Category: سياسي

هل يؤسس بيان الشرطة في 25 أكتوبر لمرحلة جديدة من القمع ضد المتظاهرين السلميين؟

طالبت الشرطة السودانية، يوم الثلاثاء قبل الماضي، بمنحها سلطات استثنائية تمكنها من عقد محاكمات إيجازية، لتحقيق ما وصفتها بـ”العدالة الناجزة“، وفق بيان أصدرته عقب تظاهرات 25 أكتوبر التي خرجت بالعاصمة الخرطوم وعدة مدن ولائية أخرى في الذكرى الأولى لانقلاب الجيش على الحكومة الانتقالية.

وناشدت الشرطة، حسب البيان، وزارة العدل و”الجهاز التشريعي” بسن تشريعات استثنائية “تمكنها من مواجهة تلك الجماعات لحماية القوات لتباشر مهامها وواجباتها لحسم الفوضى وردع وتقديم الجناة للعدالة الناجزة والمحاكمات الإيجازية في مواجهة الجرائم ضد الدولة وحيازة الأسلحة والمخدرات وإيواء المتفلتين لبسط هيبة الدولة وإحكام سيادة القانون حفاظاً على أمن الوطن والمواطن”.

وتأتي مطالب الشرطة، عقب اتهامات أطلقتها في البيان نفسه عن وجود تشكيلات عسكرية بالتظاهرات.

وخلال عام من انقلاب 25 أكتوبر، قتل 119 متظاهراً سلمياً، وأصيب الآلاف بالرصاص المطاطي وعبوات الغاز المسيل للدموع وسلاح الخرطوش المتناثر، حيث أظهرت مقاطع مصورة عشرات الانتهاكات للشرطة، بما في ذلك إطلاق الرصاص الحي تجاه المتظاهرين، واقتحام مقار وسائل إعلام ومنشآت طبية، وغيرها من الانتهاكات.

وامتداداً لانتهاكات الشرطة، لقي مواطن حتفه، في شهر أكتوبر الماضي، جراء تعرضه لتعذيب داخل أحد أقسام الشرطة بالخرطوم، حسبما أكد تقرير طبي رسمي. 

كما فرضت وزارة الخزانة الأميركية، في مارس الماضي، عقوبات على شرطة الاحتياطي المركزي ذات الطابع العسكري بسبب ارتكابها انتهاكات واسعة بحق المتظاهرين السلميين.

ومع اقتراب العام الرابع لاندلاع ثورة ديسمبر 2018م التي أطاحت بنظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، مثّل الالتزام بالسلمية أحد مبادئ الثورة الرئيسية، ولم يتبنَ المتظاهرون أي دعوات للعنف، في الوقت الذي أبدت فيه الشرطة مواقف عديدة ومتضاربة بشأن مهامها الموكلة إليها، رغم تغيير قيادتها عدة مرات خلال الفترة الانتقالية.

في نهاية يناير 2019م، أثناء ثورة ديسمبر، قتل المعلم أحمد الخير، تحت التعذيب أثناء اعتقاله ونقله من مدينته خشم القربة إلى مدينة كسلا شرقي البلاد، وقتها ادعت الشرطة أنه مات بسبب مرضه أثناء التحقيق، لكن تقارير طبية عرضت في المحكمة لاحقاً، أثتبت تعرضه للتعذيب حتى الموت، قبل أن تدين المحكمة 29 متهماً بجريمة قتله، وتحكم عليهم بالإعدام. 

وبالعودة إلى بيان الشرطة الأخير الذي رفضته لجان المقاومة قائدة الاحتجاجات وقوى الحرية والتغيير وأحزاب أخرى ومنظمات حقوقية ومدنية، فإنه يأتي وفق إفاداتهم كمحاولة لشرعنة العنف ضد المتظاهرين السلميين بموجب القانون، كما رأت أنه يعني مزيداً من العنف. 

كما أعاد بيان الشرطة المطالب القديمة المتجددة بضرورة إصلاحها لتكون جهازاً حيادياً ومستقلاً، خاصة وأنها تعاملت بإزدواجية مع مسيرة دعت إليها مجموعات موالية لحزب المؤتر الوطني المحلول، يوم 29 أكتوبر الماضي بالعاصمة الخرطوم. 

إقالة‌ ‌مدير‌ ‌الشرطة؟‌ ‌أم‌ ‌إصلاح‌ ‌المؤسسة‌ ‌نفسها؟‌

مع بيانها في الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي، تكون الشرطة، قد توجت عاماً كاملاً من الانتهاكات بحق المتظاهرين السلميين عقب الانقلاب، بالدعوة إلى مزيد من القمع المقنن بالتشريعات. يعتقد بعض الخبراء، أن إصلاح جهاز الشرطة يجب أن يكون من أولويات أول حكومة مدنية مقبلة.

يقول الخبير القانوني والقاضي السابق، سيف الدولة حمدنا الله، إن رئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك، لم يفطن إلى أن سلطته تشمل وزارة الداخلية، إلا قبل أشهر من انقلاب البرهان، حينها قام بعزل ضابط برتبة فريق شرطة تحت ضغط الجماهير. 

وأضاف حمدنا الله “قبل ذلك التاريخ لم يجد حمدوك من ينصحه بأن سلطة المكون العسكري بالوثيقة الدستورية تنحصر فقط في ترشيح أسماء شاغلي وزارتي الداخلية والدفاع، وأن هذا الترشيح لا يُخرِج أي من الوزيرين عن نطاق سلطته عليهما كرئيس للوزراء، تماماً كما هو حال سلطة قوى الحرية والتغيير في ترشيح سائر بقية الوزراء.”

وتابع الخبير القانوني “هذا التلكؤ في الفهم هو الذي فوّت على رئيس الوزراء وحكومته فرصة اتخاذ خطوات كانت ضمن سلطته والتي كان من شأنها إصلاح جهاز الشرطة وتنظيفها من القتَلة والمؤدجلين الذين يحصدون الآن أرواح الشباب بلا رحمة، وإحلالهم بضحايا الإنقاذ من مفصولي الشرطة، وبتنظيم دورات تدريب سريعة لتخريج أعداد كبيرة من ضباط وأفراد الشرطة من بين شباب الثورة المؤمنين بها وبأهدافها”.

“شيء من هذا لم يحدث، ولكن ذلك يجب أن يكون من أولى أولويات الحكومة المدنية القادمة”، يوضح حمدنا في مقال نشره عقب بيان الشرطة في يوم 25 أكتوبر الماضي.

"من خلال بيانها في يوم 25 أكتوبر الماضي، تحاول الشرطة شيطنة الحراك الثوري للشارع الذي ظل يقاوم الانقلاب منذ حدوثه، كما تحاول أيضاً اكتساب مشروعية إضافية لممارسة القمع المفرط"، يقول الخبير القانوني والناشط الحقوقي عبد الباسط الحاج لـ(بيم ريبورتس). 

ويضيف الحاج “بالعودة إلى تاريخ هذه القوات في التعامل مع المتظاهرين، فإننا نجد أن العنف الموجه والقتل والسحل كان من صميم التعليمات الأساسية لها في التعامل مع أي حراك سلمي للجان المقاومة والتجمعات السلمية الرافضة للانقلاب”.

ورأى الحاج، أن أكبر دليل على ذلك، ارتفاع سجل انتهاكات حقوق الإنسان بشكل خطير بعد الانقلاب، حيث ابتعث مجلس حقوق الإنسان مفوضاً خاصاً للسودان لمراقبة أوضاع حقوق الإنسان. بالإضافة إلى أن عدد القتلى المباشر وصل إلى حوالي 120 بجانب آلاف المصابين، لافتاً إلى أن هذا يدل على أن القتل والعنف كان منظماً وأن المتظاهرين كانوا أهدافاً مباشرة. 

“طلب الشرطة بمنحها صلاحيات استثنائية في التعامل مع المتظاهرين، يظهر “النية المبيتة وسبق الإصرار على ارتكاب المزيد من العنف وهو انتهاك صارخ لحقوق الانسان”، يقول الحاج.

ويعقد مقارنة بين تعامل الشرطة مع مسيرة أنصار حزب المؤتمر الوطني المحلول يوم 29 أكتوبر وتظاهرات لجان المقاومة، قائلاً: “الشرطة لم تطلق عبوات الغاز المسيل للدموع، ولم تعتقل ولم تضرب ولم تقتل، مع أن المسيرة نفسها كان فيها تحريض على العنف وتهديدات بالقتل للدبلوماسين الأجانب وبعثة الأمم المتحدة في السودان”.

مضيفاً “رغم ذلك لم تتعامل معهم الشرطة بعنف، ما يعني أن الشرطة لم تكن محايدة إطلاقاً، بل هي منحازة لجهاز الدولة الإجرامي وتدافع عن الانقلاب وتدعم عودة الجبهة الإسلامية مرة أخرى”.

ورأى المدافع الحقوقي، أن هذه المواقف تثبت “ما كنا نقوله مراراً، بأن جهاز الشرطة تشوه بسياسات حزب المؤتمر الوطني المحلول، وقد تم تصميمه مسبقاً على حمايته، وهذا ما ظلت تؤكده الشرطة كل مرة بمواقفها”.

وأضاف “لم تقم الشرطة في جميع الأحداث السابقة بتسليم أفرادها في الدعاوى المفتوحة ضدهم ولم تبدِ النية في محاسبة المتورطين في عمليات القتل التي تمت،  بل على العكس ما زالت تبحث عن صلاحيات إضافية لممارسة إجرامها”. وتابع الحاج قائلاً “هذا يقودني إلى التأكيد على أهمية الإصلاح وبناء عقيدة جديدة لرجال الشرطة تحافظ على النظام وتحمي المواطن وتنفذ القانون وتحمي الدستور والحقوق الدستورية”.

ويعتقد خبراء آخرون، أن الشرطة تجاوزت أدوارها ومهامها المعروفة، منتقلة إلى ممارسة السياسة.

يقول عضو اللجنة القانونية لقوى الحرية والتغيير مشعل الزين لـ(بيم ريبورتس)، إن بيان الشرطة الأخير “ذو طابع سياسي تحاول فيه إيجاد مبررات لممارسة العنف تجاه الثوار السلميين”، مشيراً إلى أنها -الشرطة- أصبحت تمارس السياسة متجاوزة بذلك دورها المدني الطليعي في حماية المواطنين والمجتمع.

وأوضح الزين، أن بيان الشرطة في يوم 25 أكتوبر الماضي، أعطاها صلاحيات في التعامل مع المواكب حسب ما يتطلبه الوضع. بجانب صلاحيات السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وهو ما اعتبره تحويل رجل الشرطة إلى قاض ومشرع، قبل أن يوضح أنه غير مؤهل لتصبح كل هذه السلطات الثلاث في يده.

ورأى عضو اللجنة القانونية لقوى الحرية والتغيير، أن البيان له انعكاساته التي ظهرت لاحقاً في موكب 30 أكتوبر الذي زادت فيه الشرطة حجم القمع، رغم عدم أخذها الموافقة على القرارت بعد من الجهات المختصة مثل الأجهزة القضائية والنائب العام. قبل أن يشير إلى أن الشرطة تعاملت بشكل مختلف مع مسيرة أنصار حزب المؤتمر الوطني المحلول في 29 أكتوبر، لافتاً إلى أنها وفرت الدعم اللوجستي والأمني للمسيرة.

“الغرض من بيان الشرطة، ضرب الثوار والثورة وكل مراحل وأشكال المقاومة منذ الانقلاب وحتى اليوم”، يوضح الزين، مشيراً إلى أن نهج سلطة الأمر الواقع، “يمضي في اتجاه فتوى قتل المتظاهرين التي قدمها شيوخ ينتمون للنظام البائد مثل عبد الحي يوسف”، في الوقت الذي اعتبر فيه أن مثل هذه التصرفات لن تؤثر “على الثوار ومبادئهم”.

وبشأن عملية إصلاح الشرطة، قال إن قوى الحرية والتغيير كانت قد شرعت “في الفترة الانتقالية”، في صياغة مشروع قانون الأمن الداخلي لإصلاح الشرطة والأجهزة الأمنية، معتبراً أنه المخرج الحقيقي لأزمة الشرطة.

وأشار إلى أن الشرطة، مرت بمراحل مختلفة ما بعد الاستقلال، كانت تؤدي فيها عملها بشكل مستقل، “قبل أن يتم تدجينها وتحويلها لجهات تنفذ مخططات سياسية بعد تعاقب الأنظمة الأيدولوجية في البلاد”، موضحاً أن مشروع قانون جهاز الأمن الداخلي، كان يعمل على تقديم واجهات متعلمة ومتدربة وواعية بالسلوك العام وذات ارتباط بالثورة.

وحسب الزين، فإن الجهاز المقترح كان قد وضعت له كل الوسائل التي تجعل الشرطة تخرج من أزمتها الحالية وممارسة مهامها وفق عقيدة وطنية ومهنية وليس لديها أغراض، معتبراً أن الأوضاع الحالية لن تساعد في القضاء على مساوئ الأجهزة الشرطية التي قال إنها  تعاني في جميع وحداتها سواء الجنائية أو الاحتياطي المركزي أو الأمنية.

ومن بين العقبات الرئيسية التي تواجه إصلاح جهاز الشرطة، وفقاً للزين، هي أن جميع قيادات الشرطة الحالية تدين بالولاء لحزب المؤتمر الوطني المحلول.

ومع إصدار الشرطة للبيان، زادت حدة عناصرها تجاه المتظاهرين السلميين، وهو الأمر الذي أظهره العنف الذي واجهت به موكب 30 أكتوبر الماضي، لكن رغم ذلك واجه المتظاهرون القمع بالسلمية مع إصرارهم على مواصلة المواكب بإعلانهم جدول مواكب نوفمبر الحالي دون اكتراث للبيان والعنف الأخير.

هل تنهي مقاومة السودانيين غير المسبوقة لانقلاب 25 أكتوبر ممارسة الجيش للسياسة؟

قدرنا أننا الجيل الذي سيدفع تكلفة نهاية الانقلابات العسكرية ولن نؤجل هذه المعركة“. شكّل هذا الشعار الذي أطلقته لجان المقاومة، بوصلة للسودانين، في مقاومتهم المستمرة لانقلاب 25 أكتوبر 2021م، في سعيهم الحثيث لإقامة حكم مدني ديمقراطي.

ولا تعد الانقلابات العسكرية، باستيلاء الجيش على السلطة، حدثاً جديداً، في تاريخ السياسة السودانية ما بعد الاستقلال. لكن، في 25 أكتوبر 2021م، خرّق الجيش عادته الراسخة بتقويض الحكومات المنتخبة، بتنفيذه أول انقلاب على حكومة انتقالية أتت بعد ثورة شعبية، وهو الأمر الذي صحبته بالمقابل أول مقاومة جماهيرية شعبية لانقلاب عسكري في تاريخ البلاد، بدأت منذ الساعات الأولى لوقوعه فجر الاثنين 25 أكتوبر 2021م، وما زالت مستمرة حتى الذكرى الأولى لتنفيذه.

ففي انقلابات؛ 17 نوفمبر 1958م، 25 مايو 1969م و30 يونيو 1989م، التي نفذها الجيش ضد حكومات منتخبة، استطاعت النخب العسكرية التي استولت على السلطة، فرض الأمر الواقع خلال ساعات وأيام معدودة. فبينما شكّل انقلابي 17 نوفمبر و25 مايو حكومتيهما في اليوم الأول لاستيلائهما على السلطة، شكّل انقلاب 30 يونيو حكومته بعد عدة أيام، لكن بالنسبة لانقلاب 25 أكتوبر لم يتمكن من تشكيل حكومة، حتى بعد مرور عام على تنفيذه.

ما قبل الانقلاب

لم تكن البيئة السياسية والإشارات التي سبقت قيام انقلاب 25 أكتوبر استثناءً من بقية الانقلابات العسكرية في البلاد. ففي 24 أكتوبر 2021م، وصل التوتر ذروته بين المدنيين والعسكريين الذين اتفقوا على تشكيل حكومة انتقالية في 17 أغسطس 2019م، في أعقاب إطاحة نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، في أبريل من العام نفسه، عبر ثورة شعبية امتدت لعدة أشهر. بجانب التوترات، وقعت سلسلة من الأحداث المفصلية، بدأت في سبتمبر، بإغلاق شرق السودان، ومحاولة انقلابية فاشلة في الخرطوم، وانتهت باعتصام القصر الجمهوري، جعلت جميع هذه الأحداث من الانقلاب أمراً واقعاً في فجر يوم الاثنين 25 أكتوبر 2021م. 

رغم الإشارات الدالة عليه، إلا أن توقيت انقلاب 25 أكتوبر بدا مفاجئاً، في ظل وجود مسؤول أمريكي رفيع في البلاد، والذي كان يجري مباحثات مع جميع أطراف الأزمة، بمن فيهم رئيس مجلس السيادة الانتقالي، وقتها، عبد الفتاح البرهان. 

عشية الانقلاب، في مساء 24 أكتوبر، عقد المبعوث الأمريكي الخاص للقرن الأفريقي السابق، جيفري فيلتمان، اجتماعاً منفرداً للمرة الثانية مع رئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك، كان قد سبقه اجتماع ثلاثي ضم إلى جانب حمدوك، القائد العام للجيش، عبد الفتاح البرهان، وقائد الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي). حيث أكد البرهان في ذلك الاجتماع “حرص القوات المسلحة على الانتقال الديمقراطي”.   

 بعثت تصريحات البرهان الطمأنينة لدى المسؤول الأمريكي، خاصة تلك المتعلقة بعدم السماح بحدوث أي انقلاب من شأنه عرقلة الانتقال الديمقراطي بالبلاد، وضرورة الاحتكام إلى الوثيقة الدستورية. واستجابة لذلك، نشرت السفارة الأمريكية في السودان بحسابها على فيسبوك، تأكيد فيلتمان “دعم الولايات المتحدة لانتقال ديمقراطي مدني وفقًا للرغبات المعلنة للشعب السوداني”. 

لكن، كل ذلك لم يمنع البرهان أن يعلن، بعد أقل من 24 ساعة، عن فرض حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد، وحل مجلسي السيادة والوزراء، وتعليق العمل ببعض المواد في الوثيقة الدستورية، سبق كل ذلك اعتقال رئيس الوزراء وعدداً من  أعضاء الحكومة الانتقالية.

وكان المسؤول الأمريكي الرفيع، قد أعرب عن تفاؤله بتجاوز الأزمة السياسية في البلاد، عقب اجتماعه مع حمدوك،  قبل أن يستقل في وقت مبكر من صباح 25 أكتوبر الطائرة عائداً إلى بلاده، وقتها بدأت عملية اعتقال قادة الحكومة الانتقالية، بمن فيهم حمدوك. 

بداية الانقلاب

أتى انقلاب 25 أكتوبر الذي نفذه القائد العام للجيش، عبد الفتاح البرهان، قبل أقل من شهر على موعد تسلم المدنيين لرئاسة مجلس السيادة الانتقالي في 17 نوفمبر 2021م والتي كان من المفترض أن تستمر حتى قيام  انتخابات عامة، حسب اتفاق الوثيقة الدستورية، الموقع بين الطرفين.

فمع تأزم الوضع السياسي والتوجهات المعلنة للعسكريين بتقويض الفترة الانتقالية، كان وقوع انقلاب 25 أكتوبر مسألة وقت وحدثا متوقعا يتداوله الكثيرون في أحاديثهم وعلى مواقع التواصل الاجتماعي وكان الواقع السياسي يرويه بوضوح تام، لكن ذلك لم يخفف من روع السودانيين عند اصطدامهم بحقيقة تلك التوقعات، عندما استيقظوا في ذلك اليوم ليواجهوا أحداثاً ضبابية وشائعات لا مفر أن تروى نسبة لانفصالهم عن العالم وعن بعضهم البعض، حيث لم يكن هناك أي وسيلة تواصل متاحة فقد قطعت السلطات الانترنت والمكالمات قبل أن يطل فجر ذلك اليوم. 

لكن السودانيين كانوا قد تسلحوا بتاريخهم الطويل مع الانقلابات العسكرية، فكان الأمر واضحاً، ففي هذه المرة لم ينتظر السودانيون سماع صوت المارشات العسكرية التي تعلن عن بيان انقلابي على تلفزيون السودان القومي أو الإذاعة كما جرت العادة، وانطلقوا إلى الشوارع قبل بزوغ الشمس يرددون هتافات مناهضة للانقلاب على الحكومة الانتقالية، مستخدمين جميع أنواع الاحتجاجات السلمية من حرق للإطارات وإغلاق للشوارع الرئيسية.

بيان الانقلاب

تأخر البرهان لأكثر من 8 ساعات في قراءة بيانه الذي استغرقت تلاوته على التلفزيون القومي دقائق معدودة، الأمر الذي لم يعتده السودانيون في الانقلابات السابقة. كما لم يعتد العسكر على ظهور معارضيهم في الشوارع قبل صدور البيان حتى. أكثر من 8 ساعات، كسر الثوار فيها أطواقاً أمنية عدة وأغلقت شوارع رئيسية وفرعية، ونفد وقود المتظاهرين لإشعال إطاراتهم، والذين نجحوا في إصابة البلاد بشلل تام يعبر ضمنياً عن غضبهم إزاء هذه الأحداث، في تلك الأثناء كان تلفزيون السودان ينبه إلى بيان “عاجل” بعد قليل، بعد أن بث ما في أرشيفه من مارشات عسكرية وأغانٍ وطنية وثورية لمغنيين قدماء وثورات سابقة.

وبعد طول انتظار، ظهر البرهان في بث مباشر يتلو بياناً يعلم الجميع غالبية فحواه، ليبدأ بيانه بافتتاحية يتحدث فيها عن عز وشموخ السودانيين ويشيد بقوتهم ورفضهم الحاسم للحكومات التي لا تؤمن (بالحرية، السلام، والعدالة) في تناقض فادح لكون تلك الكلمات مقدمة بيان انقلابي. وفي الوقت نفسه، الذي كان الآلاف يحتلون الشوارع احتجاجاً على الانقلاب.

أردف البرهان قائلا:“نؤكد مضي القوات المسلحة في إكمال التحول الديمقراطي، حتى تسليم قيادة الدولة لحكومة مدنية منتخبة”. وردت هذه العبارة في بيان الانقلاب، وأشار البرهان إلى الصراع بين شركاء الفترة الانتقالية، والذي وصفه بأنه تهديد لأمن الوطن ووحدته وسلامه. وعلى ضوء ذلك، نفذ البرهان انقلابه الذي أطلق عليه (إجراءات 25 أكتوبر التصحيحية) والتي قضت باعتقال قادة السلطة المدنية المشاركة له في الفترة الانتقالية، وإعلان حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد ثم حل مجلسي السيادة والوزراء وإعفاء جميع ولاة الولايات من مناصبهم.

بالإضافة لتجميد عمل لجنة تفكيك نظام ال30 من يونيو، وهكذا قضى السودان تلك الليلة بلا حكومة وتلتها ليال عدة مشابهة تحكي فشل الانقلاب الذريع في التحرك بالبلاد نحو مربع جديد.

ردود الفعل الدولية

تباينت ردود الفعل الدولية على الانقلاب، باعتبار أن المجتمع الدولي كان منخرطاً في الأزمة السياسية ما قبل الانقلاب، بجانب أن تنفيذ الانقلاب تم بعد ساعات قليلة من اجتماع المبعوث الأمريكي، جيفري فيلتمان، مع رئيس الوزراء السابق،عبد الله حمدوك، والقائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان، حيث طمأن الأخير المبعوث الأمريكي، والذي عبر عن تفاؤله بوجود مخرج للأزمة الحالية في السودان.

لذلك سارعت الولايات المتحدة في إعلان رفضها القاطع لما وصفته بـ”استيلاء الجيش على السلطة” وتوعدت الحكومة الانقلابية بقطع مساعدتها في حالة فرض أي تغييرات بالقوة. أما بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فقد أعرب عن قلقه إزاء الأحداث، حيث غرد الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية للاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، على منصة تويتر أنهم يتابعون الأحداث الجارية في السودان، وأضاف:”الاتحاد الأوروبي يدعو جميع المعنيين والشركاء الإقليميين لإعادة العملية الانتقالية لمسارها الصحيح“. 

أما الاتحاد الأفريقي من جهته، فقد أعرب عبر مفوضيته عن قلقه البالغ إزاء الوضع في السودان، ودعت مفوضة الاتحاد الأفريقي إلى إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين. 

وكان موقف الأمم المتحدة مشابها حيث نشرت على حساب البعثة الأممية بيان لرئيس البعثة (فولكر بيرتس) يتحدث عن “انقلاب جار في السودان” وكتب بيرتس معلقاً على الوضع “الاعتقالات التي طالت رئيس الوزراء و المسؤولين الحكوميين والسياسيين غير مقبولة“. ودعا في حديثه قوات الأمن لإطلاق سراح المعتقلين.

لم يختلف موقف المملكة العربية السعودية فقد شددت بدورها في بيان من الخارجية السعودية على “أهمية ضبط النفس والتهدئة وعدم التصعيد و الحفاظ على ما تحقق من مكتسبات سياسية و اقتصادية لحماية وحدة الصف بين المكونات السياسية في السودان“.

عام يسدل ستاره على الخامس والعشرين من أكتوبر، الانقلاب الذي بدأت مقاومته منذ اللحظات الأولى، وما تزال مستمرة، برغم العنف والتقتيل الذي تمارسه القوات الأمنية المختلفة في حق المتظاهرين، والتي حصدت 118 شهيداً، كان آخرهم عيسى عمر، يوم أمس 23 أكتوبر، بحي الصحافة بالخرطوم، حيث تلقى رصاصة مباشرة في الصدر.

وحتى المتظاهرين الذين نجوا من الموت، لم ينجوا من الإصابات، فالعنف واستخدام الرصاص، والغاز المسيل للدموع، والاعتداءات بالضرب والتعذيب تسببت في 1074 إصابة بلغية، مع ثلاثة حالات اعتداء جنسي. وعلاوة على ذلك، تشهد عدداً من مناطق السودان؛ النيل الأزرق ولقاوة (غرب كردفان) صراعات أهلية دامية راح ضحيتها المئات، وشردت عشرت الآلاف، وسط صمت كامل من قبل حكومة الأمر الواقع.

كيف تحولت ثورة أكتوبر 1964 إلى معركة مستمرة لاستعادة الحكم الديمقراطي في السودان؟

“من غيرنا يعطي لهذا الشعب معنى أن يعيش وينتصرْ، من غيرنا ليقرر التاريخ والقيم الجديدةَ والسيرْ، من غيرنا لصياغة الدنيا وتركيب الحياةِ القادمةْ، جيل العطاءِ المستجيش ضراوة ومصادمةْ، المستميتِ على المبادئ مؤمنا، المشرئب إلى السماء لينتقي صدر السماءِ لشعبنا، جيلي أنا”. 

بهذه الأبيات وغيرها، وثّق الشاعر والدبلوماسي محمد المكي إبراهيم لثورة أكتوبر 1964م، والتي انطلقت شرارتها الأولى في يوم 21، لتطيح بحكم الجنرال إبراهيم عبود (1958-1964م)، أول نظام عسكري في السودان بعد الاستقلال، قبل أن تفتح الباب واسعاً أمام السودانيين في مسيرتهم لمقاومة الحكم العسكري وتأكيد رغبتهم في الحكم المدني الديمقراطي. حيث تعتبر ثورة أكتوبر 1964م، حدثاً فريداً من نوعه في العالمين العربي والأفريقي ومعلماً للشعوب التي تنشد التحرير من قيود القهر والاستبداد. 

تأتي الذكرى الـ 58 لأكتوبر والبلاد ما تزال تحت قبضة الحكم العسكري التي تراخت على وقع ضربات ثورة ديسمبر 2018م، لكن سرعان ما أعاد الجيش سيطرته على مقاليد السلطة مرةً أخرى في أكتوبر الماضي، وذلك بعد أقل من ثلاث سنوات على إسقاط أطول الأنظمة العسكرية بقاءً في السلطة، نظام الرئيس المخلوع عمر البشير (1989-2019م).

يوضح المكي، الذي كان مشاركاً في الثورة وأحد أصواتها البارزة، في كتابه (أكتوبر، نار الأمل ورماد الخيبة) دور ثورة أكتوبر بالقول : “إن الافتتان بأكتوبر ليس مصدره حكومتها قصيرة الأجل، ومنجزاتها الحقيقية والمتوهمة، إنما روحها العام ومبادئها المعلنة كحركة مناهضة للديكتاتورية ونجاحها الفريد في اجتثاث نظام عسكري مستعد للبطش وإراقة الدماء، ذلك على أيدي متظاهرين عزل من السلاح”.

شرارة البداية

 “بدأت شرارة ثورة أكتوبر 1964م، يوم الأربعاء 21 أكتوبر، عندما هاجمت الشرطة ندوة طلابية بداخلية جامعة الخرطوم، حيث انطلقت مكبرات الصوت من الشرطة داعية الطلاب إلى التفرق، رغم أن الندوة عُقدت بمنطقة سكنهم، لكن مدير الندوة رد طالباً من الحضور التشبث بأماكنهم والاستمرار في الندوة. عندها انقطع التيار الكهربائي بفعل القوات الأمنية وانهمر الغاز المسيل للدموع على الطلاب. وفي ذلك الظلام الدامس، اِلتحم الطلاب مع الشرطة منهالين عليها بالحجارة، فيما استخدمت الشرطة الرصاص الحي الذي كان بمثابة صيحة يأسهم الأخيرة، لكن الطلاب اختاروا الاستبسال في المقاومة مواجهين رصاص الشرطة لما يقارب الساعتين، أسفر ذلك عن جرحى وسط الطلاب ومقتل أول شهيد لحركة الطلاب السودانيين، الشهيد أحمد طه القرشي الطالب بكلية العلوم والذي أردته رصاصة غادرة وهو يقف مع رفاقه في الصفوف الأمامية بمواجهة الشرطة، لقد مات معه وبعده كثير من الشهداء ذلك المساء وما بعد ذلك المساء.

انطلاق الثورة

بعد مقتل القرشي، حُول جثمانه إلى مشرحة مستشفى الخرطوم الملكي، وفي صباح اليوم التالي الخميس 22 أكتوبر، شُيّع جثمانه بميدان عبد المنعم محمد بوسط الخرطوم بمشاركة عشرات الآلاف،  وردد المتظاهرون شعارات مناهضة للحكومة، كما قدم أعضاء هيئة التدريس في جامعة الخرطوم استقالاتهم، حيث قالوا إنهم لن يقوموا بسحبها إلا في حال انتهى النظام العسكري وتشكيل حكومة دستورية من شأنها حماية استقلال الجامعة. 

لم يتردد المشيعون وانطلقوا للتظاهر في غضب واحتقان عارم، امتد الحراك ليشمل معهد المعلمين والمعهد التقني وطلاب المدارس الثانوية مجتمعين في  مواكب حاشدة بوسط الخرطوم تعلم وجهتها جيدا وتردد بإصرار “نحو القصر حتى النصر”

تواصلت الاحتجاجات وبدأ انفجار ولايات السودان ثائرة واحدة تلو الأخرى بالرغم من قمع الاجهزة الأمنية وارتفاع أعداد المصابين والشهداء الذين تجاوز عددهم الثلاثين شهيداً.

في الأثناء، بدأت المعارضة في تنظيم صفوفها حيث انضمت النقابات المهنية والعمالية واستخدمت آليات مبتكرة كإجراءات الإضراب السياسي العام والتظاهر اليومي وغيرها، لم يضطر النظام أن يتعامل مع آليات مشابهة من قبل ما سبب شللا في الوضع العام بالبلاد، فصار نظاما مترنحا يقمع بقوة تارة و يرخي الحبل تارة أخرى.

تسارع الأحداث

مع استمرار التظاهرات، تسارعت الأحداث، حيث أصدر حزب الأمة في يوم الجمعة 23 أكتوبر، بيانا شجب فيه السياسة الاقتصادية للنظام وارتفاع تكاليف المعيشة في البلاد، وطالب بدستور ديمقراطي. في يوم السبت 24 أكتوبر استمرت التظاهرات الطلابية وامتدت إلى مدن أخرى، بما في ذلك أمدرمان وجوبا وبورتسودان، وفي هذا اليوم حاولت مجموعة من المهنيين بقيادة المحامين تقديم التماس ضد الأعمال الوحشية التي ارتكبتها حكومة عبود، لكن لم يُسمح للمهنيين بالمضي قدماً، ولكن قبل أن يتفرق الناس أعلنوا إضرابا عاما. 

تحت ضغط الثورة، أعلن الجنرال إبراهيم عبود، في يوم الاثنين 26 أكتوبر، حل المجلس العسكري الأعلى ومجلس الوزراء فيما وصفها “خطوة أولى على طريق إعادة تنظيم شؤون الدولة وإعداد دستور”. لكن في يوم الأربعاء 28 أكتوبر، صدر بيان عن مجموعة من ضباط الجيش أطلقوا على أنفسهم “الضباط الأحرار” أعلنوا فيه انضمامهم للشعب من أجل استعادة الديمقراطية والدستور.

وفي 30 أكتوبر دعا عبود إلى إجراء حوار وطني دون شروط وتشكيل حكومة جديدة يكون هو جزء منها، حيث تم تشكيل حكومة جديدة في نفس اليوم برئاسة مساعد وزير التربية والتعليم سر الختم الخليفة، لكن المؤسسة العسكرية السودانية قامت باعتقال الضباط الذين كتبوا بيان الضباط الأحرار، فتظاهر الناس تضامنا معهم، وسرعان ما انتشرت الاضطرابات ولم يستطع الفريق عبود مواجهتها، ليتقدم باستقالته في الخامس عشر من نوفمبر التالي ويسلم السلطة إلى المدنيين.

مع مرور الذكرى الثامنة والخمسون لثورة أكتوبر 1964م اليوم الجمعة، يكاد السودانيون يلمسون “نار الأمل”، غير أن “رماد الخيبة” يتجلى لهم واضحاً، فبعد كل هذه السنوات على اندلاع ثورة أكتوبر 1964م، ما تزال البلاد تحت قبضة الحكم العسكري، عقب انقلاب 25 أكتوبر 2021م. ليتجاوز عمر الحكم العسكري في البلاد الـ 53 عاماً، من مجمل 66 عاماً منذ الاستقلال، والتي انطلقت خلالها ثورة أكتوبر 1964م كميلاد جديد للسودانيين في مسيرتهم لمقاومة الحكم العسكري وتأكيد رغبتهم في الحكم المدني الديمقراطي.

يواجهون الموت والسجن والتجاهل.. ما مصير المهاجرين السودانيين بالمغرب؟

قتلى وجرحى ومفقودين، ومطاردين ومحكومين بالسجن لسنوات”، هكذا انتهى المطاف بغالبية المهاجرين السودانيين بالمغرب، في محاولتهم لتجاوز السياج الحدودي والعبور إلى إسبانيا. 

ويوم الأربعاء الماضي، أصدرت محكمة مغربية حكماً بالسجن على 15 مهاجراً سودانياً لفترات تراوحت بين سنتين إلى ثلاث سنوات. وكان المسجونون قد اعتقلوا قبل أربعة أشهر، إثر محاولة ما يزيد عن الـ 2000 مهاجر، غالبيتهم من السودان، والجزء الآخر منهم من جنوب السودان وتشاد، تخطي السياج الفاصل بين مدينة الناظور المغربية وجيب مليلية (منطقة تشهد تنازع على سيادتها بين المغرب وإسبانيا). 

ورغم مقتل عدد من المهاجرين السودانيين بالمغرب والأحكام القاسية بالسجن والمصير المجهول لبعضهم، إلا أن حكومة الأمر الواقع بالبلاد، لم تتخذ ما يكفي من الإجراءات السياسية والدبلوماسية، لمساعدة مواطنيها.

مأساة 24 يونيو

وفقاً للشرطة المغربية، فإن 23 مهاجراً لقوا مصرعهم في أحداث الرابع والعشرين من يوليو. حيث استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع والحجارة على المهاجرين المتشبثين بالسياج. فيما تقول الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، إن عدد القتلى بلغ 27 مهاجراً.  

وفي أعقاب التصدي العنيف للمهاجرين والذي أدى إلى مقتل العشرات منهم، خرجت تظاهرات في العاصمة المغربية الرباط، وعدة مدن إسبانية للتنديد بالعنف الذي مورس ضد المهاجرين. وطالب المحتجون بإجراء تحقيق حول الحادثة، قبل أن ينددوا بسياسات الهجرة وعنف الشرطة في الحدود.  

من جهتها، استنكرت الأمم المتحدة لجوء كل من: المغرب وإسبانيا لاستخدام العنف المفرط ضد المهاجرين، وقال الناطق الرسمي باسم الأمم المتحدة يوم الثلاثاء، الموافق 28 يونيو “لقد صدمنا بمشاهد العنف الذي وقع عند الحدود بين المغرب وإسبانيا في شمال أفريقيا في 24 يونيو، والذي أسفر عن مقتل العشرات من طالبي لجوء ومهاجرين”. وأكد على أن للمهاجرين حقوق واجبة الاحترام، إلا أنها تُنتهك في كثير من الأحيان. وخلال جلسة شهدتها محكمة الاستئناف بمدينة الناظور المغربية بتاريخ 12 أكتوبر الجاري، قال المعتقل العبيد عوض محمد، إنه وبعد اجتيازه السياج الحدودي نحو مليلية، قبض عليه الحرس المدني الإسباني وسلمه إلى الشرطة المغربية. الأمر الذي  يعتبر خرقاً لقانون اللجوء، وحق المهاجرين في طلب الحماية. نٌقل العبيد إلى مخفر الشرطة وحكم عليه بالسجن لثلاث سنوات.

مسارات بديلة

في العقد الأخير، ومع صعوبات الحياة وانعدام الفرص وتدهور الأوضاع الاقتصادية وتنامي النزاعات المسلحة في البلاد، ارتفع عدد الشباب الذين سلكوا طريق الهجرة، حاملين آمالاً وأحلاماً بعيش حياة كريمة، بعدما ضاقت عليهم الحياة وحاصرتهم في السودان. حيث يخاطر آلاف السودانيين بحياتهم، في سبيل الوصول إلى أوروبا وطلب اللجوء إليها، وبعدما جربوا لسنوات البحر والصحراء، ها هم يحاولون ركوب مخاطر جديدة للعبور إلى أوروبا عبر السياج الحدودي الفاصل بين المغرب وإسبانيا.

وغالبية المهاجرين السودانيين الموجودين في المغرب  قدموا من ليبيا والتي فروا منها بسبب الوضع الأمني المعقد، والتعرض المستمر للسجن والاعتقال والمعاناة اليومية، لتصبح المغرب مساراً جديداً في رحلة المهاجرين الذين يحلمون بالوصول إلى أوروبا. فمع استعصاء ذلك عن طريق بوابة ليبيا إلى إيطاليا، ها هم يحاولون الوصول إلى إسبانيا عن طريق بوابة المغرب.

وفي سبيل محاولتهم العبور إلى أوروبا، يعيش المهاجرون السودانيين في المملكة المغربية أوضاعاً قاسية عنوانها الفقر والتشرد، فيما يشتكي كثيرون بينهم من عمليات مطاردة واعتقال من قبل الشرطة. ويطمح المهاجرون في الحصول على وضعية لجوء تمكنهم من مواصلة حياتهم بشكل طبيعي.

استجابة خافتة

بعد انتشار خبر مقتل 23 مهاجراً أثناء محاولتهم عبور السياج الحدودي بين مدينتي الناظور ومليلية، ووجود معلومات عن أن من بين القتلى مهاجرين سودانيين، عقد وكيل وزارة الخارجية السودانية، دفع الله الحاج علي، اجتماعاً مع سفير المغرب، حيث طلب الحاج السفير المغربي موافاة وزارة الخارجية بما يتوافر لديهم من معلومات وتسهيل مهمة سفارة السودان في الرباط لزيارة مراكز الحجز وتوفير المعلومات من الجهات المختصة بشأن الضحايا جراء الأحداث. وحسب الحاج، فإن الخارجية لم تتوصل إلى معلومات موثوقة إذا ما كان من بين الضحايا مهاجرين سودانيين.

بالمقابل، تعيش أسراً سودانية حالة من الهلع والخوف على حياة أبنائها مجهولي المصير فيما تنشط عدد من المبادرات الفردية والجماعية لمعرفة مصير المهاجرين، والذين اُحتجز جزء منهم وأصدر في حقهم عقوبات بالسجن والغرامة. وفي حين أن الخارجية السودانية لم تقدم أي معلومات دقيقة حتى الآن، إلا أن الجمعية المغربية تتابع بصورة لصيقة أوضاع السودانيين في المغرب، وتنشر باستمرار أسماء المهاجرين المسجونين وتتابع قضاياهم في المحاكم المغربية. 

فيما لا يزال مصير كثير من المهاجرين السودانيين بالمغرب مجهولاً، حيث لا تتوافر بعد معلومات دقيقة عن القتلى في أحداث 24 يونيو الماضي، أو الجرحى وأماكن وجودهم. وفيما يعيش أهالي المهاجرين حالة من الترقب والانتظار، فإن الجهة الوحيدة التي تعمل برفقتهم حتى الآن هي الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، والتي تطالبهم بإرفاق أسماء وصور أبنائهم حتى تتمكن من مساعدتهم في البحث عنهم. 

بعد مرور عدة أشهر عليها وتفاقهما أخيراً، ما تزال مأساة السودانيين في المغرب مستمرة، والتي وصلت أوجها في الرابع والعشرين من يونيو الماضي، مع غياب كامل لتحركات سودانية رسمية حقيقية لاستجلاء أوضاعهم وتقديم المساعدة لهم، ولمعرفة المزيد حول الأمر حاول فريق (بيم ريبورتس) التواصل مع المتحدث باسم الخارجية عدة مرات لكنه لم يرد.

كيف مهّد اعتصام القصر الجمهوري الطريق أمام انقلاب 25 أكتوبر؟

الليلة ما بنرجع إلا البيان يطلع، هذا كان هتاف القيادي بمجموعة ميثاق التوافق الوطني، التوم هجو، من داخل منصة اعتصام القصر الجمهوري بالعاصمة السودانية الخرطوم في الفترة ما بين 16 إلى 25 أكتوبر 2021م، وسط مئات المؤيدين للإطاحة بالحكومة الانتقالية. 

مهّد الاعتصام الذي شاركت فيه إدارات أهلية قدمت من ولايات البلاد المختلفة، وجماعات وكيانات محسوبة على بعض الحركات المسلحة، الطريق أمام الجيش للاستيلاء على السلطة في 25 أكتوبر عبر انقلاب عسكري.

بدأ اعتصام القصر الجمهوري، بمظاهرات يوم السبت 16 أكتوبر 2021م، دعت إلى حل الحكومة الانتقالية وتشكيل حكومة جديدة، وسرعان ما وصل المئات إلى بوابة القصر الجمهوري الجنوبية بشارع الجامعة وبدأوا فوراً في نصب منصة للاعتصام. وقال قادة المتظاهرين، إنهم يعتزمون مواصلة الاعتصام أمام القصر حتى تحقيق مطالبهم، فيما تناوب قادة من مجموعة الميثاق الوطني على إلقاء خطب من منصات تم نصبها لهذا الغرض.

بالتزامن مع بداية اعتصام القصر، في السادس عشر من أكتوبر 2021م، أجازت مجموعة ميثاق التوافق الوطني، بالخرطوم ميثاقاً طالبت فيه بتوسيع قاعدة المشاركة في حكومة الفترة الانتقالية، وتنفيذ بنود الوثيقة الدستورية، وتشكيل حكومة كفاءات. كما طالب الميثاق، بضرورة استكمال هياكل السلطة الانتقالية، من بينها المحكمة الدستورية والمجلس التشريعي الانتقالي.

وكانت مطالب الاعتصام قد شملت: “تطبيق الوثيقة الدستورية، والعودة لمنصة التأسيس، وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية، وحل حكومة المحاصصات الحزبية، وتكوين حكومة كفاءات مستقلة، ضد الانقلابات العسكرية، وتكوين مفوضية مكافحة الفساد، وقيام المحكمة الدستورية، وتشكيل المجلس التشريعي الانتقالي، وترسيخ العدالة وحكم القانون، وتشكيل المجلس الأعلى لقضاء، وإسقاط هيمنة مجموعة الأربعة أحزاب”.

المطالب التي قدمها قادة اعتصام القصر والتي قالوا إنها ضرورية لاستكمال عملية التحول الديمقراطي، لم يتحقق من بنودها حتى بعد مرور عام عليها، اليوم الاثنين، سوى حل الحكومة الانتقالية عبر انقلاب عسكري.

في المقابل، تماثلت مطالب اعتصام القصر، مع وعود القائد العام للجيش، عبد الفتاح البرهان، في بيان انقلابه في 25 أكتوبر الماضي. قال البرهان “سنحرص على إكمال مطلوبات العدالة والانتقال، مفوضية صناعة الدستور، مفوضية الانتخابات مجلس القضاء العالي، المحكمة الدستورية، مجلس النيابة قبل نهاية شهر نوفمبر من العام الحالي”، مضيفاً “لذلك سنشرك الشباب والشابات الذين صنعوا هذه الثورة في قيام برلمان ثوري يراقب ويقف على تحقيق أهداف ثورته الذي ضحى من أجلها رفاقهم وإخوانهم”.

سياق الاعتصام

جاء اعتصام القصر الرئاسي، في خضم الأزمة السياسية بين المدنيين والعسكريين التي أعقبت المحاولة الانقلابية الفاشلة بالخرطوم في 21 سبتمبر 2021م، وبالتزامن مع توقيع مجموعة من الحركات المسلحة وجماعات سياسية أخرى ميثاق التوافق الوطني، حيث أصبحت بذلك فصيلاً مستقلاً عن قوى الحرية والتغيير.

سلسلة من الأحداث والتوترات سبقت اعتصام القصر الجمهوري، بينها إجازة قوى الحرية والتغيير، لإعلان سياسي بمشاركة رئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك، في الثامن من سبتمبر، أعقبه لاحقاً بعد منتصف الشهر نفسه إغلاق شرق البلاد، من قبل مجموعات موالية للزعيم الأهلي، سيد محمد الأمين ترك. أيضاً، كانت تُثار نقاشات محلية ودولية حول مستقبل الانتقال الديمقراطي، قبل أن يطرح حمدوك مبادرة لحل الأزمة، شملت تكوين خلية أزمة 6+1 برئاسته، تضم 2 من العسكريين، و2 من الحرية والتغيير و2 كذلك من مجموعة ميثاق التوافق الوطني.

مع تصاعد الأزمة السياسية بشكل غير مسبوق، بعد بداية اعتصام القصر، أعلنت، قوى دولية على رأسها الولايات المتحدة والأمم المتحدة، دعمها لمبادرة حمدوك لتجاوز الأزمة لضمان استمرار عملية التحول الديمقراطي. حيث رحب وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن بخريطة الطريق التي أعلن عنها حمدوك لإنهاء الأزمة في البلاد من أجل الحفاظ على الانتقال الديمقراطي في السودان.

وحث بلينكن جميع الأطراف على اتخاذ خطوات فورية وملموسة للوفاء بالمتطلبات الرئيسة للإعلان الدستوري.

لكن، في ظل الإصرار على حل الحكومة الانتقالية ودعوة الجيش للاستيلاء على السلطة من قبل قادة اعتصام القصر الجمهوري، الذي انفض تلقائياً مع انقلاب 25 أكتوبر 2021م، أرسلت واشنطن مبعوثها الخاص للقرن الأفريقي، جيفري فيلتمان، في محاولة على الأرض لإيجاد حل للأزمة التي كانت تعصف بالانتقال.

اتهامات

اتهمت مجموعة ميثاق التوافق الوطني قوى الحرية والتغيير بالسعي للانفراد بالسلطة من خلال إقصاء باقي التيارات المدنية في البلاد. وقال حاكم إقليم دارفور وأحد قادة التوافق مني أركو مناوي، إن قوى الحرية والتغيير اختطفت الثورة، مؤكداً أن مجموعتهم تدعو لتوسيع قاعدة المشاركة في الحكومة.

بالمقابل، قالت قوى الحرية والتغيير، إن الأزمة الحالية في البلاد تقف خلفها قيادات عسكرية ومدنية محدودة، تهدف إلى إجهاض الثورة عبر تجويع الشعب وتركيعه وإحداث انفلات أمني، وقفل الموانئ، وإغلاق الطرق. وأشارت الحرية والتغيير، إلى أن عناصر من النظام السابق، وراء الدعوات لمسيرات السبت، مشددة على أن حل الحكومة قرار تملكه قوى الحرية والتغيير، وبالتشاور مع رئيس الوزراء وقوى الثورة، ولا يتم بقرارات فوقية. 

ووصفت خطاب رئيس الوزراء وقتها عبد الله حمدوك، بأنه منحاز للتحول المدني الديمقراطي، وداعم لتفكيك النظام المعزول.

بينما شددت السفارة الأمريكية في الخرطوم، من جهتها، في تغريدة بحسابها الرسمي على موقع تويتر يوم السبت 15 أكتوبر 2021م، على أنها تدعم الانتقال المدني الديمقراطي في السودان بشكل كامل، بما في ذلك تنفيذ المؤسسات الانتقالية، والبدء في التحضير للانتخابات.

 وخارطة الطريق التي طرحها حمدوك دعت إلى وقف التصعيد والحوار، وقال حمدوك إن “الأزمة الحالية أسوأ وأخطر أزمة تهدد الانتقال الديمقراطي في البلاد”، مضيفاً أن المحاولة الانقلابية الفاشلة التي جرت الشهر الماضي أججت الخلافات، بدل أن تكون فرصة لتنبيه الجميع إلى المخاطر المحدقة بالبلاد.

وأشار إلى أنه وضع خريطة طريق لحل الأزمة الراهنة بناء على نقاشاته مع الأطراف المعنية، لافتاً إلى أن المدخل لتنفيذ هذه الخريطة هو وقف التصعيد بين الأطراف، والتأكيد على الحوار. 

ورأى حمدوك، أن الصراع الدائر الآن في البلاد ليس بين المدنيين والعسكريين، بل هو بين معسكر الانتقال الديمقراطي ومعسكر الانقلاب على الثورة.

بيئة الاعتصام وردود فعل العسكر

كان اعتصام القصر الجمهوري منصة للانتقادات والاتهامات الموجهة لقوى الحرية والتغيير باعتبار أنها منفردة بالسلطة، وسلطة اتخاذ القرار، وركزت المنصات في الهجوم عليها على اعتبار أنها المسؤولة من تردي الأوضاع الاقتصادية والسياسية وأنها تقف عقبة أمام اكتمال عملية التحول الديمقراطي.

أيضاً، شهد الاعتصام اعتداءات على الصحفيين والإعلاميين ومراسلي وكالات الأنباء، كما تم طرد ومنع العديدين منهم من التغطية.

مع وصول المتظاهرين المطالبين بحل الحكومة الانتقالية، إلى محيط القصر الرئاسي، وبدء اعتصامهم ونصب منصاتهم، التزم القادة العسكريين الصمت، فيما لم تبدِ السلطات المختصة أي ردود فعل تجاههم، رغم هجوم مسلحين بهراوات وعصي على وكالة السودان للأنباء ووزارة الإعلام، ومحاولة إغلاق كبري المك نمر.

تمويل وتنظيم الاعتصام

مع وصول قادة إدارات أهلية إلى الخرطوم بالتزامن للمشاركة في اعتصام القصر الجمهوري وتنامي الخطاب التحريضي ضد الحكومة الانتقالية في ظل تصاعد الخلافات بين القادة المدنيين والعسكريين وتعطل الاجتماعات الرسمية المشتركة في مجلسي السيادة والوزراء الانتقاليين، بدأت تثور الاتهامات حول الجهات المنظمة والممولة للاعتصام من الظل، في خضم المظاهر البذخية التي ظهرت في الاعتصام، وظهور رجال أعمال محسوبين على النظام البائد والعسكريين.

 عقب نجاح اعتصام القصر الجمهوري، في تقويض الحكومة الانتقالية والتمهيد لتنفيذ انقلاب 25 أكتوبر، وضعت العواقب السياسية والاقتصادية والدولية والإقليمية التي ترتبت عليه البلاد في مواجهة عزلة دولية جديدة وتعقيد المشهد الداخلي. بما في ذلك استشهاد حوالي 118 متظاهراً سلمياً وإصابة الآلاف، وتعليق عضوية البلاد في الاتحاد الأفريقي وتجيمد إعفاء الديون، ووقف المساعدات التنموية الغربية والتعاون مع صندوق النقد والبنك الدوليين. 

تبرير انقلاب 25 أكتوبر

بعد حوالي عام من بداية اعتصام القصر، قالت قوى التوافق الوطني (الميثاق)، في بيان صحفي، في الثالث عشر من أكتوبر الحالي، إن “الممارسة السياسية على الطريقة التي جرت بعد 2019م، أصبحت سبباً لحدوث ٢٥ أكتوبر”. 

وأشارت إلى أن “مبدأ الحوار السوداني-السوداني دون إقصاء“هو السبيل الوحيد إلى الوصول لحل سياسي للأزمة السودانية”. وحذر البيان، من “إعادة إنتاج الأزمة، سيسبب كوارث تهدد بقاء كيان الدولة السودانية ويهدد تماسك النسيج الاجتماعي كما يهدد السلام والاستقرار”. أيضاً رفض البيان، ما سماه “استمرار هذا الوضع الذي يكتنفه الغموض بحكم غياب نظام تنفيذي في البلاد مما تسبب في الإضرار بمعاش الناس وأمنهم ومس سيادة البلاد”.

وتأتي تصريحات مجموعة ميثاق التوافق الوطني، في خضم تسريبات صحفية، تتحدث عن قرب التوصل لاتفاق بين المدنيين (قوى الحرية والتغيير) والعسكر.

رغم مطالبتهم بتشكيل حكومة كفاءات مستقلة، ما قبل وبعد انقلاب 25 أكتوبر، إلا أن قادة الحركات المسلحة استمروا في مناصبهم الدستورية، وفي مفاصل الدولة المختلفة، فيما لم يحققوا أياً من المطالب التي دعوا لها أثناء الاعتصام. 

كيف وظّف القانون الجنائي كأداة لقهر النساء في السودان تحت غطاء (النظام العام)؟

في أحد مساءات ديسمبر 2017م، وبعد خروجها من مكان عملها بالعاصمة السودانية الخرطوم وانتظارها للمواصلات العامة رفقة زميلها، اعترض نظاميان يستقلان سيارة، الصحفية والناشطة ويني عمر واتهماها بإرتداء الزي الفاضح وفقاً للمادة 152 من القانون الجنائي. حوكمت ويني عمر في وقت لاحق ضمن قوانين النظام العام، وفي إفادة لها بشأن المحكمة قالت ويني عمر، إن أكثر شئ مذل ومهين كان حين طلبوا منها ارتداء الملابس واستعراضها في طابور عرض المحكمة.

لم تكن قضية ويني عمر هي الأولى ولا الأخيرة، التي طوردت فيها النساء السودانيات من قبل السلطة، في الفضاء العام والخاص، وتعرضنْ للضرب والابتزاز والقتل في بعض الأحيان.

وفي حين، أن قوانين النظام العام فيها جوانب متعلقة بالرجال أيضاً، إلا أن القضايا في العموم موجهة تجاه النساء وأجسادهنْ، والترصد المستمر بهنْ. ففي فبراير 2018م، وبعد ثلاثة أشهر من قضية الزي الفاضح، قامت الشرطة بمداهمة منزل  شهد اجتماعاً شاركت فيه ويني عمر رفقة آخرين، ووجهت لويني اتهامات بممارسة الدعارة، اعترضت عمر ووضحت للشرطة أنهم في اجتماع، لكنهم صادروا حاسوبها الشخصي واحتجزت لمدة 5 أيام.

قانون النظام العام

قانون النظام العام بولاية الخرطوم 1996، هو قانون خاص بولاية الخرطوم، حيث شُرّع في العام 1996 وبدأ العمل به من حينها. وتجدر الإشارة إلى أن قانون النظام الذي جاء في سبع فصول ركّزت على أحكام تتعلق بإقامة حفلات الغناء، وشروط فتح أماكن نسائية لتصفيف الشعر، وضوابط استخدام المركبات العامة، وحظر ممارسة التسول والتشرد، ومجموعة من الأحكام العامة. لكن المواد التي استخدمت للتضييق على الحريات الشخصية والتي صممت لمطاردة وقهر  النساء على وجه الخصوص، لم ترد في قانون النظام العام، بل ضمن القانون الجنائي في السودان للعام 1991م. وفي العادة ما يخلط الناس ما بين القانونين. 

قهر هيكلي

قُدم مشروع القانون الجنائي لأول مرة في 1988م من قبل الحكومة البرلمانية المنتخبة حينها، وسقط بعد مناقشته والتصويت عليه، لكن ومع سطو نظام الإنقاذ على الحكم، رأى القانون النور ووظف من قبل السلطة لقمع السودانيين والسودانيات، وترك مساحة وفراغ تشريعي واسع للاجتهاد الشخصي. ومثال لذلك، المادتين المتعلقتين بالأفعال الفاضحة والمخلة بالآداب العامة، حيث نجد “يعد الفعل مخلاً بالآداب العامة إذا كان كذلك في معيار الدين الذي يعتنقه الفاعل أو عرف البلد الذي يقع فيه الفعل”. ويذهب القانون ويعرف مرتكب الأفعال الفاضحة والمخلة بالآداب بأنه “من يأتي في مكان عام فعلاً أو سلوكاً فاضحاً أو مخلاً بالآداب العامة أو يتزيأ بزي فاضح أو مخل بالآداب العامة يسبب مضايقة للشعور العام يعاقب بالجلد بما لا يجاوز أربعين جلدة أو بالغرامة أو بالعقوبتين معاً”.

ويتكرر الأمر في مادة ممارسة الدعارة، حيث يعرف القانون مكان الدعارة بـ “أي مكان معد لاجتماع رجال أو نساء أو رجال ونساء لا تقوم بينهم علاقات زوجية أو صلات قربى وفى ظروف يرجح فيها حدوث ممارسات جنسية” حيث نجد أنه لا يوجد أي تفصيل لهذه الظروف التي يرجح فيها حدوث ممارسات جنسية.

تمنح هذه المواد سلطات تقديرية واسعة لمنفذيها، وطرق تفكيرهم وخلفياتهم ومعتقداتهم، وشُكِّلت محاكم خاصة وفرق شرطية تابعة لها، لتنفيذ القانون، عبر مطاردة النساء في الشوارع والأماكن العامة، لفحص ما إذا كان زيهنّ مطابقاً للشرع أم مخالفاً له، وفق تقديرات أفراد تلك الفرق، وأمزجتهم الشخصية، الأمر الذي نجم عنه كثير من التجاوزات والانتهاكات، والاستغلال، والابتزاز.

تعديلات الحكومة الانتقالية

بعد استلام نصر الدين عبد الباري مهامه كوزير للعدل خلال الحكومة الانتقالية التي أطاح بها انقلاب 25 أكتوبر، شهدت القوانين في السودان عدداً من التعديلات فيما عرف بـ قانون التعديلات المتنوعة لسنة 2020م (معني بإجراء تعديل دفعة واحدة في أكثر من قانون) وجاءت التعديلات في القانون الجنائي لسنة 1991 وتضمنت إلغاء حكم الردة، وإلغاء عقوبة الجلد في كل الأحكام القضائية؛ باستثناء العقوبات الحدية المستمدة من الشريعة الإسلامية، وإعفاء غير المسلمين من أي عقوبة لشرب الخمور والتعامل بها.

كما شملت التعديلات أحكام مواد أخرى في القانون الجنائي خاصة بممارسة الدعارة، مع تحديد سن 18 سنة للمسؤولية القانونية. وفي نوفمبر 2019م، أصدرت الحكومة الانتقالية قراراً بإلغاء قانون النظام العام، وأوضح وزير العدل نصر الدين عبد الباري حينها أن السودان ألغى قانون النظام العام الذي كان مستخدما خلال حكم الرئيس المخلوع، عمر البشير لفرض الآداب العامة ويعاقب المخالفين بالجلد.

وبالرغم من أن هذه التعديلات قد استبدلت بعضاً من المواد القانون الجنائي إلا أنها أبقت عليه فضفاضاً؛ فيما يتعلق بوضع تعريفات واضحة للعبارات الملتبسة فيه. وعقب انقلاب 25 أكتوبر، بدأت الممارسات السابقة تعود إلى السطح مرةً أخرى، ولكن هذه المرة وجهت للرجال، بشكل خاص الشباب، حيث أطلقت القوات العسكرية حملات مشتركة، استهدفت حلاقة شعر الشباب قسرياً في الأماكن العامة بطريقة مذلة ومهينة.

كما أعلنت الشرطة (استحداث) وحدة جديدة باسم الشرطة المجتمعية، وبعد الجدل الذي أثاره هذا الإعلان، وزارة الداخلية أن تكون هذه الوحدة معادلاً لشرطة النظام العام، وقالت إن الغرض منها حماية المجتمع.

في الذكرى الثانية لتوقيعه.. كيف أصبح مستقبل اتفاق سلام جوبا على المحك؟

“انقلاب 25 أكتوبر ومشاركة بعض قادة الحركات في تخطيطه وتنفيذه، وضع الاتفاق في أزمة سياسية يستحيل معها إيجاد مخرج أو تنفيذ أي مستوى من مستوياته. بل ويجعل وضعية ممثلي الحركات المسلحة في السلطة بعد الانقلاب وضعية غير قانونية”. يقول عضو مجلس السيادة السابق، وأحد كبار مفاوضي الحكومة الانتقالية في اتفاق سلام جوبا، محمد حسن التعايشي.

في 3 أكتوبر 2020م، وقعت الحكومة الانتقالية وفصائل الجبهة الثورية المسلحة، اتفاق سلام جوبا، في جنوب السودان، والذي تضمن 5 مسارات، بما في ذلك مناطق لم تشهد نزاعات مسلحة.

وحازت الفصائل المسلحة المتمركزة في إقليمي دارفور والنيل الأزرق، غرب وجنوب شرقي البلاد، بموجب هذا الاتفاق، على نسبة 25 في المائة من السلطة المركزية والإقليمية ومقاعد افتراضية في المجلس التشريعي الانتقالي الذي لم يتشكل، حتى انقلاب 25 أكتوبر 2021م.

خلفيات ما قبل التوقيع

قبيل توقيع اتفاق سلام جوبا بيومين، وتحديداً في 1 أكتوبر 2020م، غادر غالبية مسؤولي الحكومة الانتقالية، الخرطوم إلى مدينة جوبا، للاحتفال بتوقيع الاتفاق، الذي شهدته قيادات إقليمية ودولية، على أمل إنهاء واحدة من الحروبات الأهلية المعقدة التي عرفتها البلاد، بدايةً من إقليم دارفور في 2003م، وجنوبي كردفان والنيل الأزرق (المنطقتين) في 2011م.

ومع أن البلاد، شهدت تاريخياً توقيع عشرات اتفاقيات السلام، على مرّ الحقب ما بعد الاستقلال، بين الحكومة وفصائل مسلحة، غالبيتها فشل ولو بعد حين، إلا أن قطاعاً واسعاً من السودانيين، أبدى أمله في أن يضع اتفاق السلام هذه المرة نهايةَ لحقبة الحروب الأهلية التي ظلت تضرب البلاد منذ عام 1955م، وأودت بحياة الملايين.

الأمل الرئيسي الذي ساور السودانيين، كون الاتفاق، يأتي في ظل صفحة جديدة بعد إطاحة النظام البائد، الذي تسبب في تلك الحروب، وذلك رغم القلق والمخاوف والتحفظات، من أن الاتفاق، ضُمنت فيه مناطق لم تشهد نزاعات مسلحة، وعدم شموله لفصائل مسلحة رئيسية بكل من دارفور وجنوبي النيل الأزرق وكردفان (المنطقتين).

اتفاق بدون سلام

عقب توقيع اتفاق الوثيقة الدستورية بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري المحلول، الذي نجم عنه تشكيل مجلس السيادة الانتقالي في أغسطس 2019م، والحكومة الانتقالية بقيادة رئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك، تم الإعلان عن أنه في غضون  فترة 6 أشهر سيتم توقيع سلام نهائي وشامل، مع الفصائل المسلحة، باعتبار أن السلام يتصدر أولويات مهام الفترة الانتقالية العشرة التي كان حمدوك اتخذها برنامجاً لحكومته.

لكن، منذ توقيع اتفاق السلام في 3 أكتوبر 2020م، بمدينة جوبا عاصمة جمهورية جنوب السودان، قتل مئات المدنيين وحرقت منازل ودمرت مزارع ونزح عشرات الآلاف مجدداً في دارفور خلال هجمات متواترة لمليشيات مسلحة، فيما تلقي سلطة الأمر الواقع باللائمة دائماً على مجهولين.

ومع تواتر أعمال العنف هناك، تم تشكيل قوات مشتركة لحماية المدنيين في دارفور قبل عدة أشهر مكونة من ألفي جندي، فيما كان اتفاق السلام قد نص على تشكيل قوة مشتركة قوامها 12 ألف جندي من قوات الفصائل المسلحة والقوات الحكومة السودانية.

يتساءل المتحدث الرسمي باسم منسقية النازحين واللاجئين، آدم رجال، ما إذا كانت مطالب وتطلعات النازحين، قد تحققت بعد مرور سنتين على توقيع اتفاق سلام جوبا. يجيب رجال بنفسه، ويقول لـ(بيم ريبورتس): “بالطبع لم يتحقق أي مطلب من مطالب النازحين، أو حقوقهم، بل بالعكس زادت المعاناة والانتهاكات والجرائم، خاصة بعد انقلاب 25 أكتوبر”.

ورأى رجال، أن اتفاق سلام جوبا يمثل امتداداً لاتفاقيات السلام التي كان يعقدها نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، باعتباره سلاماً جزئياً. قبل أن يدعو إلى توحد السودانيين على كيفية إسقاط انقلاب 25 أكتوبر، ومن ثم إقامة سلطة مدنية لديها برنامج وشرعية من الشعب السوداني، لوضع لبنة أساسية لبناء السودان على أسس جديدة وقومية تمثل جميع السودانيين، بعيداً عن أي انتماءات، حسبما قال.

اتفاق سلام جوبا، الذي حوى 8 برتوكولات رئيسية و273 بنداً، لا يواجه معضلة عدم التنفيذ وحسب، وإنما يواجه تساؤلات حول مشروعيته نفسها.

“كل نص من نصوص الاتفاق يستوجب التزامًا صارمًا بالفترة الانتقالية ودستور الفترة الانتقالية، مثلما تربط الاتفاقية بين قضايا الانتقال الديمقراطي وقضايا السلام”. يوضح التعايشي في تصريح صحفي نشره بصفحته الرسمية على فيسبوك بمناسبة اليوم العالمي للسلام.

بين سبتمبر 2019، وأكتوبر 2020م، تنقل التعايشي كثيراً بين عاصمتي السودّانين، الخرطوم وجوبا، حيث كان ضمن قيادة الوفد الحكومي التفاوضي مع فصائل الجبهة الثورية المسلحة.

يقول التعايشي “يجب أن نؤكد أن السلام كعملية وكقيمة ليس هو التزامًا نصيًا فحسب، بل هو اتساق وإيمان نظري وسياسي وأخلاقي”. مضيفاً “أن المأزق الذي يواجه اتفاقية جوبا لسلام السودان هو مأزق سياسي وأخلاقي أكثر من كونه قانونيًا.”

واصل التعايشي انتقاداته، قائلاً “هناك مأزق أخلاقي أيضًا، حيث وضع بعض قادة الحركات أنفسهم في أول ظاهرة سياسية يتمرد فيها قادة ثورة مظالم على الحكومة والوضع الدستوري الذي تشكل بموجب اتفاق هم أحد أركانه”، قبل أن يشدد على أن العودة إلى الوضع الانتقالي الديمقراطي بقيادة مدنية؛ هو الطريق الوحيد لتنفيذ الاتفاق وإكمال نواقصه.

لكن، يبدو أن حديث التعايشي جاء متأخراً، مقارنة بالواقع، فبعد سنتين من توقيع الاتفاق وسنة على انقلاب 25 أكتوبر، ارتفع صوت المطالبات، بإلغاء الاتفاق، وفي أفضل الأحوال، تعديله مثّلما، دعا إلى ذلك رئيس الحركة الشعبية ـ شمال التيار الثوري ياسر عرمان، وهو أحد كبار مفاوضي فصائل الجبهة الثورية البارزين. أيضاً نص الميثاق الثوري لتأسيس سلطة الشعب، الذي صدر قبل عدة أيام ووقعت عليه أكثر من 50 لجنة وكياناً، على إلغاء اتفاق سلام جوبا.
في الوقت الذي تشدد فيه أطراف اتفاق السلام من فصائل الجبهة الثورية المسلحة، على عدم المساس بالاتفاق، تعديلاً أو إلغاءً، معتبرة أن ذلك يقود إلى عودة الحرب مجدداً.
“أي كلام أو دعوة لإلغاء الاتفاقية يعتبر بمثابة إعلان حرب أهلية شاملة في كل أرجاء السودان”، يقول المتحدث الرسمي باسم حركة جيش تحرير السودان ـ قيادة مناوي، الصادق علي النور.

ويضيف النور في حديثه لـ(بيم ريبورتس)، أن “دعوات إلغاء أو تعديل الاتفاقية يظل في إطار دعوات أصحاب المصالح الذاتية، ولكن حتى الآن لم نسمع من الأطراف التي وقعت الاتفاقية بأن طالبت بإلغاء أو تعديل، لذلك نقول لأصحاب المصالح الذاتية عليهم أن يبحثوا عن مصالحهم بعيداً عن الاتفاقية”.

“هل المشكلة في الاتفاقية أم هنالك أزمة اتفاق سياسي في البلاد التي أدت إلى ما نحن فيه”، يوجه النور سؤاله للداعين إلى إلغاء الاتفاقية. ومع ذلك، يقر النور أنه حتى وبعد مرور عامين على توقيعها لم يتحقق من الاتفاقية ولو نسبة خمسة في المائة.

“ما تحقق هو حصول الموقعين على مناصب في الدولة، ولكن لم يتحقق سلام واستقرار على الأرض، بل زادت معاناة المواطنين ومعدلات الجرائم والانتهاكات والقتل خارج نطاق القانون”. يقول محمد عبد الرحمن الناير المتحدث الرسمي باسم حركة جيش تحرير السودان، قيادة عبد الواحد النور.

يضيف الناير لـ(بيم ريبورتس): “للأسف لقد تمخض جبل اتفاق جوبا، فولد انقلاب 25 أكتوبر 2021م، بدلاً من أن يكون رافداً وداعماً للثورة وشعاراتها”.

وتابع: “هذا الاتفاق قام على منهج خاطئ ولا يمكن التعويل عليه في تحقيق سلام واستقرار بالسودان، وما بني على خطأ فهو خطأ.. أي اتفاق لا يخاطب جذور الأزمة التاريخية ويحقق التغيير وإعادة هيكلة جميع مؤسسات الدولة وفق أسس قومية جديدة لن يحقق السلام الشامل والعادل والمستدام بالسودان”.

“في إقليم دارفور زادت التفلتات الأمنية وبات المواطن في خطر داهم من المليشيات والمتفلتين الذين باتوا يستهدفون حتى منسوبي الحكومة، كما حدث قبل أيام في قلب مدينة الفاشر عندما اعتدوا على ضابط برتبة عميد يتبع للترتيبات الأمنية، فضربوه بالعصي ونهبوا سيارته عياناً بياناً وأمام مرأى حكومة إقليم دارفور وولاية شمال دارفور اللتين عجزتا عن توفير الأمن حتى لمنسوبيها، ناهيك عن المواطن البسيط”، يوضح عبد الرحمن.

ويقول “هذا هو حصاد سنتين عجاف من اتفاق المغانم الذي تم توقيعه في جوبا، وحينها قلنا إن هذا الاتفاق لن يحق السلام والاستقرار بالسودان ولا بالإقاليم المنكوبة بالحرب، لجهة أنه اتفاق معيب شكلاً ومضموناً، وصمم لمخاطبة قضايا الأشخاص ونزواتهم السلطوية وليس مخاطبة قضايا الوطن”.

فيما يعود التعايشي ويشير، إلى أن اتفاقات السلام التي تُوقع بين جماعات غير رسمية وحكومات تمثل الدولة، تتمتع بوضع قانوني سواء عبر القانون الدولي أو ضمن إطار القانون المحلي للدولة. حيث يوسع القانون الدولي الحديث بشكل عام ليشمل حماية اتفاقات السلام بين الدولة والجهة الفاعلة من غير الدولة. لقد حظيت الاتفاقية بتأييد دولي كبير من الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي، الاتحاد الأفريقي، ودول الترويكا والجامعة العربية، لكنه يربط ذلك بالعودة إلى المسار الديمقراطي بقيادة مدنية.

خلافات متصاعدة

مع وصول قادة فصائل الجبهة الثورية المسلحة، إلى العاصمة السودانية الخرطوم في 15 فبراير 2020م، وانضمامهم إلى هياكل السلطة الانتقالية (مجلسي السيادة والوزراء الانتقاليين)، في فبراير 2021م، بدا لوهلة، أن صفحة جديدة من الحياة السياسية قد تشهدها البلاد، خصوصاً فيما يتعلق بالأوضاع في إقليمي النيل الأزرق ودارفور، بالإضافة إلى ولاية جنوب كردفان.

ولكن، على عكس ما كان مأمولاً منها، بدأت الحكومة الانتقالية الثانية، التي أعاد تشكيلها حمدوك، وضمت أحزاباً سياسية وأطراف السلام، تأخذ طابعاً صراعياً سياسياً، ليس بدءاً بمقاعد المجلس التشريعي الانتقالي الافتراضية، أو انتهاء بتنامي العداء السياسي بين الحرية والتغيير وفصائل الجبهة الثورية المسلحة، والذي توّج باعتصام القصر الجمهوري في 16 أكتوبر 2021م، حتى وقوع الانقلاب بعد 9 أيام.

وصلت الخلافات بين الطرفين إلى الذروة، مع إطلاق قوى الحرية والتغيير، لإعلان سياسي بحضور حمدوك في الثامن من سبتمبر 2021م بقاعة الصداقة بالخرطوم، رأت مجموعة من الفصائل المسلحة، أن ما تم عمل إقصائي ضدها، لتصدر بدورها ميثاقاً سياسياً لاحقاً.

مرّ عام الاتفاق الأول، من أكتوبر 2020 إلى أكتوبر 2021، أي حتى وقوع الانقلاب، في خضم صراعات سياسية، في الوقت الذي لم يتم إحراز أي تقدم في اتفاق السلام، خاصة اتفاق الترتيبات الأمنية، ولم يعد أي من النازحين واللاجئين في دارفور إلى مناطقهم الأصلية.

تزامن ذلك، مع موجة نزاعات أهلية هي الأعنف منذ سنوات في دارفور، قتل فيها مئات الأشخاص برصاص مسلحين دون أن يتم تقديم المجرمين للعدالة.

في العام الثاني لاتفاق سلام جوبا، أي بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021م، تفاقمت الأزمة السياسية في البلاد، وبدلاً من أن تمضي عملية السلام قدماً، باتت البلاد تقف على حافة المجهول، في خضم صراع سياسي حاد وسيولة أمنية متنامية.

الإقالات والتعيينات في الجيش منذ 2019م حتى 2022م

الإقالات والتعيينات في الجيش منذ 2019م حتى 2022م

تستعرض (بيم ريبورتس) في الخريطة الزمنية أدناه قرارات التعيين والإحالة في قيادة الجيش السوداني عقب الإطاحة بـ(البشير)، في الفترة من 2019 -2022م

كيف قاوم السودانيون في هبة سبتمبر 2013م عنف النظام البائد؟

كان أحد قادة التظاهرة طالبًا جامعياً، لم يتجاوز الثانية والعشرين، يحتقب حقيبة على ظهره، أسمر اللون نحيل الجسد. أبدى حماسة عالية وهو يهتف “حرية سلام، وعدالة.. الثورة خيار الشعب”، كان في الصف الأول من المتظاهرين، سقط ضمن القتلى فيما بعد، يقول أحد المشاركين في التظاهرة لـ(بيم ريبورتس).

اليوم الأحد، تكون تلك التظاهرة، في هبة سبتمبر 2013م، وصلت كبري الفتيحاب بأمدرمان المؤدي إلى الخرطوم، والتي شارك فيها حوالي ألفي شخص، قد أكملت 9 سنوات تماماً، حيث وقعت هذه القصة في يوم الأربعاء 25 سبتمبر 2013م. يومها قتل أيضاً الشهيد هزاع عزالدين بمنطقة شمبات بالخرطوم بحري.

بدأت التظاهرات الحاشدة والمرتبطة برفع الدعم عن أسعار المحروقات، والتي عرفت لاحقاً بـ(هبة سبتمبر)، في يوم الاثنين الثالث والعشرين من سبتمبر 2013م، في مدينة ود مدني وسط البلاد، وذلك بعد ساعات فقط من إعلان النظام البائد، رفع الدعم عن المحروقات، قبل أن تخرج تظاهرات كبيرة في يومي الثلاثاء والأربعاء التاليين بمدن العاصمة الخرطوم ومدن ولائية أخرى، لكن قوات الأمن استخدمت القوة المميتة تجاه المتظاهرين السلميين، ما أسفر عن سقوط ضحايا.

في مثل هذا اليوم، قبل تسع سنوات تماماً، خرج آلاف السودانيين بأنحاء البلاد المختلفة للمطالبة بإسقاط النظام، التظاهرات الأكبر كانت بولاية الخرطوم، غير أن قوات الأمن قمعتها بعنف غير مسبوق.

سقوط مئات الضحايا، بين قتلى وجرحى، كان نتيجة حتمية لسياسة الحكومة التي قابلت بها التظاهرات الاحتجاجية منذ اندلاعها وروايتها لتبرير العنف.

“الحكومة ستضرب بيد من حديد على المخربين للممتلكات العامة”، هذا التصريح أدلى به والي ولاية الخرطوم وقتها، عبدالرحمن الخضر، مساء الأربعاء الخامس والعشرين من سبتمبر 2013م، في خضم تظاهرات حاشدة شهدتها عدة مناطق بالعاصمة احتجاجاً على رفع الدعم عن أسعار المحروقات.

لم تمر أكثر من 24 ساعة على تصريح الخضر، الذي جرّم فيه التظاهرات السلمية وبرر فيه للقتل، حتى نسجّت على منواله، صحف موالية للنظام البائد، رواية مغايرة لما كان يحدث منذ أيام وقتها على أرض الواقع، من قمع دامٍ.

عقب ذلك الأسبوع الدامي، والذي تناقلت حيثياته، وسائل الإعلام الدولية والمنظمات الحقوقية، حاولت السلطات، صنع رواية مغايرة لتبرير قتل المتظاهرين السلميين.

تبت يد المخرِّبين“، هكذا وضعت صحيفة الصحافة عنوانها الرئيس، في عددها رقم (7728) الصادر يوم يوم الجمعة السابع والعشرين من سبتمبر عام2013م، وذلك بعد نهاية أسبوع دامٍ شهدته البلاد، نتيجة قمع قوات الأمن السودانية لتظاهرات سلمية عمّت أنحاء واسعة من البلاد، احتجاجاً على رفع الدعم عن المحروقات.

صحيفة الصحافة، التي كان رئيس تحريرها، عبد المحمود الكرنكي، خصصت ذلك العدد لتغطية التظاهرات من وجهة نظره، ما أدى إلى استقالة عدد من صحافييها، بعد صدور العدد مباشرة.

مع إخماد السلطات شرارة (هبة سبتمبر) بالعنف المفرط، كانت محصلة القمع الأمني، مقتل أكثر من 200 شخص في أنحاء متفرقة من البلاد، بما فيها مدن العاصمة الخرطوم، حسب إحصاءات لمنظمات حقوقية محلية ودولية، في وقت تحدثت حكومة النظام البائد وقتها عن نحو 30 ضحية، ولاحقاً عن 80.

مع الصباح الباكر، بدا يوم الأربعاء ذاك، في منطقة الفتيحاب بأمدرمان، على غير العادة، حيث خرج المئات إلى الشوارع، لم تنحصر هتافاتهم في التنديد برفع الدعم عن أسعار المحروقات فقط، بل علت أصواتهم مطالبين بإسقاط النظام.

حوالي التاسعة صباحًا، انضم المئات القادمين من ناحية جامعة أم درمان الإسلامية جنوب الفتيحاب إلى التظاهرة، غالبيتهم من الشباب، كانوا مغبرين ويحملون علماً ضخماً للسودان، عندما وصلوا إلى الشارع الرئيس، بينما كان المتظاهرون يتقدمون تجاه تقاطع محطة سراج المؤدي إلى الخرطوم، تم الإعلان عن مقتل أحد المتظاهرين بالرصاص بالقرب من قسم الشرطة بأبوسعد مربع 6.

واصل المتظاهرون مسيرهم، على وقع الهتافات، عندما وصلوا قبالة سلاح المهندسين، بدأوا في ترديد هتافات مؤيدة للجيش، وكان منها “جيشنا معانا ومافي خيانة”، “وجيش واحد وشعب واحد”، لاقى هذا الهتاف ترحيبًا وسط جنود الجيش وضباطهم ورفع بعضهم إشارات النصر للمتظاهرين.

بعد تلك اللحظة، بدا أن الأمور ستتغير، حيث لاحت من على البعد عربات تتبع للشرطة قادمة من ناحية الكبري جهة الخرطوم، ومن الناحية الأخرى، تربض عربات دفع رباعي عسكرية تتبع على الأرجح لقوات خاصة. بينما تتقدم عربات الشرطة ببطء وحذر تجاه المتظاهرين، كان القلق قد عصف بهم واضطرهم للنزول عن الطريق الرئيسي المؤدي إلى الكبري، بينما واصل بقية المتظاهرين تقدمهم، وعربات الشرطة أيضاً فعلت ذلك.

مع تصميم المتظاهرين، في الطريق الرئيسي، على المضي قدماً واقتراب المسافة بينهم وعربات الشرطة، حبس بعض مواطني الفتيحاب من على شرفات منازلهم أو على أبوابها أنفاسهم، تخوفاً مما قد يحدث، ومع ذلك كان المتظاهرون يهتفون “جوة جوة” في إشارة إلى إصرارهم للوصول إلى الخرطوم، حيث مقار المؤسسات الحكومية الرسمية، بما في ذلك القصر الرئاسي.

بعدما أصبحت المسافة الفاصلة بين الطرفين لا تزيد عن الخمسة أمتار في الطريق الرئيسية، بدا المشهد أن عربات الشرطة تكاد تكون قد حوصرت، ليزيد إطلاق الرصاص في الهواء، لكن لم يتزحزح المتظاهرون.

يقول الشاهد الذي شارك في التظاهرات، إنه في اللحظة التالية سقط ستة من المتظاهرين دفعة واحدة، ثلاثة على الأقل من بينهم سقطوا قتلى برصاص أطلق دفعة واحدة في الصدر وفي الرأس، بتأكيد من عدد كبير من المتظاهرين.

عدد القتلى وأماكن سقوطهم برصاص قوات الأمن وثقته منظمات عديدة وشهود عيان، من بينها منظمة العفو الدولية التي قالت في بيان وقتها “كان معدل العنف والقتل بحق المتظاهرين في سبتمبر غير مسبوق في العاصمة”.

ومثّلت هبة سبتمبر 2013م، واحدة من أقوى الاحتجاجات التي واجهت النظام البائد منذ انقلابه على الحكومة الديمقراطية في 30 يونيو 1989م، كما أنها كسرت هيبة السلطة ودفعت الشعب للمقاومة السلمية.

يقول وزير التجارة والصناعة السابق، مدني عباس مدني “إذا كانت ثورة ديسمبر المجيدة هي أهم حدث في تاريخنا السياسي الحديث، فإن انتفاضة سبتمبر ٢٠١٣م، هي أهم معلم في الطريق إلى ديسمبر”. مضيفاً “الصدور العارية التي واجهت الرصاص، انتزعت أي شرعية كان يحتمي بها نظام البشير، لقد فضحت النظام المتأسلم وهشاشة قوته..  تشظى بعدها نظام المؤتمر الوطني وانقسم ولم يعد أبداً كما كان قبل سبتمبر”.

وتابع “وحشية نظام البشير و(الإخوان المسلمين) مع الشباب الثائر كانت النار التي اتقدت بها ثورة ديسمبر المجيدة.. بين سبتمبر وديسمبر جرت الكثير من المواكب والاعتصامات وأشكال الاحتجاج والمقاومة المختلفة، حتى انبلج فجر ديسمبر والذي رغم انقلاب الردة في ٢٥ أكتوبر سينتصر وسيعم نوره ديمقراطية ودولة مدنية”.

ومع ذلك، لم تنجح الحكومة الانتقالية، حتى الانقلاب عليها، في إعادة فتح التحقيقات بشأن ضحايا هبة سبتمبر. زار رئيس الوزراء السابق، عبدالله حمدوك والدة الشهيد هزاع عز الدين في منزلها، طالبته وقتها بتحقيق العدالة.

وبدلاً من أن يحقق بشأن ضحايا هبة سبتمبر، عمد النظام البائد على فتح تحقيق عن ما وصفه بتخريب الممتلكات، لاحقاً أعلن تقديم تعويضات لعائلات ضحايا سبتمبر، فيما قال وزير العدل السابق، محمد بشارة دوسة إنه لا يوجد ملف بطرف وزارته تحت مسمى (أحداث سبتمبر).

وتحفظ دوسة وقتها عن ذكر أي تفاصيل بشأن ملف أحداث سبتمبر التي شهدها العام 2013م، وقال في تصريحات صحفية “والله ماعندي فكرة” مضيفاً “لا يوجد ملف باسم أحداث سبتمبر وإنما بلاغات وشكاوى واستئنافات تتباين مستويات تقدمها من واحد لآخر”، نافياً علمه بأي تفاصيل في سير بلاغات سبتمبر.

يشهد فراغاً إدارياً وطبياً.. من المسؤول عن تدهور مستشفى زالنجي بوسط دارفور؟

“مستشفى زالنجي مشلول بالكامل.. ليس هناك أطباء ولا مدير طبي ولا إداري.. والضحية لكل ذلك هو مواطن وسط دارفور”، يقول رئيس معمل مستشفى زالنجي (وسط دارفور)، حيدر آدم.

ويعبر آدم الذي تم إيقافه عن العمل دون إبداء أسباب، عن خيبة أمله فيما وصلت إليه الحالة الصحية للمستشفى الذي يشهد ضغطاً كبيراً من حيث عدد طالبي الخدمة الصحية، مشيراً إلى أن المستشفى يستقبل في اليوم ما بين 400 إلى 500 شخص.

وفي يوليو الماضي، أصدرت وزارة الصحة والتنمية الاجتماعية بولاية وسط دارفور، قراراً بإيقاف 6 من العاملين بمعمل وبنك الدم عن عملهم بمستشفى زالنجي، علاوةً على إيقاف مستحقاتهم المالية ورواتبهم الشهرية.

وجاء قرار الوزارة، بإيقاف بعض العاملين بمعمل وبنك الدم، رغم النقص الكبير في الكوادر الذي يشهده مستشفى زالنجي، وهو الأمر الذي يزيد من معاناة طالبي الخدمة.

قرارات متخبطة

أتى قرار الإيقاف، على إثر تكوين العاملين بمعمل المستشفى، لجنة من 6 أشخاص للمطالبة بضرورة توفير احتياجات المعمل وبنك الدم من أجل توفير الخدمة وتسيير العمل. وطالب الموقوفون، بضرورة تكوين لجنة تحقيق لكشف أسباب الإيقاف، لكن قوبلت هذه المطالب بالتجاهل التام، وفي خطوة تصعيدية أضرب 22 من العاملين تضامناً مع زملائهم الموقوفين.

ويقول آدم في إفادته لـ(بيم ريبورتس): “رفعنا مطالب بضرورة مراجعة لماذا لا تأتي احتياجات المعمل كاملة، وحاولنا التواصل مع مدير المعامل، لكنه كان دائم التهرب ولا يأتي أو يرد على هاتفه”.

فيما يذهب مدير الإدارة العامة للتخطيط والسياسات والتنمية – وزارة الصحة والتنمية الاجتماعية – بوسط دارفور، بحر الدين عبد العزيز، في حديثه لـ(بيم ريبورتس)، إلى أن المشاكل التي يشهدها مستشفى زالنجي إدارية في الأساس، ويقول: “منذ بداية عملي بمستشفى زالنجي في العام 2006م، قدمت عدداً من الشكاوى لعدد من المؤسسات الاتحادية والولائية، بهدف إصلاح منظومة الصحة، إلا أن وجود أفراد ليس لهم علاقة بالصحة لا يُساعد في إحراز تقدم، وبالتالي، فإن عملهم لا يعتمد على قياس المؤشرات الصحية والدراسات المنهجية”.

ويرجع عبد العزيز التدهور الحالي الذي يشهده المستشفى إلى استعانة السلطة الحالية بعناصر من النظام البائد بعد انقلاب 25 أكتوبر، حيث يمارسون سياسات التشفي، مما أدى إلى تردي الأوضاع داخل المستشفى وتشريد الكوادر المؤهلة. ويضيف عبد العزيز أنه من ضمن القرارات “تصعيد 20 من الفراشات وتعيينهم كممرضات”.

مطالب مستمرة

التردي الكبير الذي يشهده مستشفى زالنجي والذي يشمل غياب كامل للكوادر الصحية المؤهلة، حيث لا يوجد أي طبيب عمومي أو أخصائي ليس مشكلة وليدة اللحظة. ففي سبتمبر من العام الماضي، تقدم تجمع العاملين بالمستشفى بعدد من المطالب المتعلقة بإصلاح البيئة داخل المستشفى وتوفير المعينات الضرورية لتقديم الخدمات الصحية، لكن لم تلقَ مطالبهم في ترقية بيئة العمل استجابة من السلطات، رغم أن مستشفى زالنجي، هو المستشفى الوحيد في ولاية وسط دارفور.

الحماية من العنف، كانت أيضاً من ضمن مطالب تجمع العاملين؛ حيث طالبوا بضرورة توفير الإدارة الجيدة والحماية من أعمال العنف التي تواجه الكوادر الطبية داخل المستشفى، بالإضافة إلى تأهيل المرافق وتوفير الأدوات الطبية اللازمة من أجل تقديم الخدمات التي يجب توافرها للمواطنين. لكن الأوضاع لم تتغير أبداً، حيث أشار التجمع في بيان له، إلى أنه لم يتلق أي استجابة من الجهات المسؤولة؛ ممثلة في والي الولاية ومديرة عام وزارة الصحة.

وفي الأصل، يعاني القطاع الطبي في السودان عامةً، وفي إقليم دارفور بشكل خاص، من تدهور كبير ومشكلات مركبة، بينها بيئة العمل المتردية ونقص الكوادر الطبية والإهمال الحكومي، وصغر حجم ميزانية الصحة، بالإضافة إلى تعرض مستشفيات إقليم دارفور إلى العنف من وقت لآخر.

يعود عبد العزيز ويقول، إن من ضمن الحلول المطلوبة، ضرورة تعزيز التنسيق بين الإدارات، واحترام المؤسسية. مضيفاً: “أما ما يحتاجه المستشفى فيتمثل؛ في توفير إمداد كهربائي مستقر، وتوفير المحاليل المعملية، والكوادر الطبية المؤهلة”.