في 10 أكتوبر 2026، تعرضت مواقع للتعدين الأهلي في منطقة «شمال الوادي»، أقصى شمال ولاية البحر الأحمر السودانية، بالقرب من الحدود السودانية المصرية، لغارات جوية استهدفت تجمعات للمعدّنين ومواقع عملهم وإقامتهم. وشملت المواقع التي وردت في إفادات الناجين (جبل العقيدات، والجبل الأحمر، ومنجم حنجلية، بالقرب من سوق الأنصاري). وأعلنت مجموعة «محامو الطوارئ» مقتل 72 شخصًا على الأقل. كما نقلت تقارير صحفية، عن مصادر محلية وشهود عيان، سقوط عشرات القتلى والمصابين. واتهمت جهات حقوقية وشهود عيان الجيش المصري بتنفيذ الغارات، دون توفر تحقق مستقل حاسم من هوية الطائرات المنفذة.

لم تكن تلك الغارات الأولى من نوعها التي تستهدف المنطقة، فقد وقع في يونيو الماضي هجوم مماثل على المنطقة ذاتها، بطائرات مسيّرة ومقاتلات حربية ومدفعية ثقيلة، أسفر عن سقوط قتلى وجرحى وسط المعدّنين التقليديين السودانيين.

بعد يومين من الغارة المصرية الأخيرة على مواقع التعدين في منطقة «شمال الوادي»، وتحديدًا في 12 أكتوبر، أعلن مجلس السيادة السوداني تشكيل لجنة لتقصي الحقائق والتحقيق في ملابسات الهجوم. أما القاهرة، فقد اكتفت بالإعلان عن عمليات عسكرية لمكافحة ما أسمته «التنقيب غير المشروع عن خام الذهب في الصحراء الشرقية»، دون الإشارة إلى تنفيذ غارات داخل الأراضي السودانية أو توضيح ملابسات العملية. 

وفي المقابل، أدانت مجموعة «محامو الطوارئ» ومنظمات حقوقية الهجوم، وطالبت بإجراء تحقيق مستقل ومحاسبة المسؤولين. فيما دعت شبكة أطباء السودان إلى توفير الرعاية للمصابين وتوثيق الضحايا. كما طالبت جهات حقوقية بحفظ الأدلة الميدانية والرقمية، والتحقق من مواقع الاستهداف وهوية الطائرات المنفذة.

وفي هذا السياق، رصد فريق «مرصد بيم» حسابات مصرية تناولت الحادثة. كما لاحظ نشاط حسابات إثيوبية وغيرها من الحسابات من دول القرن الإفريقي.

يستعرض هذا التقرير كيف تناولت الحسابات المصرية قصف «شمال الوادي»، وكيف وظفت حسابات أخرى الحادثة لتحقيق مصالح سياسية في سياق صراعات جيوسياسية أوسع.

أظهرت عملية الرصد التي أجراها فريق المرصد أنّ العديد من الحسابات المصرية على منصتي «إكس» و«فيسبوك»، ومنها حساب «ALFRED GEMY» شرعت، عقب القصف الذي استهدف «شمال الوادي» مباشرةً في تبرير القصف، وربطه بالأمن القومي المصري، وتحدثت عن ضرورة التحرك لحماية البلاد. وعلى سبيل المثال، شدد حساب «@hindElshawaf» على أن الدولة المصرية لن تسمح بأن تتحول ثرواتها إلى غنيمة للمنقبين غير الشرعيين، أو أن تُستنزف مواردها، كما أكد أن حماية الحدود والثروات الوطنية مسؤولية لا تقبل التهاون.

الصورتان «1» و«2»: توضّحان حسابان يبرران قصف معدّني «شمال الوادي»

وتجدر الإشارة إلى أنّ بعض هذه الحسابات كانت جزءًا من الحملة ضد اللاجئين السودانيين في مصر، والتي رصدها «مرصد بيم»، ونشر تقريرًا مفصلًا بشأنها في أغسطس 2026.


يمكنكم الاطلاع على تقريرنا عن الحملة المصرية ضد اللاجئين بالضغط هنا

 

وأظهرت تحليلات المرصد محاولات لربط الغارة الجوية على «شمال الوادي» بقضية اللاجئين السودانيين في مصر، بشكل أو بآخر، إذ زعمت الحسابات التي شاركت من قبل في نشر محتوى ضد اللاجئين، أن ثمة تغولًا كاملًا على مصر، من حيث تدفق اللاجئين والمنقبين عن الذهب، على أساس أن المعدنين السودانيين كانوا يعلمون داخل الأراضي المصرية. ووظفت بعض الحسابات أحداث «شمال الوادي» في التحريض على اللاجئين في مصر، وروّجت أنهم جزء من مشروع أكبر، ودعت إلى اتخاذ إجراءات بحقهم. 

ولاحظ فريق المرصد أنّ معظم الحسابات المشاركة في هذه الحملة جزءٌ من الحسابات التي شاركت، وما تزال تشارك، في حملات رقمية ضد اللاجئين في مصر، ولا سيّما السودانيين. وتستخدم حسابات، مثل حساب «Sobhy Mohamed» و«عمرو فهمي» وسومًا، مثل «#اللاجئين» و«#لا_للاجئين»، وتنشر بانتظام محتوى ضد اللاجئين ومدى خطورتهم على الدولة المصرية، وتؤكد في الوقت نفسه أهمية حماية الحدود الجنوبية لمصر، بالتزامن مع الغارة الجوية التي استهدفت منطقة «شمال الوادي». 

وفي هذا السياق، نشر حساب باسم «المستشار على البربري» وهو أحد المشاركين في الحملات ضد اللاجئين، محتوى يحرض على ضرورة ترحيل كل اللاجئين من مصر للمحافظة على اللحمة الوطنية.

الصورتان «3» و«4»: توضّحان حسابات تنشر محتوى ضد اللاجئين

وفي السياق نفسه، نشرت حسابات مصرية أخرى على «فيسبوك»، منها حساب باسم «الاوكتاجون»  محتوى يبرّر الغارة التي استهدفت منطقة «شمال الوادي»، من خلال تصوير المستهدَفين «لصوصًا ومهرّبين». 

ولم يقتصر هذا الخطاب على تبرير الغارة، بل امتدّ إلى الدعوة إلى تكرار الضربات وتوسيع نطاقها، ما يعكس انتقال الخطاب من تبرير العملية العسكرية إلى المطالبة باستمرارها، مع تداول اتهامات بحق المستهدَفين دون تقديم أيّ أدلة تدعم صحة الاتهامات.

ورصد فريق المرصد أيضًا خطابًا تداولته بعض الحسابات المصرية، يحاول ربط الغارة الجوية بوجود لاجئين أفارقة داخل الأراضي المصرية، ويصورهم لصوصًا ومهرّبين يستهدفون ثروات مصر ومواردها. وحاولت بعض الحسابات ربط الحادثة بفتح الحدود أمام اللاجئين، وبما عدّته غيابًا للرقابة وتزايدًا في عمليات التهريب عبر الحدود.

الصور من «5» إلى «7»: توضّح تناول حسابات مصرية للغارة الجوية على «شمال الوادي»

ويسهم هذا الخطاب في تعميم الاتهامات الجنائية على فئات واسعة من اللاجئين والمهاجرين، وتحويل حادثة القصف إلى مدخل لتأجيج العداء تجاههم، وسط تداخل الادعاءات المتعلقة بالتهريب والتنقيب عن الذهب، مع مواقف رافضة لوجودهم في مصر.

الصورتان «8» و«9»: أمثلة على محتوى يتهم السودانيين بالتعدي على الحدود والتنقيب عن الذهب المصري

 

تقاطعات جيوسياسية

لم تنحصر التغطية الإعلامية للغارة الجوية المصرية التي استهدفت عمال التعدين التقليدي في منطقة «شمال الوادي» على الإعلام السوداني أو المصري، أو الحسابات المصرية والسودانية على منصات التواصل الاجتماعي، بل لقيت الحادثة صدى واسعًا في أنحاء العالم.

وخلال رصد الحسابات المصرية التي سعت إلى ترويج سردية أنّ الغارة الجوية جرت داخل الحدود المصرية وأن المستهدَفين بها «مهربون» و«مجرمون»، وأنهم «ينهبون الثروات المصرية»، عثر فريق المرصد على مجموعة من الحسابات الإثيوبية والإسرائيلية، إلى جانب حسابات من «صوماليلاند»، تناولت الحادثة، لكن من منظور مختلف؛ إذ نشطت هذه الحسابات في نشر أنباء الغارة وتفاصيلها، مع التركيز على اتهام مصر بالعنف والقتل، فضلًا عن منشورات مواساة للسودانيين في مصابهم. كما روّجت هذه الحسابات، بالتزامن، سرديات بشأن «قمة العلمين» التي ضمّت زعماء مصر، والسودان، وإريتريا، والصومال، في محاولة لخلق حالة من الانقسام بين دول المحور، وخاصةً السودان ومصر، عبر توظيف هذه الحادثة.

ورصد الفريق حسابات إثيوبية تنشر محتوى بشأن غارة «شمال الوادي»، بأشكال وصيغ متنوعة. فقد نشر حساب باسم «Abu Aymen» معلومات عن منطقة «شمال الوادي»، قائلًا إنها تقع خارج حدود مصر، إلى جانب معلومات تتصل بعدد القتلى، مع الإشارة إلى أنّ الجيش المصري يبرر قتلهم بأنّ المنطقة تقع داخل مصر. ونشر الحساب نفسه منشورًا آخر يهاجم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ويتهمه بسفك دماء السودانيين.

الصورتان «10» و«11»: توضّحان طريقة تناول حساب إثيوبي للغارة الجوية

 

وعلى الصعيد نفسه، شارك حساب باسم «ሣልሳይ ዐፄ ቴውድሮስ» منشورًا لحساب مصري يتعلق بقصف منطقة «شمال الوادي»، مع تعليق بأنّ مؤيدي النظام المصري يحتفلون بقصف القوات الجوية المصرية للمنطقة وقتل الأبرياء السودانيين. كما شارك الحساب نفسه مقطع فيديو يوثق إصابات جراء الغارة الجوية، مع تعليق يفيد بعدد القتلى جراءها.

الصورتان «12» و«13»: توضّحان مشاركة حساب إثيوبي منشورات تتضمن معلومات عن الغارة الجوية

وحاولت حسابات أخرى تصوير السودان وكأنه تابع لمصر، فقد نشر حساب باسم «🇪🇹.Musa Sheko» بشأن قصف منطقة «شمال الوادي»، ووصف رئيس مجلس السيادة الحاكم في السودان وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان بأنه مجرد حاكم منتدب من مصر، وذلك بالتزامن مع استقباله السفير المصري الجديد لدى السودان. وأضاف أن السودان مختطف من مصر، وأن القرار ليس بيد البرهان أو الجيش السوداني، وإنما في يد الحكومة المصرية، محمّلًا البرهان نتيجة القصف وما نجم عنه من وفيات وإصابات.

الصورة «14»: توضّح ترويج حساب إثيوبي لـ«تبعية السودان لمصر»

نمط متشابه بين الحسابات الإثيوبية

خلال الرصد، لاحظ الفريق حسابات إثيوبية تشارك منشورات بعضها. فقد شارك حساب باسم «Abu Aymen» منشور حساب آخر يحمل اسم «🇪🇹 صابرين-SABRIN»، يتناول عدد القتلى في الغارة الجوية على منطقة «شمال الوادي».

الصورة «15»: توضّح مشاركة حسابات إثيوبية منشورات بعضها

 

ولاحظ فريق المرصد أيضًا أنّ بعض هذه الحسابات تنشر المحتوى نفسه. فقد نشر حساب باسم «Abu Aymen» المنشور نفسه الذي نشره حساب باسم «Ethiopia – اثيوبيا»، بما في ذلك النص والصورة، وذلك بعد دقائق فقط من نشر المنشور الأصلي.

الصورتان «16» و«17»: توضّحان التنسيق بين الحسابات في نشر المحتوى نفسه

 

وواصلت الحسابات في الدفع بهذه السردية لتوسيع نطاق انتشارها بالطريقة نفسها. وظهرت خلال الرصد حسابات إسرائيلية وحسابات من «صوماليلاند»، تتناول الغارة الجوية على «شمال الوادي» على النحو الذي انتهجته الحسابات الإثيوبية، إذ عملت على مهاجمة مصر وحكومتها، ووصفتها بأنها مهدّد للسودان، كما حاولت ترويج أن لمصر نفوذًا وسيطرة على الدول المشاركة في «قمة العلمين» (السودان، والصومال، وإرتريا).

وفي هذا السياق، شارك حساب باسم «عدنان_Al Isxaaqi»، وهو من «صوماليلاند»، منشورًا يتضمن خبر الغارة الجوية على «شمال الوادي»، وعلق عليه قائلًا إن السودانيين يدعمون مصر ضد إثيوبيا، ورغم ذلك تقصفهم الطائرات المصرية. كما وجّه الحساب اتهامات إلى المصريين بأنهم ينظرون إلى السودانيين والصوماليين وكأنهم «مجرد حشرات». في حين نشر حساب إسرائيلي باسم «Alaa Al-muhsin» خبر الغارة مع عدد أولي للضحايا، وعلق قائلًا إنها جريمة دامية تستوجب محاسبة الجيش المصري وملاحقة المسؤولين عنها دوليًا.

الصورتان «18» و«19»: توضّحان تناول حسابات إقليمية لأنباء الغارة الجوية

 

تركيز على استهداف مصر

ركزت الحسابات، على نحو منفصل، على استهداف محور «قمة العلمين»، ولا سيّما مصر والرئيس السيسي، بقوة، ما يضعنا أمام صورة أكبر؛ فالقضية، على ما يبدو، لا تتعلق بقصف مواقع التعدين الأهلي في منطقة «شمال الوادي» فحسب، بل تأتي هذه الحادثة، ضمن حوادث وأزمات عديدة، توظفها هذه الحسابات لاستهداف محور «قمة العلمين»، أو التحالف الوليد بين مصر والسودان وإريتريا والصومال، مع تركيز خاص على مصر.

وعلى سبيل المثال، نشر حساب «Abdushekur Hassen عبدالشكور عبد الصمد حسن» منشورًا ينسب فيه إلى خبير إستراتيجي (لم يسمّه) رغبة مصر بضمّ مناطق من شمال السودان، متسائلًا ما إن كان القصف تمهيدًا لتنفيذ هذا المخطط. أما حساب «عدنان_Al Isxaaqi»، فقد نشر منشورًا ينتقد دول المحور الأربع (مصر، والسودان، وإريتريا، والصومال)، قائلًا إن ما يجمعها هو الفقر وضعف المؤسسات وتراجع الصحة والتعليم.

الصورتان «20» و«21»: توضّحان منشورات تهاجم مصر ودول محور «العلمين»

وبالتوازي، نشر حساب إسرائيلي باسم «Alaa Al-muhsin» منشورات عدوانية تجاه مصر، من بينها توعّد مصر والسيسي بالهزيمة، مستشهدًا بالتاريخ وبأنّ «جدهم موسى هزم جد المصريين فرعون»، إلى جانب منشور آخر يهاجم السيسي، ويتهمه بتوريط مصر في حرب ضد إثيوبيا، مستشهدًا أيضًا بتاريخ الحرب المصرية الإثيوبية في القرن التاسع عشر، قائلًا إنها ستتكرر بهزيمة مصر على يد إثيوبيا، في عهد السيسي.

الصورتان «22» و«23»: توضّحان منشورات حساب إسرائيلي يهاجم مصر والرئيس المصري

وفي هذا السياق، ينشر حساب باسم «Abu Aymen»، بانتظام، منشورات تتعلق بمصر، تتضمن عنفًا لفظيًا أو صورًا أو مقاطع فيديو، بعضها معدّل. ولم يقف عند هذا الحد، بل نشر منشورات تحمل إساءات للجيش المصري والرئيس السيسي.

الصور من «24» إلى «27»: توضّح منشورات تهاجم مصر والجيش المصري

لقد تحولت الغارة المصرية على المعدنين السودانيين في منطقة «شمال الوادي» إلى مادة للتوظيف السياسي والإعلامي من جهات متعددة، كلٌّ لمصلحته. ففي داخل مصر، ركّزت حملة ممنهجة تقودها حسابات وهمية، على نشر سردية تصوّر الذين استُهدفوا بالغارة على أنهم «مهربون» و«مجرمون»، أو في أخف التقديرات «ينقبون عن الذهب داخل الحدود المصرية»، في محاولة لتوفير غطاء أخلاقي للاستهداف، مع الدعوة إلى مزيد من التصعيد والعنف. وعلى الجانب الآخر، وظفت حسابات إثيوبية وإسرائيلية وأخرى من «صوماليلاند» الحادثة في سياق التنافس الجيوسياسي مع دول محور «قمة العلمين»، في محاولة لإحداث وقيعة بينها، وتصوير مصر مهددًا لهذا الحلف، وترويج أنها تتعامل مع بقية الدول بوصفها «تابعة له». وظهر نمط من التنسيق بين هذه الحسابات في ترويج هذه السردية.

شارك/ي التقرير

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp

اشترك في نشرتنا الإخبارية الدورية

مزيد من المواضيع