حركة أمهات مايو لم تتوقف عن العمل، بل ضغطت بصورة أكبر للحصول على إجابات من الحكومة حول أماكن أولادهن المختفين. وفي عام 1984م جرت محاكمة القيادات العليا في النظام العسكري السابق إلا أن ذلك لم يكن كافيًا ومرضياً. واستمرت الحركة حتى قررت المحكمة العليا في الأرجنتين في يونيو 2005م فتح الباب ومحاكمة كافة المسئولين السابقين.

كانت حركة “أمهات ساحة مايو”، ومازالت، من أهم الحركات السياسية الاحتجاجية في تاريخ أمريكا اللاتينية، وما أدى إلى نجاحها إصرار النساء على النضال المستمر رغم القمع والعنف والخوف. لقد بدأت الحركة بتجمع لأمهات يبكين أولادهن ويطالبن بعودتهم، وتحولت إلى حركة “أمهات ساحة مايو” السياسية التي تتحدى الحكومة وتطالبها بتحمل مسؤوليتها عن اختفاء الأبناء.

وبالرغم من أن معظم الأمهات لم ترين أبنائهن المختفيين أبدًا، استمرت الحركة حتى يومنا هذا، ومازالت عضوات الحركة يلتقين في الساحة كل يوم خميس ليس فقط كتعبير عن التضامن بل كتعبير احتجاجي ضد القمع في أي مكان في العالم، وكأنهن يقلن إن ما حدث في الأرجنتين يجب ألا يتكرر أبدًا، ليس هناك فقط بل وأيضًا في أي مكان آخر.

المغرب.. عدالة جزئية وتغاضي عن المحاسبة

شهدت فترة حكم الملك الحسن الثاني في المغرب (1961إلى1999م) والتي عرفت بسنوات الرصاص، انتهاكات كبيرة لحقوق الإنسان وبشكل خاص الإخفاء القسري. وأثمر ضغط عائلات الضحايا في سبيل الوصول إلى عدالة بالإضافة إلى ضغط المجتمع الدولي إلى إغلاق سجن “تازمامارت” وإطلاق سراح المخفيين فيه والذين بلغ عددهم 341 سجيناً، بالإضافة إلى الموافقة على برنامج تعويضات الضحايا.

Photo credit ABDELHAK SENNA/AFP via Getty Images

كان هدم السجن هو بادرة من نجل الملك السابق الملك محمد السادس، والذي صعد إلى الحكم بعد والده، وفي محاولته لإحداث قطيعة مع سنوات حكم والده أنشأ محمد السادس هيئة الإنصاف والمصالحة في 2003م، بعد مشاورات بين أجسام المجتمع المدني والقصر الرئاسي، ووكل للهيئة معالجة انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبت في فترة حكم الحسن الثاني.

كرست الهيئة عملها في التحقيق في حالات الإخفاء القسري والاعتقال التعسفي والتعذيب والعنف الجنسي. وتوصلت الهيئة إلى حل 742 قضية إخفاء قسري وقدمت تعويضات مادية لـ 9779 ضحية، كما عقدت خلال مدة عملها سبع جلسات استماع علنية حية على التلفاز في ستة مناطق لإقرار الحقيقة التاريخية.

وبالرغم من ذلك كانت هناك انتقادات مختلفة لهيئة الإنصاف والمصالحة من قبل الفاعلين في مجال حقوق الإنسان، ابتداءاً من الإطار الزمني الذي خصصته للقضايا؛ حيثُ حصرت الفترة الزمنية للانتهاكات من لحظة حكم الحسن الثاني وحتى وفاته بينما طالب كثيرون بضرورة التقصي في الانتهاكات التي حدثت بعد 1999م، وتمثلت الانتقادات الأخرى في أن الهيئة لا تتمتع بصلاحيات قضائية وليس بإمكانها تسمية أي من الجناة، كما أنها لم تطالب بعزل بعض المسؤولين المتورطين من مناصبهم ولم تكشف عن المتورطين في الانتهاكات والذين ثبتت صلتهم بالانتهاكات وكان كل ذلك بدافع المحافظة على استقرار الحكومة.

والانتقاد الأبرز أن تقرير الهيئة لم يأت على ذكر منطقة الصحراء الغربية التي شهدت قمعاً كبيراً في تلك الفترة، وبدلاً من ذلك زارت الهيئة المنطقة لمدة 10 أيام فقط وألغت خطة عقد جلسة استماع عامة هناك.

ويمكن فهم غياب العدالة الجنائية من خلال استدعاء السياق الذي تكونت فيه هيئة الإنصاف والمصالحة، حيث أنها تكونت تحت ظل ذات النظام الذي كان مسئولاً عن الانتهاكات قيد التحقيق. وبالرغم من أن الهيئة وصت بمكافحة الإفلات من العقاب إلا أن المحاسبة عن تلك الجرائم كانت غائبة. لكن الأمر تخطى مجرد غياب المحاسبة، بل مُنع الضحايا من تسمية الجناة أثناء الإدلاء بشهادتهم. ومن ثم، إضافة لشعورهم بالأمان من المساءلة القانونية، أولئك الذين عَذبوا وأمروا بالقتل والاعتقال الجماعي حافظوا على مناصبهم في المجال العام.

تونس.. مسيرة متواصلة طلباً للعدالة

ما تزال عائلات شهداء الثورة التونسية متمسكة بمطالبها بعدما يقارب 11 عاماً من الثورة. وتتمثل أبرز المطالب في كشف الحقيقة والمحاسبة ومحاكمة الضالعين في قتل الثوار خلال الثورة، كما أن الأسر طالبت خلال السنوات الماضية بضرورة إصدار ونشر قائمة شهداء وجرحى الثورة بالجريدة الرسمية للدولة. ونتيجة لضغط متواصل والدخول في اعتصامات واضرابات فإنه قد تم نشر القائمة في أبريل الماضي في الجريدة الرسمية والتي توثق لعدد 129 شهيداً و634 من الجرحى.

وانطلقت شرارة الثورة التونسية بإضرام الشاب محمد البوعزيزي النار في جسده احتجاجاً على مصادرة العربة التي كان يبيع فيها من قبل الشرطة، وخرج آلاف التونسيين في اليوم 18 ديسمبر 2010م رافضين أوضاع البطالة وغياب العدالة الاجتماعية والفساد داخل النظام الحاكم، وسقط العديد من القتلى والجرحى نتيجة العنف الذي استخدمته قوات الأمن ضد المتظاهرين. وأجبرت المظاهرات الرئيس زين العابدين بن علي على إقالة عدد من الوزراء، كان من بينهم وزير الداخلية، وتقديم وعود بالإصلاح، كما صرح بأنه لن يترشح لانتخابات الرئاسة 2014م لكن مدى الاحتجاجات توسع حتى وصل مباني الحكومة، وفي 14 يناير 2014م تنحى بن علي وغادر البلاد.

إن تجارب العدالة ومشاركة الضحايا وأسرهم تشهد تطوراً كبيراً والذي بدأ بأخذ أدواراً أكثر فاعلية في الثمانينات، كما أن نظام العدالة الجنائية الدولية يقر بأن الضحايا يمكن أن يسهموا في مسار عدالة أكثر وضوحاً من خلال إسماع أصواتهم وحماية مصالحهم. وتُمَكن مشاركة الضحايا من استعادة كرامتهم من خلال منحهم شعورا بالقوة والقدرة على التصرف. وبالمثل، إذا كانت المحاكمات ترمز إلى اعتراف المجتمع وإدانته لما عانى منه الناجون، فقد يشعر أولئك الذين يشاركون فيها بأنه تم الاعتراف بهم. وفي السياق السوداني فإنه يمكن الاستفادة من تجارب العدالة الانتقالية حول العالم واستلهام أدواتها وتقنياتها في سبيل تحقيق العدالة والإنصاف.

هل تفلح الآلية الثلاثية في استعادة مسار التحول الديمقراطي بالسودان؟

بعد مرور 7 أشهر على انقلاب الجيش السوداني، في 25 أكتوبر الماضي، ما تزال البلاد تعيش وطأة تعقيدات سياسية كبيرة أعقبت الانقلاب الذي أنهى مسيرة سياسية كانت تهدف إلى الوصول بالبلاد إلى سلطة مدنية وتحول نحو الديمقراطية.

ورغم أن قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، وصف الانقلاب، بأنه “إجراءات تصحيحية”، إلا أنه واجه موجة من الرفض الشعبي، حاول تفاديها بتوقيعه اتفاقاً مع رئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك، في الحادي والعشرين من نوفمبر الماضي، لكنه فشل مرة أخرى، بعد استقالة حمدوك في الثاني من يناير الماضي. 

ومع الضغط الشعبي المتصاعد، واستمرار الاحتجاجات المناهضة لسيطرته على السلطة، انخرط مجلس السيادة في المشاورات التي أطلقتها بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان (يونيتامس) برئاسة فولكر بيرتس، في يناير الماضي، ولكنه سرعان ما انقلب عليها ووجه ضدها آلته الإعلامية الرسمية، على رأسها الصحيفة الرسمية للقوات المسلحة، وغيرها من الجهات غير الرسمية على شاكلة شبكات تضليل وأخبار زائفة منظمة تعمل على تشويه صورة رئيس البعثة أمام الرأي العام. 

بالتزامن مع هذه الحملات، بدأت أصوات تنادي بضرورة إدخال أطراف أفريقية أخرى لتكون جزءاً من عملية تسيير المشاورات السياسية، وتجسدت هذه المطالبات؛ بتكوين الآلية الثلاثية التي تضم اليونيتامس، والاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد) في محاولة لتحقيق اختراق سياسي بين الأطراف. 

سبق الهجوم المباشر الذي شنته المؤسسة العسكرية ضد فولكر، محاولتهم استقطاب داعمين إقليميين، إذ زار قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي) إثيوبيا في 2 يناير، حيث التقى رئيس الوزراء آبي أحمد، وناقش معه سبل تعزيز التوافق بين البلدين، كما ذكر تقرير أن حميدتي سيناقش مع مسؤولين إثيوبيين “تطورات الأوضاع في السودان، والجهود المبذولة لتحقيق الوفاق الوطني”. 

ولا يبدو من الغريب، أن يتوجه حميدتي إلى إثيوبيا بالتحديد نسبة لعلاقتها القوية بمؤسستي الاتحاد الأفريقي والإيغاد، حيث يوجد مقر رئاسة الاتحاد الأفريقي في أثيوبيا، بينما يشغل وزير الخارجية الإثيوبي الأسبق، وركنه جيبيهو منصب الأمين التنفيذي  للإيغاد. 

بعد زيارة حميدتي بمدة قصيرة، بدأ أول تدخل للإيغاد كطرف في المشاورات السياسية حيث أعلن الأمين التنفيذي لمنظمة الإيغاد ، وركنه جيبيهو، في 30 يناير عبر تويتر وصوله للسودان ولقائه بسفراء الإيغاد المعتمدين لدى السودان، كما قابل في زيارته فولكر وسفراء دول الترويكا، بالإضافة إلى (حميدتي) الذي رحب بمساعي الإيغاد لإيجاد سبل للحوار المفتوح بين جميع الأطراف لاستئناف عملية الانتقال، كما التقى بقائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، حيث ناقش معه الدور الذي ستلعبه الإيغاد في الحلول التفاوضية للأزمة السياسية الحالية. 

أعقبت زيارة الأمين العام للإيغاد، زيارة وفد من الاتحاد الأفريقي برئاسة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي موسى فكي، للبلاد واستهل الوفد زيارته بلقاء حميدتي الذي قال إن السودان يرحب بأي دور يمكن أن يقوم به الاتحاد الأفريقي في سبيل تقريب وجهة النظر بين الأطراف السودانية. كما ذكر الوفد أنه التقى بالبرهان في اليوم الذي يليه، قبل أن يختتم زيارته في يوم 14 فبراير معلناً أنهم قد التقوا بأغلب الفاعلين العسكريين، والسياسيين، والمدنيين ـ دون تقديم مزيد من التفاصيل ـ  كما التقى الوفد بالمبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة للسودان والترويكا، وأشار موسى خلال زيارته لما وصفها بـ”المبادئ الأساسية ومسؤولية الاتحاد الأفريقي” في حل المشاكل الأفريقية من قبل الأفارقة أنفسهم، بالتعاون مع الشركاء الدوليين، ولا سيما الأمم المتحدة، وفقاً لنهج يحترم هذه المبادئ بالإضافة لسيادة الشعب السوداني في التعامل مع شؤونه.

ورغم أن الاتحاد الأفريقي كان له موقف قوي بعد وقوع الانقلاب، إذ أعلن عن تعليق عضوية السودان في 27 أكتوبر، وقد ذكر في البيان، أن التعليق سيستمر “حتى الاستعادة الفعلية للسلطات الانتقالية بقيادة مدنيين”، كما أدان الإجراءات التي قام بها الجيش واصفاً إياها بالتغيير غير الدستوري للحكومة واعتبرها أمراً غير مقبول وإهانة للقيم المشتركة والمعايير الديمقراطية للاتحاد الأفريقي. كذلك، فعلت الإيغاد، إذ أصدر الأمين التنفيذي للإيغاد وركنه جيبيهو تصريحاً صحفياً في 25 أكتوبر أدان فيه “محاولة تقويض الحكومة المدنية”، كما أبدى انزعاجه من التطورات الأخيرة، خصوصاً أن السودان هو الرئيس الحالي للمنظمة.

لكن مع مرور الوقت، باتت مواقفهم أقل حدة وقد كان هذا السلوك ظاهراً منذ تصريحات محمد حسن ود لباد في المؤتمر الصحفي الذي أعلن فيه عن تكوين الآلية في 10 مارس الماضي، حيث أوصى من أسماهم “فصائل الشعب التي تنظم المسيرات والمظاهرات”، بأن لا يشجعوا على أي سلوك قد يسئ إلى قوى الأمن ومؤسسات الدولة في ظل هذه الظروف الجديدة السلمية المواتية للحوار على حد وصفه.

ومع بدء العملية، بدأ الحديث عن تحيزات وقبول ورفض لها، حيث رفض حزب المؤتمر السوداني، أن يكون جزءاً من الاجتماع التحضيري الأول الذي دعت له الآلية، حيث أشار في بيان له بأن “الاجتماع التحضيري لا يقود لذلك (يقصدون العودة إلى المسار الديمقراطي)، لأنه يخطئ في تعريف طبيعة الأزمة وتحديد أطرافها وقضاياها ويشرعن حجج الانقلاب التي يريد من خلالها إخفاء دوافعه وطبيعة تركيبته“. بينما قال الحزب الشيوعي في رسالة وجهها إلى الآلية بعد رفضه المشاركة في المشاورات غير المباشرة في 14 مايو، إن الآلية تقيم تفاوضا مع قوة سياسية شاركت في النظام البائد، بالإضافة إلى أنها تؤيد إفلات الجناة من العقوبات في الجرائم التي تعرض لها الثوار، وقد ردت اليونيتامس على هذه التصريحات حيث وصفتها بـ الصادمة، إذ ذكرت أنها تتناقض مع مجهوداتها.  وكان آخرها اتهام عضو مجلس السيادة السابق صديق تاور للوسيط الأفريقي بالانحياز إلى العساكر، وأنهم دخلوا منذ البداية بعقلية التسوية لصالح الإنقلابيين.

برغم التقاطعات في عمل الآلية الثلاثية، والرفض الذي جوبهت به دعواتها من قبل العديد من المكونات السياسية ولجان المقاومة، إلا أن الآلية عقدت، في الثامن من يونيو الحالي، اجتماعاً تقنياً للتجهيز للمحادثات السودانية-السودانية، وأعلنت أن الاجتماع  ناقش القواعد الإجرائية وشكل المحادثات بشأن القضايا الموضوعية، وإنشاء هيئة وطنية من شخصيات سودانية للإشراف على المحادثات السياسية.

وجرت الجلسة بحضور شخصيات بارزة من مناصري و الحزب الشيوعي السوداني، ومجموعة حقوق النساء، وتجمع المهنيين السودانيين، ولجان المقاومة.

وفي ظل مقاطعة أغلب القوى السياسية والمقاومة لعمليات الآلية الثلاثية، وسط اتهامات للقائمين على أمرها بالتحيز، فستكون بلا جدوى.

وعقب اجتماع الآلية الثلاثية، الذي قاطعته قوى الحرية والتغيير انخرط ممثليها في اجتماع مباشر مع العسكريين للمرة الأولى منذ انقلاب 25  أكتوبر الماضي، بوساطة من المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميريكية، لكن سفارتي البلدين بالخرطوم، أكدتا في بيانين منفصلين، أن اللقاء بين المدنيين والعسكريين لا يعد بديلاً للآلية الثلاثية، لكن الأخيرة أعلنت تأجيل اجتماع كان من المنتظر أن يعقد اليوم الأحد بين تلك القوى المحسوبة على النظام البائد والعسكريين.

ومع وساطة الرياض وواشنطن التي أفضت إلى انخراط قوى الحرية والتغيير والعسكريين من جهة أخرى في محادثات مباشرة، وصفت بغير الرسمية، وتأكيدها من ناحية أخرى، أن هذه المحادثات لا تعد بديلاً للآلية الثلاثية، يبدو أن كثيراً من العوامل قد تلقي بظلالها على عمل الآلية الثلاثية، خاصة أن بعض أطرافها (الوسيط الأفريقي)، واجهت اتهامات بالتحيز للعسكريين.

خط زمني لمعالم العملية السياسية منذ انقلاب 25 أكتوبر:

ما الذي تحقق لسكان دارفور بعد عام ونصف على توقيع اتفاق جوبا للسلام ؟

“ما نريده كضحايا هو تحقيق العدالة والإنصاف لنا وأسرنا، ومحاسبة كل مرتكبي الجرائم في دارفور ومنع حدوث أي جرائم جديدة”، بهذه العبارات المحتشدة بالوضوح، يتحدث آدم رجال، الناطق الرسمي باسم المنسقية العامة للنازحين واللاجئين، في إفادته حول آمال وتطلعات سكان مخيمات النزوح، الذين شردتهم سنوات الدم والحرب والرصاص، التي غيرت وجه دارفور مرة وللأبد.

وشهد إقليم دارفور حرباً  مستمرة، اشتعل أوارها لأول مرة في العام 2003 أودت بحياة أكثر من 300 ألف شخص، فيما تسببت في تهجير أكثر من مليوني شخص إلى مناطق أخرى داخل السودان تكتظ بآلامهم مخيمات النزوح، وخارجه كلاجئين في الدول المجاورة.

وانتظم ضحايا الحرب الذين لاذوا بمخيمات النزوح في تنظيمات أهلية محلية، من ضمنها المنسقية العامة للنازحين واللاجئين، التي يتحدث بإسمها آدم رجال، ويشارك بفاعلية في  جميع ما يختص بشؤون النازحين والمشردين داخلياً من سكان دارفور.

وعلى الرغم من علو صوت المنسقية العامة للنازحين واللاجئين، لما تمثله من صوت لأصحاب المصلحة الفعليين في أي اتفاق سلام في ذلك الجزء من البلاد الذي يعاني ويلات الحرب وآثارها المدمرة، إلا أن مشاورات اتفاق سلام جوبا، الموقع بين الحكومة الانتقالية (وقتها) والحركات المسلحة بدارفور، لم تستصحب أصوات النازحين ولا ممثليهم الفعليين على الأرض.

يقول الناطق الرسمي باسم المنسقية العامة للنازحين واللاجئين، آدم رجال في إفادته لـ(بيم ريبورتس) :”لم تتم مشاورتنا في اتفاقية سلام جوبا، و اعترضنا عليها منذ المفاوضات، بل تم تمثيل النازحين بالوكالة وليس بإرادتهم، وبذلك فإن اتفاقية جوبا مثلها واتفاقيات أبوجا ونيفاشا، فهي لا تلبي طموحات وتوقعات الضحايا، ولا توقف نزيف الدماء، وهي ببساطة اتفاقية للوصول إلى السلطة والمال”.

رفض واسع للاتفاقية في أوساط النازحين

وتأكيداً لما ذهب إليه آدم رجال في حديثه لـ(بيم ريبورتس) حول رفض النازحين لاتفاقية جوبا، فقد تزامنت مع توقيع الاتفاقية موجات متصاعدة من الاحتجاجات الشعبية الواسعة بمخيمات النزوح وغالبية مناطق دارفور،  وشهد الإقليم المضطرب، إبان الاشهُر التي سبقت توقيع الاتفاق، رفضاً واسع النطاق من قبل النازحين في عديد من مخيمات النزوح بدارفور، ونظّم آلاف النازحين مواكب و مسيرات احتجاجية رافضة لاتفاق جوبا، ورفعت تلك المواكب لافتات توضح أن اتفاق جوبا لا يمثل النازحين وقضاياهم.

فتحت ثورة ديسمبر المجيدة لشعوب السودان نوافذاً للآمال، ولسكان مخيمات النزوح بدارفور وعوداً و أحلاماً بالسلام والعدالة، وتحقيق آمالهم في العودة إلى قراهم وإنهاء سنوات الحرب وتحقيق الأمن والاستقرار. وكان الحديث عن اتفاق للسلام بين بين الحكومة الانتقالية (حينها) والحركات المسلحة يفتح مساحات جديدة من الأمل للنازحين، ولكن جاء الاتفاق مخيباً لآمال قاطني مخيمات النزوح ومشردي الحروب والاقتتال، وفقاً لإفادة آدم.

اتفاق متعثر ونتائج مخيبة

بعد جلسات متعددة من المفاوضات، استمرت نحو 10 أشهر، جرى التوقيع على اتفاقية جوبا للسلام في 3 أكتوبر 2020م، بدولة جنوب السودان بين الحكومة الانتقالية حينها وعدد من الحركات المسلحة، وبالإضافة لمناقشة قضايا قومية فإن الاتفاق اشتمل على عدد من الاتفاقيات الثنائية بناء على التوزيع الجغرافي وهي ما عرفت بالـ مسارات. يتكون الاتفاق من 10 أبواب ستة من هذه الأبواب عن الاتفاقات الثنائية والمسارات المختلفة، وهي تغطي قضايا واسعة مثل تقاسم السلطة، والعدالة الانتقالية، وقضايا المزارعين والرحل، وقضية الثروة، إلى جانب قضايا النازحين واللاجئين، والتعويضات وجبر الضرر؛ بالإضافة إلى مصفوفة زمنية لتنفيذ بنود الاتفاق. 

استمرار تدهور الأوضاع

في ديسمبر 2019، وأثناء سير مفاوضات السلام في جوبا، اشتعلت الصراعات في مدينة الجنينة بولاية غرب دارفور، وعلى خلفية هذه الأحداث علّق تحالف الجبهة الثورية المفاوض باسم مسار دارفور سير المفاوضات، وطالب بضرورة التحقيق في الجرائم المرتكبة في حق المواطنين.

لاحقاً استؤنفت عملية التفاوض لتصل بعد شهور إلى اتفاق كانت من ضمن بنوده حماية المدنيين في دارفور، وبصورة خاصة النازحين، وإنشاء مفوضية لإعادة إعمار دارفور خلال الأشهر الثلاثة الأولى بعد توقيع الاتفاقية، بالإضافة إلى إنشاء مفوضية الأراضي، ودعم المشاريع الاستراتيجية، خاصة في مجال الزراعة.

وبدلاً من السعي نحو تحقيق أهداف الاتفاق الرامية إلى حماية المدنيين بدارفور وتوفير الأمن لهم، كانت المفارقة أن شهدت دارفور مزيداً من التدمير وحرق القرى، وعسكرة الحياة المدنية عبر انتشار المليشيات المسلحة، وفي مجال الزراعة فقد فشل الموسم الزراعي بسبب تدهور الوضع الأمني وعدم تمكن المزارعين من فلاحة أراضيهم، بالإضافة إلى انتشار حوادث السرقة والنهب تحت تهديد السلاح، كان أبرزها حادثة نهب مقر برنامج الغذاء العالمي، التابع للأمم المتحدة، في مدينة الفاشر، بواسطة مجموعات مسلحة.

علاوة على ذلك، فقد تصاعدت موجات النزوح والتشرد الداخلي، وتشير العديد من الإحصائيات إلى أن اقليم دارفور قد شهد نزوح أكثر من 230 ألف شخص، في فترة أقل من أربعة أشهر فقط في الفترة ما بين يناير وأبريل من العام 2021م، بزيادة أربعة أضعاف لعدد النازحين للعام 2020م بأكمله، إذ شهد نزوح 53 ألفاً خلال كل العام .

وتؤكد مؤشرات تدهور الأوضاع بدارفور، خلال وعقب توقيع اتفاق سلام جوبا، ما ذهب إليه الناطق باسم المنسقية العامة للنازحين واللاجئين، آدم رجال، في حديثه لـ(بيم ريبورتس)، إذ يقول “الاتفاقية تسببت في أوضاع أمنية مزرية جداً في دارفور”، ويصفها بأنها “ولدت ميتة”، وذلك للرفض الذي قوبلت به، علاوة على تفاقم الأوضاع بعد توقيعها.

تفاقم سوء الأوضاع على الأرض بإقليم دارفور عقب توقيع اتفاق جوبا للسلام، تدعمها العديد من الشواهد والمؤشرات، لا سيما تصاعد حدة العنف والاقتتال، و حوادث النهب، والإفلات من العقاب، وغياب سيادة القانون، كما تدعمها أقوال الشهود، وفي هذا الصدد يقول المحامي والناشط الحقوقي عبد الباسط الحاج لـ(بيم ريبورتس) : “ظل الحال كما كان عليه قبل الاتفاق و ربما ساءت الأحوال في أوقات أخري و تضاعفت مؤشرات العنف بشكل واضح”.

ويضيف الحاج أن أوضاع النازحين أصبحت أخطر كما ازداد عدد النازحين مرات عديدة خاصة في غرب دارفور وجنوب دارفور نتيجة لحالات العنف و بسبب المليشيات القبلية المسلحة. لم تسجل حالات عودة طوعية لأن أوضاع النازحين سيئة حتى داخل المخيمات و بالتالي انعدام الأمن سبب كافي لبقاء الوضع كما كان عليه قبل الاتفاق.

اتفاق السلام في ظل الانقلاب

سبق انقلاب 25 أكتوبر 2021 العديد من الخطوات التمهيدية للانقلاب ، التي قادتها مجموعة منشقة من تحالف (الحرية والتغيير)، نظمّت اعتصاماً أمام القصر الرئاسي بالخرطوم، استمر حتى قبيل يوم واحد من الانقلاب، وكانت أحد مطالب ذلك الاعتصام هو حل الحكومة الانتقالية حينها. وكان من الداعين لهذا الاعتصام والمشاركين فيه كل من مني أركو مناوي حاكم إقليم دارفور ورئيس حركة جيش تحرير السودان، وجبريل إبراهيم رئيس حركة العدل والمساواة ووزير المالية في الحكومة المطالب بحلها، والذي رحب بالانقلاب ووصفه بـ”الخطوات الضرورية”.

من جهة ثانية، لم تشارك الحركات الأخرى الموقعة على اتفاق جوبا بصورة معلنة، بل أن بعض قادتها رفضوا الانقلاب بعد وقوعه، لكنهم تراجعوا عن ذلك وشاركوا في مجلس السيادة الذي أعاد تشكيله البرهان بعد الانقلاب والذي كان من ضمن قراراته التمسك باتفاق سلام جوبا، وبذلك استمر جبريل إبراهيم كوزير مالية، وأضيف كل من الهادي إدريس والطاهر حجر لمجلس السيادة الجديد.

انحياز قادة الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق سلام جوبا، كان بمثابة مسمار على نعش الاتفاق، وكذا بيّن مدى مفارقة قادة الحركات لواقع سكان الإقليم، ففي أعقاب الانقلاب مباشرة انتظمت الشوارع السودانية بلا استثناء في مواكب منددة بالانقلاب ورافضة لتدخل الجيش في السياسة، وكانت شوارع دارفور الحاضر الابرز، إذ نظم النازحين وغيرهم من سكان الإقليم مواكب منددة بالانقلاب، كما نظمت مظاهرات لاحقة رافضاً لزيارة قائد الانقلاب إلى مدينة الفاشر.

وتعيد هذه الأحداث التساؤل عن إذا ما غير اتفاق جوبا من  تمثيل الحركات الموقعة عليه لقضايا ومواطني دارفور، وفي هذا السياق يقول  المحامي والناشط الحقوقي عبد الباسط الحاج بالقول: لا أعتقد أن الإتفاق قد غير الصورة التمثيلية للحركات في دارفور ذلك لأن أغلب المواطنين في دارفور يتعاملون مع هذه الحركات بأنها كانت تسعى إلي تحقيق مكاسبها الشخصية ومصالح منسوبيها القياديين فقط دون الالتزام بالحقوق الأساسية للمواطنين.

ويضيف الحاج:”من جانب آخر فإن أطراف العملية السلمية كان يجب عليهم تحقيق ما تيسر لهم من مطلوبات حل الأزمة في دارفور مثل ضمان إيقاف الحرب وإنهاء مظاهر الميليشيات المسلحة القبلية و حماية الموسم الزراعي ، وهو ما لم يحدث قطعاً.

فبعد ثورة شعبية انتظمت كل أرجاء البلاد، كان رجاء السودانيين عامة، وسكان دارفور بصورة خاصة في انتظار سلام ينهي سنوات الحرب الطويلة وآثارها التي يشهدها الإقليم، إلا أن واقع الحال واصوات الناس هناك تقول إن الحرب لم تضع أوزارها بعد.

في الذكرى الثالثة لفض اعتصام القيادة العامة .. متى يُنصَف شهداء المجزرة؟

“نحن نتمسك بحقنا في عدم الإفلات من العقاب، ومحاسبة كل المتورطين، ابتداءً بمن أصدر الأوامر إلى منفذي المجزرة. وستظل الذاكرة السودانية متقدة وتُورث هذه المعلومات جيلاً بعد جيل، حتى لا يتكرر الحدث”، يقول فرح عباس والد الشهيد عباس، الذي كان أحد ضحايا فض اعتصام القيادة العامة بالخرطوم في 3 يونيو 2019م.

ويرأس فرح، منظمة أسر الشهداء، التي تضم في عضويتها عدداً من ذوي عائلات الضحايا، حيث تسعى إلى تحقيق العدالة لجميع أولئك الذين قتلوا بأيدي قوات الأمن إبان فض اعتصام القيادة العامة، وجميع أولئك الذين قتلوا منذ ثورة ديسمبر في عام 2018م.   

وتمر يوم الجمعة 3 يونيو، الذكرى الثالثة لفض اعتصام القيادة بالعاصمة السودانية الخرطوم ومدن ولائية أخرى، في 3 يونيو 2019م، في خضم مأساة مستمرة يزيد من حدتها الإفلات من العقاب وغياب العدالة، قبل أن تصل ذروتها بانقلاب الجيش في 25 أكتوبر الماضي، الذي قضى حتى على تلك الآمال البسيطة بتحقيق العدالة.

يقول فرح عباس لـ(بيم ريبورتس): “مورست في مجزرة الاعتصام كل الشنائع في انتهاك حرمة الدم السوداني من حرق الناس في الخيام، ورمي الجثث في النيل، والاغتصابات، بلغ عدد الشهداء في ليلة المجزرة 203، وزادت الأعداد ، عقب اكتشاف المقابر الجماعية و تكدس الجثث في المشارح، إلى 2500 شهيد”. 

تدعم إفادة فرح حول أعداد ضحايا مجزرة فض اعتصام القيادة العامة عدد من الشواهد حول المفقودين والمختفين قسرياً، وفي هذا السياق، تقول المحامية رنا عبد الغفار، في إفادتها لـ(بيم ريبورتس) أنه من الصعب تحديد عدد المفقودين، وذلك لأن الأعداد المحصورة هي للمفقودين الذين تم الإبلاغ عنهم من قبل ذويهم.

وتضيف: “هناك الكثير من الأشخاص الذين كانوا في الاعتصام من المشردين أو أولئك القادمين من مناطق وقرى بعيدة، لم تصل أي معلومات من ذويهم”. 

وتسرد رنا، قصة أحد حالات المفقودين، حينما كانت موكلة عن بعض الأشخاص الذين تم اعتقالهم وايداعهم السجون بعد المجزرة، وكان من بينهم طفل في الخامسة عشرة من العمر، قدم إلى الاعتصام من قرية بقرب منطقة بارا، وكان متهماً برفقة آخرين بقتل عسكري. 

وتروي رنا، انه “بعد المرافعة عنه وخروجه من السجن عانيت كثيراً حتى أصل إلى ذويه في تلك القرية الواقعة بولاية شمال كردفان”.

المئات من الضحايا خلفتهم الحادثة الأكثر مأساوية في خضم ثورة ديسمبر المجيدة، ما بين قتيل وجريح ومفقود، ما زالت العديد من الجهات تعمل على حصرهم أملاً في تحقيق العدالة والإنصاف لهم ولعائلاتهم وذويهم.

انفوجرافيك

كيف رسّخ انقلاب عبود لسيطرة الجيش على مقاليد الحكم في السودان؟

“وبما أن قوات الأمن قد تسلمت مقاليد الحكم، ولكي تستطيع أن تقوم بمهمتها خير قيام، فإني آمر بالآتي وأن يُنفذ فوراً؛ أولاً: حل جميع الأحزاب السياسية، ثانياً: منع التجمعات والمواكب والمظاهرات في كل مديريات السودان، ثالثاً: وقف الصحف حتى يصدر أمراً بذلك من وزير الداخلية”. 

هذا المقتطف من بيان انقلاب الجيش السوداني في يوم الاثنين السابع عشر من نوفمبر 1958م، الذي قاده الفريق إبراهيم عبود، وأطاح عبره بالديمقراطية الأولى، وذلك بعد أقل من 3 سنوات على استقلال البلاد في عام 1956م، والذي مثل بداية ولوج الجيش في السودان الى معترك السياسة.

منذ انقلاب 17 نوفمبر 1958م، وانتهاء بانقلاب 25 أكتوبر 2021م، وصل عمر الحكم العسكري منذ الاستقلال إلى نحو 53 عاماً، مقابل توق مستمر للمواطنين من جهة أخرى إلى حكم مدني رسخته ثورة ديسمبر، وقبلها ثورة أكتوبر 1964م، وانتفاضة مارس ـ أبريل 1985م، حيث أصبح الرفض القاطع للحكم العسكري، ليس محل تساؤل وحسب، وإنما قرار اتخذته كل الأطراف، لكن كل على طريقته.

ومع فارق العصر والسياقات، بين انقلابي نوفمبر وأكتوبر، ظل قائد الجيش السوداني الحالي، عبد الفتاح البرهان، منذ انقلاب 25 أكتوبر الماضي، يقاتل في جميع المنابر التي تحدث عبرها في نفي قيادته انقلاباً عسكرياً. في الوقت الذي تتمسك قوى الحرية والتغيير بجانب الحزب الشيوعي، بإبعاد الجيش عن العملية السياسية، تُشدد لجان المقاومة القائدة للاحتجاجات في البلاد، على أن مكان الجيش الوحيد، هو العودة إلى ثكناته، مرةً واحدة وإلى الأبد، رافعة شعار “قدرنا أننا الجيل الذي سيدفع تكلفة نهاية الانقلابات العسكرية ولن نؤجل هذه المعركة”.

تحت وقع هذه الضغوط المستمرة على قادة انقلاب 25 أكتوبر، خرج الجيش للمرة الأولى عن صمته في مارس الماضي، عندما أوصى في ندوة بخروج، المؤسسة العسكرية من العملية السياسية.

هل يرغب الجيش في الخروج من السياسة؟

“إن القوات المسلحة لا تسعى للحكم لا في الفترة الانتقالية ولا بعدها”، يقول نائب رئيس هيئة الأركان إدارة ـ ممثل المجلس الأعلى لأكاديمية نميري العسكرية العليا، منور عثمان نقد.

ودعا نقد في الندوة التي نظمتها رئاسة هيئة الأركان بأكاديمية نميري العسكرية، بمدينة أمدرمان وأثارت جدالاً سياسياً، مكونات الشعب السوداني للتشاور والتحاور والاتفاق على الثوابت الوطنية لتأسيس حكم ديمقراطي يخدم التحول.

وأكد خلال مخاطبته ما سميت بالندوة المنهجية الأولى (حول تأثير نظم الحكم في السودان على العلاقات العسكرية المدنية)، التي عقدت في الخامس عشر من مارس الماضي، بأن “القوات المسلحة عينها مفتوحة لأي محاولة انقلابية وأنها تدعم خيارات الشعب في الحرية والسلام والعدالة”، مشيراً إلى أن “هناك فرصتين متاحتين هما التوافق أو الانتخابات للخروج من الأزمة وإيقاف التدهور الذي يعاني منه الشعب السوداني”.

“لابد أن يتفهم الجميع، بأن الديمقراطية هي الحكم الأمثل للسودان”، يقول نقد قبل أن يدعو أجهزة الإعلام الى توعية الشعب السوداني بمفهوم الديمقراطية تمهيداً لمستقبل مشرق. 

وأوصت الندوة بضرورة خروج المؤسسة العسكرية من المعادلة السياسية والقيام بدعوة كافة الأطراف والمكونات السياسية والأحزاب للتفاوض والوصول إلى حل سياسي في مدة زمنية محدودة، قبل أن تدعو للترتيب والتوجه نحو صناديق الاقتراع والتوافق على انتخابات حرة بإشراف لجنة قومية من المستقلين مع الاستعانة بلجان دولية محايدة للمراقبة وتأجيل قضية الإجماع إلى ما بعد الحكومة المنتخبة. 

Play Video

من بين القادة السياسيين الذين علقوا على توصية الجيش بخروجه من السياسة، رئيس حزب المؤتمر السوداني، عمر الدقير واضعاً سياقات عديدة، حتى تؤخذ في الاعتبار كونها خطوة جدية، وموضحاً أن هذا الأمر هو ما يدعو إليه السودانيين، خصوصاً قوى الثورة.

ويشخص رئيس حزب المؤتمر السوداني، أزمة المؤسسة العسكرية، في بعض قادتها، وقال “من جهةٍ أخرى، فإن أكثر ما أضَرّ بالمؤسسة العسكرية في السودان هو سَوْقها بواسطة بعض قادتها – بمشاركة أو مباركة مدنيين – إلى الانغماس في السياسة لعدة عقود، ما يعني اختطافها بواسطة نخبة “عسكرومدنية” للسطو بها على الحكم وممارسته باسمها والتسلط على البلاد والعباد استناداً على ما تحوزه من قوةٍ مادية باطشة”.

خروج المؤسسة العسكرية من السياسة لديه العديد من المطلوبات، يقول الدقير “الدعوة لخروج المؤسسة العسكرية من المعادلة السياسية تَجُرُّ معها الحديث عن ضرورة الإصلاح المؤسسي، بما في ذلك ما هو مطلوب لضمان ولاية الحكومة التنفيذية على المؤسسات الاقتصادية العامة، وأن تكون هناك مؤسسة عسكرية قومية مهنية واحدة تحتكر شرعية حمل السلاح، في فضاء دولة سيادة القانون ومؤسسات الحكم المدني الديمقراطي، وتكون مسؤولةً عن حراسة حدود الوطن من أي اعتداء وحماية الشرعية الدستورية، ولا شأن لها بالحراك السياسي وما يعتمل فيه من جدلٍ – بين الرؤى والمواقف – يكون الحكم فيه للشعب”.

كيف دخل الجيش إلى معترك السياسة في السودان

بالعودة إلى بيان الفريق إبراهيم عبود، الذي مثّل في ذلك الصباح البعيد، الحلقة الأساسية التي تناسلت منها الانقلابات العسكرية الناجحة والفاشلة، كما أنه كان بمثابة شرعنة لتدخل دائم للجيش في معترك السياسة السودانية.

بعد مرور أكثر من 6 عقود على تنفيذه، مثل بيان الانقلاب الإطار السياسي والثيم اللغوي الأبدي، الذي يصلح للاستدعاء غداة أي انقلاب عسكري في البلاد، لذا لم يكن انقلاب 25 أكتوبر الماضي، الذي قاده الجيش السوداني، استثناءً من مضامين، بيان انقلاب الجيش الأول في 17 نوفمبر 1958م.

صورة أرشيفية للفريق ابراهيم عبود

صناعة المبررات بغرض السيطرة على الحكم

“الفوضى والأحزاب السياسية والسفارات الأجنبية”، تمثل العنوان الأبرز لمبررات تدخلات الجيش في السياسة، يقول عبود في مفتتح بيانه: “أيها المواطنون أحييكم جميعاً أطيب تحية. كلكم يعلم ويعرف تماماً ما وصلت إليه حالة البلاد من سوء وفوضى وعدم استقرار للفرد والمجموعة. وقد امتدت هذه الفوضى والفساد، إلى أجهزة الدولة والمرافق العامة بدون استثناء، كل هذا يرجع أولاً وأخيراً إلى ما تعانيه البلاد من الأزمات السياسية القائمة بين الأحزاب جميعها، كل يريد الكسب لنفسه بشتى الطرق والأساليب المشروعة منها وغير المشروعة باستخدام بعض الصحف و الاتصال بالسفارات الأجنبية، وكل ذلك ليس حباً في إصلاح وحفظ استقلال السودان وتقدمه ولا رغبةً في صالح الشعب المفتقر للقوت الضروري، ولكنه جرياً شديداً وراء كراسي الحكم والنفوذ والسيطرة على موارد الدولة وإمكانياتها”.

على نفس نسق مبررات بيان عبود في الاستيلاء على السلطة، صاغ البرهان حججه، في الإطاحة بالحكومة الانتقالية.

قبيل انقلاب قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، في 25 أكتوبر الماضي، بعدة أسابيع كثر الحديث عن فشل الحكومة القائمة وأن الصبر عليها قد نفد، فيما يتم التأكيد على ضرورة حلها، وتشكيل حكومة تكنوقراط، وهذا يتطابق مع بيان انقلاب الفريق عبود من ناحية، إذا يقول في هذا الصدد؛ “وقد طال وقصر ذلك وصبرنا على تلك الحكومات الحزبية حكومة تلو أخرى آملين أن تتحسن الأحوال ويسود الاستقرار وتطمئن النفوس وتزول الكراهية الكامنة في النفوس والقلوب. ولكن ومع الأسف الشديد، لم تزدد الحالة إلا سوءاً على سوء، فنفد صبر كل محب لسلامة السودان وشكا كل فردٍ من تدهور الحالة وما آلت البلاد إليه من الفوضى والفساد حتى كادت أن تتردى في هاوية سحيقة لا يعلم مداها إلا الله”.

ونتيجة لذلك، يمضي البيان “وهو المسلك الطبيعي، أن يقوم جيش البلاد ورجال الأمن بإيقاف هذه الفوضى ووضع حد نهائي لها وإعادة الأمن والاستقرار لجميع المواطنين والنزلاء، والحمد لله قد قام جيشكم المخلص في هذا اليوم السابع عشر من نوفمبر سنة 1958م، بتنفيذ هذه الخطة السليمة المباركة والتي بإذن الله ستكون نقطة تحول من الفوضى إلى الاستقرار، ومن الفساد إلى النزاهة والأمانة، وإني واثق بأن كل مخلص لهذا البلد سيتقبلها بصدر رحب“. يقابله حديث البرهان، أن قانون القوات المسلحة، يتيح له اتخاذ مثل هكذا قرارات.

ويتابع بيان عبود: “أيها المواطنون، إننا إذ نقوم بهذا التغيير في الوضع الحالي، لا نرجو وراء ذلك نفعاً، كما وأننا لا نضمر لأحد عداء ولا نحمل حقداً، بل نسعى ونعمل للاستقرار وإسعاد الشعب ورفاهيته، وبذا فإني أطلب من جميع المواطنين أن يلزموا السكينة والهدوء كل يقوم بعمله بإخلاص تام للدولة الموظف في مكتبه والعامل في مصنعه والمزارع في حقله والتاجر في متجره”.

وشدد البيان قائلاً: “إن سلطات الجيش تطلب من جميع المواطنين تنفيذ ذلك بروح طيبة، كما وأنها تنذر الذين تحدثهم أنفسهم بالإخلال بالأمن أنها لن تتواني قط في توقيع الجزاءات الصارمة الرادعة عليهم”. 

بينما اكتفى بيان الفريق عبود، بتحذير من يحاولون الإخلال بالأمن، وتقديمه وعوداً بتحقيق الاستقرار، وإسعاد الشعب، أعلن البرهان، في بيانه، فرض حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد، بجانب تقديم وعود بحل جميع القضايا في غضون شهر، لكنه لم يتمكن من تشكيل حكومة حتى بعد مرور 7 أشهر على انقلابه، فيما تمكن عرّاب الانقلابات السودانية، الفريق إبراهيم عبود، من تشكيل حكومة في اليوم التالي لانقلابه.

انقلاب أم تسليم وتسلم؟

ورغم أن جدلاً كثيفاً أحاط بانقلاب الفريق إبراهيم عبود، باعتباره كان عملية تسليم وتسلم، إلا أن رئيس الوزراء ووزير الدفاع وقتها عبد الله خليل، قال للجنة التحقيق في أسباب انقلاب 17 نوفمبر 1958، إنه لا يدري حتى وقت مثوله أمامهم في عام 1964م، لماذا نفذ الجيش ذلك الانقلاب.

وقال خليل، إنه جلب أسلحة للجيش بالإضافة إلى أن وضع الضباط كان جيداً، قبل أن يبدي استغرابه للجنة التحقيق، في أن يوحي هو بتمرد عسكري يؤدي إلى عزله من الحكم. 

من ناحيته، استنكر الفريق إبراهيم عبود أمام اللجنة، حديث عبد الله خليل، وقال إنه من المضحك أن يتملص خليل من فكرة غرسها وتعهدها وحرَّضهم عليها، مضيفاً  “لو قال لنا بلاش في وقتها لما وقع الانقلاب”. 

وبينما يعتقد عبد الله خليل، أن أمره للجيش هو أمر بالتدخل في صلاحيات الطوارئ لفرض النظام، أما وجهة نظر عبود حول الأمر، هو أن يقوم بانقلاب عسكري لإطاحة الحكومة المدنية. 

صورة أرشيفية لعبدالله خليل

وحسب عبد الله خليل، يرى أنه اتفق مع عبود، على أن يتدخل الجيش في صلاحيات الطوارئ ويقيم حكومة وحدة وطنية ومجلس سيادة جامع للقوى الحزبية والجنوب، يضمن للجيش تمثيلاً، حيث اتفق معظم قادة الانقلاب أمام لجنة التحقيق، بأن هذا بالفعل تفاهمات عبد الله خليل مع الجيش. غير أنه تمسك بأنه أمر بقيام انقلاب عسكري، نافياً اتفاقه بقيام حكومة قومية أو مجلس سيادة جامع.

يقول الكاتب والسياسي، عبد الله علي إبراهيم، إن “من أروج النظريات عن الجيش والسياسة والحكم عندنا (وأكثرها فساداً)، تلك التي تزعم أن الانقلاب هو ما يوسوس به الساسة المدنيين للجيش المبرأ من السياسة وشاغل الحكم”. 

ويضيف “هي نظرية أشاعتها صفوة النادي السياسي في تجاحدهم، ولومهم ولومهم المضاد، أي في تلاومهم عمن أساء سياسة البلاد، أو حكمها، وأسفل بها. ومن أفدح ما ترتب على هذا التبسيط التاريخي أن راجت فكرة أن الانقلاب هو ما نجنيه على أنفسنا بإفسادنا الديمقراطية لمسارعة فرق الصفوة المدنية إلى الجيش يستعين به واحدها على الآخر. وأفرزت هذه الذائعة نظراً للجيش كلوح خال من السياسة حتى يأتي السياسيون بنقشهم عليه”. قبل أن يتساءل: كيف لجيش حكم البلاد أكثر سنوات استقلالها، أن يكون لوحاً ممسوحاً من السياسة؟.

وربما بسبب أنه أول انقلاب عسكري في البلاد، واختلاف العصر والدوافع والمبررات، لم يجنح الفريق عبود إلى المبالغات في بيانه، على عكس البرهان، الذي حاول بكل ما يمكن أن تقوله العبارات، تقديم أوصاف سينمائية لخطوته التي وصفها بـــ”الإجراءات التصحيحية” والتي قال إنها جاءت لتصحيح مسار الثورة. 

وكان البرهان، قد شبع بيان انقلابه بحديث الثورات السودانية وشعاراتها، ودور القوات المسلحة فيها، وقال “في نصف قرن من الزمان وقف العالم ثلاث مرات ليكتب في تاريخه، أن الشعب السوداني رفض أن يحكمه فرد أو فئة لا تؤمن بالحرية والسلام والعدالة”. وأضاف “لذلك عندما هتف شباب ثورة ديسمبر المجيدة بهذه الشعارات واحتشد الآلاف منهم أمام القيادة العامة للقوات المسلحة؛ استجابت القوات المسلحة وعزمت من وقتها العمل على تحقيق حلمهم في بناء الوطن الذي جوهره هذه الشعارات الحرية والسلام والعدالة”، مؤكداً مضي القوات المسلحة في ما وصفه بإكمال التحول الديمقراطي حتى تسليم قيادة الدولة لحكومة مدنية منتخبة تحقق لهم طموحهم في هذه الشعارات.

لكن حديث البرهان بلسان الثورة، يكذبه فض اعتصام القيادة العامة الدموي في 3 يونيو 2019م، والوقائع التي أعقبت انقلاب 25 أكتوبر، بما فيها قتل 98 محتجاً سلمياً في وضح النهار وإصابة واعتقال الآلاف، والتضييق على الحريات العامة، فضلاً عن فرض عن حالة الطوارئ بجميع أنحاء البلاد، واستعادة سلطة جهاز المخابرات العامة في القبض، والتنكيل بالمحتجين والمعتقلين السياسيين. أيضاً، أعاد البرهان، إلى أجهزة الدولة أعضاء بارزين في النظام المخلوع، بينهم مدير المخابرات العامة الحالي، أحمد إبراهيم مفضل، الذي كان يشغل رئيس حزب المؤتمر الوطني المخلوع، بولاية جنوب كردفان.  

البرهان نفسه، قال في فبراير الماضي، إن الجيش سيخرج من كافة الأطر السياسية “إذا ما تم توافق وطني عبر الانتخابات”. وقال إنه لا يريد أن يحكم ولا يريد للجيش أن يحكم، مشيرا إلى أن السودان منذ الاستقلال ظل يدور في حلقة حكم مفرغة بين المدنيين والجيش”. 

وعبر البرهان عن عدم انزعاجه للتظاهرات التي والمنادية بعودة الجيش للثكنات، مؤكداً أن ذلك لن يحدث “ما لم يتم توافق وإيجاد شرعية عبر الانتخابات”.

وبينما تحمس منور خلال الندوة، وبدا مرناً، في حديثه عن أهمية التحول الديمقراطي، وضرورة ابتعاد الجيش عن العملية السياسية، متنقلاً في حقب تاريخية عديدة، قبل أن يعود للواقع الحالي، مطالباً بتحقيق التوافق، حتى الوصول إلى قيام انتخابات حرة ونزيهة في نهاية المطاف. في المقابل، يقف البرهان، كحارس للديمقراطية في البلاد باسم القوات المسلحة، فيما يشبه عملية اشتراط، مرتبطة بما وقع في السنوات الثلاث الأخيرة، وهو الأمر الذي يثير التساؤلات حول جدية المؤسسة العسكرية في الخروج من السياسة حسبما أعلنت.

كيف سقط “المشروع الحضاري” من مخيلة خريجي جامعة القرآن الكريم على وقع أغنيات مروة الدولية؟

مع صعود المغنية مروة الدولية، يوم الثلاثاء الماضي، على خشبة مسرح منتزه المقرن العائلي بالعاصمة الخرطوم، وسط تصفيق وصافرات الجمهور، لإحياء حفل تخريج طلاب وطالبات من جامعة القرآن الكريم، بدا كما لو أن المشروع الحضاري القائم على إعادة تشكيل السودانيين وتحديد أنماط معينة من الفنون، سقط من مخيلة الخريجين، بعد نحو ثلاثة عقود من تأسيس الجامعة.

وقف الطلاب والطالبات على أرضية المسرح، وكانوا يتزيون بالقمصان البيضاء التي تحمل عبارات تعبر عن عنهم وعن رحلتهم في الجامعة، ورددوا الأغاني ورفعوا “البلاغات”؛ أي كتابة أسمائهم في الهواتف، ومن ثم توجيهها للفنانة حتى ترددها خلال غنائها.

نظمت الحفل شركة مختصة في تنظيم الفعاليات وحفلات التخرج، وحسب إفادة الشركة المنظمة لـ(بيم ريبورتس)، فإن عدد الخريجين/ات تراوح ما بين 80 إلى 90 طالب وطالبة من كليات الجامعة المختلفة، وعند استفسار منظمي الحفل عن الأمر، قال مندوبها، إن الطلبة والطالبات هم من يقررون بشأن فنان الحفل.

وكان بوستر الإعلان عن الحفل قد انتشر قبل أيام من قيامه، وأثار جدلاً واسعاً بين مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي. تراوحت الآراء ما بين رافض لإقامة طلبة الجامعة لحفلات في الأساس، وآخر مؤيد لحق الطلبة في الاحتفال بالطريقة التي يرونها مناسبة وأن طلبة الجامعة مثلهم والجامعات الأخرى التي تنظم فعاليات مشابهة.

والجدير بالذكر أنه في العام 2012م منع وزير التعليم العالي والبحث العلمي حينها خميس كجو كندة إقامة حفلات تخرج الجامعات في الأندية والصالات، وأن تقام داخل الحرم الجامعي تحت إشراف إدارة الجامعة والأساتذة. وللمفارقة، أن نفس هذا الوزير قد أعلن بعد عام أنه سيكون على قيادة خمسة آلاف من الطلبة الذين وصفهم بـ حملة لواء الجهاد، للقتال في حرب سياسية ضد الجبهة الثورية في أب كرشولا.

الحركة الإسلامية والقطاع الطلابي

 اهتمت الحركة الإسلامية منذ بداياتها المبكرة بالقطاع الطلابي في الجامعات والمدارس العليا، بل كانت هذه المؤسسات هي الحاضنة الأولى للحركة، والتي انحدر منها معظم قادتها التاريخيين وعلى رأسهم زعيم الحركة حسن عبد الله الترابي. تكونت الحركة في نهاية أربعينات القرن الماضي وكان قوامها فصيلين، الفصيل الأول انتشر في الأوساط الاجتماعية وعٌرف بـ “الإخوان المسلمين” وهو امتداد لحركة الإخوان في مصر، أما الفصيل الآخر فهو القطاع الذي عمل في الأوساط الطلابية وعرف بـ “حركة التحرير الإسلامي”.

بعد ذلك عرفت الحركة باسم جبهة الميثاق الإسلامي في الفترة 1965/ 1969م، كما عرفت في الجامعات باسم ” الاتجاه الإسلامي، وفي العام 1985م سُميت بالجبهة الإسلامية القومية، وبعد استيلائها على الحكم عبر انقلاب 30 يونيو 1989م عملت الحركة على تمكين نفسها في المؤسسات الجامعية الموجودة عبر تكوين أجسام مختلفة مثل “كتائب المجاهدين” و”الأمن الطلابي”، بالإضافة إلى تأسيس جامعات جديدة تكون حاضنة أيدلوجية لفكرها وخط الإسلام السياسي الذي تتبناه من بينها جامعة القرآن الكريم، وجامعة أفريقيا العالمية، التي تم ترفيعها إلى جامعة في العام 1991م، حيث كانت فيما قبل “المعهد الإسلامي الأفريقي” (1966م) ثم تغير الاسم إلى “المركز الإسلامي الأفريقي” عام 1977م.

المشروع الحضاري

مشروع الحركة الإسلامية أو ما يعرف في أدبياتها بالـ “المشروع الحضاري” هو رؤية أيدلوجية وخطة كاملة الهدف منها “إعادة صياغة الإنسان السوداني والحياة الاجتماعية”– حسبما كانت تدعي الحركة. بدأ الإعداد لهذا المشروع من قبل صعود الحركة على سُدة الحكم، وذلك من خلال تكوين واجهات لعملها على شكل منظمات دعوة، ووكالات اغاثة، وجمعيات ومنظمات طوعية خيرية، ومصارف، وشركات تأمين وتجارة بداية من العام 1978م.  

استمر هذا الأمر وتشكلت ملامحه بعد استيلاء الحركة الإسلامية على السلطة، حيث عملت طوال سنينها على إحداث تغييرات هيكلية واستخدام جهاز ومؤسسات الدولة المختلفة، والتبشير بدعوات الجهاد بين الشباب لكي يشكل منها مجموعات قتالية في معاركه، بالإضافة لتغيير القوانين و أسلمتها.

بلغ هذا الأمر ذروته بصدور دستور 1998م  والذي نص على أن “الشريعة الإسلامية وإجماع الأمة استفتاءً ودستوراً وعرفاً هي مصادر التشريع ولا يجوز التشريع تجاوزاً لتلك الأصول”. إذن، فالمشروع الحضاري في الأساس يقوم على هندسة المجتمع، والتحكم في حياته السياسية والاجتماعية والثقافية، ومراقبة السلوك والذوق العام عبر أجهزة الدولة وممارساتها، والمثال الأكثر وضوحاً لذلك منظومة “النظام العام” المتكونة من قوانين ولوائح وأوامر محلية وشرطة مختصة ونيابة و محاكم إيجازية.

تاريخ وتَوجه جامعة القرآن الكريم

أنشئت جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية في يونيو 1990م، أي بعد عام واحد فقط من استيلاء الجبهة الإسلامية على السلطة عبر انقلاب عسكري، وجاء ذلك نتيجة لقرار بتوحيد كلية القرآن الكريم التي أنشئت عام (1981م) ومعهد أم درمان العلمي الذي أنشئ (1983م)، وكان يضم كلية الشريعة وكلية اللغة العربية وكلية البنات.

ثم أقامت الجامعة كليات في تخصصات الدعوة والإعلام والاقتصاد والإدارة والتربية وكلية للدراسات العليا، ونجد أن إضافة كليات أخرى قد جاء ليخدم هدف التحكم في إدارة الدولة عبر خريجي الجامعة الحاملين لفكر ذو توجه إسلاموي، بالإضافة لدعم الحركة بالشباب للقتال ضد خصومها السياسيين، وذلك عبر تصوير تلك الحروب على أساس ديني يتطلب “الجهاد” واستنفار الطلاب والطالبات.

ونجد في موقع الجامعة تصريحاً بتاريخ 5/6/2012 من نائب مدير الجامعة حينها، أحمد سعيد سلمان، على خلفية القتال الذي دار في منطقة هجليج (2012م) بين الحكومة والحركة الشعبية، حيث يستنفر فيه الأساتذة والطلبة للجهاد ويقول عُرفت الجامعة بتفردها في كثير من المجالات وبالتحديد في هذا المجال ، فقد سبق للجامعة أن أغلقت أبواب قاعاتها ومعاملها ومكاتبها وذهبت بقضها وقضيضها ( أساتذةً، وطلابًا ، وعاملين) إلى ميادين التدريب والإعداد حتى أتقن منسوبوها حمل السلاح واستخدامه بكل مستوياته من خفيف وثقيل، وقد كانت لها مشاركات في سوح الجهاد توجت بعدد كبير من الشهداء من الطلاب والعاملين تجاوز مائة وخمسين شهيدًا وقد أقامت احتفالية كبيرة عندما بلغ عدد شهدائها مائة وأربعة عشر شهيدًا متطابقًا مع عدد سور القرآن الكريم الذي هو منهجها وهادي فكرها”.

وفي هذا السياق يمكن فهم الجدل الذي أثاره هذا الحفل في أن جامعة القرآن الكريم هي أحد الأذرع التي اعتمدت عليها الحركة الإسلامية ممثلة في نظام الإنقاذ لتنفيذ مشروعها الحضاري في السودان. كما نجد أن من الشروط العامة للقبول في الجامعة هو حفظ عدد من أجزاء القرآن، وهذا الشئ مفهوم فيما يتعلق بكلية القرآن الكريم: حيث يجب على الطالب أو الطالبة حفظ عشرة أجزاء من القرآن، لكنه يثير التساؤل في الكليات الأخرى كالآداب، والحاسوب، واللغات مثلاً حيث يجب على الطالب حفظ ثلاثة أجزاء كشرط لقبوله.

لكن كيف سقط مشروع الحركة الإسلامية والتي وظفت كل مؤسسات الدولة في تنفيذه، وكونت أجساماً موالية لها في الجامعات المختلفة من وحدات جهادية وأمن طلابي، ونشر أفراد جهاز أمنها. وممارسات العنف وقتل الطلاب المعارضين لها؟

جيل ما بعد الإسلام السياسي

حرصت الحركة الإسلامية الممثلة لاحقاً في نظام الإنقاذ في احتكار كل مصادر المعلومات والمعرفة، أو توجيهها بما يتوافق مع سياساتها، لذلك كانت تحكم سيطرتها ورقابتها على كل البرامج التي تبث عبر الوسائط المختلفة؛ التلفاز والراديو والصحف والمجلات محكوماً من خلال جهاز أمنها. بالإضافة للتضييق على المختلفين عنها من صحفيين وكتاب وسياسيين و مطاردتهم وملاحقتهم بالاعتقالات والقتل. وكل ذلك كان أداة للسيطرة وتوجيه المجتمع.

لكن مع ظهور الانترنت، انفتح الباب على مصراعيه أمام التيارات الفكرية والثقافية التي تم حجبها عن قصد، وظهرت مساحات أخرى على شكل المدونات المنتديات التي شهدت سجالات طويلة ومساحات خارج سيطرة النظام وسلطته. ومع انتشار منصات التواصل الاجتماعي حيث أصبح بمثابة إعلام بديل لإعلام السلطة. ليصبح الجيل الذي ولد “زمنياً” في عهد الإنقاذ هو جيل “كوني” متعدد المصادر التي يستقي منها قيمه، وله مفاهيم أخرى للدين والثقافة والسياسة.

منهج موجه وتعامل إجرائي

الشروط التي تفرضها الجامعات على طلابها ليست مقصورة على جامعة القرآن الكريم فقط، فكل الجامعات السودانية بها ما يعرف بـ “متطلبات الجامعة”، ومن ضمن هذه المواد الدراسات الإسلامية وهي المادة المصممة كتوجيه من قبل النظام الشئ الذي يتضح في مواضيعها؛ حيث تشمل الولاء والبراء وتصنيف وتجريم الحركات الفكرية الأخرى. ونجد أن طلاب الجامعات الذين لا يتفقون مع ما تحمله هذه المواد يتعاملون معها بصورة اجرائية، حيث يدرسونها بصورة اجرائية وخلال الامتحانات يكتبون ما يتوقع منهم أن يكتبوه سعياً للنجاح دون أن يكونوا مقتنعين به بالضرورة، وفقاً لآراء كثير من الطلاب. 

ينسحب هذا الأمر أيضاً على جامعة القرآن الكريم، خاصة بعد إنشائها لكليات أخرى في مجالات الاقتصاد والحاسوب واللغات، وحيث أن النسب المطلوبة لدخول هذه الكليات أقل مقارنة مع جامعات أخرى فقد جذبت طلاباً لا يتفقون بالضرورة مع توجه الجامعة والممارسات التي تتم فيها والسلوك والحياة التي تحاول بثها. وأتاح وجود طلاب بفكر مغاير كسر حلقة تمدد مشروع الحركة الإسلامية، حيث أصبحت هناك تنظيمات سياسية أخرى وتوجهات فكرية متعددة. 

فسقوط الحركة الإسلامية ومشروعها في الجامعات هو في الأساس كسر تمكينها في مؤسسات التعليم وأجسامها الأمنية والجهادية التي تمارس العنف ضد نشاط الحركة الطلابية السودانية الذي لا يتوافق مع ايديولوجيتها.

كيف يحاول العسكر احتواء الإدارات الأهلية وتوظيفها لخدمة أجندتهم السياسية؟

لم يكن رفض مجلس شورى الأمرأر بشرق السودان، لسيارات أهداها لهم قائد الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، قبل عدة أسابيع، سوى مؤشر جديد، لمحاولات قديمة معلنة من المجلس العسكري الانتقالي وحميدتي على وجه الخصوص، لاستمالة الإدارات الأهلية والعمل معها، منذ الإطاحة بالرئيس المخلوع، عمر البشير، عبر ثورة شعبية في أبريل 2019 م. 

وتكثفت هذه المحاولات، لتحويل الإدارات الأهلية، إلى حاضنة سياسية للمجلس العسكري، عقب فض اعتصام القيادة العامة بالمقار الرئيسية للجيش السوداني في العاصمة الخرطوم ومدن أخرى، في 3 يونيو 2019 م. ومع انقلاب 25 أكتوبر الماضي، عادت المحاولات الحثيثة مرة أخرى، للاحتماء بالإدارات الأهلية، لتثبيت السلطة العسكرية من ناحية، واستبقائها نشطة كحاضنة سياسية، للاستعانة بها في أية انتخابات محتملة.   

ويحاول المجلس العسكري، ممثلاً في القائد العام للجيش، عبد الفتاح البرهان، وقائد الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي) من الجانب الآخر، فيما يشبه عملية تنافسية، تثبيت وجودهما في السلطة، وفتح نافذة لمستقبل سياسي من خلال احتواء الإدارات الأهلية وتوظيفها في خدمة أجنداتهما السياسية.

مساومة في الحقوق

وفي هذا الإطار، التقى البرهان، يوم الثلاثاء الماضي، ضمن لقاءات مستمرة، وفداً من الإدارة الأهلية قادم من ولاية جنوب دارفور، والذي أشاد خلال لقائه بهم، بما وصفها بــ”الأدوار المتعاظمة التي ظلت تضطلع بها الإدارات الأهلية في بسط السلم والأمن المجتمعي ونشر ثقافة السلام”. 

وفي بلدٍ تعاني أريافه انعداماً للخدمات، يظل الحديث عن التنمية مدخلاً أساسياً، لاختراق الإدارات الأهلية بتقديم وعود تنموية. حيث أكد البرهان، أثناء استقباله، لإدارات أهلية قادمة من محلية عد الفرسان بولاية جنوب دارفور، على “ضرورة توفير الخدمات الضرورية لكافة الولايات والمحليات وتحسين معاش الناس”. 

ومع عجز الدولة المستمر، عن حماية مجتمعات الريف وحل مشاكلها التنموية والخدمية، دعا البرهان، لأهمية، ما وصفها بــ“وحدة الصف والتماسك المجتمعي وضرورة نبذ العنف والتفرقة، بما يضمن استتباب الأمن والاستقرار وتحقيق التنمية المستدامة”. 

فيما قال ناظر عموم بني هلبة، التوم الهادي عيسى دبكة، إن الوفد جاء ليؤكد دعمهم لعملية الحوار الجامع من أجل تحقيق “تطلعات” الشعب السوداني، داعياً الأحزاب والقوى السياسية لما وصفها بتغليب المصلحة الوطنية وتحكيم صوت العقل وإعلاء روح التسامح من أجل تحقيق السلام والحرية والعدالة المنشودة.

محاولات حميدتي لصناعة قاعدة شعبية

ومنذ انقلاب 25 أكتوبر الماضي، أصبح المجلس العسكري، وخصوصاً حميدتي يعمل بشكل علني، فيما يبدو أنها، محاولات لخلق قاعدة انتخابية شعبية، بالتحالف مع الإدارات الأهلية للانتخابات المحتمل قيامها في العام المقبل، من طرف واحد. 

في مارس الماضي، زار حميدتي ولاية البحر الأحمر لمدة 5 أيام، كان طابع الزيارة الأساسي؛ هو عقد لقاءات مع قادة الإدارات الأهلية، بجانب زيارات للموانئ وإصدار قرارات بشأنها، أيضاً تحدث عن مشكلة المياه في مدينة بورتسودان، حيث قدم وعوداً بحلها، مقدماً نفسه في صورة رجل دولة يسعى لحل قضايا شعبه.

خلال زيارته إلى بورتسودان، وبعدها، نشطت حملات ترويجية على وسائل الإعلام التقليدية والحديثة، تشيد بقراراته وكونه قادر على حل مشاكل شرق السودان المستعصية، والتي يتحالف مع أطرافها المتناقضة جنباً إلى جنب.

أجندة قديمة في قوارير جديدة!

عمل حميدتي المستميت مع الإدارات الأهلية، لجعلها حاضنة سياسية واجتماعية، على حساب الأحزاب السياسية المدنية وتجمع المهنيين السودانيين ولجان المقاومة، بدأ بعد أيام من فض اعتصام القيادة العامة بالخرطوم. ففي يونيو 2019م، تم تجميع عدد كبير من الإدارات الأهلية من أنحاء البلاد المختلفة بمعرض بري، شرقي العاصمة السودانية الخرطوم، لتفويض المجلس العسكري الانتقالي الذي استولى على السلطة، لتشكيل حكومة تكنوقراط.

ونشر الموقع الإلكتروني للقصر الجمهوري، في يوم 18 يونيو 2019م، خبراً عن تفويض الإدارات الأهلية في عموم السودان، المجلس العسكري الانتقالي، بتشكيل حكومة تكنوقراط من الكفاءات السودانية لإدارة الفترة الانتقالية.

وجاء إعلان الإدارات الأهلية، بتفويض المجلس العسكري الانتقالي، في البيان الختامي لملتقى الإدارات الأهلية في عموم السودان، بالخرطوم والذي أشار الخبر، إلى حضور أكثر من (٧) آلاف من قيادات الإدارة الأهلية من كل أنحاء البلاد.

وقال حميدتي، خلال مخاطبته ختام الملتقى، إن البلاد تحتاج في الوقت الراهن إلى الإسراع في تكوين حكومة من الكفاءات السودانية إلى حين قيام انتخابات حرة ونزيهة في “أقرب وقت”.  

وأضاف “أن هذا اليوم هو يوم نصر، لأنه جمع الإدارات الأهلية التي تضم كل مكونات الشعب السوداني” على حد قوله. متابعاً: “الإدارات الأهلية تمثل برلمان السودان ومجالسه التشريعية في ظل غياب البرلمان المنتخب”، مطالباً قيادات الإدارة الاهلية بالعمل جنباً إلى جنب مع المجلس العسكري في “هذه المرحلة”، باعتبارهم “أصحاب إرث راسخ” في تقديم الحلول للقضايا من خلال الأعراف السودانية التي أصبحت مُعترف بها عالمياً، وفق قوله.

من جهتها، أشادت الإدارات الأهلية في البيان الختامي للملتقى بدور القوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى، في دعم الثورة وانحيازها للشعب، وفوضت المجلس العسكري الانتقالي لتشكيل الحكومة الانتقالية والإسراع بقيام انتخابات تفضي إلى حكومة منتخبة، فضلاً عن اتخاذ كافة القرارات التي تفضي لاستقرار البلاد.

ودعت الإدارات الأهلية، في بيانها الختامي، إلى “الشروع الفوري” في مفاوضات سلام مع الحركات المسلحة لتحقيق الاستقرار بالبلاد. وسلمت الإدارات الأهلية بالبلاد في ختام الملتقى، حميدتي، ما سمتها وثيقة عهد وميثاق، أكدت فيها وقوفها مع المجلس العسكري.

كيان سياسي

في تلك الفترة التي تلت فض اعتصام القيادة العامة، بدأ المجلس العسكري الانتقالي، توجهاً واضحاً في محاولة تشكيل كيان سياسي، يعمل من خلاله على إدارة الدولة وشؤون الحكم بعد تباطؤه في تسليم السلطة للمدنيين. حيث تم الإعلان عن حزب جديد تحت مسمى “الحزب الأهلي السوداني”، بمباركة حميدتي الذي عبر عن ترحيبه بالكيان الجديد، وأنه يعوّل في المستقبل على رجالات الإدارة الأهلية والطرق الصوفية في تحقيق الأمن والاستقرار بالسودان.

مشهد قاتم بالشرق من صنع حميدتي

بالعودة إلى رفض مجلس شورى الأمرار، السيارات التي أهداها لهم (حميدتي)، ندد المجلس بالخطوة. وقال في بيان، “إن هذه السيارات ليست مكرمة وإنما اساءة بالغة لنا ولا يمكن تقبلها”. مضيفاً “هذا المسلك مرفوض بالنسبة لنا وإساءة بالغة لا يمكن تقبلها، وهذه ليست مكرمة يمكن تقبلها وإنما تدنيس لدماء شهداء البجا”.

ويعتقد ناشط في قضايا شرق السودان تحدث لـ(بيم ريبورتس)، أن حميدتي، يحاول من خلال نفوذه مع قادة أطراف الإقليم الرئيسية أن يوازن وجوده في السلطة، لكن هذا الأمر يشكل خطراً كبيراً إذا ما شعر بأن وجوده في السلطة المركزية بات محل شكوك، إذ بإشارة منه يمكن أن يشعل الشرق. 

ورغم أن قضية شرق السودان، واضحة المعالم، يقول الناشط، إلا أن حميدتي لا يريد حلها لاستخدامها كورقة سياسية يحافظ بها على موقعه في أي تسوية مقبلة. 

بيان مجلس شورى الأمرأر بشرق السودان

وقال في هذه الحالة، يمكن أن يُشكل خطراً كبيراً على الشرق، باعتبار علاقاته الوثيقة مع الأطراف المتناقضة والوعود التي قدمها للجميع، لحل مشاكل الإقليم، إذ يتعامل معه الجميع ليس بصفته الشخصية ولكن كممثل للدولة.  

أيضاً يسيطر حميدتي على تنظيمات كانت موالية للنظام البائد بولاية البحر الأحمر، مثل مؤتمر البجا بقيادة موسى محمد أحمد، كذلك يسيطر على ما يسمى بتجمع المهنيين (المركز العام)، في ولاية البحر الأحمر.

أبعاد جيوسياسية وإقليمية تتفاعل في أزمة الشرق، حيث منح مجلس السيادة، الرئيس الإرتري، أسياس أفورقي، الضوء الأخضر، للتعاطي مع قادة الإقليم، حيث ينشط في محاولة ترك كلمته في الأزمة.

تاريخ الإدارة الأهلية

وتعود نشأة الإدارة الأهلية إلى عهد السلطنات السودانية القديمة، وارتبطت بتاريخ نشأة مملكة الفونج ومملكة التنجر ومملكة الفور، حسب بعض المؤرخين.

وعقب إطاحتها بالحكم التركي – المصري، في عام 1885م، استصحبت الدولة المهدية، التكوين القبلي الذي يمثل روح الإدارة الأهلية، وعملت على تكريس ذلك النظام وأسبغت على زعماء الإدارات الأهلية الألقاب والرتب وأصبحوا أمراء.

ليأتي بعدهم البريطانيون، عقب احتلالهم البلاد في عام 1898م ويستمروا في ذلك النمط الإداري، في حكمهم للسودان، بل عملوا على تهجينه وتطويره مع ما يتماشى ورغبتهم في إحكام قبضتهم على البلاد، فعملوا على تعزيز دور قادة الإدارات الأهلية  بالترهيب والترغيب والرشاوى ومنحهم الامتيازات وشكلوا عاملاً مشاركا في إدارة البلاد.

بعد إجلاء الاستعمار البريطاني في عام 1956م دخلت الإدارة الأهلية مرحلة جديدة في نموها، إذ انقسمت كياناتها بين القوى الحزبية الطائفية وشكلت ذلك النسيج الضارب الجذور في خلايا الدولة السودانية.

غير أن الإدارات الأهلية، تاريخياً، ظلت ترى الدعوة للديمقراطية والحداثة خطراً يهدد امتيازاتها التاريخية المادية والمعنوية الموروثة، وبالتالي أصبحت ذلك الحليف الطبيعي لأنظمة الاستبداد، حيث تبدي تخوفها من كل نزعة نحو المستقبل والتغيير، خاصة التحديث في هيكل الدولة القديمة المتوارث.

توظيف في الحروب الأهلية

وشهدت عقود النظام البائد الثلاثة في الحكم، تمدد نسيج الإدارة الأهلية في جهاز الدولة وعصره الذهبي، ولم يقم المجلس العسكري الحالي، سوى بإعادة إحيائه مجدداً. أيضاً وظف النظام البائد، الإدارات الأهلية ضمن الحروب الأهلية، حيث عمل مع قياداتها لمده بالمتطوعين للقتال ومساندة الجيش، قبل أن تتحول إلى شيء أشبه بالعمليات التجارية، حيث كانت تتم عبر مقاولات مباشرة، بين بعض شيوخ الإدارات الأهلية وبين مسؤولي نظام الإنقاذ المخلوع، حيث يتلقوا عوائد مالية نظير كل شخص يتم إرساله إلى مناطق العمليات العسكرية. أيضاً كانوا يتلقوا أموالاً وامتيازات أخرى نظير تجميع حشود مصنوعة لاستقبال مسؤولي نظام الإنقاذ المخلوع.

لكن هذه العمليات، عملت من جانب آخر على تفكيك النسيج الاجتماعي، من خلال عمليات استنفار المجموعات للانخراط في الحروب. وتمثل بعض الإدارات الأهلية، امتداداً للنظام البائد، ويتم استخدامها حالياً من قبل المجلس العسكري، لخلق حالة من الاضطرابات والتناقضات السياسية والاجتماعية، في مشهد البلاد القاتم.

كيف تتصاعد أزمة الغذاء في السودان وما أسبابها ؟

أصدرت شبكة معلومات الأمن الغذائي، تقريرها السنوي العالمي السادس حول أزمات الغذاء في العالم، فبراير 2022م، ويركز التقرير على المناطق التي ليس لديها القدرة الكافية على الاستجابة للأزمات الغذائية، بالإضافة إلى البلدان و الأقاليم، التي يبين عدد واف من الأدلة بها على أن حجم الأزمة الغذائية وشدتها يفوق الموارد المحلية والقدرات اللازمة للاستجابة بفعالية.  

على الصعيد العالمي، أشار التقرير إلى أنه لا تزال مستويات الجوع مرتفعة بشكل ينذر بالخطر. ففي عام 2021 تجاوزت الأرقام جميع السجلات السابقة كما ورد في التقرير العالمي للأزمات الغذائية (GRFC)، مع ما يقرب من 193 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد ويحتاجون إلى مساعدة عاجلة على امتداد 53 دولة و إقليماً، وفقًا لنتائج التقرير يمثل هذا زيادة بنحو 40 مليون شخص مقارنة بالرقم السابق المسجل في عام 2020م.

وفيما يلي تقدم (بيم ريبورتس) شرحاً بصرياً للمعلومات الواردة في التقرير عن حالة الأمن الغذائي في السودان.

السودان ضمن أكثر 10 دول يعيش سكانها في حالة أزمة غذائية:

حدد التقرير، أكثر عشرة دول لديها عدد من الأشخاص يعيشون في حالة أزمة غذائية أو أسواء في عام 2021م، وهي توالياً :

أزمة الغذاء في السودان:

فيما يلي البيانات التي أوردها التقرير عن حالة الأمن الغذائي في السودان لعام 2021م، وتبين الخرط المرفقة أماكن اشتداد الأزمات الغذائية، والمقارنة بين حالة الغذاء في عامي 2020 و 2021م:

المسببات الأساسية لأزمة الغذاء في السودان:

وفقاً للتقرير، فإن أبرز مسببات أزمة الغذاء في السودان هي:

الفيضانات: 

أدى هطول الأمطار فوق المتوسط خلال موسم الأمطار من يونيو إلى سبتمبر 2020م، إلى جانب الفيضانات خلال شهري أغسطس وسبتمبر، إلى أضرار جسيمة بالبنية التحتية والأصول الخاصة بالأسر.

التدهور الاقتصادي والتضخم:

يعاني الاقتصاد السوداني من انخفاض قيمة الجنيه السوداني، وارتفاع التضخم وارتفاع أسعار المواد الغذائية وغير الغذائية ، وهو ما انعكس في معدل التضخم المرتفع المسجل خلال الأشهر الأولى من عام 2021م. وقد أدى هذا إلى تقليص القوة الشرائية للأسر.

النزوح الناجم عن الصراع:

 

أدى تدفق اللاجئين من جنوب السودان المتأثر بالنزاع وكذلك النزوح الداخلي إلى زعزعة استقرار بعض المناطق المحلية مثل (الجنينة) وبعض الولايات مثل دارفور وكردفان.

المصدر: التقرير العالمي السنوي السادس حول أزمات الغذاء للعام 2022م، (GRFC 2022)، وهو نتائج عمل عدة من المؤسسات والأفراد في المجتمعات الإنسانية والإنمائية الدولية. تشرف على نشره وإصداره شبكة معلومات الأمن الغذائي (FSIN).