«اعتني بأطفالنا إذا لم أعد».. شبح الترحيل القسري يهدد شتات اللاجئين السودانيين في مصر
«في طريقه من المنزل إلى مكان عمله، حمل زوجي جواز سفره وأوراقه الثبوتية، وتوجه بالحديث إليّ قبل ذهابه إلى محطة المترو: في حال اُعتقلتُ ولم أعد، ورُحّلت إلى السودان، فإن طلبي الوحيد هو الاعتناء بأطفالنا جيدًا». هكذا تصف ربة المنزل عفراء (اسم مستعار)، وهي أم لأربعة أطفال ولاجئة في العاصمة المصرية القاهرة، حالة القلق والترقب التي تعيشها منذ الأسبوع الماضي، على خلفية حملات الاحتجاز والاعتقال والترحيل المستعرة التي شرعت السلطات المصرية في تنفيذها بشكلٍ متصاعد ومكثف منذ مطلع الأسبوع الثاني من يناير الماضي.
وشملت الحملات اعتقال اللاجئين السودانيين من الشوارع والأماكن العامة، ومن ثم الشروع في ترحيلهم إلى السودان. تشعر إسلام (اسم مستعار) وهي لاجئة وصلت إلى القاهرة رفقة أسرتها قبل نحو سنتين، بالرعب وعالم اللجوء يتداعى بين يديها، ومن ناحية أخرى ينتابها خوف من العودة إلى السودان. لم تغادر إسلام شقتها منذ بدء حملات السلطات المصرية والتي طالت الجميع بمن في ذلك النساء والأطفال.
ويقول العديد من الذين تحدثنا إليهم إن الوثائق الثبوتية التي يقدمها اللاجئون واللاجئات، بما في ذلك «بطاقة اللجوء» التي تصدرها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وحتى الإقامات النظامية الصادرة من وزارة الداخلية المصرية، لا تحمي في بعض الحالات من الاعتقال والترحيل.
تضمنت هذه الحملات اعتقال وترحيل طلاب يدرسون في الجامعات المصرية بشكلٍ رسمي ويحملون بطاقات جامعية. ومن بين الذين جرى ترحيلهم طالب اعتُقل تعسفيًا على الرغم من أنه يحمل إقامة سارية حتى نهاية العام الجاري وبطاقة جامعية، وصدر قرار بترحيله، بحسب مصادر أسرية تحدثت إلى «بيم ريبورتس».
تضييق الدخول إلى مصر
لجأ إلى جمهورية مصر العربية، منذ اندلاع الصراع المسلح في السودان بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في منتصف أبريل 2023، ما يقارب الـ 1.5 مليون سوداني، وذلك وفقًا لإحصاءات مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة.
لم يكن وصول غالبية السودانيين الفارين من الحرب يسيرًا إلى مصر، فبعد أشهرٍ من الحرب، وضعت السلطات المصرية قيودًا وشروطًا جديدة للدخول. كما أنها بشكلٍ غير معلن، تخلت عن اتفاقية الحريات الأربع، الموقعة بين البلدين في العام 2004 والتي كانت تكفل لمواطني البلدين حرية الحركة والتنقل والإقامة غير المشروطة بالحصول على تصريح، بالإضافة إلى الحق في العمل والتملك في كلا البلدين.
وقبل اندلاع الحرب، كان دخول السودانيين إلى مصر أكثر يسرًا، إذ لم تكن النساء والفتيات، فضلاً عن الفتيان دون سن الـ 16 والرجال فوق سن الـ 49 في حاجةٍ إلى تأشيرة دخول.
لكن بعد اندلاع الحرب، تصاعدت الصعوبات التي يواجهها السودانيون، وباتت متطلبات دخول مصر أكثر صعوبة، فتأشيرة الدخول التي كانت مجانية أصبحت في حاجةٍ لما يعرف الآن بالموافقة الأمنية، وهي إذن دخول ذي رسومٍ مرتفعة، تتراوح ما بين 3000 نزولًا إلى 800 دولار أمريكي، بحسب الوقت الذي تستغرقه في استخراجها.
بدأت هذه التغييرات تدريجيًا، إذ جاء أول قرار بعد شهرٍ من اندلاع الحرب، وتمثل في وقف التعامل بوثائق السفر المؤقتة للسودانيين، وهي الوثائق التي كانت تسمح من خلالها السلطات المصرية بعبور حامليها للحدود، بدلًا عن جوازات السفر التي لا يملكونها.
طرق بديلة ومصاعب أكبر
مع القيود الجديدة التي فرضتها السلطات المصرية على حركة ودخول السودانيين منذ يوليو 2023، علاوةً على فترات الانتظار الطويلة، في حال امتلاك الموارد الاقتصادية، اضطرت مئات الأسر والأفراد لسلوك طرق بديلة لدخول مصر، وذلك عبر المعابر البرية التي ينشط فيها مهربون يطلبون مبالغ كبيرة، علاوةً على سلك طرق وعرة وخطرة، يتعرض اللاجئون خلالها لعمليات نهب واستغلال مالي واحتيال من المهربين، بالإضافة إلى مخاطر الحوادث المرورية التي تقل فرص النجاةٍ منها بسبب غياب فرق إسعاف.
منذ ديسمبر 2023 تزايدت أعداد السودانيين من عابري الحدود البرية إلى مصر بشكلٍ غير رسمي، نتيجة اجتياح قوات الدعم السريع ولاية الجزيرة، والتي كانت في الأصل مركزًا فر إليه مئات الآلاف من ولاية الخرطوم عقب اندلاع الحرب فيها في أبريل من العام نفسه، وبعدها فإن اتساع جغرافيا ونطاق الحرب ساهم بشكلٍ كبير في زيادة اللاجئين إلى دول الجوار.
وتمثل مصر وتشاد أكبر الدول المستضيفة للاجئين السودانيين الذين فروا من الحرب.
ولم يكن ما يتعرض له السودانيون من حملات اعتقال وتضييق على وجودهم في المساحات العامة في مصر حدثًا جديدًا، ففي سبتمبر 2023، أي بعد خمسة أشهر من اندلاع الحرب، نفذت قوات حرس الحدود والشرطة المصرية اعتقالات جماعية تعسفية بحق السودانيين الذين دخلوا إلى مصر بطرق غير رسمية عبر المعابر الحدودية بين البلدين، وكانت السلطات قد احتجزت نساءً ورجالًا وأطفالًا في ظروف وصفت بالقاسية وغير الإنسانية. وكان قد رُحل ما يزيد عن الـ 800 لاجئ سوداني إلى بلدهم في الفترة ما بين يناير إلى مارس 2024.
تعزيز الخطاب المعادي للاجئين
مع ما يشهده المصريون من صعوبات اقتصادية جمة، وتحدياتٍ متعلقة بمعيشهم اليومي منذ سنوات، فإن الوضع بعد اندلاع الحرب في السودان وموجات اللجوء قد كانت عاملًا ضمن عوامل أخرى في تشكل خطاب معاد تجاه اللاجئين عمومًا، والسودانيين خاصة. إذ انخرطت حساباتٍ شخصية وصفحاتٍ عامة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، في حملاتٍ منسقة لتقديم صورٍ وإشارتٍ سلبية عن وجود السودانيين في مصر.
وقد تكررت شكاوى مختلفة من مسؤولين مصريين بشأن الأعباء الاقتصادية الزائدة بسبب اللاجئين الذين صاروا يقاسمون المصريين موارد في الأصل شحيحة. وقد شارك في هذه الموجة جهات إعلامية مقربة للسلطات المصرية.
ومع تصاعد حملات الترحيل القسري وتضارب المعلومات حول وضع السودانيين في مصر، عقد سفير السودان لدى القاهرة عماد الدين عدوي مؤتمرًا صحفيًا يوم الجمعة الماضي.
وقال عدوي إن الإجراءات الأمنية التي تطبقها السلطات المصرية تشمل جميع الأجانب، مشددًا على حق القاهرة في تنظيم قوانين الإقامة واللجوء.
وحث عدوي المواطنين السودانيين على الالتزام بالقوانين المنظمة للإقامة والعمل، مشيرًا إلى أن دور السفارة يتركز في معالجة أوضاع السودانيين، وتنسيق مبادرات العودة الطوعية للراغبين، بالإضافة إلى تقديم الرعاية القنصلية.
وكانت الصحفية المصرية المهتمة بالشأن السوداني، أماني الطويل، قد ألمحت إلى أن الحملات ضد السودانيين قد تكون جاءت بطلب من الخرطوم.
وبحسب عدوي، فقد رُحّل 2974 سودانيًا خلال العام الماضي، مشيراً إلى أن 1765 منهم، رٌحلوا بعد استخراج وثائق سفر اضطرارية لهم بواسطة السفارة بعد توقيفهم بواسطة السلطات المصرية، بينما لفت إلى أن آخرين تم ترحيلهم رغم امتلاكهم وثائق ثبوتية لمخالفتهم ضوابط الإقامة، على حد قوله، فيما نفى صحة طلب الخرطوم تقييد وجود مواطنيها في مصر.
خيارات قاسية
في ظل هذه التعقيدات، يواجه آلاف السودانيين الذين فرّوا من تداعيات الحرب في بلدهم بحثًا عن الأمان والعلاج وحياة كريمة، جحيمًا آخر، وخوفًا من غدٍ لا يبشّر بخير. وكما أن موجات النزوح واللجوء داخل السودان ارتبطت إلى حدٍّ كبير بالقدرة المادية للناس وأوضاعهم الاجتماعية — وهو ما انعكس على طرق سفرهم وتوقيت خروجهم من منازلهم التي هُجّروا منها — فإن خيارات العودة إلى السودان، أو مغادرة مصر إلى دولة أخرى، تخضع للمنطق نفسه، وتقديرات تختلف من أسرة إلى أخرى، ومن فرد إلى آخر، في محاولاتهم المستمرة لتوفيق أوضاعهم ومعيشتهم اليومية.
من بين هؤلاء، يخطّط علاء (اسم مستعار)، الذي يقيم مع أسرته الصغيرة في القاهرة منذ أكثر من عام، لمغادرة البلاد إلى إحدى الدول الخليجية، ويقول: «لم يعد في مقدوري العيش في ظل هذا الوضع».
ومن جهة أخرى، يجد زوج عفراء — التي وردت قصتها في مستهل التقرير — نفسه بين نارين: البقاء في القاهرة والعمل لأكثر من اثنتي عشرة ساعة يوميًا مقابل أجر زهيد لا يكفي لأسبوع، مع التعرّض لتهديدات مستمرة بالاعتقال والترحيل، مقابل ضمان حصول أطفالهما، الذين انقطعوا عن الدراسة طوال فترة الحرب، على تعليم جيد في إحدى المدارس؛ أو ترك أسرته في القاهرة تواجه صنوفًا مختلفة من التحديات، والعودة وحيدًا إلى السودان لاستكشاف إمكانية تأسيس حياة جديدة، كانت في الأصل معركة يومية حتى قبل اندلاع الحرب.