Category: سياسي

خط زمني توثيقي لإتفاقيات السلام في السودان منذ العام 1965 إلى 2020م

على مدى نحو 6 عقود، بدءاً من عام 1965م، عقد السودانيون 34 اتفاقية سلام ومؤتمراً، في محاولة لإنهاء انقساماتهم السياسية وحروباتهم الأهلية التي انطلقت شرارتها في الثامن عشر من أغسطس 1955م.
كان اتفاق سلام جوبا الموقع في 3 يونيو2020م، آخر محاولات السودانيين لإنهاء حروباتهم الأهلية الدامية.

توضح الخريطة الزمنية التي أعدتها (بيم ريبورتس)، أطراف الاتفاقيات وتاريخها ومكان توقيعها.

خارطة تفاعلية لأحداث العنف والنزاعات المسلحة في السودان ما بعد انقلاب 25 أكتوبر

ضمن وعود كثيرة وعديدة، شملت حفظ الأمن وتحقيق الاستقرار وإنفاذ اتفاق سلام جوبا، وحماية المدنيين في إقليم دارفور، تلا القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح الفتاح البرهان، بيان انقلابه في 25 أكتوبر الماضي.

لكن، فضلاً عن تدهور الوضع الاجتماعي والسياسي والخدمي والاقتصادي، تفجرت أحداث عنف ونزاعات مسلحة سقط بسببها المئات ونزح عشرات الآلاف، خصوصاً في إقليم دارفور.

بدءاً من ولاية غرب دارفور، أقصى غربي السودان، مروراً بولايتي شمال وغرب كردفان، وشرقاً ولايتي كسلا والقضارف وانتهاء بإقليم النيل الأزرق، جنوب شرقي البلاد، سقط المئات ضحايا للنزاعات المسلحة، فيما عرفت ولايات أخرى، بينها الخرطوم، أحداث عنف تسببت فيها قوات الأمن خلال التظاهرات الرافضة للانقلاب العسكري والمؤيدة للديمقراطية، سقط فيها عشرات القتلى وآلاف الجرحى.

تُظهر الخريطة أدناه التي أعدتها (بيم ريبورتس)، بالأرقام والتفاصيل، أحداث العنف والنزاعات المسلحة التي وقعت بعد انقلاب 25 أكتوبر، وسيعمل فريق (بيم ريبورتس) على تحديثها بصورة دورية.

المصدر: مشروع بيانات مواقع النزاع المسلح وأحداثه (ACLED)

اضغط على الخارطة التفاعلية أدناه لمعرفة المزيد من التفاصيل أو تصنيف البيانات حسب تاريخ الحدث، نوع الحدث، أو موقع الإصابة (الولاية).

لإلغاء خاصية التصنيف (Filter)، اضغط Clear Selection في الرسالة التوضيحية، أو اضغط Reset أسفل الرسم البياني. 

عندما تتحول الكلمات إلى رصاص.. كيف يساهم خطاب الكراهية في تأجيج النزاعات الأهلية بالسودان؟

بهذه الكلمات تحدث القائد العام للجيش السوداني ، ورأس الدولة بحكم الأمر الواقع، عبد الفتاح البرهان، أمام مجموعة من السكان في مسقط رأسه بولاية نهر النيل شمالي البلاد، في يوليو الماضي.

حديث البرهان، يأتي في خضم أحداث عنف أهلي واجتماعي تشهده البلاد منذ عدة أشهر، يمثل الانحياز للجهة أو العرق، أحد أهم عوامل اندلاعه، فيما تُجسد أحداث العنف الأهلي بإقليم النيل الأزرق جنوب شرقي السودان، آخر تجلياته.

البرهان ليس، المسؤول الوحيد في سلطة الأمر الواقع الذي يدلي بأحاديث مرتبطة بخطاب الكراهية، فقد سبقه مسؤولون آخرون في إبداء إشارات وانحيازات جهوية ومناطقية، بينهم قائد ثاني الدعم السريع عبد الرحيم دقلو، عندما تحدث بشكل جهوي عن العاصمة السودانية الخرطوم.

على الرغم من عدم وجود تعريف في القانون الدولي لمفهوم خطاب الكراهية، وما يثيره توصيف ما يمكن اعتباره بالكراهية من جدل وخلاف، يُشار إلى سياق خطاب الكراهية في مفهوم الأمم المتحدة على أنه أي نوع من التواصل، الشفهي أو الكتابي أو السلوكي، الذي يهاجم أو يستخدم لغة ازدرائية أو تمييزية، بالإشارة إلى شخص أو مجموعة على أساس الهوية.

 وبعبارة أخرى، على أساس الدين أو الانتماء الإثني أو الجنسية أو العرق ما يستمد جذوره من اللون أو الأصل أو نوع الجنس أو أحد العوامل الأخرى المحددة للهوية. وهذا الخطاب كثيراً ما يثيرّ مشاعر التعصب والكراهية التي يغذيها في الوقت نفسه، ويمكن في بعض السياقات أن ينطوي على  الإذلال ويؤدي إلى الانقسامات، وهذا ما ينطبق على حديث البرهان.

عندما تصبح كلمات القادة السياسيين والمجتمعيين مهداً لخطاب الكراهية، سرعان ما تدفع المجتمعات المحلية الثمن من دماء أبنائها، قبل أن يدعي المسؤولون مرةً أخرى أنهم يعملون على حل النزاعات الدموية التي أشعلوها هم أنفسهم.   

ومع تمكن ملايين السودانيين في السنوات الأخيرة من امتلاك هواتف ذكية متصلة بشبكة الانترنت، أصبحوا هدفاً لوسائل الإعلام الاحترافية الموجودة على شبكة الانترنت والمنظومات السياسية، بالإضافة للجهات الحكومية. فضلاً عن أنهم أصبحوا عُرضة لشبكات أجنبية ومحلية، درجت على تقديم محتوى زائف ومضلل، بالإضافة إلى وجود محتوى آخر يحض على الكراهية ويعمل على خلق المشكلات في أوساط المجتمعات المحلية.

اندلعت ثورة ديسمبر عام 2018م، في أوج صعود عدد مستخدمي الإنترنت في السودان، وهو الأمر الذي وضع نظام الرئيس المخلوع عمر البشير، في تحدي مواجهة الإعلام الجديد على وسائل التواصل الاجتماعي الذي كان ينشط في نقل أخبار الحراك الشعبي.

ولمواجهة ذلك الأمر، بدأ النظام البائد في إيقاف عدد من تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي على رأسها فيسبوك، وسرعان ما ابتدر استراتيجية جديدة، تمثلت في إطلاق حملات مضادة مناوئة للثورة ترتكز على المعلومات المضللة والزائفة. لكن كل ذلك، لم ينجح في إيقاف الحراك الشعبي، ليبدأ الدخول في مرحلة جديدة تمثلت في نشر خطاب الكراهية بين السودانيين.

تصاعد خطاب الكراهية في وسائل الإعلام الجديد بتدبير من سلطة النظام البائد، في محاولاتها تحجيم وتأطير الحراك الشعبي المناهض للحكومة بتصويره كحراك جهوي تارة، أو بتصويره كحراك علماني تارة أخرى.

في ظل فشل النظام البائد في السيطرة على التظاهرات، أفاق السودانيون في أحد أيام الثورة، على خبر اعتقال طلاب بجامعة سنار بحجة أنهم يتبعون لحركة جيش تحرير السودان بقيادة عبدالواحد نور التي كانت تقاتل النظام البائد في إقليم دارفور، وأنهم ينوون القيام بعمليات إجرامية، وفقاً لما نشره التلفزيون الرسمي حينها.

لاحقاً، ورغم ادعاءات الحكومة وقتها، حول نية المعتقلين ارتكاب جرائم  جنائية، إلا أن ذلك الأمر تحول إلى خطاب كراهية ضد طلاب دارفور عامةً، وخصوصاً الأذرع الطلابية للحركات المسلحة بالجامعات السودانية، باعتبار أنهم عملاء لإسرائيل وجهات أجنبية، حيث ألقى تشويه سمعة أولئك الطلاب الذين قُتل أحدهم برصاص قوات الأمن في الخرطوم بحري، بظلال سلبية على وضع البلاد، حيث كان الغرض منه وضع الجميع في حالات استقطاب جهوي وعرقي لإفشال الحراك الشعبي.

وبينما درج المسؤولون الحكوميون سواء في فترة الحكومة الانتقالية، أو في أعقاب انقلاب 25 أكتوبر، في الحديث عن أن خطاب الكراهية يُفاقم المشكلات في بلد خرج لتوه من حروب أهلية امتدت لنحو عقدين في نسختها الحديثة، إلا أنهم بالمقابل كانوا في حالات جزءاً من هذا الخطاب، سواء كان في شكل انحيازات جهوية أو إثنية.

بجانب أنهم لم يعملوا على تجاوز العقبة الرئيسية المتمثلة في طرح دولة قائمة على المواطنة، والتي تضمن الحقوق لكل السكان على أساس متساوٍ، في بلد يواجه بشكل مستمر شبح الانقسامات العرقية. 

وتُعد قضية الهوية والنزاع على ملكية الأرض والجهوية والمناطقية، أحد أبرز عوامل تأجيج خطاب الكراهية، والذي تُغذيه من ناحية أخرى عدم وجود سياسات من الدولة لمعالجته كجذر رئيس للصراع في البلاد. 

في أحداث عنف أهلي واجتماعي عديدة شهدتها البلاد منذ عام 2019م، مثل أحداث بورتسودان، كسلا الجنينة وغرب كردفان وإقليم النيل الأزرق أخيراً، مثّل خطاب الكراهية وقوداً لتلك النزاعات الدموية، سواء كان ذلك على منصات مواقع التواصل الاجتماعي أو في شكل خطابات سياسية للقادة المحليين أو السياسيين.

ومع ذلك، لم يكن من الهين تصور أن يكون القائد العام للقوات المسلحة، ورأس الدولة الحالي بحكم الأمر الواقع، عبد الفتاح البرهان، أحد صنّاع خطاب الكراهية في البلاد.

ومثّلت كلمات البرهان الذي كان يتحدث إلى مجموعة من السكان في مسقط رأسه بولاية نهر النيل شمالي البلاد، في يوليو الماضي، ذروة خطاب الكراهية، عندما تحدث على أساس جهوي بالكامل، رغم تعارض ذلك مع منصبه كقائد للجيش السوداني. أيضاً أدخلت كلماته الرأي العام في حالة من الاستقطاب الحاد وهو الأمر الذي يساهم في تأجيج خطاب الكراهية ومفاقمة النزاعات في البلاد.

لا تكف سلطة الأمر الواقع في السودان، عن الدعوة لإيقاف خطاب الكراهية، ومع ذلك، عندما يتحدث قادتها، فإنهم يثيرون الكراهية في أي اتجاه.

خلال مناسبة إطلاق سراح الزعيم الأهلي، موسى هلال، قبل عدة أشهر، أطلق قائد ثاني الدعم السريع، عبد الرحيم دقلو كلمات أثارت الرأي العام السوداني، عندما تحدث بشكل جهوي حاد في موضوع كان يتعلق بالعاصمة الخرطوم.

بينما تسيل دماء السودانيين من وقت لآخر وتبتعد الشقة بينهم بسبب خطاب الكراهية، لا يزال نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي من أنحاء البلاد المختلفة، يؤججون الصراع بتبنيهم لمزاعم ورؤى عنصرية لا تستند على أي أساس منطقي.

كما يتغذى خطاب الكراهية في البلاد باستغلال بعض الخطابات السياسية، حيث يُعد الحديث عن سكان أصليين وآخرين وافدين، من بين العوامل التي يتم استخدامها في تأجيج خطاب الكراهية، وهو من بين الأسباب الرئيسية التي تؤدي إلى اندلاع أعمال عنف.

لا يقف خطاب الكراهية في البلاد والذي يزيد من حدة التوترات المجتمعية، عند عتبة السكان المدنيين، بل استشرى حتى في أوساط القوات العسكرية، في حالات عديدة كان سبباً في تفاقم أحداث العنف، بسبب الحياد أو الانحياز أو الانحياز المضاد.

ومنذ عقود يعاني السودان من حروب أهلية أفرزت صراعات متشابكة ليس أقلها تحول مشكلات عادية إلى اقتتال دامٍ، خاصة مع انتشار السلاح لدى المواطنين، وبطء استجابة قوات الأمن.

كشف وكيل أول وزارة الإعلام والثقافة السابق، رشيد سعيد، عن اعتزام الحكومة الانتقالية مخاطبة دولتي تركيا وتونس حول وجود بعض المواقع الالكترونية التي تُدار من أراضيها وتعمل على تفكيك النسيج الاجتماعي بالبلاد، مشيرا إلى أنه سيتم اتخاذ إجراءات قانونية تجاه الشركات التي تنشر محتوى يثير الكراهية.

وقال سعيد، إن الحكومة ستتخذ خطوات قانونية بشأن الشركات التي تنشر هذا المحتوى الذي يثير الكراهية، مشيرا إلى أن بعض الصفحات في مواقع التواصل الاجتماعي ضارة وأحيانا لا يُعرف من يقف خلفها.

فيما أوضح مستشار رئيس الوزراء السابق للسلام جمعة كندة، في تصريحات سابقة، أن خطاب الكراهية والخطاب السياسي غير المنضبط هو أسلوب يتم توظيفه من خلال تضخيم الحقيقة أو إظهار الشائعة كحقيقة أو التشكيك فيها. 

وقال كندة، إن خطاب معظم القادة السياسيين تحريضي إقصائي، منوها إلى أن الهدف من هذا النوع من الخطابات ديني وسياسي واجتماعي وغيره. مضيفاً “أن ذلك النوع من الخطاب يؤدي الى العنف، لذلك لا بد من خصائص ومعايير متفق عليها”. 

“المشكلة ليست في تنامي خطاب الكراهية في الفترة الأخيرة، لكن توجد ثقافة التعايش معه، وبالتالي يوجد شبه إجماع بأن هذا الخطاب أصبح أكثر بروزاً بعد اتفاق جوبا وكان يجب أن يحدث العكس”، يقول كندة.

يضيف كندة “إن النزاعات العنيفة التي شهدها السودان لسنوات طويلة أدت الى تنميط المجموعات السياسية والاجتماعية وأعطت صورة سالبة للآخر تغذي خطاب الكراهية”.

 وتابع “من أسباب ظهور خطاب الكراهية هو الوعي غير المرشد، كما أن المناهج محملة بخطاب الكراهية وبالتالي وجود جيل مستعد لتبني هذا الخطاب. بالإضافة إلى الانفجار المعلوماتي، وتراجع الشعور بالانتماء الوطني وتزايد الاعتزاز بالقوميات المحلية والإقليمية”،  وقال “فشلنا في تقديم برنامج يجمع السودانيين حول الوطنية”.

في خضم صراع سياسي حول الديمقراطية والدولة المدنية من جهة، ومحاولة عسكرة الدولة والحياة السياسية واستعادة النظام البائد بوجوه جديدة منذ انقلاب 25 أكتوبر الماضي، ووجود اتفاق سلام هش، وغياب فصائل مسلحة رئيسية عن المشهد السياسي، صعد خطاب الكراهية إلى ذروته، حيث يتم استخدامه بكثافة لتحقيق مكاسب سياسية، الأمر الذي يزيد من مخاطر تفاقم النزاعات، في بلد ظل يرزح تحت حروب أهلية وانقسامات اجتماعية طيلة تاريخه الحديث.

كيف تسبب النزاع الأهلي في نزوح الآلاف بإقليم النيل الأزرق؟

تسببت الأحداث الدامية التي شهدها إقليم النيل الأزرق، جنوب شرقي السودان، في مقتل 119 شخص، وإصابة ما يزيد عن الـ 291، فيما نزح ما يزيد عن الـ 32 ألف شخص من قراهم وأحيائهم إلى مناطق ومعسكرات أخرى داخل الإقليم وخارجه.

قطع الآلاف من النازحين والنازحات، الذين من بينهم الكثير من الأطفال والنساء، مسافات طويلة هرباً من النزاع وآثاره، المتمثلة في غياب الحماية والمأوى، بالإضافة إلى شح المواد الغذائية ومتطلبات المعيشية الضرورية.

وكان عديد من الأفراد الناشطين في الإقليم وولايات أخرى بالإضافة لمنظمات المجتمع المدني، تحركوا  للتصدي للأوضاع التي يشهدها الأقليم، بدءاً من تجهيز مناطق إيواء للنازحين داخل الإقليم وخارجه.

وقد تعرض الكثير من النازحين إلى أوضاع صحية صعبة، خاصة وسط الأطفال، حيثٌ سجلت 177 حالة سوء تغذية وسط الأطفال دون سن الخامسة، وتراوحت الحالات ما بين سوء التغذية الحاد (26 طفل) وسوء التغذية المتوسط (81 طفل) للأطفال داخل الإقليم، بينما سجلت 52 حالة سوء تغذية وسط الأطفال الذين نزحوا رفقة أهاليهم إلى ولاية سنار، باحصائية (6 أطفال) بسوء التغذية الحاد، و (46 طفل) بسوء التغذية المتوسط.

وفيما يلي رصد لأعداد النازحين والنازحات:

ما التفاصيل التي أغفلتها تغطيات وسائل الإعلام المحلية في أحداث العنف الأهلي بالنيل الأزرق؟

مع اندلاع أحداث العنف الأهلي في إقليم النيل الأزرق، جنوب شرقي السودان، يوم الجمعة قبل الماضي، انخرطت وسائل الإعلام المحلية في تغطية فورية وبشكل مكثف للأحداث في ظل تطورها المتسارع.

واستندت معظم التغطيات الصحفية، في توصيفها للأحداث على أنها نزاع قبلي بين مجموعات عرقية، دون أن تتحقق بشكل كافٍ من جذور ومسببات اندلاع أعمال العنف، وما إذا كان من الممكن استخدام توصيف آخر لها، بخاصة أنها في الأساس أعمال عنف ذات طابع جنائي، قبل أن تكون نزاعاً قبلياً.

ويتخذ الصّحافيون والمؤسسات الإعلامية عادةً أقصى درجات الحذر، في تغطية أحداث النزاعات المسلحة، أو ذات الطابع الأهلي، نسبة لتأثيراتها الخطيرة على أولئك المنخرطين في العنف، بحيث يمكن أن تتسبب التغطيات غير الدقيقة أو المنحازة، في مفاقمة أعمال العنف وتأجيج الصراع، خصوصاً في ظل تباطؤ قوات الأمن في اتخاذ التدابير اللازمة والسريعة في حالة أحداث النيل الأزرق، وغيرها من الصراعات المشابهة في أنحاء البلاد المختلفة.

أيضاً اعتمدت معظم التغطيات، على البيانات الرسمية دون أن تقوم بالجهد اللازم، في الوصول إلى المعلومات من المصادر الموجودة على الأرض، لتقدم للمتلقين صورة أوسع وأكثر مهنية لما كان يحدث، حيث يتحقق بذلك دور وسائل الإعلام في كشف الحقائق والذي يساهم في خلق صورة واضحة للرأي العام، مما يُمكِّن الجمهور من الانخراط بوعي في أحداث قد يُساهم أي نشر خاطئ فيها في زيادة حدة الصراع وسقوط مزيد من الضحايا، خصوصاً في ظل انتشار المعلومات المضللة والمغلوطة والشائعات على مواقع وسائل التواصل الاجتماعي.

في المقابل، اعتمدت تغطية وكالة الأنباء الرسمية (سونا) لأحداث العنف بالنيل الأزرق، على البيانات التي أصدرتها الجهات الفاعلة مثل حكومة إقليم النيل الأزرق، وبيان القوات المسلحة، بجانب القوى السياسية الحرية والتغيير ـ المجلس المركزي، ومجموعة الميثاق السياسي، بالإضافة لنشرها بياناً لأحد أطراف الصراع. ورغم امتلاكها قدرات لوجستية، ومراسلين على الأرض، إلا أن (وكالة سونا) اكتفت بالبيانات الحكومية والحزبية، في تغطيتها للأحداث، وهي أيضاً ضمن مؤسسات إعلامية وصحافية أخرى، وصّفت النزاع على أنه قبلي.

وبشكل أساسي، انحصرت معظم تغطية وسائل الإعلام الحديثة والتقليدية، في حصر أعداد الضحايا والوضع الميداني، لكنها لم تتخل أبدًا عن وصف الصراع على أساس قبلي، وفي خضم هذا التوجه، تجاهلت إلى حد كبير، غياب الاستجابة السريعة للقوات العسكرية، في إخماد الصراع.

أيضاً ركّزت بعض التغطيات الإعلامية التلفزيونية، في محاولة تقصي جذور الصراع، على قضايا متعلقة بامتلاك الأرض والنزاع حولها، وهي ضمن عوامل تأجُج العنف في إقليم النيل الأزرق، وكان من غير المناسب طرحها في خضم اندلاع أعمال عنف تمثل أحقية امتلاك الأرض من بين أهم عواملها. في خضم أعمال عنف من هذا النوع، يكون المتلقي في حاجة إلى معرفة التطورات الجارية، وكيفية تعاطي السلطات معها.

في نهاية المطاف، تُثير التغطية الإعلامية لأحداث العنف في النيل الأزرق التساؤلات، حول غياب منهجية تغطية النزاعات لدى بعض المؤسسات الصحفية والإعلامية، بجانب النقل المتعجل للأخبار وعدم التقصي اللازم حول الأحداث.

هل تحولت لجان التحقيق الرسمية إلى ملفات باردة لحماية المجرمين؟

بقيت أحداث العنف والحرق والنهب والقتل خارج نطاق القانون- بين عامي 2019م ـ 2022م- والتي راح ضحيتها المئات بجانب الخسائر المادية الفادحة، مجرد ملفات باردة حبيسة في أدراج حوالي 18 لجنة تحقيق رسمية اُعلِن عن تشكيلها على مدار الفترة الانتقالية، وفي أعقاب انقلاب 25 أكتوبر الماضي.

كانت كلما اشتدت وتيرة القتل ودُمرت الحيوات والأرض والزرع والمسكن وارتفعت الأصوات الغاضبة، أعلنت الحكومة عن ميلاد لجنة تحقيق جديدة، مقابل إخفاق القوات الأمنية في حماية المدنيين عند اندلاع أعمال عنف أهلي، أو تعمد القوات نفسها ارتكاب جرائم مثل أحداث فض اعتصام القيادة العامة بالمقار الرئيسية للجيش بالعاصمة السودانية الخرطوم، في الثالث من يونيو 2019م.

في سبتمبر 2019م، شكّل رئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك، لجنة تحقيق مستقلة للتقصي حول جريمة فض اعتصام القيادة العامة، أوكل رئاستها للخبير القانوني  والدستوري، نبيل أديب، كان من المنتظر أن تُصدر تقريرها خلال 3 أشهر، لم تنهِ أعمالها في الوقت المحدد، وظل يُجدد لها إلى حين انقلاب 25 أكتوبر الماضي.

رغم التشكيك الذي أبداه الرأي العام السوداني، في قدرة لجنة وطنية في التحقيق بأحداث القيادة العامة، يتولى من يتهمهم ذوو الضحايا بارتكاب الجريمة نفسها، قيادة الدولة، إلا أن أجواء الثورة المعيشة وقتها والأمد القصير لإصدار نتائج التحقيق، منح اللجنة بعض المقبولية. 

لكن، مع عجز لجنة التحقيق في فض اعتصام القيادة العامة عن إصدار تقريرها واتساع دائرة العُنف في البلاد، وتفاقم الاضطرابات السياسية والاجتماعية، التي يروح ضحيتها مواطنين عُزل، باتت لجان التحقيق، تُمثل الترياق المُضاد للمطالبات بتحقيق العدالة وإيقاف الإفلات من العقاب، للدرجة التي فقدت فيها تلك اللجان مصداقيتها، وصار يُنظر إليها على كونها مخرجاً آمناً لمرتكبي الجرائم، خاصة المتعلقة بالقوات العسكرية وبعض المليشيات المسلحة. حيث تحولت لجان التحقيق إلى ملفات باردة تحت الأدراج لحفظ الجرائم والإفلات من العقاب، فيما يظل ذوو الضحايا في انتظار عدالة لا تأتي لأكثر من ثلاث سنوات.

مع مقتل أكثر من 100 شخص في أحداث العنف الأهلي بإقليم النيل الأزرق و3 بولاية كسلا، الأسبوع الماضي، عادت لجان التحقيق إلى الواجهة مرةً أخرى، ربما لتؤدي نفس المهمة القديمة، وهي حفظ ملفات الجرائم طي الأدراج، وترك الجناة مطلقي السراح، وإطلاق الوعود بتحقيق العدالة بالنسبة لذوي الضحايا.

خط زمني يوضح لجان التحقيق بين عامي 2019 و 2022

مع ارتفاع وتيرة حالة السيولة الأمنية في البلاد منذ انقلاب 25 أكتوبر، واتساع نطاق الإفلات من العقاب، تظل أحداث العنف الأخيرة بإقليم النيل الأزرق و ولاية كسلا، امتداداً لحالة تسكين الجرائم في ملفات باردة وإطلاق يد العنف التي لا تطالها العدالة. كما أنها تمثل حيلة السلطة العسكرية الحاكمة في البلاد، للبقاء تحت لافتة ظاهرية لسيادة حكم القانون.

وسط استجابات رسمية فاترة.. كيف توسعت رقعة العنف الأهلي الدامي في أقاليم السودان؟

مع استمرار دوامة العنف الأهلي والاجتماعي التي ظلت تعيشها البلاد في السنوات الثلاث الأخيرة، وتمدد رقعتها وتفاقم حدتها عقب انقلاب 25 أكتوبر الماضي، أفاق السودانيون يوم الجمعة الماضي، على وقع انفجار أحداث عنف أهلي بإقليم النيل الأزرق، وضعت حداً لحياة العشرات في غضون ساعات قليلة، دون أن يكون الكثيرين على معرفة بسياقها.  

وبينما امتدت أحداث الاقتتال الدامي لعدة أيام، ظلت الصورة العامة لأسباب النزاع الدموي غير واضحة المعالم. لكن، لاحقاً مع توالي ردود الأفعال، بدأ إطلاق الاتهامات، وتحميل المسؤولية والتنصل منها من جانب آخر.

يوم الأحد الماضي، فيما كانت الأطقم الطبية تُكافح في التعامل مع عشرات الإصابات الخطرة، بمستشفى الدمازين، في ظل شح الإمكانيات وعدم وجود كمية كافية من الكهرباء بالمستشفى، ظهر القائد العام للقوات المسلحة، عبد الفتاح البرهان، وهو يتلقى التهاني في القيادة العامة بالخرطوم من الضباط والجنود بمناسبة عيد الأضحى.

وسط تحذيرات ومناشدات بخطورة الأوضاع، التزمت سلطة الأمر الواقع والقوات المسلحة الصمت  لساعات طوال دون اتخاذ أية تدابير على الأرض، قبل أن تبدأ الأخيرة في نشر قوات عسكرية، يوم الاثنين، بمدينة الدمازين والمناطق التي شهدت النزاع، وذلك بعد مقتل نحو 97 شخصاً ومئات الجرحى. 

وجاء تدخل القوات العسكرية المتأخر للفصل بين المجموعات السكانية المتصارعة في إقليم النيل الأزرق، امتداداً لتدخلات أخرى متأخرة سابقة، في خريطة عنف أهلي تمتد من مدينتي بورتسودان وكسلا شرقاً وتنتهي في مدينة الجنينة بأقصى الغرب، مروراً بغرب وجنوب كردفان وأخيراً إقليم النيل الأزرق، حيث كان تدخل سلطة الأمر الواقع في كل هذه الأحداث، يأتي بعد سقوط الضحايا.

كما لا تختلف استجابة النيابة العامة، في الشق العدلي، التي أعلنت عن فتح تحقيق في أحداث العنف الدموي بالنيل الأزرق، من استجابة القوات العسكرية المتعلقة بالتقصير في أداء مهامها، حيث فتحت العديد من التحقيقات في غالبية هذه الأحداث دون تقديم أي متهمين للمحاكمة، ودون أن تعلن حتى عن نتائج تحقيقاتها.

وأسند النائب العام خليفة أحمد خليفة، رئاسة اللجنة إلى رئيس نيابة عامة، فيما شملت عضويتها عناصر من القوات المسلحة، الشرطة، جهاز المخابرات العامة والدعم السريع.

وفي ظل غياب فعل ملموس لتخفيف حدة الأزمة، كادت الأمور تخرج من السيطرة، يوم الاثنين، بمدينة كسلا شرقي البلاد، عندما احتج المئات على أحداث العنف في النيل الأزرق، حيث قتل 3 أشخاص فيما أحرقت بعض المكاتب والسيارات بمقر حكومة ولاية كسلا. أيضاً شهدت مدينة ود مدني بعض التوترات لكنها انتهت من دون وقوع أعمال عنف.

ومع تنامي المخاوف من الانزلاق في أتون صراع أهلي دموي واسع النطاق في بلد بالأساس يعاني هشاشة أمنية، تظاهر السودانيون بمدن مختلفة شملت كلاً من: كسلا، بورتسودان، القضارف، مدني، كوستي، ربك، الأبيض والخرطوم احتجاجاً على الأوضاع بإقليم النيل الأزرق، وتنديداً بفشل السلطة العسكرية الحاكمة في حفظ الأمن.

وفي الخرطوم، أطلقت الشرطة السودانية، عبوات الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين الذين تظاهروا بشارع المطار، قبل أن يتجمعوا لاحقاً بساحة الحرية.

أيضاً اتهم كل من الحزب الشيوعي والحركة الشعبية ـ شمال بزعامة عبد العزيز الحلو في بيانين منفصلين، الحركة الشعبية بقيادة مالك عقار بالتسبب في أحداث العنف الأخيرة قبل أن يلقيا باللائمة على اتفاق سلام جوبا.

وحمل الجانبان السلطة العسكرية الحاكمة مسؤولية ما وقع من أحداث، فيما شددت الحركة الشعبية بزعامة عبد العزيز الحلو، على أن ما جرى هو “صراع سياسي تم نسج خيوطه بخبث ومُكر شديدين بهدف تمرير أجندة سياسية مكشوفة ومعلومة، وليست مجرد نزاعات إثنية”.

 وفي استجابتها لتصاعد الأحداث بولاية النيل الأزرق، ناشدت لجان مقاومة الدمازين، في بيان، “الثوار والثائرات وجميع المواطنين بنبذ القبلية والجهوية ووقف نزيف الدماء”، كما ناشدت لجان مقاومة الرصيرص، المنظمات المحلية و العالمية بالتدخل لاغاثة النازحين جراء احداث النيل الازرق.

من جانبه، أدان ممثل الأمين العام للأمم المتحدة بالسودا، فولكر بيريتس، وقال في تصريح إعلامي: “إن العنف بين المجتمعات والخسائر في الأرواح في منطقة النيل الأزرق في السودان أمر محزن ومقلق للغاية.”

خسائر العنف الراهن بولاية النيل الأزرق

خسائر العنف الراهن بولاية النيل الأزرق
خسائر العنف الراهن بولاية النيل الأزرق
خسائر العنف الراهن بولاية النيل الأزرق

خسائر العنف الأهلي بأبو جبيهة

كيف تشكل الإضرابات المطلبية مشهداً جديداً من الثورة السودانية؟

عشرات المطالب رفعها آلاف الموظفين والموظفات والعمال والعاملات على امتداد السودان، منذ مطلع العام الحالي، فمن مطلب زيادة الأجور إلى تحسين بيئة العمل، والترقيات الوظيفية وليس إنتهاءاً برفض الإعتداءات المتكررة على الكوادر الصحية والطبية بأماكن عملهم، تشكلت خارطة الإضرابات المطلبية المتصاعدة في عدد من القطاعات الوظيفية والعمالية، التي شهدتها عدد من ولايات السودان المختلفة.

ولتحقيق هذه المطالب، انتظم العمال والموظفين بقطاعات مؤسسية وعمالية عديدة في إضرابات عن العمل، تتباين مطالبها إلا أنها تتفق في المطالبة بحقوق العمال والموظفين الاقتصادية والمهنية.

وتشكل المطالب الاقتصادية فصلاً جديداً من فصول الثورة السودانية، التي انطلقت في أواخر العام 2019م، رافعة شعارات ومطالب سياسية، طغت على المطلب الاقتصادي.

وتأتي بعض هذه الإضرابات مشتركة بين عمال مدن كثيرة موزعين على ولايات مختلفة، مثل إضراب العاملين في الخزانات، والذي شارك فيه نحو 718 عاملاً بسدود كل من: الرصيرص، وسنار، وخشم القربة، وستيت، وجبل أولياء، ومروي. وجاء هذا الإضراب احتجاجاً على تباطؤ الجهات الحكومية في إعادة العمال للعمل في شركة التوليد المائي والطاقات المتجددة بعد أن تم نقلهم إلى وزارة الري والموارد المائية.

بينما هناك اضرابات نظمتها وتنظمها قطاعات ولائية بصورة مستقلة عن قطاعات الولايات الأخرى، مثال ذلك إضراب عمال سكك حديد عطبرة، بولاية نهر النيل،  في مارس المنصرم، والذي كان مطلبه الرئيس تطبيق هيكل الرواتب المعدل، علاوة على الاحتجاج على تأخير الرواتب. 

ومثلما تتباين مطالب الإضرابات، كذلك تتباين آجالها الزمنية، ففي حين حققت بعض الإضرابات مطالبها واعلن منظموها عن رفعها، مثل إضراب المعلمين المعروف بـ (إضراب الكرامة)، الذي نظمته لجنة المعلمين السودانيين وانتظم كل البلاد، ورُفع بعد أن حقق مطالبه المتعلقة بتحسين شروط الخدمة ورفع الأجور بالإضافة إلى إجازة تعديلات في قيمة البدلات للمعلمين والمعلمات في مرحلتي الأساس والثانوي، إلا إن هناك إضرابات ظلت متواصلة لفترات طويلة، مثل إضراب العاملين بمؤسسات التعليم العالي، الذي بدأ منذ  5 يونيو 2022م وما يزال مستمراً.

وعلاوة على إضرابات قطاعات التعليم العام والعالي، والسكك الحديدية، والخزانات، كانت الإضرابات بالقطاع الطبي والصحي معلماً بارزاً في خارطة الإضرابات المطلبية، واشهرها إضراب الكوادر الطبية في ولاية شمال كردفان، الذي بدأ منذ شهر مايو الفائت، وما يزال مستمراً، ويشمل هذا الإضراب مستشفى الأبيض التعليمي بالإضافة إلى كافة المراكز الصحية بمدينة الأبيض، ويطالب المضربون بتطبيق الهيكل الراتبي للعام 2022م، ويحتجون على تردي أوضاع الخدمات الطبية والصحية.

وشهدت إضرابات الكوادر الطبية توسعاً كبيراً، وشملت شمال السودان وجنوبه، وغربه وشرقه، وكان أحدثها إضراب العاملين بمستشفى ربك، بولاية النيل الأبيض، الذي بدأ السبت الماضي 9 يوليو، إثر تهديدات مدير عام وزارة الصحة بالولاية للأطباء بالطرد من سكنهم الحكومي، بعد اعتراضهم على ضعف حوافز عيد الأضحى.

وتأتي هذه الإضرابات كنتيجة للوضع الاقتصادي المتردي الذي يعيشه السودان بعد انقلاب 25 أكتوبر، إذ تفاقمت الضائقة المعيشية، وأصبحت أكثر قسوة وظهر تأثيرها على حياة المواطنين. 

فعقب الانقلاب فقد السودان 40 في المئة من الإيرادات، بالإضافة إلى فقده لكل المنح والدعم الذي كانت تقدمه جهات دولية مانحة للحكومة الانتقالية. كل ذلك جعل حكومة الأمر الواقع في السودان ووزير المالية جبريل إبراهيم يقر أن موازنة العام 2022م ستعتمد على “جيب المواطن” وهو ما ظهر في مشروع موازنة 2022م ومن بعدها انعكس في أرض الواقع على شكل سياسات اقتصادية شكلت عبئاً على المواطن.

ونتيجة لاعتماد الموازنة على الضرائب، والتي زادت بنسبة 145% مقارنة بالعام 2021م شهدت الأسواق السودانية ارتفاعاً هائلاً في أسعار السلع الاستهلاكية والتموينية، بالإضافة للوقود والمحروقات.

مثلما تعكس هذه الإضرابات، التي تشمل قطاعات متعددة، حالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، توضح بنفس القدر إتجاه قطاعات عمالية ومهنية فاعلة إلى الثورة على هذه الأوضاع بطريقتهم وأدواتهم، وهي الإضراب عن العمل، كوسيلة للضغط على حكومة الأمر الواقع بعد إنقلاب 25 اكتوبر.

خارطة زمنية للإضرابات في السودان منذ مطلع العام 2022:

ما بين الخامس والعشرين من أكتوبر والرابع من يوليو .. من يثق في”خطابات البرهان” ؟

في الخامس والعشرين من أكتوبر العام الماضيِ، أذاع قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، بيانه الذي أعلن فيه انقلابه على شركائه في السلطة حينها من (تحالف قوى الحرية والتغيير)، وقوّض مسار التحول الديمقراطي في البلاد، وأعلن وقتها انه بصدد تشكيل حكومة كفاءات مستقلة، وبرلمان ثوري من الشباب، وهياكل للسلطة الانتقالية، وحدد لذلك موعداً هو نهاية نوفمبر 2021م.

وبعد مرور أكثر من ثمانية أشهر عاد البرهان مرة أخرى بخطاب جديد، اعتبره الكثيرون خطوة انقلابية جديدة، على شركائه الجدد من الموقعين على اتفاق سلام جوبا، والقوى التي ساندت انقلابه.

خطاب جديد وقرارات جديدة

في الرابع من يوليو 2022م، وفي خضم تصاعد الحراك الجماهيري الرافض للإنقلاب، والمستمر منذ الخامس والعشرين من أكتوبر العام الماضي، والمواكب الحاشدة في الثلاثين من يونيو التي أعقبتها اعتصامات متفرقة بعدد من المناطق بالخرطوم والولايات، عاد البرهان مرة أخرى بخطاب، ذكر فيه عدد من القرارات، من بينها:-

  • عدم مشاركة المؤسسة العسكرية في المفاوضات الجارية حالياً والتي تسهلها الآلية الثلاثية.
  • سيتم حل مجلس السيادة وتشكيل مجلس أعلى للقوات المسلحة من القوات المسلحة والدعم السريع يتولى القيادة العليا للقوات النظامية ويكون مسئولاً عن مهام الأمن والدفاع وما يتعلق بها من مسئوليات تستكمل مهامه بالإتفاق مـــــــــع الحكومـــة التي سيتم تشكيلها من القوى السياسية والثورية والوطنية.

وأثار الخطاب نقاشات واسعة بين السودانيين، خاصة ما يتعلق بتشكيل مجلس أعلى للقوات المسلحة من القوات المسلحة والدعم السريع، واعتبر البعض أن هذا الخطاب يعد انسحاباً للجيش من العملية السياسية، بينما اعتبره آخرون إعادة التفاف على مطالب الثورة التي تنادي بــ”عودة الجيش للثكنات وحل الدعم السريع”، او إعادة بناء جيش قومي موحد.

وفي هذا السياق، يقول الصحفي ووزير الإعلام في حكومة الفترة الانتقالية الاولى، فيصل محمد صالح، “هذا الخطاب لا يخرج الجيش من حلبة السياسة ولا يعيده للثكنات”، ويشرح فيصل قوله هذا بعدة أسباب، وهي أن: “خطاب البرهان قرر فيه سحب الجيش من عملية التفاوض والحوار الحالية، لكنه لم يعيده للثكنات، بل وضعه فوق الجميع، في المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وهو إذن لا ينتظر الحوار الذي يحدد موقع المؤسسة العسكرية من مؤسسات الدولة وصلاحياتها ودورها، بل أخرج ذلك من العملية وقرر فيه لوحده. ثم إنه حدد منفردا صلاحيات المجلس الأعلى في الأمن والدفاع، بجانب مهام أخرى يتم الاتفاق فيها مع مجلس الوزراء، وقرر، منفردا، إن لا مكان للمجلس السيادي في هياكل الفترة الانتقالية، وبدأ بإعفاء الأعضاء المدنيين”.

ويضيف فيصل، “بحسب الورقة التي تحدد الموقف التفاوضي للمكون العسكري والتي سلمها من قبل الآلية الثلاثية، فقد طالب بأن تكون اختصاصات مجلس الأمن والدفاع، وهي الصيغة التي كانت مطروحة من قبل، وتحولت الآن للمجلس الأعلى للقوات المسلحة،. في مهام الأمن والدفاع، والسياسة الخارجية، والإشراف على البنك المركزي/ السياسة النقدية”. ويتساءل فيصل، “ماذا يتبقى من السياسة إذن ليمارسها مجلس الوزراء؟”.

ويتابع فيصل، “حدد خطاب البرهان، منفردا، مهام عملية التفاوض الحالية تحت إشراف الآلية الثلاثية في تشكيل مجلس الوزراء فقط، ولأن المكون العسكري لن يكون طرفا في الحوار فإن أي قضية أخرى تناقشها القوى المدنية وتتفق عليها، مثل الإطار الدستوري، هيكل مؤسسات الفترة الانتقالية ومدتها، اختصاصات الجهات والمؤسسات المختلفة، ستبقى غير ملزمة للمكون العسكري، بل تعرض عليه ليوافق أو يرفض أو يعدل، وهذه مرحلة ثانية من التفاوض تؤكد إن المؤسسة العسكرية باقية في المجال السياسي وهي، بحسب رؤية خطاب البرهان. من سيحكم على مخرجات الحوار، إن جرى، بالقبول أو الرفض”.

ويقول فيصل، “رهان البرهان هو أن القوى المدنية غير محددة الأطراف، والتي دعتها الآلية الثلاثية، هي شتات لا يمكن أن يتفق على شئ، وبالتالي يتوقع إن لا تتفق، ثم يأتي هو ليقول للسودانيين والعالم: لقد أعطيتهم الفرصة ولم يستطيعوا تشكيل حكومة وفشلوا، وبالتالي لا لوم عليَّ في أي خطوة أتخذها”.

محاسبة البرهان أولاً ...

أجمعت غالبية ردود لجان المقاومة على خطاب البرهان على إعلاء مبدأ المحاسبة والمحاكمة على الانتهاكات التي حدثت أثناء وبعد إنقلاب 25 أكتوبر، وطالبت لجان بتقديم البرهان للمحاسبة والمحاكمة، ثم إعادة تأهيل المؤسسة العسكرية، ردت بعض قوى المقاومة ببيانات إعلامية، بينما آثرت قوى اخرى بالرد في شكل مواكب واعتصامات وتصعيد للحراك الرافض لتدخل المؤسسة العسكرية في العمل السياسي.

وفي أول رد فعل سريع على خطابه، قالت تنسيقيات لجان مقاومة مدينة الخرطوم، في تصريح صحفي، “نقول لقائد الانقلاب عبد الفتاح البرهان والانقلابيين الذين من خلفه أن الطريق أمامكم واضح ليس لمجلس أمن ودفاع أو أي محاولة أخرى لإعادة التموضع في مستقبل الدولة السودانية وإنما نحو المشانق والمقاصل على الجرائم التي ارتكبتموها في حق هذا الشعب العظيم”.

وفي السياق نفسه، قالت لجان مقاومة الكدرو، في بيان رسمي، “ردنا على هذا البيان أن مكانكم المشانق ف لا تنازل عن مطالبنا و لا تنازل عن دماء شهداءنا الأبرار؛ و إننا ماضون نحو توحيد خطانا و قوى الثورة لإسقاط هذا الانقلاب”.

من جهتها قالت لجنة مقاومة الابيض والدهم، في بيان، “إن قول البرهان المزعوم بالخروج من العملية السياسية وتكوين مجلس للأمن والدفاع هو خطاب جاهل بمطالب الثورة والثوار في أن لا مكان لهؤلاء الجنرالات الذين اورثوا البلاد فقرا وجوعا وقتلا في ايّ هيكل من هياكل الفترة الانتقالية. ونؤكد بأن المؤسسة العسكرية تحتاج إلى إعادة تأهيل حتى تقدم قادة صادقين مع شعبها يعملون على إصلاح ما أفسدوه هؤلاء”.

إنقلاب جديد ..

في تعليقه على خطاب البرهان، وصف الحزب الجمهوري، الأمر بأنه “انقلاباً عسكرياً جديداً”، “يحمل النكهات الإقليمية وقد تم تزيينه بعبارات شكلية لإرضاء المجتمع الدولي (إفساح المجال للقوى السياسية والثورية) مع ابقائه على سلطة العسكر من جيش ودعم سريع لتستمر في قيادتها الفعلية للدولة، وتكوين جهاز تنفيذي من فلول نظام الإخوان المسلمين البائد وأنصار إنقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر”.

وقال الحزب في بيان، “نرفض خطاب البرهان شكلاً ومضمونا.. حيث أنه لا يملك الشرعية من حيث الشكل، ليحدد شكل الدولة ويسمي مؤسساتها، متجاوزا جريمة الانقلاب التي قادها ودون أيّ إستعداد لتحمل نتائجها الكارثية، من قتل للأنفس البريئة وتسبيب للأذي الجسيم وترويع لأمن المواطنين وتدمير لثروات البلاد. أما من حيث المضمون، فيكفي انه قد تجاوز كل مطالب الثورة المتمثلة في خروج العسكر من السلطة وإقامة مؤسسات الدولة المدنية (سلطة الشعب)، من مجلس تشريعي يمثل قوى الثورة الحية والبدء في إصلاح مؤسسات الدولة الأمنية والعدلية لتكون تحت السلطة التنفيذية المدنية وليس تحت سلطة المجالس العسكرية من جيش ودعم سريع”.

مناورة مكشوفة وتراجع تكتيكي

من جانبه، قال تحالف قوى الحرية والتغيير، التحالف الحاكم السابق، أن “قرارات قائد السلطة الانقلابية هي مناورة مكشوفة وتراجع تكتيكي َيَقبل ظاهرياً بمبدأ عودة الجيش للثكنات مع إفراغ هذا المبدأ من محتواه، هذا التراجع التكتيكي جاء نتيجة للمقاومة الجماهيرية المتواصلة التي بلغت أشدها في الثلاثين من يونيو، ليثبت بأن قوى الثورة تتقدم يوماً بعد يوم وأن الانقلاب يتراجع ويتقهقر ويُهزم يومياً”.

وأورد التحالف، في بيان، أن “جوهر الأزمة الحالية هو انقلاب 25 أكتوبر 2021م، وما تبعه من تدهور في كافة مناحي الحياة في البلاد حتى صارت محاصرة بشبح المجاعة وازدياد وتيرة الفقر والتوترات الأمنية وفشل الموسم الزراعي، عليه فإن محاولة السلطة الانقلابية لتصوير الأزمة كصراع بين المدنيين ما هي إلا ذَر للرماد في العيون، كما أن تعميم تعبير المدنيين يخلط بين قوى الثورة التي قاومت الانقلاب وتلك الأطراف المدنية التي دعمت الانقلاب أو كانت ضمن منظومة النظام البائد، إن التعريف الصحيح للأزمة يقود للحل الصحيح، لذا فإن الحل يبدأ بتنحي السلطة الانقلابية عن سدة السلطة ومن ثم تشكيل قوى الثورة لسلطة مدنية انتقالية كاملة وفق إعلان دستوري يحدد هياكل الانتقال وقضاياه بما فيها قضية دور المؤسسة العسكرية ومهامها، فالأمر ليس محض تشكيل حكومة تنفيذية، بل هو حزمة متكاملة تشمل قضايا الإصلاح الأمني والعسكري والجيش الواحد المهني القومي، والعدالة التي تكشف الجرائم وتحاسب مقترفيها، وقضايا الاقتصاد ومعاش الناس وتفكيك نظام 30 يونيو 1989م، وبناء واستكمال السلام، وتمهيد الطريق لانتخابات حرة ونزيهة يختار فيها الشعب من يحكمه”.

من جهته، وصف الحزب الشيوعي السوداني ، خطاب البرهان بأنه “تأكيد لاستمرار انقلابي 11 أبريل و25 أكتوبر، حيث جعل من الانقلاب مرجعيته، تعطي المشروعية للفترة القادمة وبالتالي تتحكم فيها. من حيث استمرار القرارات والتشريعات التي أصدرها سابقاً”.

وأعلن الحزب الشيوعي عن رفضه لـ”التسوية السياسية المطروحة وإدانته لكل القوى المشاركة فيها”. وقال إن “الخروج من الأزمة الحالية يعتمد على استمرار امتلاك الجماهير للشوارع”، و “تسيير مواكبها الهادرة وتحويل اعتصاماتها إلى بؤر تقود وتدعم الجهود المبذولة لتوحيد القواسم المشتركة في المواثيق الثورية والوصول إلى وثيقة واحدة كبرنامج للثوار في طريق بناء المركز الموحد لقيادة وتنسيق الحراك الجماهيري الواسع لإسقاط الطغمة العسكرية وبناء السلطة المدنية الديمقراطية”.

فيما قال تحالف قوى الإجماع الوطني، إن خطاب البرهان يهدف إلى “وقف المد الثوري والتنصل عن الجرائم التي ارتكبها في حق الشعب والوطن قبل وبعد انقلابه”.

وقال التحالف، في بيان، إن إعلان “قائد الانقلاب انسحابه من حوار الآلية الثلاثية” يعني أنه “يضع نفسه ضامناً لمخرجات الحوار”. وفيما يتعلق بتكوين المجلس الأعلى للقوات المسلحة، اعتبر التحالف إن هذا الأمر “انقلاباً جديدا يؤكد تشبثه باقامة سلطة استبدادية مطلقة وذلك بوضع وزارتي الدفاع والداخلية وجهاز الأمن والمخابرات تحت سلطته المباشرة بعيداً عن سلطات الجهاز التنفيذي المدني”.

على صعيد ردود الأفعال الدولية، قال المتحدث الرسمي باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، تعليقاً على انسحاب الجيش من حوار الآلية الثلاثية، “يأمل الأمين العام في أن يخلق هذا فرصة للسودانيين للتوصل إلى اتفاق يؤدي في نهاية المطاف إلى انتقال بقيادة مدنية نحو الديمقراطية في السودان.”

وتابع بالقول: “تشجع الآلية الثلاثية الحوار بين جميع أصحاب المصلحة للتوصل إلى اتفاق حول المضي قدما لاستعادة الانتقال الديمقراطية بقيادة مدنية.”

وشدد دوجاريك في بيانه على دعم الأمين العام، أنطونيو غوتيريش، للدعوات بشأن إجراء تحقيق مستقل في حوادث العنف، بما في ذلك من خلال آليات العدالة الانتقالية المناسبة. وقال الناطق الرسمي إن “العنف المتواصل الذي نشهده ويتعرض له المتظاهرون المدنيون من قبل الحكومة يثير قلقا بالغا”.

وقد بلغ عدد القتلى على أيدي القوات الحكومية في سياق الاحتجاجات منذ انقلاب 25 أكتوبر، (113) إلى الآن. وبحسب لجان وفرق طبية، فإن معظم القتلى أصيبوا بالرصاص في الصدر أو الرأس أو الظهر. وتشير التقارير إلى أن قوات الأمن المشتركة استخدمت الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه ضد المتظاهرين.

ردود الأفعال على خطابات البرهان، جاءت من جهات متباينة ومن خلفيات مختلفة، لكنها تكاد تتفق جميعها على أمور أساسية: العدالة والمحاسبة وإبعاد الجيش من العملية السياسية، والسيطرة المدنية على الأجهزة العسكرية والنظامية شأنها في ذلك شأن جميع أجهزة الدولة الأخرى، فلا يستقيم التحول الديمقراطي والمؤسسات العسكرية والأمنية تخلق لنفسها موضعاً فوق القانون والمحاسبة والمساءلة المدنية.

من (الديم) إلى (ود مدني) .. كيف توسعت خارطة الاعتصامات اللامركزية؟

ضمن تنويع وسائل وتكتيكات المقاومة السلمية، استمراراً للحراك الجماهيري المناهض للسلطة العسكرية الحاكمة في السودان منذ انقلاب 25 أكتوبر الماضي، أعلنت لجان المقاومة بمدينة الخرطوم، عن اعتصام مستشفى الجودة الذي كان مقرراً أن يكون لمدة يوم واحد، بمنطقة الديم، الواقعة على بعد عدة كيلومترات جنوب القصر الرئاسي بالعاصمة الخرطوم.

وتشكل الاعتصام، عقب انتهاكات واسعة النطاق ارتكبتها القوات الحكومية في مواكب 30 يونيو، يوم الخميس الماضي، أثناء تشييع أحد شهداء التظاهرات الذي قتل بالرصاص الحي، ورغم المحاولات العديدة من الأجهزة الأمنية لفض اعتصام الجودة، إلا أنه ما يزال قائماً لليوم الخامس على التوالي.

وسرعان ما انضم إلى الاعتصام، آلاف السودانيين، وهو يأخذ اسمه من (مستشفى الجودة) الذي يتلقى فيه ضحاياً التظاهرات الإسعافات الأولية والعلاج عادةً.

وتمثل المنطقة المحيطة بمستشفى الجودة، ملاذاً للمتظاهرين، عندما يتزايد القمع الأمني شمالاً في نقطة التظاهرات الرئيسية بمحيط (ميدان شروني) الواقع على امتداد شارع القصر الرئاسي.

ويوم الخميس الماضي، قتلت القوات الحكومية 9 متظاهرين سلميين بالرصاص الحي وأصيب واعتقل المئات، وهو الأمر الذي أدانته المعارضة والمجتمع الدولي على حد سواء.

ومع استمرار الجدل، وسط قادة المتظاهرين، حول تسيير موكب إلى القصر الرئاسي يوم الجمعة الماضي، رداً على القمع الأمني، قرروا في نهاية المطاف استمرار الاعتصام، وسرعان ما بدأت تنتظم الاعتصامات في مناطق حيوية بمدن العاصمة ومدن ولائية أخرى.

وتشدد لجان المقاومة، قائدة التظاهرات، على أن الاعتصامات، ستستمر إلى حين إسقاط السلطة العسكرية الحاكمة واستعادة مسار الحكم المدني الديمقراطي، وهو الأمر الذي تؤيده القوى السياسية المدنية المعارضة.

ومع دخول الاعتصام يومه الرابع، تلى قائد الانقلاب عبد الفتاح البرهان، بياناً ليل أمس، قابلته لجان المقاومة بالرفض والانتقادات الواسعة، و تمسكها باستمرار الاعتصامات اللامركزية.

بالإضافة إلى اعتصام الجودة، أعلنت لجان المقاومة بمناطق مختلفة عن عدة اعتصامات أخرى؛ وهي: اعتصام أمدرمان القديمة، واعتصام شارع الشهيد عبد العظيم بأمدرمان، واعتصام محطة الروسي بمنطقة الفتيحاب أمدرمان، واعتصام تقاطع المؤسسة بالخرطوم بحري، وبهذا رسمت لجان المقاومة بمدن العاصمة الثلاثة خارطة واسعة لمناطق الاعتصامات تكاد تحاصر تماماً، مقر القصر الرئاسي، وسط مدينة الخرطوم.

وتمددت خارطة الاعتصامات إلى خارج ولاية الخرطوم، لتضُم مدينة ود مدني، عاصمة ولاية الجزيرة، وسط السودان.

وكانت لجان مقاومة ود مدني قد أعلنت، مطلع الاسبوع الحالي، عن تجهيزها لتنفيذ اعتصام جزئي، والذي بدأ اليوم (الثلاثاء 5 يوليو) من أمام تقاطع أبو جبل وحتى قبة ود مدني. وتوافد المواطنون عبر تسيير مواكب انطلقت من عدة أماكن داخل مدينة مدني.

وبجانب الاعتصامات، شل متظاهرون حركة السير بأجزاء عديدة من العاصمة الخرطوم، من خلال وضع الحواجز على الطرقات الرئيسية بالعاصمة.

ويأتي التصعيد الجماهيري، وسط حالة من الاضطرابات والانشقاقات تواجه السلطة العسكرية الحاكمة في البلاد، المُشكّلة في غالبيتها العظمى، من تنظيمات مسلحة.

فبينما يوجد قائد الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي) في دارفور منذ الشهر الماضي، وهو نائب رئيس مجلس السيادة الذي أعاد تشكيله القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان، في الـ11 من نوفمبر الماضي، اضطر البرهان إلى إشراك الجيش في قمع التظاهرات، كما ألغى زيارة إلى مدينة الفاشر عاصمة ولاية دارفور يوم الأحد الماضي، والتي يوجد فيها نائبه (حميدتي).

وعقب 8 أشهر من انقلاب 25 أكتوبر الماضي، استعدت السلطة العسكرية، لتوجيه ضربة قاضية للحراك الاحتجاجي السلمي، من خلال حملات أمنية عنيفة، في مواكب 30 يونيو الماضي، غير أنه وعلى عكس خططها، أصبحت سلطتها مهددة أكثر من أي وقت مضى، تحت وقع ضغوط المقاومة المستمرة وتنوع تكتيكاتها، التي بدأت ملامحها تظهر للعلن مع تنامي رقعة الاعتصامات بالعاصمة والولايات.

وتواجه السلطة العسكرية ضغوطات على الصعد كافة. فمن ناحية؛ تواجه ضغوطاً شديدة من المجتمع الدولي، خاصة الولايات المتحدة الأميركية، بجانب تفاقم وطأة الأزمة الاقتصادية، واستمرار حركة الاحتجاجات، بالإضافة إلى تنامي التناقضات داخل مكوناتها.

وحركة الاعتصامات المتنامية حالياً، عقب مواكب 30 يونيو الماضي، تُعد الأقوى منذ اعتصام القيادة العامة الذي بدأ في أبريل 2019م، تتويجاً لنحو 5 أشهر من الاحتجاجات ضد نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير.

ويؤكد المعتصمون، أنهم سيستمرون في اعتصاماتهم إلى حين إسقاط انقلاب 25 أكتوبر.

يقول أحد المشاركين في اعتصام الجودة، منذ يومه الأول، محمد أحمد النعسان، إن الاعتصام بدأ في منطقة (الديم)، وأنه اعتمد في البداية على المواكب القادمة إلى مستشفى الجودة.

“كانت الشوارع مترسة (مغلقة بالحجارة وإطارات السيارات) منذ يوم 30 يونيو، وجاءت فكرة الاعتصام بعد الموكب نسبة لضخامة الحشود المرابطة في مستشفى الجودة، بالإضافة للقرب (الجغرافي) لمنزل الشهيد محمد أحمد سيزار”. يقول النعسان لـ(بيم ريبورتس).

ويشير النعسان إلى أن تأمين الاعتصام، عبارة عن “متاريس (إغلاق الطرقات بالحجارة ومواد اسمنتية) في الشارع الرئيسي والشوارع الفرعية، تقف على تنظيم حراستها اللجان بالتناوب”، لافتاً إلى أن “هناك عمل متواصل على تقوية المتاريس كل يوم، لأن أعداد الناس تقل ليلاً، علاوةً على ذلك يتم توسيع نطاق المتاريس، حيث تشمل الآن مناطق واسعة من منطقتي الديم والصحافة”.

ويأتي على رأس مطالب المعتصمين، حسب النعسان، “إسقاط النظام”، متوقعاً استمرار الاعتصام لفترة، خاصة مع التوسع الذي يشهده، وهو يعتمد على التواصل بين المشاركين في الاعتصام، حيث تتبناه لجان مقاومة الديم.

مدينة أمدرمان، انضمت أيضاً إلى خارطة الاعتصامات المنادية بإسقاط انقلاب 25 أكتوبر، حيث بدأت لجان المقاومة بمناطق أمدرمان القديمة، يوم السبت الماضي، حوالي الساعة الرابعة عصراً، اعتصاماً مفتوحاً، بدعوة من (تنسيقية لجان مقاومة أمدرمان القديمة). 

“منذ الأول من يوليو كان هناك شلل كامل في الشوارع بسبب مقتل اثنين من قيادات لجان مقاومة أمدرمان في محيط منطقة أمدرمان القديمة، حيث تم إغلاق شارع الهجرة في حي (ابروف) ومنطقة (سوق الشهداء)، الذي أفرغته اللجان من المواصلات بصورة كاملة، بعد هذه الخطوات أعلنت اللجان عن اعتصام في تقاطع شارع الأزهري وتحركت المواكب نحو الموقع المقترح”، يقول عضو بلجنة مقاومة بيت المال لـ(بيم ريبورتس). 

ويضيف عضو لجنة المقاومة، الذي طلب حجب اسمه: “اجتمعت لجان المقاومة يوم 2 يوليو، وكونت عدداً من اللجان الفرعية الخاصة بالاعتصام، بينها لجان التأمين، إذ تم توزيعها على حدود منطقة الاعتصام والشوارع الفرعية”.

ولفت إلى ان مطالب اعتصام امدرمان القديمة لا تنفصل بأية حال عن مطالب لجان المقاومة في جميع المناطق والاعتصامات، وهي “إسقاط الانقلاب”، وإنهاء الحكم العسكري الذي يسيطر على السلطة بوضع اليد. مشيراً إلى أنه “لم يتم ربط الاعتصام بفترة زمنية، بل سيستمر حتى إسقاط النظام الحالي”.

وفي ذات المدينة، مدينة أمدرمان، تشكل اعتصام آخر، بشارع الشهيد عبد العظيم، القريب من مقر البرلمان السوداني.

“بدأ الاعتصام مساء يوم 30 يونيو، واُعلن عنه بصورة رسمية في صفحة لجنة مقاومة الاربعين والفيل، صباح الأول من يوليو، و دعونا في الاعلان جميع التنسيقيات واللجان في أمدرمان للاعتصام في شارع الأربعين”، يقول بدوي، عضو لجنة مقاومة الأربعين والفيل لـ(بيم ريبورتس).

وأشار بدوي إلى تعاون سكان المناطق المحيطة بمنطقة الاعتصام في توفير الحماية والتأمين للاعتصام، علاوة على تشكيل لجان تأمين لحماية الاعتصام. وأبان بأن لجان المناطق التي شكلت الاعتصام، قد اعلنت بأن “الاعتصام مفتوح حتى اسقاط النظام العسكري وتشكيل حكومة مدنية”. وتتابع العمل بهذه المنطقة لجان مشتركة بين عدة أحياء بمدينة امدرمان.

ومنذ مساء السبت الماضي، أعلنت لجان المقاومة بمدينة الخرطوم بحري، عن اعتصام بـ(تقاطع المؤسسة)، أحد المناطق الحيوية بمنطقة الخرطوم بحري. ويوم الأحد، انضم آلاف السودانيين للاعتصام الذي يتبنى نفس مطالب الاعتصامات الأخرى، التي تنادي بــ”إسقاط انقلاب 25 أكتوبر واستعادة مسار التحول المدني الديمقراطي”.

في السياق نفسه، أعلنت لجان مقاومة مدينة ود مدني، عاصمة ولاية الجزيرة، وسط البلاد، عن إقامة اعتصام بالمدينة، ابتداء من يوم الثلاثاء المقبل، أمام برج العمال حتى تقاطع شارع المحطة.

ودعت اللجان “الجماهير كافة” لــ“التدافع نحو الاعتصام للدعم والمساندة والاستمرار في العصيان المدني واستخدام كل الوسائل الممكنة لإسقاط الانقلاب الذي حانت رايات سقوطه”.

وفي ظل موجة التصعيد التي تشهدها البلاد هذه الأيام، من المنتظر أن يدخل الأطباء في السودان، ابتداء من اليوم الثلاثاء 5 يوليو، في إضراب عام عن العمل لمدة 72 ساعة. في الوقت الذي أشارت فيه تقارير إعلامية محلية، إلى محاولات سلطة الأمر الواقع، فض الاعتصامات السلمية، بالقوة.

وهو الأمر الذي حذرت منه لجان أحياء بحري، والتي قالت في بيان اليوم الاثنين، إن هناك مخطط لـ(القوات الحكومية) لفض اعتصام بحري المؤسسة.  ودعت إلى التوجه نحو ساحة الاعتصام، بجانب إغلاق جميع حدود الإعتصام وحمايته بوضع المزيد من الحواجز، و “تثبيت الكاميرات وتفعيل وضعية التصوير لتوثيق القوات وعتادها وانتهاكاتها”، فيما شددت على أن سلامة المعتصمين أهم من تأمين “المنافذ الآمنة”.

تأتي هذه الاعتصامات اللامركزية من ضمن أدوات متنوعة أخرى، ابتكرتها لجان المقاومة خلال ثورة ديسمبر، والتي كان تتويجاً لها اعتصام القيادة العامة واعتصامات الولايات في 2019م، والآن تأتي هذه الاعتصامات اللامركزية لمقاومة انقلاب 25 إكتوبر.