Category: سياسي

هل يسهم تبادل السفراء في بداية حقبة جديدة للعلاقات بين الخرطوم وواشنطن؟

“أنا سعيد للغاية بوصولي إلى السودان.. أتطلع إلى تعميق العلاقات بين الشعبين الأميريكي والسوداني ودعم تطلعات الشعب السوداني في الحرية، السلام، العدالة، والتحول الديمقراطي”. هكذا عبّر أول سفير أميركي في السودان منذ نحو 25 عاماً، جون قودفري، على حسابه الرسمي بموقع تويتر، عن رؤيته للعلاقات بين الخرطوم وواشنطن، غداة وصوله إلى البلاد في الرابع والعشرين من أغسطس الماضي.

بوصوله إلى الخرطوم، سفيراً فوق العادة للولايات المتحدة في السودان، أنهى قودفري، حقبةً طويلةً من العداء بين البلدين، ليكون أول خلف لزميله، آخر سفير أميريكي بالخرطوم تيموثي م. كارني الذي غادر البلاد في 30 نوفمبر عام 1997م، إلى العاصمة الكينية نيروبي، بعدما قلصت الولايات المتحدة تمثيلها في السودان إلى قائم بأعمال.

لكن، نهاية الحقبة الطويلة من العداء بين الخرطوم وواشنطن، بتعيين سفير أميريكي في البلاد، كان تتويجاً لتطبيع العلاقات خلال حكومة الفترة الانتقالية المدنية سبتمبر 2019م – أكتوبر 2021م. 

وتمثل تطبيع العلاقات بين الخرطوم وواشنطن، في عقد اتفاق لتبادل السفراء، بين رئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك، ووزير الخارجية الأميريكي السابق، مايك بومبيو في عام 2019م، حيث قدّم أول سفير للسودان في واشنطن منذ أكثر من عقدين نور الدين ساتي، أوراق اعتماده للرئيس الأميركي السابق، دونالد ترمب في عام 2020م.

لم يكد يمر سوى عام على ذلك الاتفاق، وأقل من عامين على إطاحة نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، في ثورة شعبية في أبريل 2019م، حتى دخلت العلاقات بين البلدين إلى مرحلة جديدة، بعدما أزالت الولايات المتحدة في ديسمبر 2020م، السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، عقب مفاوضات بين الخرطوم وواشنطن بدأت منذ وصول الحكومة الانتقالية إلى السلطة.

وكانت واشنطن قد وضعت الخرطوم في قائمتها للدول الراعية للإرهاب، في أغسطس 1993م، في أعقاب تدهور العلاقات بين البلدين، وإيواء السودان لجماعات إرهابية متطرفة، حيث مثّلت تلك الخطوة متوالية انحدار سريعة وغير مسبوقة في تاريخ العلاقات بين السودان والولايات المتحدة.

تاريخياً، بدأت العلاقات السودانية ـ الأميركية، رسمياً، بعدما تم تأسيس أول بعثة دبلوماسية في الخرطوم في 15 فبراير 1956م، ليقدم رئيسها وأول قائم بالأعمال آرثر بيش أوراقه للحكومة السودانية، في السابع عشر من مارس 1956م، وذلك بعد شهرين على استقلال البلاد في الأول من يناير 1956م.

وشهدت العلاقات بين البلدين، صعوداً وهبوطاً، لكن أول منعطفاتها الحادة بدأت في أعقاب قمة اللاءات الثلاثة التي عُقدت بالخرطوم عام 1967م، بعد (النكبة) هزيمة مصر عسكرياً من دولة الاحتلال الإسرائيلي، حيث أغلقت السفارة الأميريكية بالخرطوم في يونيو من نفس العام، وانتقلت أعمالها إلى السفارة الهولندية، قبل أن يُعاد فتحها في 25 يوليو 1972م. 

أيضاً، قاد مقتل السفير الأميركي، كليو نويل، داخل مبنى السفارة السعودية بالخرطوم، في مطلع مارس 1973م، على يد جماعة (أيلول الأسود) الفلسطينية، إلى توتر العلاقات السودانية ـ الأميريكية، كما أنه سبب حرجاً بالغاً للأجهزة الأمنية السودانية. لكن ذروة تدهور العلاقات كانت مع وصول نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير إلى السلطة في عام 1989م.

مع انقلاب 25 مايو 1969م، أيضاً ساءت العلاقات بين الخرطوم وواشنطن، بسبب توجه النظام وقتها للمعسكر الشرقي واعترافه بألمانيا الشرقية، قبل أن تتحسن مرة أخرى، عقب انقلاب 19 يوليو 1971م.

لكن، بعد تطبيع العلاقات بين الخرطوم وواشنطن في 1972م مرة أخرى، جرى العمل على إحياء مشروع الرهد الزراعي عن طريق مؤسسة التنمية الدولية والحصول على تمويلات عبر برامج المعونة من مؤسسات ضمان الاستثمار الأميريكية لمشروعات النقل، (طائرات بوينج للخطوط الجوية السودانية، قاطرات لسكك حديد السودان)، بجانب مشروعات أخرى.

بالإضافة إلى العمل، على استكشاف النفط عبر شركة شيفرون الأميركية، والتي اكتشفت الغاز بكميات تجارية في البحر الأحمر وبدأ التنقيب عن النفط بصورة جادة في عهد عبود بموجب قانون تنمية المواد البترولية 1958م.

مع إعلان الرئيس المخلوع، جعفر نميري، قوانين سبتمبر في عام 1983م، تدهورت العلاقات بين البلدين، قبل أن تتحسن مرةً أخرى في أعقاب عملية نقل اليهود الفلاشا إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي عام 1985م.

عندما أطيح نظام نميري في ثورة شعبية في أبريل 1985م، كان في زيارة رسمية إلى الولايات المتحدة، حيث كان يجري محادثات مع الرئيس رونالد ريغان.

غير أنه، في فترة الحكومة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام نميري، تدنت المعونات الأميريكية إلى أقل من 25 مليون دولار في عام 1985م واعترف السفير الأميريكي الأسبق في الخرطوم، نورمان أندرسون، بأن حكومة بلاده خفضت مساعداتها بشدة للحكومة الديمقراطية، ولم يخف السفير خيبة أمله في حكومة الصادق المهدي. 

على الرغم من التحفظات الأميريكية، استمر التعاون الفني والاقتصادي في عهد حكومة رئيس الوزراء الراحل، الصادق المهدي، كما استمر التعاون بين الجيش السوداني والبنتاغون في تدريب كوادره، لكن في العام 1988م، تم تطبيق أول عقوبات أميريكية على السودان نتيجة لتراكم المتأخرات وعدم سداد الديون، وكانت فى شكل حرمان من المعونة.

المساعدات العسكرية الأكبر في أفريقيا

في عام 1979م، أقر مجلس الشيوخ الأميريكي إمداد السودان بمقاتلات جوية، كما أجريت لأول مرة عام 1981م، عمليات عسكرية بين الولايات المتحدة والسودان تحت اسم عملية النجم الساطع. وخلال الفترة، بين 1976-1982م، ارتفع حجم العون والمشتريات من الأسلحة الأميريكية إلى 154 مليون دولار و161 مليون دولار على التوالي. كما أصبح حجم المساعدات العسكرية الأميريكية للسودان بين 1976-1985م هو الأكبر في أفريقيا، حسبما يذكر وزير الخارجية السوداني الأسبق، والمؤرخ السياسي الراحل، منصور خالد.

ويضيف خالد في كتابه (شذرات من وهوامش على سيرة ذاتية) الجزء الرابع المعنون بـ(الدبلوماسية السودانية في نصف قرن)، إلى أن السودان وفر في مطلع الثمانينات تسهيلات على ساحل البحر الأحمر لمناورات أجرتها القيادة الوسطى للجيش الأميريكي مع الجيش السوداني.

في العام 1993م، أدرجت الولايات المتحدة الأميريكية السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب وتلقائياً حرمت البلاد من كل برامج المعونة الأميريكية الزراعية، برامج دعم السلام، القروض التفضيلية وغيرها، كما فرض الرئيس الأميريكي الأسبق، بيل كلينتون عقوبات اقتصادية على البلاد في 1997م، رفعت في عام 2017م، في عهد إدارة الرئيس باراك أوباما.

في أغسطس 1998م، قصفت إدارة الرئيس كلينتون مصنع الشفاء، بالخرطوم بحري بدعاوي إنتاجه أسلحة كيماوية، في نفس العام اتهمت الولايات المتحدة السودان بالضلوع في تفجير سفارتيها بكل من: نيروبي (كينيا)، ودار السلام (تنزانيا)، كما اتهمته في عام 2000م، بالضلوع في تفجير المدمرة كول باليمن.

لكن عقب تفجيرات 11 سبتمبر الإرهابية في عام 2001م بالولايات المتحدة الأميريكية، سارع نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، في عرض التعاون الأمني مع الولايات المتحدة، بعد تبني تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن تنفيذه التفجيرات. 

وقبل منتصف تسعينات القرن الماضي، استضافت الخرطوم، بن لادن ومجموعات جهادية أخرى، وإدراكاً منه للمخاطر المحدقة به، بادر النظام السوداني بالتعاون مع نظام بوش في القضية التي كانت تمثل في تلك اللحظة أولوية قصوى بالنسبة له: محاربة الإرهاب. لم يدافع النظام عن بن لادن وجماعته، بل غض الطرف عنه ونفض اليد منه.  كما اتخذت أجهزة الأمن السوداني قراراً بتمكين أجهزة الأمن الأميركية بالاطلاع على كل ملفات أسامة بن لادن والجماعات الأخرى التي كانت تتحرك في السودان. كما كشفت أجهزة الأمن السودانية عن كل ما كانت الأجهزة الأمنية الأميريكية تطمح في الاطلاع عليه بما في ذلك حسابات البنوك.

المساعدات الأميريكية والتعاون الاقتصادي

في عام 1961م، زار الرئيس السوداني الراحل، إبراهيم عبود الولايات المتحدة، بعدما تلقى دعوة من رئيسها جون كيندي، حيث ساد المحادثات جو ودي انتهى بموافقة الرئيس كنيدي على زيادة إسهام بلاده في مشروع الطرق السودانية.

وكانت الحكومة الأميريكية، قد قدمت مشروع معونة إلى الحكومة السودانية الائتلافية من حزبي الأمة والشعب الديمقراطي، في عام 1958م، إلا أنها قوبلت بمعارضة شديدة قبل أن يُفعلها عبود عقب زيارته إلى واشنطن.

وأيضاً، مع تسبب الجفاف الذي ضرب البلاد في نهاية السبعينات في مجاعة ضربت أنحاء واسعة من أقاليم السودان، بما فيها تلك المنتجة للحبوب، ساهمت إدارة الرئيس رونالد ريغان بفك تلك الضائقة الغذائية، إما عبر القانون 480، أو عن طريق برنامج الغذاء العالمي. أيضاً، برمجت الإدارة الأميركية، خلال فترة الحكومة الانتقالية 2019-2021م، عون غذائي كان يقدر بأكثر من 300 ألف طن قمح، توقف مع انقلاب 25 أكتوبر2021م. 

في فترات عديدة من حكم نظام نميري، كان هنالك تعاون عسكري بين الخرطوم وواشنطن يعد الأكبر في تاريخ البلدين، واستمر حتى الحكومة الديمقراطية الأخيرة. أيضاً، بدأ استكشاف البترول على عدة فترات، كان آخرها عمل شركة شيفرون على تنقيب البترول في أواخر عهد حكم نميري، ومحاولات أجرتها حكومة الصادق المهدي لعودة شركة شيفرون الأميركية.

ملف السلام

بدأ تدخل الحكومة الأميركية للمرة الأولى في الحرب الأهلية الدائرة في السودان، في ثمانينات القرن الماضي، قبل أن تتوج مشاركتها في إنجاز اتفاق السلام الشامل في عام 2005م، كذلك عملها المشترك مع دول أخرى في توقيع اتفاق سلام جوبا في عام 2020م.

عقب انقلاب 30 يونيو 1989م، أصدرت واشنطن بياناً أدانت فيه الانقلاب العسكري، وطالبت العسكر بالعودة إلى ثكناتهم، كما ألمحت إلى اتخاذ إجراءات أخرى. 

في الخامس من يوليو 1989م، أعملت الإدارة الأميركية المادة 518 من قانون الاعتمادات لتمويل عمليات الصادرات الخارجية، المعروف بتعديل بروك، قبل أن توقف المعونات العسكرية والعون الغذائي، فيما أبقت على المساعدات الإنسانية. 

يلخص وزير الخارجية السوداني الأسبق، والمؤرخ السياسي الراحل، منصور خالد، في كتابه آخر كتبه: (شذرات من وهوامش على سيرة ذاتية) الجزء الرابع المعنون بـ(الدبلوماسية السودانية في نصف قرن)، مسيرة العلاقات السودانية ـ الأميريكية منذ الاستقلال.

يقول خالد: “طوال الفترة التي امتدت من استقلال السودان في النصف الثاني من خمسينيات القرن الماضي حتى نهاية حكومة الصادق المهدي في يونيو 1989م، اتسمت العلاقة بين أنظمة الحكم المختلفة والولايات المتحدة بالحرص على تبادل المنافع مهما كان من اختلاف المواقف حول تلك العلاقة والتشويش الأيديولوجي عن السياسات الوطنية”.

ما معايير الإقالات والتعيينات في قيادة الجيش السوداني عقب الإطاحة بـ(البشير)؟

“الجيش جيش السودان، زي ما بقولوا الثوار”، كان هذا رد قائد القوات البرية السابق، بالجيش السوداني، عصام كرار، على سؤال حول مشاركة الجيش في قمع التظاهرات المناهضة لانقلاب 25 أكتوبر، في مقابلة تلفزيونية أجريت معه في فبراير الماضي، حيث نفى مشاركته رغم وجود دلائل على ذلك.

وفي 25 أغسطس الماضي، أقال القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، كرار من منصبه، ضمن إقالات شملت جنرالات رفيعين آخرين، بينهم نائبي رئيس هيئة الأركان للإدارة والتدريب، منور عثمان نقد وعبد الله البشير أحمد.

وبينما تمت ترقية كل من نقد وأحمد إلى رتبتي الفريق أول، أحيل كرار بنفس رتبته فريق، قبل أن يتم تعيينه أميناً عاماً لوزارة الدفاع.

أسفرت إقالة كرار ومنور، عن انعكاسات داخل وخارج الجيش. فبالنسبة لمنور، فقد وجد حديثه في مارس الماضي، بضرورة خروج الجيش من العملية السياسية صدى سياسياً كبيراً، فيما منحت تصريحات كرار بأن الجيش جيش السودان، وهي جزء من هتاف المتظاهرين “الجيش جيش السودان، ما جيش البرهان”، قبولاً في أوساط عديدة، بجانب ما بدا أنها علاقات جيدة مع نظرائه الغربيين، وتسريبات عديدة نظرت إليه على أنه خليفة محتمل للبرهان. 

وجاءت الإحالات والترقيات في أغسطس الماضي، ضمن سلسلة طويلة من هذه العملية التي بدأها البرهان منذ أبريل 2019م، عقب الإطاحة بنظام الرئيس المخلوع، عمر البشير.

بعد 4 أيام من إطاحة البشير، أصدر البرهان الذي كان يشغل رئيس المجلس العسكري، قرارات بالإقالات والتعيينات والترقيات، شملت هيئة أركان الجيش. بالإضافة إلى إقالة رئيس المجلس العسكري الانتقالي و وزير الدفاع السابق، عوض ابن عوف، ونائبه ورئيس هيئة أركان الجيش كمال عبد المعروف. 

في أكتوبر 2019م، شكل مجلس الوزراء، لجنة للنظر في ملف المفصولين تعسفيًا من الجيش والشرطة خلال 30 عاما من حكم الرئيس المخلوع، عمر البشير. عقب شهر واحد، قررت اللجنة إعادة كل من فُصلوا تعسفيًا خلال حكم البشير إلى وظائفهم، بشرط أن تقل أعمارهم عن 65 عاما وهو سن المعاش.

لاحقاً، في فبراير 2020م، أقال البرهان ضباطاً برتب صغيرة، كانوا قد دعموا الإطاحة بنظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، وفي ديسمبر من العام نفسه، أصدر البرهان قراراً بإعادة ضباط الجيش المفصولين تعسفياً وجبر الضرر لهم.

قبيل قراراته بإعادة تشكيل هيئة الأركان في الخامس والعشرين من أغسطس الماضي، بأيام معدودة، أصدر البرهان قراراً شمل ترقية 40 ضابطا وإحالة 30 آخرين إلى التقاعد بعد ترقيتهم إلى رتبة اللواء من خريجي الدفعة 40 بالكلية الحربية السودانية، سبق ذلك إحالة ضباط برتبة اللواء من الدفع: 35-39.

ومنصب القائد العام، الذي يتولاه البرهان، يُقصد به الضابط الأعلى الذي يتولى قيادة القوات المسلحة المعين بموجب المادة 10(1)، تم إلغاؤه في عام 2013م، ضمن تعديلات أجريت على القانون.

وحسب القانون الملغي، يعين القائد العام للجيش بواسطة رئيس الجمهورية، ودون المساس بسلطات القائد الأعلى ووزير الدفاع يختص القائد العـام بالآتي، تنفيذ سياسة الدفاع الوطنية والسياسات الأخرى ذات الصلة بالدفاع، تقدير الموقف الإستراتيجي العسكري وتنفيذ المهام الإستراتيجية، الإشراف على تنفيذ خطط الاستخدام والتوزيع الاستراتيجي للقوات وتولي التوجيه الإستراتيجي لتحقيق هذه الأهداف، الإشراف على إعداد الخطط والبرامج اللازمة لتمكين القوات المسلحة من أداء مهامها وواجباتها وتنظيمها وتحديثها لتحقيق ذات الأهداف، تعيين رئيس وأعضاء رئاسة الأركان المشتركة بالتشاور مع الوزير وموافقة القائد الأعلى، بجانب أي مهام أخرى تكلفه بها جهة أعلى مختصة. كما يجوز للقائد العام تفويض كل أو بعض سلطاته ومهامه الى أى فرد أو مجموعة من الأفراد الخاضعين لأحكام هذا القانون وفقاً للشروط والضوابط التي يقررها.

عندما أطاح رئيس المجلس العسكري السابق، عوض ابن عوف، بنظام الرئيس المخلوع، عمر البشير في الحادي عشر من أبريل 2019م، أعلن تعطيل الدستور الانتقالي لسنة 2005م.  

والآلية التي تقلد بموجبها البرهان الذي خلف ابن عوف في اليوم التالي، منصب القائد العام للجيش غير واضحة، حيث يتطلب ذلك تعيينه بواسطة رئيس الجمهورية، حسب القانون قبل إلغائه في التعديلات. 

أيضاً يبدو أن إطاحة البرهان بكل من: منور عثمان نقد، عبد الله البشير أحمد وعصام كرار، مثيراً للتساؤلات، بخاصة وأنه قد تمت ترقيتهم إلى رتبة الفريق في أكتوبر 2019م، حيث لم يكملوا ثلاث سنوات في مناصبهم، مع ترقية جنرالات آخرين، أحدهم ظل قريباً من البرهان ويدير إحدى أكبر شركات الجيش الاقتصادية.  

ويبدو واضحاً أن قرارات البرهان المتعلقة بتعيين وإقالة كبار الضباط بالجيش السوداني، منذ عام 2019م، لا تسنتد إلى معايير محددة، بما في ذلك الفترة الزمنية لشغل المناصب. 

ومع ذلك، ورغم أن البرهان، يتقلد منصب القائد العام للجيش السوداني، لم يصدر أي قرارات تتعلق بإحالات وترقيات وسط قيادة الدعم السريع، على الرغم من قيادتها بواسطة أخوين وبعض أفراد عائلتهما، وهو الأمر الذي يثير التساؤلات، حول جدية تبعية الدعم السريع للجيش، وعدم انطباق معايير الإقالة عليها، خاصة أنه تم تغيير قيادات الشرطة والمخابرات العامة بواسطة البرهان عدة مرات.

الإقالات والتعيينات في الجيش منذ 2019م حتى 2022م

تستعرض (بيم ريبورتس) في الخريطة الزمنية أدناه قرارات التعيين والإحالة في قيادة الجيش السوداني عقب الإطاحة بـ(البشير)، في الفترة من 2019 -2022م

ما مطالب اعتصام (مخيم زمزم للنازحين) بشمال دارفور؟

في الحادي والعشرين من أغسطس الماضي، أعلن سكان مخيم زمزم للنازحين (15 كلم جنوبي مدينة الفاشر)، ولاية شمال دارفور عن اعتصام مفتوح، أغلقوا على إثره الطريق الرابط بين مدينة الفاشر وولايات إقليم دارفور الأخرى، ونظم سكان المخيم، هذا الاعتصام على خلفية مقتل (5) أشخاص من سكان المخيم، الذي تتفشى فيه حوادث القتل والاغتصاب، وغيرها من الانتهاكات والظروف اليومية التي يعيش فيها سكان المخيم.

وفي يناير من هذا العام، شهد المخيم جريمة قتل مماثلة، راح ضحيتها 5 من سكان المخيم، وجرح 6 آخرين، وسرقة 450 رأساً من الماشية، أعقبتها احتجاجات واسعة وسير سكان المخيم موكباً  إلى مكتب والي شمال دارفور للمطالبة بتوفير الحماية للمخيم وسكانه، لكن الاستجابة من قبل الوالي كانت من نفس الكأس، حيث واجهت قوات حراسة منزله المحتجين بالرصاص، وتسببت في إصابة 4 منهم بجروح. 

اعتصام من أجل العدالة

مع تكرار حوادث القتل والسرقة وإفلات المجرمين من العقاب، لم يجد سكان مخيم زمزم للنازحين طريقاً لتحقيق العدالة وإشهار مطالبتهم بها سوى الدخول في اعتصام مفتوح، من أبرز مطالبه تحقيق العدالة ، والحياة الكريمة للنازحين، وتوفير الحماية للمدنيين ، والتحقيق في كل الانتهاكات التي وقعت على النازحين وراح ضحيتها عشرات القتلى والجرحى، بالإضافة للتحقيق في قضايا الاغتصاب التي شهدها الجزء الغربي من المخيم. فعلى مدى سنوات والنازحين يتكبدون خسائر في الأرواح والممتلكات، الأمر الذي يحد من قدرتهم على ممارسة أنشطتهم الحياتية. 

ويتمثل  القسم الآخر من المطالب بتوفير الخدمات الأساسية من صحة وتعليم عبر تأهيل المرافق الصحية ومصادر مياه الشرب، علاوة على  صيانة مدارس مرحلتي الأساس والثانوي داخل المخيم.

شهدت مطالب الاعتصام دعماً كبيراً من المجتمعات المحلية بولاية شمال دارفور، حيث سيّر مواطنون من مختلف الولايات داخل الإقليم والنازحون بالمخيمات الأخرى مواكب تضامنية لمنطقة الاعتصام. كما  نفذ طلاب مخيم زمزم بالجامعات والمعاهد العليا وقفة احتجاجية أمام وزارة العدل دعماً لاعتصام سكان المخيم، و سلموا مذكرة تحوي مطالب الاعتصام المتعلقة بالتحقيقات في الجرائم الجنائية، إلى رئيس إدارة حقوق الإنسان بوزارة العدل.

وعود مستمرة بالإصلاح

زار وفد من حكومة ولاية شمال دارفور اعتصام معسكر زمزم، والتقى بالمعتصمين، قدم الوفد في زيارته وعوداً بتحقيق مطالب الاعتصام، بدءًا من المتعلقة بتوفير الحماية للمعسكر عبر القوات الأمنية، لكن لم يمر على هذه الوعود أكثر من أيام حتى هوجمت المزارع الواقعة غرب المخيم، والتي يمارس فيها النازحون أنشطتهم الزراعية، التي يعتمدون عليها في معيشتهم.  وقدم الوفد الحكومي وعداً بتوفير قوات خاصة بحماية المدنيين. 

وكانت اتفاقية جوبا للسلام، الموقعة في 3 أكتوبر 2020م بين عدد من الحركات المسلحة وحكومة السودان الانتقالية، قد نصت على تأسيس قوات لحماية المدنيين، وفي يوليو الماضي، اُعلن عن تخريج 2000 من أفراد الحركات المسلحة، بمدينة الفاشر، بعد تلقيهم تدريبات عسكرية بهدف تشكيل قوة حماية المدنيين، وكان الاتفاق قد نص على تشكيل قوة من 12 ألف جندي، على أن يكون نصفها من الحركات الموقعة على اتفاق السلام، والنصف الآخر من القوات النظامية، إلا أن هذا لم يحدث، وهو ما يدفع مواطني دارفور عموماً، وسكان المخيمات على وجه الخصوص، ثمنه بغياب الحماية.

حسرة على اتفاقية السلام

بعد التوقيع على اتفاقية جوبا للسلام، خرج النازحون بمخيم زمزم في مواكب احتفالية صاحبتها الهتافات والأغاني، ورفعوا لافتات تعبر عن أملهم في تحقق سلام ينهي مآسي النزوح ، ويعيد لهم الحياة التي سلبتها سنوات الحرب وعدم الاستقرار ، التي استمرت لما يربو على السبعة عشر عاماً. لكن ما حدث كان عكس التوقعات، لم تر بنود الاتفاقية النور، وعبر سكان المعسكر عن خيبتهم واحباطهم، واتهموا قوات الحركات المسلحة الموقعة على الاتفاقية بالتقاعس في تنفيذها.

اعتصام زمزم امتداد للحركات الاجتماعية والاعتصامات التي شهدتها دارفور خلال السنوات الثلاث الماضية، والتي وإن تعددت مطالبها واختلفت حسب السياقات المحلية من مدينة إلى أخرى، ومن مخيم في شمال دارفور إلى مخيم في غرب دارفور، إلا أنها تلتقي في مطلب جوهري ومشترك، وهو توفير الأمن والسلام للمواطنين.

كيف استخدمت السلطات السودانية (الاختفاء القسري) لإسكات المعارضة ؟

أية السماني

أية السماني

بعد اختفائه في 3 أبريل 2021م أثناء وقفة احتجاجية دعت لها لجان المقاومة بالخرطوم لتخليد ذكرى شهداء ثورة ديسمبر المجيدة، لم يعد (ود عكر) ليروي قصة اختفائه، لكن جثته القابعة في المشرحة لأكثر من 10 أيام بصفتها “مجهولة الهوية” كانت تحمل تفاصيل تلك الحادثة و تروي أحداثها.

تبدأ القصة بعد أشهر قليلة من إعلان حكومة السودان الانتقالية مصادقتها على (الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة) واتفاقية (حماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري).

تصدرت حادثة اختفاء عضو لجان مقاومة الجريف محمد اسماعيل (ود عكر) مواقع التواصل الاجتماعي، لتبدأ حملات البحث عنه , بعد أيام حضرت والدته لمشرحة التميز حيث تم الاشتباه بوجود جثمان فقيدها ، و بعد مطابقة العينات الوراثية تأكد في 24 مايو 2021م انه جثمان الشهيد (ود عكر) ، وجد الجثمان حليق الرأس ووضع شعره في جيبه و تظهر عليه آثار التعذيب .

قصة إختفاء (ود عكر) تجسد واحدة من مئات القصص المحتشدة بالآلام والمآسي التي عايشتها أسر سودانية جراء الاختفاء القسري لأحبابهم وفلذات أكبادهم، لا سيما عقب حادثة الفض الدموي لاعتصام القيادة العامة في الثالث من يونيو 2019م.

ويقصد (بالاختفاء القسري) الاعتقال أو الاحتجاز أو الاختطاف أو أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية يتم على أيدي موظفي الدولة، أو أشخاص أو مجموعات من الأفراد يتصرفون بإذن أو دعم من الدولة أو بموافقتها، ويعقبه رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته أو إخفاء مصير الشخص المختفي أو مكان وجوده، مما يحرمه من حماية القانون.

الاختفاء القسري في السودان

ظل الاختفاء القسري حاضرا في السودان لعقود طويلة كممارسة حكومية لإسكات الأًصوات الناقدة والمعارضة، استخدمت حكومة البشير الإخفاء القسري بصورة ممنهجة في مواجهة المعارضة. 

ويحفل سجل حكومة البشير بمئات الحالات من  جرائم اخفاء الاشخاص قسرياً، كان أشهرها حادثة اختفاء الشاعر اسماعيل الحسن (أبو ذر الغفاري) في أكتوبر 1989م -بعد أشهر قليلة من سيطرة نظام البشير على مقاليد الحكم عبر انقلاب عسكري- ولم يتضح ما وراء تلك الحادثة المأساوية حتى الآن، ثم توالت تلك الجرائم، لا سيما في أوساط الطلاب المناوئين للسلطة، مثل حادثة اختفاء (احمد ضو البيت) عضو مؤتمر الطلاب المستقلين، الذي اختفى منذ ما يقارب السبعة عشر عاماً، ولم يعرف مصيره حتى تاريخ اليوم، حادثة اختفاء الشهيد (محمد موسى بحر الدين) الذي أُختطف بواسطة قطاع الطلاب في حزب المؤتمر الوطني (الحاكم حينها)، في العام 2009م وعثر على جثته بالقرب من مقابر احمد شرفي بأم درمان تظهر عليها آثار التعذيب.

تشير هذه الحوادث إلى ممارسات ممنهجة لجريمة الإخفاء القسري التي كان يمارسها نظام البشير، والانتهاكات التي تصاحبها. وقد ساهم في تفاقم هذه الممارسات غياب الحماية القانونية للأشخاص من الاختفاء القسري، علاوة على الحصانات الممنوحة لمنسوبي القوات النظامية، الذين عادةَ ما يرتكبون مثل هذه الجرائم.

وتحتشد القوانين السودانية بالعديد من النصوص التي توفر الحصانة لمنسوبي القوات النظامية، مثل قانون جهاز الأمن للعام 2010 (المادة 52وقانون القوات المسلحة لعام 2007 المادة 35، وقانون الشرطة لعام 2008 (المادة 45)، مما يساهم بصورة اساسية في الإفلات من العقاب وكذلك تصاعد الانتهاكات.

وقد طالبت العديد من هيئات الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، حكومة السودان، بإلغاء الحصانات الممنوحة للمسؤولين الحكوميين.

من جانب آخر استخدم نظام البشير جريمة اخفاء الاشخاص قسريا اثناء النزاعات والحرب في دارفور، واتهمت الأمم المتحدة 2010 جهاز الامن والمخابرات العامة بجريمة إخفاء الأشخاص قسريا، و انتقدت الصلاحيات الواسعة الممنوحة للشرطة بالاعتقال والاحتجاز و الحماية من المسائلة.

جريمة الاختفاء القسري إبان ثورة ديسمبر

مع تصاعد الحراك الثوري المناهض لنظام البشير، وتنظيم المواكب الداعية لإسقاطه، لجأ النظام إلى ممارسة جريمة الاختفاء القسري بحق المناهضين له، اندلعت شرارة المظاهرات في التاسع عشر من ديسمبر 2019م، ثم توالت المواكب والمظاهرات، وسط قمع أمني مفرط، شمل الاعتقالات، ومداهمات المنازل، والاختفاء القسري للأشخاص.

كانت حادثة اختفاء الشهيد (عبد الرحمن الصادق سمل) -الطالب بكلية الآداب، بجامعة الخرطوم، أولى ممارسات الاختفاء القسري التي صاحبت حراك ثورة ديسمبر، اختطف عبد الرحمن بواسطة قوى أمنية، وبعد اختفاء دام لعدة أيام، عثر على جثمانه بأحد المستشفيات، وتبدو عليه آثار التعذيب.

وتواصلت ممارسات الاختفاء القسري للأشخاص المناهضين والرافضين لنظام البشير، بغرض إسكات أصواتهم، حتى سقوط النظام، في أبريل 2019م.

إلا أن الاختفاء القسري لم ينتهِ بنهاية نظام البشير، فقد شهدت حادثة الفض الدموي لاعتصام القيادة العامة، في الثالث من يونيو 2019م، بجانب الانتهاكات الجسيمة والقتل والتنكيل، أيضاً حالات الاختفاء القسري لأعداد كبيرة من الأشخاص المعتصمين بمحيط القيادة العامة، عثر على جثامين بعضهم بالمشارح والمستشفيات، مثل الشهيد (قصي حمدتو) -الذي عثر على جثمانه بعد أربعة أشهر في إحدى المشارح، بينما لا يزال البعض في عداد المخفيين قسرياً، حتى تاريخ اليوم.

على الرغم من إعلان الحكومة الانتقالية موافقتها على إنضمام السودان لاتفاقية حماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، إلا أن الخطوة لم تكن كافية في بيئة قانونية تعج بالتجاوزات، فخلال الفترة الانتقالية (2019-2021) شهدت البلاد حالات اختفاء قسري للعديد من الناشطين في الفضاء العام وأعضاء لجان مقاومة، مثل حادثة اختفاء بهاءالدين نوري، الذي شوهد آخر مرة أثناء زيارة لاصدقاءه ، قبل يتم العثور على جثته بعد خمسة ايام. وكشف تورط قوات الدعم السريع في حادثة اختفاء نوري المأساوية. وقد رفضت أسرته دفنه وطالبت بفتح تحقيق لمعرفة الجهة الأمنية الرسمية التي اختطفته ومن ثم قتلته.

الإختفاء القسري عقب انقلاب 25 اكتوبر

تصاعدت موجة الاحتجاجات الشعبية المناهضة لانقلاب 25 اكتوبر، وعلت مرة اخرى أصوات المعارضة و دخل السودان في مرحلة جديدة من ثورته الساعية للتغيير، و مجددا عادت السلطات لاستخدام وسيلة اخفاء الاشخاص قسريا لكسر شوكة المتظاهرين و ترهيبهم، و عاد السودان لمربعه الأول عندما صدر قرار باستعادة جهاز المخابرات العامة صلاحياته في الاعتقال و القبض و التفتيش.

استمرت الزيادة الملحوظة في أعداد المختفين قسريا . كحادثة اختفاء الناشط السياسي اويس احمد الذي شوهد لآخر مرة صبيحة 11 أبريل 2022م و اختفاء الطفل محمد عبد المنعم أثناء تظاهرات 30 نوفمبر 2021م و لم يتم العثور عليهما حتى اليوم.

كان سؤال الاختفاء القسري يشغل الفاعلين في الشأن السوداني، وانتظمت جهود متعددة للتصدي لهذه الجريمة، توجت هذه الجهود المبذولة بتكوين مبادرة مفقود، التي بدأت عملها بعد فض الاعتصام، وشرعت المبادرة في البحث عن مفقودي القيادة العامة والمفقودين أثناء الحراك الذي سبق فض الاعتصام، وعملت المبادرة على تقديم الدعم النفسي والطبي والقانوني لأسر المفقودين.

تقول سارة حمدان، عضو مبادرة مفقود لـ(بيم ريبورتس)، “تم العثور على عدد من مفقودي القيادة العامة منهم 5 شهداء و اخرين تم العثور عليهم في حالة نفسية غير مستقرة اثر تعرضهم لتعذيب وحشي من قبل الاجهزة الامنية و حتى يوم 2 يونيو 2020 قدر عدد المفقودين الذين لم يتم العثور عليهم 19 مفقود “.

أما بعد انقلاب 25 اكتوبر فهناك 6 مفقودين لم يعثر عليهم حتى الآن، وفقاً لإفادة سارة.

يتخطى اثر جريمة الإخفاء القسري الضحايا ليشمل ذويهم، حيث يعيش أسر الضحايا و ذويهم ظروف نفسية قاهرة لعدم معرفتهم بمكان و ظروف اعتقال مفقوديهم أو إذا ما كانوا على قيد الحياة. تقول والدة المفقود محمد عبد المنعم بعد بحث مضني عن ابنها وعندما تقطعت جميع السبل أمامها “ذهبت الى القصر الرئاسي لمقابلة البرهان، وجه الحرس أسلحتهم نحوي و قالو انها حدود ممنوعة فأخبرتهم بأني اريد مقابلة البرهان و قالو انهم لن يسمحو لي بمقابلته مطلقا “. وأشارت إلى أن أسرتها تعيش أوضاعا نفسية قاسية بعد فقدان ابنهم ذو 16 عاما وأنهم اتخذوا جميع الاجراءات وانهم مازالوا يحاولون بكل السبل الممكنة.

علاوة على الظروف المأساوية التي يعيشها أسر الضحايا بسبب اختفاء ذويهم قد يتعرض اهالي الضحايا للتهديد أثناء البحث عن مفقوديهم أو بعد فتح البلاغات الى الدوائر الحكومية أو جهات حقوق الإنسان مما يضاعف صعوبة بحثهم.

تواصل السلطات في استخدام اخفاء الاشخاص قسريا بالتزامن مع الحراك الحالي في السودان كأسلوب استراتيجي لبث الرعب داخل المجتمعات التي تشعر بفقدان الأمن الناتج عن ذلك السلوك، و بالرجوع للحوادث السابقة فإن جريمة الإختفاء القسري عادة ما تجتر معها عدة سلوكيات تنتهك حقوق المخفيين، حيث يهدد حقهم في الحياة ، وسلب حريتهم، وتعرضهم للتعذيب والمعاملة القاسية و حقوقهم في الحصول على محاكمات عادلة.

كيف استعاد الصّحافيون السودانيون نقابتهم بعد عقود من هيمنة السلطة؟

كانت ملاذ حسن وفتح الرحمن حمودة، خريجي جامعتي الخرطوم كلية الآداب وبحري كلية علوم الاتصال، اللذين لا تتعدى خبرتيهما في مجال الصّحافة عامين، يدليان بصوتيهما للمرة الأولى في انتخابات نقابة الصحفيين السودانيين، جنباً إلى جنب مع نقيب الصحفيين المنتخب، عبد المنعم أبو إدريس، الذي تصل خبرته لنحو 25 عاماً.

أبو إدريس ليس لوحده، فجميع أولئك الصحافيين الذين تصل خبرة بعضهم، حتى لأكثر من 30 عاماً، لم يدلوا بأصواتهم من قبل في انتخابات نقابة الصحفيين السودانيين، مثل رئيسة تحرير صحيفة الميدان السابقة، مديحة عبد الله.

وأمس السبت، صوّت بالعاصمة الخرطوم، وإلكترونياً، من أنحاء البلاد والعالم المختلفة، لاختيار مجلس النقابة ونقيب لنقابة الصحفيين السودانييين 659 صحفياً، من جملة 1250 ناخباً مسجلاً في الجمعية العمومية التي عُقدت في يوليو الماضي، الذين شاركوا من بينهم في انتخابات نقابة الصحفيين السودانيين، عام 1986، يُمكن عدهم على أصابع اليدين.

الوصول إلى انتخابات نقابة الصحفيين السودانيين، كان عملية شاقة ومهمة شبه مستحيلة، بدأت مع اعتصام القيادة في 2019م، عندما بدأ ابتدار عملية حصر الصحافيين الممارسين للمهنة، حيث تشكلت 3 كتل رئيسية تولت العمل على إنشاء نقابة تضم جميع الصحافيين.

لكن، الخلافات بين ممثلي الأجسام، عطّلت تأسيس النقابة لنحو ثلاث سنوات، لكن بعد توسط عميد الصحافيين السودانيين، محجوب محمد صالح، بين الأطراف المختلفة، عُقدت أول عملية إجرائية في مارس الماضي، انتهت بانتخابات السبت، حيث من المنتظر أن تعلن لجنة الانتخابات الفائزين بمجلس النقابة، اليوم أو غداً.

تجسد اختلاف الرؤى والخلافات بين الأجسام التي شكلت اللجنة التمهيدية لنقابة الصحفيين السودانيين، في القوائم الثلاث التي خاضت الانتخابات، وهي؛ قائمة شبكة الصحفيين، التحالف المهني للصحفيين، وقائمة الوحدة الصحفية التي فازت بمنصب النقيب، إلى جانب ترشح آخرين لمنصب النقيب كمستقلين، بينهم الصحافية دُرة قمبو.

في الصباح الباكر من يوم السبت السابع والعشرين من أغسطس الحالي، بدأ مئات الصحافيين في التوافد على دار المهندس، بمنطقة العمارات بالخرطوم، عند التاسعة صباحاً بدأت عملية الاقتراع، حيث اصطف الصحافيون في طابور طويل للإدلاء بأصواتهم في أول عملية انتخابية منذ أكثر من 3 عقود. رغم الحملات الانتخابية، للأطراف المتنافسة، والتي احتوت على انتقادات متبادلة، كان المتنافسون من قوائم مختلفة بمن فيهم مرشحو منصب النقيب، يتبادلون أطراف الحديث مع بعضهم البعض، جلوساً وهم مصطفين في طابور الاقتراع.

حتى السادسة مساء، موعد إعلان قفل أبواب الاقتراع، سارت العملية الانتخابية بشكل سلس، في ظل حضور قادة سياسيين وقادة مجتمع، للاحتفال بانتخابات نقابة الصحفيين السودانيين، لتمر بعدها نحو 5 ساعات، بعد بدء عمليات فرز الأصوات وسط ترقب القاعدة الصحفية، ليعلن رئيس لجنة الانتخابات، فيصل محمد صالح، حوالي الساعة الحادية عشرة ليلاً، فوز مرشح قائمة الوحدة الصحفية، عبد المنعم أبو إدريس بمنصب النقيب.

بعد منتصف النهار، انسحبت قوات الشرطة التي كانت تؤمن مقر الانتخابات، وسط تساؤلات بين الصحافيين عن مغذى الخطوة، لتدور بعدها أحاديث عن طلب من جهاز المخابرات العامة لوالي الخرطوم بالتصرف حيال، ما وصف من قبل صحافيين وقادة في نظام الرئيس المخلوع عمر البشير، بأنها عملية غير مشروعة، لكن الناخبين كانوا يمضون قدماً في الإدلاء بأصواتهم.

في أعقاب إطاحة الرئيس المخلوع، جعفر نميري، عبر انتفاضة مارس/أبريل 1985، وإجراء انتخابات عامة في البلاد عام 1986، احتكم مئات الصحفيين أيضاً للانتخابات، عبر كتلتين أسفرت عن انتخاب عمر عبد التام نقيباً للصحفيين السودانيين، وهي آخر نقابة شرعية حلها انقلاب 30 يونيو 1989.

بعد حل الانقلاب لنقابة الصحفيين السودانيين، أنشأ اتحاد الصحفيين السودانيين، الذي كان يتنافس فيه الصحافيون الموالون له.

وضم اتحاد الصحفيين المحلول، في عضويته مئات من ضباط الأمن والشرطة، غير الممارسين للمهنة، حيث ظل لسنوات طويلة ذراعاً ورقيباً بالوكالة على الصحافة والصحافيين لصالح السلطة الداعمة له.

ومع ذلك، أعاد الصحافيون يوم السبت كتابة تاريخ جديد لصالح مهنتهم.

“نقابة الصحافيين السودانيين، ظلت مفقودة خلال أكثر من 3 عقود، افتقد فيها الصحافيون الجهة التي تُدافع عن حقوقهم، في ظل شروط عمل غير منصفة وأجور ضعيفة”، يقول الصحافي عبد الله رزق لـ(بيم ريبورتس)، وهو من القلائل الذين شاركوا في انتخابات آخر نقابة شرعية.

يرى رزق، أن الجانب الأهم هو استعادة النقابة بوسائل ديمقراطية، مشيراً إلى أن انتخابات الصحافيين تتعدى حدود مصالحهم، إذ تتعلق بالممارسة الديمقراطية بشكل عام في البلاد، إذ عدها تقدم أمثولة للنقابات الأخرى.

“المطلوب من النقابة، تطوير المهنة وترقيتها ومعالجة إشكالات صناعتها بما في ذلك تدريب الصحافيين”، يضيف رزق.

ويعتقد رزق، أن الروح التي سادت أثناء التحضير للانتخابات، إذا استمرت فهي كفيلة بأن تحفظ للنقابة تماسكها وتُمكنها من أداء مهامها على الوجه الأكمل، مشدداً على ضرورة أن يحمي الصحافيون إنجازهم.

كان رزق يتحدث إلى (بيم ريبورتس)، وسط مقاطعة العشرات من تلاميذه الذين كانوا يودون إلقاء التحية إليه والتقاط صور تذكارية معه.

“تشكلت نقابة الصحفيين السودانيين عقب الانتفاضة من مئات الصحافيين، حيث فاز بمنصب النقيب الصحفي عمر عبد التام”، يقول الصحافي بوكالة السودان للأنباء ـ سونا، عبد الله محمد بابكر وأحد القلائل المشاركين في تلك الانتخابات.

“إلى جانب النقيب عمر عبد التام، تشكلت النقابة من أمانات عديدة ومجلس أربعيني، شغل فيها الصحافي الراحل حيدر طه من وكالة سونا أمانة الحريات”، يضيف بابكر.

وحول الفرق بين النظام الأساسي القديم والحالي للنقابة، يوضح أنه ثمة تعديلات محدودة بين النظامين.

“أهم مهام النقابة، هي تصفية إرث ممارسات النظام البائد من الجذور”، يشدد بابكر ويقول لابد من تطبيق قاعدة “النقابي آخر من يستفيد وآخر من ينال”. وهو ما رآه أنه كان من ضمن الممارسات المعيبة في حقبة نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير.

كذلك دعا بابكر إلى تطوير الأجهزة القومية مثل وكالة سونا، ونقل تبعيتها للبرلمان، حتى لا تكون موالية للحكومة وتضطلع بدورها الرقابي مثل البرلمان، مضيفاً “خلال فترة الحكومة الانتقالية كنا نغطي أخبار العسكريين أكثر من الحكومة المدنية نسبة لتبعيتها لرئاسة الجمهورية”.

أيضاً رأى أن مهام النقابة، وضع قواعد لعضويتها في التعامل مع أعضاء الحكومات وحتى الجهات الأجنبية، ليتمكن الصحافيون من أداء دورهم بشكل كامل في مراقبة الجميع كسلطة رابعة.

دعا بابكر وهو حاصل على بكالوريوس الصحافة من جامعة أمدرمان الإسلامية في منتصف الثمانينات، النقابة كذلك إلى احتساب الحد الأدنى للأجور بناء على سعر الدولار الأميركي، ليتجنب الصحافيون تآكل الجنيه السوداني من خلال ارتفاع معدل التضخم.

يُقاتل الصحافي النقابي عبد الله بعد أكثر من 35 سنة في مجال الصحافة، لصالح حقوق أجيال الصحافيين الجديدة والمقبلة.

ظلت ذاكرته متقدة، وهو يستعيد تواريخ بعيدة، تاريخ آخر نقابة منتخبة، وميثاق الشرف بوكالة سونا الذي كتبوه لتحديد حجم التعامل المباشر مع المسؤولين وحصره في إطار العمل الرسمي.

ظل عبد الله محمد بابكر، طيلة حديثه مع (بيم ريبورتس)، حريصاً على تأكيد معلوماته ومطابقتها مع زملائه الآخرين، حيث إنه يؤمن بتعددية المصادر وضرورتها، كصحفي أمضى عقوداً من حياته في مهنة المتاعب، لكنه لم يزل مملوءاً بحماس ملاذ حسن وفتح الرحمن حمودة العشرينيان، ما قبل منتصفها.

كيف تتلاعب السلطة العسكرية بآمال ضحايا حرب دارفور في تسليم المطلوبين للجنائية؟

بعد نحو عشرين عاماً على اندلاع الحرب الدموية في إقليم دارفور غربي السودان، والتي خلفت نحو 300 ألف قتيل وأكثر من مليوني مشرد، داخل وخارج البلاد، ما يزال المتهمون بارتكاب تلك الفظاعات طلقاء، وكأن شيئاً لم يحدث هناك في الإقليم المنكوب بالنزوح والفقر وانتشار السلاح.

بدأت الحرب من مطار مدينة الفاشر، في عام 2003م، بعدما هاجمته حركات مسلحة، كانت ترفع مطالب تنموية وسياسية.

 أتى ذلك الهجوم، في ظل عقود من المشكلات السياسية والاجتماعية والأمنية عانى منها الإقليم، وكل السودان بشكل عام منذ الاستقلال، في بلدٍ لم يعرف الكثير من التنمية، كما أنه لم يُرسِ أي نظام حكم مستقر تُتداول فيه السلطة سلمياً.

اشتعال الحرب وبداية الانتهاكات

مهدّت سياسات النظام البائد في دارفور والتاريخ الطويل من انتشار السلاح في الإقليم، وميلاد المعارضة المسلحة، الطريق إلى الحرب والتشظي والفوضى لاحقاً، فبات الجميع، بعد سنوات من الدمار بحاجة إلى إصلاح ما أفسدته الحرب، لكنه أصبح هدفاً عصي المنال.

لم يمضِ وقت طويل على بداية الحرب، حتى أصبحت دارفور، إقليم الأزمات الأول في العالم. في عام 2005م، حوّل مجلس الأمن الدولي ملفها إلى المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، التي وقعت بشكل رئيسي، بين عامي 2003-2004م.

بين عامي 2006 و2012م، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية، مذكرات توقيف بحق قادة النظام البائد، شملت كلاً من: الرئيس المخلوع عمر البشير ووزير دفاعه عبد الرحيم محمد حسين، ورئيس حزب المؤتمر الوطني المحلول، أحمد هارون، وقائد المليشيا السابق، علي كوشيب، بالإضافة إلى القائد العام السابق لحركة العدل والمساواة، عبد الله بندة.

وأمس الأربعاء، صرح المدّعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان، خلال مؤتمر صحفي بالخرطوم بأن: “أوامر القبض تجاه المتهمين بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية سارية، ومسؤوليتي هي الحصول على تعاون حكومة السودان، والمشاركة في التحقيقات والتحري، والآن نركز على أوامر القبض والتي يجب أن ننفذها وفق الالتزامات الواضحة”.

الضحايا والحلم بتحقيق العدالة

انتظر ضحايا الحرب في دارفور نحو عقدين، قبل أن يُشاهدوا أحد المتهمين الرئيسيين يمثل أمام قضاة محكمة الجنايات الدولية، بمدينة لاهاي الهولندية، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، لكنه ليس أمراً كافياً للضحايا، بعد.

فعلي كوشيب الذي سلم نفسه طواعيةً إلى سلطات المحكمة في يونيو 2020م، بجمهورية أفريقيا الوسطى، ليس سوى مُنفذاً صغيراً، لسياسات أكبر، إذ يمثل تسليم البشير وقادة نظامه البائد، إلى سلطات المحكمة، الأمل الرئيسي، لتحقيق العدالة بالنسبة لضحايا الحرب المتوزعين في 175 مخيم نزوح داخلي وخارجي.

مع إطاحة ثورة ديسمبر 2018م، بالنظام البائد، وتشكيل حكومة انتقالية مدنية في عام 2019م، وتوقيع اتفاق سلام جوبا في 2020م، تصاعدت الآمال وسط ضحايا الحرب في دارفور، في تحقيق العدالة، حيث وصلت المدعية العامة السابق للمحكمة الجنائية الدولية، فاتو بنسودا، إلى السودان وإقليم دارفور للمرة الأولى، والتقت بالضحايا وجهاً لوجه.

أثر الانقلاب في إبطاء تسليم المطلوبين

قبيل انتهاء ولايتها بأسبوعين، عادت بنسودا إلى البلاد مرةً أخرى، في يونيو 2021م، حيث خلفها في منصبها البريطاني، كريم خان، والذي وصل بدوره إلى الخرطوم في سبتمبر من نفس العام واتفق وقتها مع الحكومة الانتقالية على إنشاء مكتب للمحكمة الجنائية الدولية بالخرطوم، لمتابعة القضية.

لكن لم تمر سوى أسابيع معدودة على زيارة خان إلى البلاد، حتى تغيرت الأمور مرةً أخرى، بانقلاب 25 أكتوبر. 

بعد نحو عام من زيارته الأولى، وصل خان إلى البلاد في بداية الأسبوع الحالي، تمكن هذه المرة من زيارة إقليم دارفور ولقاء النازحين.

وأشار خان في المؤتمر الصحفي، إلى أنه كان يوجد تعاون من قبل حكومة السودان لكنه تراجع خلال الأشهر الماضية من قبل الجهات الأمنية، لافتاً إلى أنهم بصدد إنشاء مكتب لادعاء المحكمة بالسودان من أجل التواصل مع الضحايا في دارفور.

بعد عشرة أشهر من الصمت، في أعقاب انقلاب 25 أكتوبر الماضي، أثارت الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق سلام جوبا، بالتزامن مع زيارة خان إلى البلاد، في الوقت الذي تتلاعب فيه السلطة العسكرية الحاكمة، بحق الضحايا في تسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية.

لم يكف البرهان ونائبه حميدتي عن إطلاق الوعود بالتعاون مع المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، لكنهما لم يسمحا لخان حتى بالحديث إلى المطلوبين للمحكمة، حسبما قال في إحاطة لمجلس الأمن الدولي من الخرطوم، وهو الأمر الذي نفته سلطة الأمر الواقع بالتزامن مع نهاية زيارة خان.

لا سبيل غير تحقيق العدالة للضحايا

“مواطنو دارفور يعيشون في أوضاع مزرية ومأساوية، ويجب علينا التحرك بقوة وتفعيل التزاماتنا القانونية، عبر المساءلة والتحقيقات المستقلة، وألا نهمل الضحايا وما يريدون”، يقول المدعي العام للمحكمة الجنائية كريم خان، من الخرطوم.

وفيما يتعلق بالخطوات التصعيدية التي ستتخذها المحكمة حال عدم تعاون السودان مع المحكمة الجنائية، يشير خان إلى أن التحدي الآن هو الحصول على التعاون والمساعدة، وإذا ما وصل الأمر إلى طريق مسدود، فإن هناك طرق أخرى لاتباعها، مؤكداً أن “هذه القضية لن تغلق حتى يتحقق الهدف الذي نعمل من أجله وهو تحقيق العدالة”.

“الضحايا ما يزالون في انتظار تحقيق العدالة”، بهذه الجملة، اعتبرت دول الترويكا  والاتحاد الأوروبي، في بيان لها اليوم الخميس، زيارة المدعي العام للمحكمة الجنائية إلى السودان وإقليم دارفور بمثابة تذكير بآمال الضحايا في تحقق العدالة. 

ودعا البيان “السلطات السودانية الحالية” إلى تجديد التعاون الكامل وغير المحدود تماشيًا مع اتفاقية جوبا للسلام، ووفقًا لمذكرة التفاهم الموقعة في أغسطس 2021م بين مكتب المدعي العام والسودان. 

وأشار البيان، إلى أن المحكمة الجنائية الدولية، عملت مع الحكومة الانتقالية السابقة بشكل وثيق، لكن هذا التعاون شهد تراجعاً منذ الاستيلاء العسكري على السلطة في 25 أكتوبر 2021م.

من جهتها، رحبت المنسقية العامة لمعسكرات النازحين واللاجئين بزيارة المدعي العام للمحكمة الجنائية لدارفور، و”شكرته على موقفه الثابت والوقوف بجانب الضحايا في سبيل تحقيق العدالة التي طال انتظارها”.

تتدافع الأحداث وتتباين، ما بين الضغط من قبل المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية من جهة، ووعود متكررة بالتعاون من قبل السلطة العسكرية في السودان من جهة ثانية. وسط انتظار وتطلع  الضحايا وعائلاتهم لتحقيق العدالة التي طالما كانت ذروة سنام أمنياتهم.

ما أسباب إقامة (حميدتي) في إقليم دارفور؟

للمرة الأولى منذ دخوله النادي السياسي، عقب الإطاحة بنظام الرئيس المخلوع، عمر البشير في أبريل 2019م، عبر منصب نائب رئيس المجلس العسكري المحلول، ولاحقاً كعضو لمجلس السيادة الانتقالي في أغسطس من نفس العام، أعلن قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) عن تغيير مقر إقامته من الخرطوم، إلى إقليم دارفور غربي البلاد.

في الثامن عشر من يونيو الماضي، وصل حميدتي إلى مدينة الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور، قبل أن ينخرط في إجراء -ما أسماها- “مصالحات مجتمعية”، بعد دورات من العنف الدموي خلّف مئات القتلى وتسبب في نزوح الآلاف وحرق المنازل ودمار المزارع.

أعلن حميدتي وقتها، أنه سيبقى في دارفور لمدة 3 شهور، ولكن بعد نحو 3 أسابيع، عاد إلى العاصمة الخرطوم، حيث بقي عدة أيام، قبل أن يعود مرة أخرى في يوليو الماضي.

عاد حميدتي إلى الخرطوم، عقب أيام من بيان أصدره القائد العام للجيش، عبد الفتاح البرهان، أعلن فيه خروج المؤسسة العسكرية من العملية التفاوضية، وتشكيل مجلس أعلى للقوات المسلحة. وهو الأمر الذي أكده حميدتي في بيان منفصل لاحقاً، مثلما أعلن تأييده سابقاً في كلمة متلفزة لانقلاب 25 أكتوبر الماضي الذي نفذه البرهان.
بينما كان حميدتي يقود ما سماها بالمصالحات بين المجموعات السكانية في ولاية غرب دارفور، زار كل من ولايتي شمال و وسط دارفور، أثناء وجوده في شمال دارفور، زار إحدى قواعده العسكرية بمنطقة (الزرق)، حيث أدلى بتصريحات مثيرة حول امتلاكه سلاح مدرعات.

خلال وجوده في دارفور، بين يونيو وأغسطس، أدلى حميدتي بالعديد من التصريحات والبيانات حول التطورات السياسية الجارية في البلاد، كما زار جمهورية تشاد في خضم توترات حدودية بين البلدين، حيث وصل إلى أنجمينا في أعقاب زيارتها من قبل وزير الدفاع السوداني ياسين إبراهيم ياسين، وحاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي.

وصل حميدتي إلى أنجمينا أيضاً، بعد أيام من زيارة وزير الدفاع التشادي إلى الخرطوم ولقائه القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، و عقدهما مباحثات حول تنشيط القوات المشتركة السودانية ـ التشادية بعد انتقال قيادتها إلى السودان.

وتأتي الزيارات السودانية ـ التشادية المتبادلة، في خضم أزمة بين أنجمينا وحميدتي، بعدما أنشأت في الأشهر الماضية، مجموعة من قوات الدعم السريع بوابة، بالقرب من معسكر خزان “كارياري” للاجئين في الحدود السودانية ـ التشادية، حيث درجوا على مضايقة المواطنين السودانيين والتشاديين الذين يعملون في التجارة والتعدين الأهلي، لذلك تم اعتقالهم من قبل الجيش التشادي وتحفظ عليهم في السجون.
ورغم أن بعض النافذين بذلوا جهوداً لعلاج المشكلة بين حميدتي والحكومة التشادية لإطلاق سراحهم لكن جهودهم ومساعيهم فشلت ما أدى لتوسط حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي بحكم علاقته بالحكومة التشادية. ومن بين تداعيات محاولة طي الخلاف، جاءت زيارة وزير الدفاع التشادي للخرطوم بالمقابل زيارة حميدتي لتشاد، على أمل رأب الصدع بينه والحكومة التشادية.
أيضاً تأتي زيارة وزير الدفاع التشادي، في خضم شكوى ضد حميدتي بادعاء أنه يدعم المعارضة التشادية.
غير أن حميدتي قال خلال عودته إلى الخرطوم في العاشر من أغسطس الحالي، حول زيارته إلى أنجمينا إنه أجرى خلالها مباحثات مع الجانب التشادي، حول أهمية تأمين الحدود المشتركة بين البلدين. مضيفاً أنه “تم التأكيد على ضرورة تمكين القوات المشتركة السودانية -التشادية من الاضطلاع بدورها لحماية وتأمين الحدود ومنع تسلل المتفلتين عبر الحدود”.
في زيارته الأولى إلى دارفور، رافق حميدتي، كلاً: من عضوي مجلس السيادة الذي أعاد تشكيله البرهان في الحادي عشر من نوفمبر الماضي، الهادي إدريس والطاهر حجر، كانا يظهران برفقته، لكن حميدتي ظل المتحدث الرئيسي في كل تلك الفعاليات.
ومع أن حميدتي، بدا منخرطاً في قضايا إقليم دارفور، أظهر في مقابلة مع قناة (بي بي سي ـ العربية)، في الأول من أغسطس الحالي، انتقادات مبطنة لرئيسه البرهان حول سوء الوضع السياسي والاقتصادي ما بعد انقلاب 25 أكتوبر.
“الإجراءات التي قام بها المكون العسكري في أكتوبر الماضي فشلت تماماً لأسباب لن أفصح عنها الآن”، يقول حميدتي في المقابلة. مضيفاً “الأوضاع الاقتصادية والأمنية باتت أسوأ مما كانت عليه قبل الإجراءات”. وأكد حميدتي في تصريحاته التي فهمت على أنها انتقادات للبرهان، أنه زاهد في السلطة ولن يترشح لأي منصب، مشيراً إلى أن قادة السلطة العسكرية جادون في قضية الانسحاب من العملية السياسية والتفرغ للمهام الأمنية.

في مقابلته، مضى حميدتي للحديث حول الجيش الموحد، قائلاً إنه لا مانع لديه في دمج قوات الدعم السريع، في الجيش في إطار تشكيل جيش قومي ومهني.
وأضاف: “حققنا الكثير من الإنجازات في غرب دارفور على مستوى توفير الأمن والمصالحات القبلية اتصالاتنا ما زالت مستمرة مع قوى الحرية والتغيير وخلافاتنا معهم حول كيفية إدارة البلاد”. لكن، المتحدث باسم منسقية النازحين واللاجئين، آدم رجال، أحصى عشرات القتلى الذين قتلوا بالرصاص أثناء إقامة حميدتي بدارفور، بالإضافة إلى مقتل نحو 20 شخصاً على الحدود السودانية ـ التشادية.
ومع أن حميدتي ذهب إلى دارفور تحت لافتة تحقيق المصالحات بين المكونات الاجتماعية المتقاتلة، إلا أن ذلك لم يكن سوى تغطية لأهداف أخرى غير معلنة، كانت على رأس أجندة زيارته إلى إقليم دارفور. مع استمرار التظاهرات المناهضة للحكم العسكري، وسقوط قتلى برصاص القوات الأمنية، وبقاء الأزمة السياسية من دون حل يلوح في الأفق، قرر حميدتي المغادرة إلى دارفور للابتعاد مما يحدث في الخرطوم، ولقطع الطريق أمام أي توافق بين قوى الحرية والتغيير والسلطة العسكرية، كذلك كان الهدف إبعاد عضوي مجلس السيادة الذي شكله البرهان، الطاهر حجر والهادي إدريس المنضوين في تحالف مع الحرية والتغيير.

لكن، الهدف المباشر لإقامته في دارفور، كان تقديم نفسه كزعيم سياسي على مستوى السودان عامةً ودارفور على وجه الخصوص، حيث نصحه مستشاروه بأن الطريق لترشحه في أي انتخابات محتملة يبدأ من تبني توحيد القيادة الدارفورية تحت زعامته.
“لدى الدعم السريع، تنسيقيات داخل جميع مكونات دارفور تعمل على استقطاب الدعم السياسي له وتحسين صورته في الإقليم الذي اكتوى بنار الحرب”، يقول مصدر مطلع على زيارة حميدتي إلى دارفور لـ(بيم ريبورتس).
“ربما تكون زيارته إلى إقليم دارفور لها علاقة بالترتيب لانتخابات قادمة ومحاولة خلق حاضنة سياسية واجتماعية” يقول المتحدث الرسمي باسم حركة جيش تحرير السودان، بقيادة عبد الواحد النور.

ويضيف محمد عبد الرحمن الناير لـ(بيم ريبورتس) “إن زيارة حميدتي ومجموعته إلى دارفور، وما يتحدثون عنه حول عقد مُصالحات بين القبائل، للأسف انهم يقرأون من نفس كتاب البشير”. مثل هذه المعالجات لن تحقق الهدف المنشود بهذه الطريقة. فالأزمة في الخرطوم وليس في دارفور، فالحكومة عبر أجهزتها الأمنية هي من تؤجج النيران والحروب القبلية وتسلح المجموعات العرقية”.

ورأى الناير أنه لا بد أن تكون هنالك حكومة جادة وغير منحازة تقوم بواجبها في جمع السلاح من أيدي المواطنين، وتطرد المستوطنين في أراضي المواطنين، وأن يكون هناك سلام دائم وعادل ومستدام، وتعاد هيكلة كافة مؤسسات الدولة وفق أسس جديدة. مشيراً إلى أن هذا الأمر لا يتأتى إلا بعد انتصار الثورة وإسقاط الإنقلاب، وتكوين حكومة انتقالية مدنية تعبر عن الشعب السوداني وثورته الظافرة.

وقال: “ما قام به حميدتي ومجموعته هو تبديد للموارد وأموال الدولة، ولا يعالج الازمة، فهو ذات المنهج الذي اتبعه النظام البائد وعقد عشرات المؤتمرات المماثلة، وظلت الأزمة ماثلة والنزيف مستمر”.
خلال عودته إلى الخرطوم يوم الأربعاء الماضي، أطلق حميدتي اتهامات جديدة على جهات ـ لم يسمها ـ قال إن لديها مخططات خبيثة تستهدف تماسك النسيج الاجتماعي، مضيفاً “نحن مدركون لهذه المخططات وسنكشف عن من يقف وراءها”.

سواء أن بقى حميدتي في اقليم دارفور لثلاثة أشهر أم لا، تظل تحركاته بالإقليم المنكوب، تحت لافتة المصالحات، هي تحركات أبعد ما تكون عن تلك اللافتة المرفوعة في وجه وسائل الإعلام، لكنها ذات أهداف أخرى من بينها البحث عن قاعدة شعبية أو حاضنة اجتماعية تساهم في تحقيق طموحاته السياسية عبر شراء أصوات الناخبين في أي انتخابات مقبلة.

كيف تحولت الوثيقة الدستورية إلى توازن حرج على حافة التحول الديمقراطي والانقلاب العسكري؟

في الذكرى الثالثة لتوقيع الوثيقة الدستورية، بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري الانتقالي المحلول، والتي كان من المؤمل أن تمهد الطريق إلى تحول ديمقراطي ينتهي بانتخابات عامة في يوليو المقبل. بدلاً من ذلك، انزلق السودان إلى حافة المجهول عقب انقلاب 25 أكتوبر الماضي الذي أطاح بالحكومة الانتقالية.

كان مشهد نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي المحلول، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وهو يقف إلى جانب عضو تجمع المهنيين، أحمد ربيع، ملوحاً بالوثيقة الدستورية من أسفل إلى أعلى (معكوسة) والتي كانا قد وقعاها للتو، وسط حضور دولي وإقليمي رفيع المستوى، في يوم السبت السابع عشر من أغسطس 2019م، يلخص وقائع ما هو آتٍ بشكل مسبق.

لكن، رغم تلك الصورة المقلوبة، والتي ربما حملت إشارات لمستقبل سيء ينتظر الفترة الانتقالية، يومها كانت الخرطوم تنتظر قطاراً ثانياً من عطبرة، للاحتفال بتوقيع الوثيقة الدستورية. فيما كان الأمل أعتى من كل السقوف هناك في مكان التوقيع بـ(قاعة الصداقة) المطلة على شارع النيل، وآلاف السودانيين يرقصون فرحاً على أنغام انتصار الثورة، غير مصدقين لطيهم نحو 3 عقود من حكم نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير.

جنوب قاعة الصداقة، في محطة السكك الحديدية الرئيسية التاريخية بقلب العاصمة الخرطوم، استقبل عشرات الآلاف قطار عطبرة، قبل أن تتوجه الحشود شرقاً هذه المرة إلى ساحة الحرية بشارع أفريقيا (المطار) لإكمال الاحتفالات، في يوم لم يكن السودانيون يتوقعون أنه قد يأتي، في خضم قبضة حديدية عُمِّدت بالدم وامتدت لنحو ثلاثين عاماً. وسبب آخر، كان قد جعل الأمل بعيداً، بلا أفق، فض اعتصام القيادة العامة الدموي، بواسطة المجلس العسكري الانتقالي المحلول، في الثالث من يونيو 2019م، أي قبل شهرين ونصف الشهر فقط من توقيع الوثيقة الدستورية.

تلك العوامل الخطرة، والكامنة بالانفجار، ذابت في فصول من الأمل انتابت مشاعر السودانيين، وهم يفتحون صفحة جديدة من كتاب ثورة ديسمبر 2018م. رغم ما انطوت عليه  الوثيقة الدستورية من عيوب، إلا أنها كانت حدثاً فريداً، في تاريخ الفترات الانتقالية التي أعقبت الثورات المدنية في البلاد.

بعد ثورة أكتوبر 1964م، وانتفاضة مارس/أبريل 1985م اللتين أطاحتا بنظامي الجنرالين إبراهيم عبود وجعفر نميري على التوالي، مرت الفترتان الانتقالتيان بدون إطار دستوري جديد.

أيضاً، انطوت الوثيقة الدستورية على حدث جديد كليةً، في تاريخ الثورات السودانية، وهي نصها على تشكيل مجلس تشريعي انتقالي.

بتوقيع الوثيقة الدستورية التي كانت امتداداً للاتفاق السياسي، وضع معارضو نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، وقادة التفاوض، مع لجنته الأمنية التي عزلته من السلطة على إثر أشهر من الاحتجاجات ضد حكمه، عبر الوثيقة الدستورية، المزيد من الصعوبات أمام المجلس العسكري. 

بعد عملية تفاوضية بدأت في أبريل 2019م، وانقطعت في يونيو، وعاودت في يوليو من نفس العام، تشكلت هياكل الحكومة الانتقالية وفق إطار دستوري لقي اعتراف العالم.

لكن، ريثما انتصر المعارضون سابقاً، وقادة الحكومة الانتقالية الجدد، وتمكنوا من فرض نموذجهم للانتقال على قادة المجلس العسكري الانتقالي المحلول، بدأ الأخيرون، جولاتهم، لإفراغ الانتقال من محتواه، كانت الجولة الأخيرة في انقلاب 25 أكتوبر الماضي.

نصّت الوثيقة الدستورية، على تشكيل المجلس التشريعي خلال 90 يوماً، على أن يُستعاض عنه بمجلس تشريعي مؤقت يتمثل في (اجتماع مشترك لمجلسي السيادة والوزراء) لإجازة القوانين وسن التشريعات.

غير أنه مرّت 25 شهراً، عمر الفترة الانتقالية حتى الانقلاب، ولم يتم تشكيل المجلس التشريعي، في كل مرة كان التأجيل يُعزى لأسباب مختلفة، لكن السبب الرئيس الذي عطّل قيامه، هو مطالب الحركات المسلحة بتأجيل قيامه إلى حين توقيعها اتفاق سلام مع الحكومة الانتقالية.

بينما يتجادل المدنيون فيما بينهم، والمكون العسكري وقتها من جهة أخرى، حول نسب حصصهم في المجلس التشريعي الانتقالي، أتى اتفاق سلام جوبا الموقع في 3 أكتوبر 2020م، بأخبار غير سعيدة بالنسبة للوثيقة الدستورية، عندما تمت إضافة المادتين 79 و 80 وإنشاء مجلس شركاء الفترة الانتقالية، في مخالفة صريحة للدستور.

أيضاً التعديلات التي أجريت على الوثيقة الدستورية ونشرت في الجريدة الرسمية، كانت مخالفة لآلية تعديل الوثيقة الدستورية التي نصت؛ على أن أي تعديل يُجرى عليها، يجب أن يتم بموافقة أكثر من ثلثي أعضاء المجلس التشريعي الانتقالي.

كان خرق الدستور، بمثابة إعلان مبكر لعدم قيام المجلس التشريعي من ناحية، وبمثابة اتساع الفتق على الراتق، وبداية تداعي حاكمية الفترة الانتقالية المبنية على الوثيقة الدستورية.

يُعتقد بأن من أكبر عيوب الوثيقة الدستورية، تقنينها لوجود الدعم السريع من دون تأكيد على إنهاء استقلاليته عن القوات المسلحة.

وفي هذا السياق، مثلت العادة السودانية الراسخة في عدم احترام الدستور، أكبر ضربة للوثيقة الدستورية.

ومع ذلك، نجحت الوثيقة الدستورية في إعطاء سلطات واسعة لرئيس مجلس الوزراء، كما ساوت بين المدنيين والعسكريين في مجلس السيادة الانتقالي، وكانت جيدة كفاية، لولا تنازل مسؤولو الحكومة الانتقالية عن سلطاتهم في أحيان كثيرة دون أن يكونوا مضطرين لفعل ذلك.

في الثالث من فبراير 2020م، وصل رئيس مجلس السيادة الانتقالي، عبدالفتاح البرهان، إلى مدينة عنتبي اليوغندية في زيارة سرية إلتقى خلالها برئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، بنيامين نتنياهو، وهو الأمر الذي فجّر الخلافات بين المكونين المدني والعسكري، حول إدارة العلاقات الخارجية، بسبب أن الوثيقة الدستورية نصت على أنها ضمن سلطات الحكومة المدنية.

جاء لقاء البرهان السري بنتنياهو، بعد نحو 6 أشهر من تشكيل السلطة الانتقالية، إلا أنه مثل أساساً جوهرياً لخروقات توالت على الوثيقة الدستورية.

من جانب آخر، لم تكن المشكلة في أوقات كثيرة في الوثيقة الدستورية نفسها، بل كانت المشكلة متعلقة بعدم تنفيذ بنودها وإنشاء المؤسسات التي نصت عليها.

ومع ذلك، ظلت الوثيقة الدستورية، تقوم بدور فاعل في تثبيت أركان الحكومة الانتقالية، في العام الثاني من عمر الفترة الانتقالية رغم تصاعد وتيرة الخلافات بين المدنيين والعسكريين، حول ملفات عديدة. وصلت الخلافات ذروتها في الحادي والعشرين من سبتمبر الماضي، في أعقاب محاولة انقلاب عسكري بالعاصمة الخرطوم.

تبادل رئاسة مجلس السيادة الانتقالي بين المدنيين والعسكريين، مثّل الخيط الرفيع في الوثيقة الدستورية، الذي يفصل بين استكمال عملية التحول الديمقراطي أو وقوع انقلاب عسكري يقطع الطريق أمامها وهو ما حدث بالفعل في الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي.

بعد انقلاب 25 أكتوبر، جمد البرهان عدداً من نصوص الوثيقة الدستورية على رأسها نص الشراكة مع قوى الحرية والتغيير.

بعد مرور نحو 10 أشهر على انقلاب 25 أكتوبر الماضي، تغيرت الكثير من الأمور، فرغم حملات القمع والتنكيل بالمتظاهرين السلميين والمعارضين لسلطة الأمر الواقع عامة، إلا أن النظام الحاكم فشل في شرعنة وجوده، في ظل تركيبته المتباينة الأهداف.

وسط ضغوط من واشنطن والرياض جلس المكون العسكري مع قوى الحرية والتغيير لمرتين، في يونيو الماضي، على أمل إيجاد حل سياسي. لكن، تلك الاجتماعات لم تُسفر عن جديد، فبينما عقدت قوى الحرية والتغيير ورشة لتقييم تجربتها في الحكم، أعلنت المؤسسة العسكرية خروجها من العملية التفاوضية والسياسية.

لكن واشنطن، عادت وجددت في الذكرى الثالثة لتوقيع الوثيقة الدستورية بمطلوبات التحول الديمقراطي.

وقالت السفارة الأميركية بالخرطوم “نُشجع، في الذكرى الثالثة لتوقيع الوثيقة الدستورية، كل الملتزمين بالتحول الديمقراطي للمضي في حوار شامل. وما ستكون عليه الحكومة القادمة، هو شأن يقرره السودانيون، وقد كانوا واضحين في ذلك: يجب أن تكون حكومة بقيادة مدنية وتوفر العادلة والرخاء والسلام.”

وعلى الرغم من تشجيع واشنطن للأطراف السودانية للحوار، تجسد تباعد الشقة بين طرفي الوثيقة الدستورية السابقيَن، في انخراط قوى الحرية والتغيير، في كتابة إعلان دستوري جديد، ورعاية البرهان من جانبه ما أطلق عليها (مبادرة نداء أهل السودان)، التي تبنت ضمن توصياتها، العودة لدستور السودان الانتقالي لسنة 2005م، فيما شدد الإعلان الدستوري الجديد لقوى الحرية والتغيير الذي أطلعت (بيم يبورتس) على مسودته على سيطرة الحكومة المدنية بشكل كامل على إدارة الأجهزة الأمنية، ومراجعة اتفاق سلام جوبا بموافقة أطرافه.

بين يومي 8-10 أغسطس الحالي، عقدت نقابة المحامين السودانيين، ورشة عمل حول الإطار الدستوري الانتقالي خرجت بثماني توصيات؛ تمثلت إجمالاً في: الإطار المفاهيمي للدستور الانتقالي، مهام الفترة الانتقالية ومدتها، مؤسسات السلطة الانتقالية ومن يشكلها، توصيات السلام، الحقوق والحريات العامة، العدالة والأجهزة العدلية، العلاقات المدنية العسكرية والإصلاح الأمني والعسكري والحوار الدستوري. 

بطبيعة الحال، لم تخرج ورشة الإطار الدستوري، أو الإعلان الدستوري لقوى الحرية والتغيير، عن المبادئ العامة للوثيقة الدستورية، لكن يكمن الفرق، في استصحابها للأخطاء السابقة المتعلقة بالعلاقة مع المكون العسكري، كما أنها تنفتح هذه المرة على قوى سياسية مختلفة المشرب، لكنها تتفق على ضرورة إنهاء الانقلاب العسكري وإبعاد الجيش من السياسة.

تمر اليوم الذكرى الثالثة لتوقيع الوثيقة الدستورية، وسط أوضاع سياسية غاية في التعقيد، أعقبت انقلاب 25 أكتوبر الماضي، وأحلام تبدو عصية التحقق في قيام سلطة مدنية ديمقراطية، على الأقل في الوقت المنظور.

كيف يلعب التوثيق دوراً مهماً في فضح انتهاكات قوات الأمن وعمليات تحقيق العدالة؟

أية السماني

أية السماني

مع تصاعد وتيرة الاحتجاجات المناهضة لحكمه، للشهر الثاني على التوالي، بأنحاء السودان المختلفة، في يناير 2019م، اتهم الرئيس المخلوع، عمر البشير، من وصفهم بـ”المندسين” بقتل المتظاهرين.

لكن ادعاءات البشير، باستخدام فزّاعة الطرف الثالث، لم تصمد كثيراً، بفضل مقطع فيديو تداوله نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي أظهر لحظة اعتداء قوات أمنية على الشهيد محجوب التاج، بالضرب حتى الموت في 24 يناير 2019م.

مثلت عملية التوثيق تلك، لاحقاً، أهمية كبرى عندما استعانت هيئة الاتهام بمحكمة الشهيد محجوب التاج بتلك الوثائق كمستندات تدين أفراد من جهاز المخابرات العامة.

بعد ذلك، أصبحت عملية التوثيق فيصلاً فيما يخص نتائج هذه المحاكمات، وعاملاً رئيسياً في تحديد المتهمين وهوياتهم، وبعد التحقق منها اعتبرت كدليل إدانة بالقتل وانتهاك حقوق الإنسان والذي بدوره يشير إلى نهج الأجهزة الأمنية والفظائع التي ارتكبتها حتى تلك التي تستند على أقوال وشهادات الضحايا أو ذويهم.

مع انطلاق شرارة ثورة ديسمبر 2018م، في مدن: مايرنو، الدمازين وعطبرة ووصولها إلى أقاليم البلاد المختلفة، مثّل التوثيق جزءاً جوهرياً، من الحراك، حتى في تلك المناطق التي لا تحظى بتغطية إعلامية كافية.

عقب كل تظاهرة، ينشر المتظاهرون سيلاً من الوثائق المصورة والشهادات على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن مع دخول التظاهرات يومها الثالث، بدا واضحاً أن النظام المخلوع، كان يعي جيدا دور التوثيق ونتائجه على تنامي الحراك، لذا سرعان ما بدأ معركته ضد المتظاهرين بحجب مواقع التواصل الاجتماعي التي يستخدمها السودانيون لتداول الوثائق. ومع ذلك، سرعان ما استخدم النشطاء الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) وعادت المواقع لتعمل بفعالية مجدداً.

محاولة تغييب الحقائق وحجب الانتهاكات عن الرأي العام بقطع خدمة الانترنت بشكل كامل، تمت بواسطة المجلس العسكري الانتقالي المحلول، بالتزامن مع الفض الدموي لإعتصام القيادة العامة بالعاصمة الخرطوم ومدن أخرى في 3 يونيو 2019م.

عاد المجلس العسكري لممارسات قطع الانترنت، أضاف إليها هذه المرة قطع خدمة الاتصالات الهاتفية، صبيحة انقلاب 25 أكتوبر الماضي، لاحقاً فيما كنت تقطع خدمة الاتصالات الهاتفية والرسائل النصية بالتزامن مع التظاهرات، لم تعد خدمة الانترنت إلا بعد أسابيع من الانقلاب.

لم تكن عملية التوثيق محصورة على جهة محددة أو أشخاص، وإنما كانت مفتوحة للجميع بدوافع وأهداف مختلفة، فهناك من يوثق بهدف إظهار الحراك الثوري، أو بهدف توثيق انتهاكات الأجهزة الأمنية و جرائمهم ضد المتظاهرين خلال التظاهرات.

كان لتوثيق الأفراد الناشطين تأثير كبير فكشفت كثير من الوثائق وجوه الأفراد التابعين للأجهزة الأمنية التي شاركت في قمع التظاهرات، مما اضطر رجال الأمن والقوات النظامية لحجب هوياتهم وتغطية وجوههم أثناء المواكب.

توثيق الأفراد والناشطين لكثير من الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الأمن أثناء الثورة، أصبحت فيما بعد بينات إدانة استندت عليها الجهات العدلية لتوجيه التهم ضد مرتكبيها. فقد صدر حكم بالإعدام شنقاً على المتهم أشرف الطيب -الشهير بـ(ابجيقة)- المتعاون مع جهاز الأمن، بعدما تمت إدانته بقتل الطالب حسن محمد يوم 25 ديسمبر 2019م خلال تظاهرة بوسط العاصمة السودانية الخرطوم. وثقت كذلك، العديد من المؤسسات الإعلامية جزءاً من الحراك ونقلت عدداً كبيراً من الوثائق التي تداولها الناشطون.

عندما بدأ النظر في قضايا انتهاكات ثورة ديسمبر، في الفترة التي تلت سقوط النظام، استعان رؤساء الهيئات ومحامو الطوارئ بعدد من تلك الوثائق لإدانة رؤوس النظام السابق حتى لا تخص العقوبات صغار الضباط الذين تلقوا الأوامر لقمع التظاهرات.

تقول عضوة مجموعة (محامو الطوارئ)، شيماء تاج السر لـ(بيم ريبورتس) “إنه في بلاغ قتل المتظاهرين الموجه ضد الرئيس المخلوع، عمر البشير، وقادة نظامه مثل علي عثمان محمد طه، والفاتح عز الدين اعتمدنا بشكل كبير على وثائق لمؤتمرات صحفية ولقاءات صرح فيها هؤلاء بتهديد واضح لقتل المتظاهرين السودانيين.”

وكان الرئيس المخلوع، تحدث في لقاء مع قادة الشرطة في 30/12/2018م عن القصاص، أما علي عثمان تحدث في لقاء تليفزيوني في 18/1/2019م عن وجود كتائب ظل تحمي النظام وتوعد المواطنين الذين خرجوا للشوارع، وأشار البلاغ إلى أن الفاتح عزالدين هدد في لقاء تلفزيوني في 10/1/2019م بقطع رؤوس المتظاهرين.

تأثير التوثيق في عملية سير العدالة؟

تختلف أساليب التوثيق اعتماداً على الهدف المنشود منها، سواء كان الهدف هو استخدامها من أجل تزويد الجهات العدلية بالمعلومات التي قد ترشدهم إلى الشهود أو الضحايا و المقابر الجماعية وتسهم في إثبات عناصر بعينها من الانتهاكات مثل المنطقة التي حدثت فيها أو طبيعة الانتهاكات إذا كانت في شكل نمط أو عمل ممنهج تنتهجه جهة محددة.

كما يعزز التوثيق من ثقة المواطنين بالقانون والاحتكام إليه إذا أفضى إلى محاكمات عادلة مما يسهل على الجهات العدلية والجهات الفاعلة في المجتمع المدني للوصول إلى المجتمعات التي تعاني من انتهاكات، أو الاحتفاظ بالوثائق لتنفيذ العدالة بعد إحداث التغيير المنشود.

وتعتمد الأخيرة بشكل كبير على الطرف الذي يمتلك تلك الوثائق ويحتفظ بها إذ أنه يحدد كيفية استخدامها والجهة التي ستستخدم لصالحها، بل ان هذه المسألة قد تمثل عقبة وحجة أمام إنفاذ العدالة بجانب قلة الدعم الفني للتحقق من الوثائق حتى بعد امتلاكها  كما حدث في العام 2019م، عندما اتهمت اللجنة المختصة بالتحقيق في فض اعتصام القيادة العامة الحكومة بعدم التعاون.

وأشارت اللجنة إلى أن أجهزة حكومية رفضت تسليم الوثائق المصورة بكاميرات المراقبة حول منطقة الاعتصام الى اللجنة، وقال  رئيس اللجنة،  نبيل أديب، خلال مؤتمر صحفي في وزارة الإعلام، “إن ظهور مقاطع الفيديو لأحداث فض اعتصام القيادة في الوقت الحالي يؤثر على سير العدالة”، لافتاً إلى أن الاحتفاظ بها خلال الفترة الماضية “إخلالٌ بالقانون وتقويضٌ للعدالة”. وأشار خلال المؤتمر إلى التعقيدات السياسية التي قد يحدثها نشر تلك الوثائق و اتهم الجهة التي نشرتها بان لها “اجندة سياسية”  

كما اشارت اللجنة الى عدم توفر الدعم الفني المطلوب، وقال أديب خلال المؤتمر الصحفي، إن الاتحاد الأفريقي رفض دعم اللجنة فنيا ووصف تلك الظروف بأنها كانت سببا أساسيا في تأخير الوصول لنتائج التحقيق.

عقبات تواجه التوثيق

اتسعت رقعة الموثقين و شملت عملية التوثيق الأفراد والناشطين، والمؤسسات الإعلامية من صحف وقنوات إخبارية وإذاعات كما عملت عديد من منظمات المجتمع المدني المحلية على التوثيق.

وبمرور الوقت، واجهت الموثقين الكثير من العقبات التي إما أدت إلى حدهم من عملية التوثيق أو اضطرتهم إلى حذف الوثائق التي بحوزتهم. و لسهولة الوصول لتلك الوثائق وتداولها تعاملت الاجهزة الامنية معها بحسم.

وحسب شهادات المعتقلين إبان ثورة ديسمبر، فإن الوثائق الموجودة في هواتفهم أصبحت تمثل خطرا عليهم حين تعرضوا للاعتقال أو التفتيش فحذف الكثير من بينهم الوثائق التي بحوزتهم لحماية أنفسهم.

ولم تقتصر العوائق التي وضعتها الأجهزة الأمنية على الأفراد الموثقين فقد طالت المؤسسات الاعلامية ايضا اجراءات العنف التي تستخدمها الاجهزة الأمنية.  كما أدى اهتمام الصحفيين والمصورين بالتوثيق الى استهدافهم بالاعتقال، فقد اعتقلت السلطات المصور نقدالله ابراهيم اثناء تغطيته لمواكب 17 يوليو 2022م و تمت مصادرة كاميراته و دونت بحقه 3 بلاغات جنائية.

من جانب آخر، فإن الإدلاء بالشهادات يعتبر وسيلة من وسائل التحقق لإنفاذ العدالة، لكن عدم توفير الحماية للشهود قد يعرضهم الى الخطر.

وتوضح التجربة السودانية في التوثيق، لا سيما بعد انعقاد المحاكمات التي تسعى لتحقيق العدالة وتشكيل العديد من لجان التحقيق وعقد كثير من المحاكمات التي لعب فيها ادلاء الشهادات دورا مهماً، لكن في الفترة التي تلت انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر وعند بداية الحراك الرافض للانقلاب وعودة بطش الاجهزة الامنية اصبح استهداف الشهود و الموثقين امرا مرجحاً. بعد نحو 10 أشهر على انقلاب 25 أكتوبر، ما تزال التظاهرات المناهضة له مستمرة، فيما باتت الأجهزة الأمنية، أكثر قمعية، حيث سقط أكثر من 116 قتيل، وآلاف الجرحى.

ومع الفضح المستمر لانتهاكات الأجهزة الأمنية، أصبح استهداف الموثقين وسيلة لإخفاء الانتهاكات وضمان عدم المساءلة، لكن بالمقابل يعتبر التوثيق سلاحاً فعالاً في مواجهة محاولة الالتفاف على العدالة ومنفذا لتطبيقها.

ما الأسباب التي دفعت محتجي (العبيدية) لإيقاف شركات التعدين وتصعيد الإعتصام؟

هناك، تحت الخيام المنصوبة في منطقة العبيدية، بولاية نهر النيل، شمالي السودان، يجلس مئات المواطنين على السجادات الخضراء، ويناقشون قضايا اعتصامهم المناهض للتعدين، والذي بدأ في الأول من أغسطس وما يزال مستمراً. 

وتعيش المنطقة التي تعتبر واحدة من أكبر أسواق التعدين عن الذهب، في حالة تردي أمني وحوادث نهب وقتل صادمة تفشت في المنطقة بصورة لافتة منذ العام 2020م، حين قتل أحد أبناء المنطقة (همام أحمد خير الله) داخل متجره بسوق الطواحين وسرقت كل ممتلكاته. 

هزت تلك الحادثة سكان المنطقة الذين تجمهروا حينها، وضغطوا على السلطات عبر إغلاق سوق الطواحين، ليقبض على الجناة لاحقاً.

تراكمت الأوضاع الأمنية على مر السنوات وشهدت تطوراً كبيرا، في ظل غياب الحماية ومراكز الشرطة عن المنطقة، الأمر الذي دفع بالمواطنين للتصعيد في اتجاه الاعتصام القائم الآن، والتي تتمثل أبرز مطالبه في ضرورة توفير الحماية والأمن بالمنطقة، جنباً إلى جنب مع مطالب أخرى تتعلق بمحاربة الآثار البيئية للتعدين والمطالبة بتنفيذ مشاريع خدمية، والتي من ضمنها إعادة تأهيل المحطات والشبكات وإنشاء محطة تحويلية للكهرباء لسد حاجة المشاريع الزراعية والصناعية وتنفيذ واكمال الطريق الرابط بين بربر والعبيدية.

وفي خطوات تصعيدية تجاه القضية أغلق المعتصمون مكاتب الوحدة الإدارية بالإضافة لمقر الشركة السودانية للموارد المعدنية، كما اوقفت كل إجراءات تحصيل الرسوم في سوق التعدين، علاوة على إيقاف امداد المياه عن 9 من الشركات العاملة في مجال معالجة واستخلاص الذهب.

وأعلنت اللجنة المشتركة للاعتصام عن خطة تصعيدية تتضمن إغلاق كل المرافق الحكومية والأسواق وشركات التعدين.

ويوضح عضو لجان المقاومة العبيدية، الشيخ ابوشورة، في إفادته لـ (بيم ريبورتس):“المشاركة في الاعتصام واسعة ولا تنحصر على سكان العبيدية، حيث يأتي الناس من المناطق الأخرى في نهر النيل، كما وجدنا دعماً من الأجسام المهنية والمطلبية في كل الولايات”.

اعتصامات مستمرة ووعود منسية

الحراك المطلبي الحالي ليس هو الأول من نوعه الذي تشهده منطقة العبيدية ضد سياسات التعدين وممارساته، ففي يوليو من العام الماضي، نظم المواطنون اعتصاماً مطلبياً ضد الأضرار التي يتسبب فيها التنقيب عن الذهب، وكان عدد المطالب التي رفعها الاعتصام 25 مطلباً، وجاء أبرزها في ضرورة إيقاف التعدين داخل المناطق السكنية والزراعية، والمطالبة بإيقاف نشاط شركات التعدين التي تعمل في التنقيب في مخلفات التعدين التقليدي (الكرتة) واستخدامها مادة السيانيد التي تسبب أضرار للبيئة والإنسان.

رُفِعَ الاعتصام حينها بعد ثلاثة أيام عقب الاجتماع مع والية نهر النيل حينها، أمنة المكي، والتي قدمت وعوداً قاطعة بتنفيذ أغلب المطالب. كما قدم مدير الشرطة وعداً بإنشاء قسم شرطة بسوق الطواحين لتوفير الحماية والأمن والحد من انتشار الجريمة.

لكن بعد مرور أكثر من عام لم تتحقق أغلب الوعود، ليعود أهالي العبيدية للاعتصام مجدداً، وتكون واحدة من شعارات الاعتصام الرئيسية “الأمن مقابل التعدين”.

سوق اقتصادية مربحة وأضرار جسيمة

جاء انتشار التنقيب عن الذهب كنتيجة انقسام السودان إلى دولتين في يوليو من العام 2011م، والذي تسبب في صدمة اقتصادية بسبب خروج عائدات النفط من ميزانية الدولة، والتي كانت تشكل أكثر من نصف العائدات وما يزيد عن 95% من صادرات الدولة. علاوة على فقد السودان عائداته من خطوط الأنابيب بسبب إندلاع الحرب الأهلية في جنوب السودان.

فاقمت هذه الظروف من سوء الوضع الاقتصادي، وتسببت في ضائقة معيشية، وجد المواطنون أنفسهم على إثرها يبحثون عن سبل جديدة لكسب العيش. لينفتح باب التعدين عن الذهب في مناطق وولايات مختلفة في السودان. ويضم قطاع التعدين الأهلي حالياً أكثر من مليوني عامل، بمعدل إنتاج 80% من إجمالي الذهب المستخرج في البلاد. 

وتعد ولاية نهر النيل واحدة من أكبر المناطق التي يمارس فيها نشاط التعدين عن الذهب، حيث تتوفر على 4 من أسواق التعدين الشهيرة والتي من ضمنها سوق التعدين في منطقة العبيدية. 

وفي حين جلب التنقيب عن الذهب فوائد اقتصادية لكل من المعدنين والمجتمعات المستضيفة لعمليات التعدين، وساهم في زيادة إيرادات الدولة وصادرها من الذهب، إلا أنه جلب معه تأثيرات عميقة على البيئة وحياة الناس، فنجد أن هناك شكاوى مستمرة عن حالات التلوث البيئي نتيجة استخدام مواد ضارة بالبيئة والإنسان في عمليات التعدين، مسببة عدداً من المخاطر الصحية على المُعَدِّنين والمجتمعات المستضيفة لعمليات التعدين، حيث ظهر طيف واسع من الأمراض الجديدة وحالات إجهاض وسط النساء الحوامل.

جدل مستمر وتنصل عن المسؤولية

على الرغم من أن أضرار استخدام المواد الكيميائية (الزئبق والسيانيد) موثقة ومعروفة ضمن تقارير عديدة، ووفقاً لـمنظمة الصحة العالمية فإن استنشاق بخار الزئبق يمكن أن يسبب آثاراً ضارة على الجهازين العصبي و الهضمي، وجهاز المناعة. كما أن استخدام السيانيد للتنقيب ومعالجة الذهب يؤدي إلى تكون برك هائلة من نفايات السيانيد ، وهـي مصدر رئيسي لإطلاق السيانيد في المياه الجوفية. وهاتين المادتين هما المستخدمتين سواء في التعدين الأهلي أو من قبل المصانع والشركات. 

ويستخدم الزئبق في التعدين التقليدي، ويستخلص ما نسبته 30% من الذهب الموجود في الحجارة، لكن دائرة الإنتاج هذه لا تتوقف هنا، حيث تقوم شركات ومصانع التعدين باستخدام مخلفات التعدين (الكرتة)  واستخلاص الذهب المتبقي فيها عبر استخدام السيانيد.

لكن هناك تنصل من المسؤولية فيما يتعلق باستخدام المواد الكيميائية في التعدين. ففي حين تُحَصّل الشركة السودانية للموارد المعدنية رسوماً مختلفة من قطاع التعدين التقليدي، ويحتفي مديرها مبارك عبد الرحمن بمنطقة العبيدية، ويصفها بأنها تماثل سنغافورة من حيث إنتاج الذهب، إلا أنه في الوقت نفسه يتنصل عن المسؤولية فيما يتعلق باستخدام الزئبق في عمليات التعدين، ويقول بأنهم لا يجلبون الزئبق، وإنما يجلبه المعدنون. وهو ما يتعارض مع قانون تنمية الثروة المعدنية والتعدين (2015)، والذي ينص في جزء منه بأن السلطة/ الجهة الفاعلة هي التي يقع على عاتقها منح تراخيص التعدين ووضع السياسات العامة المرتبطة به وتقنين العمل. 

إن القضايا المرتبطة بالتعدين لا يمكن معالجتها دون وضع وتطبيق سياسات واستراتيجيات واضحة، والتي تضع صحة وسلامة المعدنين والمجتمعات المحلية المستضيفة لعمليات التعدين في هرم أولوياتها. والآن مع موسم الأمطار فإن ناقوس الخطر يزداد في ولاية نهر النيل مع وجود 450 ألف طن من مخلفات التعدين الملوثة بالزئبق ومعرضة للإنجراف لمصادر المياه ومجرى النيل، الأمر الذي سيخلف مضاراً على إنسان الولاية في الوقت الحاضر وفي المستقبل.