Category: سياسي

بتهم تتضمن جرائم حرب.. أول شكوى جنائية بحق «10» من قادة «الدعم السريع» في كينيا

نيروبي، 9 يونيو 2026 – أعلنت منظمتا المبادرة القانونية العالمية (LAW) والمركز الإفريقي لدراسات العدالة والسلام (ACJPS)، عن تقديم شكوى جنائية إلى مكتب مدير الادعاء العام في كينيا، نيابةً عن 12 سودانيًا وسودانية، وذلك طلبًا للتحقيق مع 10 من أعضاء قوات الدعم السريع، بتهم تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في السودان، من بينهم أشخاص يُزعم أن لهم صلات بكينيا.

وقالت المنظمتان، في بيان صحفي، الثلاثاء، إن الشكوى قُدمت استنادًا إلى مبدأ «الولاية القضائية» التي تتيح للسلطات الكينية التحقيق في الجرائم الدولية الجسيمة وملاحقة مرتكبيها، حتى وإن ارتُكبت خارج الأراضي الكينية.

وتعد هذه سابقة قضائية في تاريخ كينيا، والتي تقدم فيها شكوى بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بموجب مبدأ «الولاية القضائية» الذي يشمل الجرائم الدولية مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، وهي جزء من الجرائم المنصوص عليها في القانون الجنائي الدولي.

ووفقًا للشكوى، فإن الجرائم ارتُكبت في مناطق متفرقة من ولاية الخرطوم بين أبريل 2023 ومارس 2025، وشملت الاحتجاز التعسفي والتعذيب والاغتصاب والعنف الجنسي والقتل، في مواقع من بينها سجن سوبا ومجمع الرياض ومراكز احتجاز غير رسمية.

ونقل البيان شهادة أحد الضحايا الذي قال إنه تعرض للاستجواب العنيف والاحتجاز لأسابيع في ظروف قاسية، مشيرًا إلى تعرضه لمحاولات إكراه على ارتكاب انتهاكات جنسية تحت تهديد السلاح.

وقال المدير التنفيذي للمركز الإفريقي لدراسات العدالة والسلام، مساعد محمد علي، إن هذه الخطوة تمثل «بارقة أمل للضحايا والناجين الساعين إلى العدالة ومكافحة الإفلات من العقاب».

من جانبها، قالت المديرة التنفيذية لمنظمة «المبادرة القانونية العالمية»، أنتونيا مولفي، إن قوات الدعم السريع «ارتكبت انتهاكات واسعة النطاق شملت القتل والتجويع والاستعباد الجنسي»، مشيرةً إلى أن بعض المشتبه بهم «يتنقلون بحرية داخل كينيا وخارجها».

وأضافت مولفي أن تقديم الشكوى يمثل اختبارًا لالتزام كينيا بمبادئ العدالة الدولية، في ظل محدودية مسارات المساءلة المتاحة للضحايا السودانيين.

وبحسب البيان، أفاد الضحايا الاثنا عشر بأنهم تعرضوا أو شهدوا جرائم شملت التعذيب والاغتصاب والقتل، فيما قالت المنظمتان إن النساء والرجال الذين أدلوا بشهاداتهم تحدثوا عن استخدام العنف الجنسي كوسيلة للعقاب والإذلال بحق من يُشتبه في دعمهم للقوات المسلحة السودانية.

ويأتي التحرك القانوني في وقت تتواصل فيه المطالبات الدولية بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات المرتكبة خلال الحرب الدائرة في السودان منذ أبريل 2023، والتي أسفرت عن مقتل ونزوح ملايين المدنيين. 

وأشارت المنظمتان إلى أن محدودية اختصاصات آليات العدالة الدولية الحالية، بما في ذلك المحكمة الجنائية الدولية التي يقتصر تحقيقها على إقليم دارفور، تجعل من اللجوء إلى مبدأ الاختصاص العالمي أحد المسارات المتاحة لملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية.

وقال مصدر قانوني لـ«بيم ريبورتس» إن الولاية القضائية هي قدرة الدولة على ممارسة اختصاص قضائي للجرائم الدولية التي تقع خارج أراضيها في أثناء وجود الجناة والضحايا في أراضي الدولة التي تمارس الاختصاص القضائي وفقًا لقوانينها الداخلية. 

وتكون الولاية القضائية في الجرائم الدولية، مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية والإبادة الجماعية، وهي جزء من الجرائم المنصوص عليها في القانون الجنائي الدولي والذي يتكون من اتفاقيات دولية عديدة من ضمنها اتفاقات جنيف الأربعة.

محددات خارطة طريق قوى إعلان المبادئ السوداني لوقف الحرب

طرحت قوى إعلان المبادئ السوداني، التي تتشكل من قوى سياسية ومسلحة أبرزها تحالف «صمود» وحركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور، خارطة طريق لإنهاء الحرب في السودان، خلال اجتماعات عقدتها في العاصمة الكينية نيروبي، يومي 22 و23 مايو الماضي. وتركزت الخارطة على ثلاثة محاور أساسية، هي: العملية السياسية، والهدنة الإنسانية، وترتيبات وقف إطلاق النار الدائم وإنهاء الحرب.

فيما يتعلق بالعملية السياسية، أكدت خارطة الطريق أنها تسعى إلى قيادة السودان نحو طريق جديد يحقق حلولًا مستدامة، ويُبعد البلاد عن الحلول الهشة المجربة من قبل، وبناء مشروع وطني يؤسس للعدالة والديمقراطية والتنمية والكرامة الإنسانية.

وأشارت الخارطة إلى أن الحرب ينبغي أن تواجَه بمشروع نهضوي شامل تتبناه العملية السياسية، عبر اعتماد نهج ومقاربة متكاملة، لافتةً إلى أنّ هذه المقاربة تبدأ بتصميم العملية السياسية باعتبارها حزمة واحدة، بما في ذلك اعتماد إجراءات تهيئة المناخ التي تسبق العملية السياسية وتمهد لنجاحها. وأوضحت أن إجراءات تهيئة المناخ تهدف إلى حشد الدعم والمشاركة الشعبية اللازمين لإنجاح العملية السياسية وضمان تنفيذ مخرجاتها.

كما شددت الخارطة على ضرورة ضمان تصميم العملية السياسية، في أحد أوجهه الأساسية، التزامًا واضحًا وقاطعًا من طرفي الحرب وحلفائهما بتنفيذ نتائجها، وعدّت ذلك شرطًا جوهريًا لنجاح المقاربة المتكاملة.

مصالحة مجتمعية

أكدت خارطة الطريق أن العملية السياسية ينبغي أن تقود إلى مصالحة مجتمعية قائمة على الحقيقة، وإلى بناء مجتمع جديد ومشروع وطني يوحّد ولا يفرّق، ويحفظ ولا يبدّد يقوم على العدالة الاجتماعية والمساواة، وإزالة التهميش بجميع أشكاله ومعالجة قضايا الفقر والريف، وبناء علاقة عضوية ومتوازنة بين الريف والمدن، واعتماد رؤية جديدة لتنمية السودان، وتحقيق المواطنة بلا تمييز بوصفها إحدى ركائز المشروع النهضوي الجديد، إلى جانب معالجة الآثار الاجتماعية والنفسية العميقة التي خلّفتها الحرب.

وشددت خارطة الطريق على أن البداية الصحيحة تتمثل في الاتفاق على تصميم العملية السياسية قبل الشروع في تنفيذها، موضحةً أن ذلك يستدعي أن يكون السودانيون والسودانيات، ولا سيما القوى المناهضة للحرب، مالكين حقيقيين للعملية السياسية ومستقبل السودان. 

أهداف العملية السياسية

ذكرت خارطة الطريق أن قوى إعلان المبادئ السوداني وغيرها من قوى الثورة تسعى إلى الانخراط في عملية سياسية شاملة تُنهي الحرب، وتعالج الكارثة الإنسانية باعتبارها جزءًا أصيلًا من الحل، وتخاطب جذور الأزمة السودانية، وتستعيد قيم ثورة ديسمبر، وتعتمد نهج الحلول المستدامة، قائلةً إن هذا هو جوهر العملية السياسية ذات المصداقية والمشاركة الشعبية الحقيقية.

ثلاثة مسارات متكاملة

خارطة الطريق أوضحت أن مهام وقف وإنهاء الحرب تقوم على ثلاثة مسارات: إنساني وسياسي ووقف إطلاق النار.

وفيما يتعلق بالمسار الإنساني، قالت إنه يرمي إلى كسر الحصار، وفتح الممرات الآمنة، وإيصال الغوث، وحماية المدنيين، وضمان عودة كل من اقتُلع من داره قسرًا إلى بيته بكرامة وأمان.

أما مسار وقف إطلاق النار، فقد أكدت أنه لا توجد إمكانية لإجراء حوار حقيقي وسط نيران المدافع والمسيرات، مشترطةً التوصل إلى وقف إنساني لإطلاق النار المؤقت، يتزامن مع انطلاق العملية السياسية، ويُمهّد الطريق نحو وقف دائم لإطلاق النار يرسي الأرضية لأي اتفاق شامل وعادل ومستدام.

وبالنسبة إلى المسار السياسي، شددت خارطة طريق قوى إعلان المبادئ السوداني، على جلوس السودانيين حول طاولة حوار شفاف لمناقشة جذور الأزمة ورسم ملامح وطن جديد يُحدد فيه الدستور ونظام الحكم، وعلاقة الدين بالدولة، وحقوق المواطنة دون تمييز، وبناء منظومة عسكرية وأمنية وطنية مهنية موحّدة تذوب  فيها كل الميليشيات والجيوش المتعددة.

تهيئة المناخ

أكدت خارطة الطريق على ضرورة تهيئة المناخ للحوار، مشددةً على أن أيّ عملية سياسية ناجحة لا تعقد في مناخٍ مسموم بالانتهاكات، محددةً عددًا من الخطوات التي ينبغي أن تسبق أيّ عملية سياسية، وتشمل: انخراط الآليتين الرباعية والخماسية مع القوى المناهضة للحرب في حوار جاد بشأن تصميم العملية السياسية ومراجعة الخطوات التي اتُخذت منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، وإعطاء أولوية قصوى لمعالجة الكارثة الإنسانية؛ وضمان  الحق في  الحياة، وحماية المدنيين، وعودة النازحين واللاجئين  الطوعية  إلى مناطقهم ومنازلهم، وتوسيع دائرة الفضاء المدني؛ بالإضافة إلى ضمان التزام أطراف الحرب وحلفائهم بتهيئة المناخ الملائم للعملية السياسية، والالتزام بنتائجها، إذ لا يمكن لعملية سياسية أن تكون ذات مصداقية دون ذلك، إلى جانب إطلاق سراح المحتجزين والأسرى، وإنشاء آليات للبحث عن المفقودين، وفتح الممرات الإنسانية الآمنة، وضمان وصول الإغاثة، والالتزام بالقانون الدولي الإنساني، ورفع الحصار عن المدن والقرى المحاصرة، علاوةً على ضمان حرية الحركة للمدنيين في جميع أنحاء السودان، واعتماد خطة عاجلة لمعالجة احتياجات القطاعين الصحي والتعليمي، بما في ذلك معالجة أزمة  امتحانات الشهادة السودانية، والعاملين في أجهزة الدولة، والأوراق الثبوتية، وحرية الحج، وتوحيد العملة، وتجميد التحركات العسكرية، وتوفير رقابة إقليمية ودولية وأممية على الهدنة الإنسانية، وبناء آليات وطنية لحماية المدنيين وتوزيع المساعدات الإنسانية، بمشاركة فعالة من المدنيين والمتضررين والمنظمات الأهلية غير الداعمة للحرب، وكذلك إلغاء جميع الإجراءات التعسفية ضد القوى المدنية والسياسية، وضمان حرية نشاطها السياسي المدني وحركتها باعتبار ذلك جزءًا من إجراءات بناء الثقة، وأيضًا إلغاء القوانين المقيدة للحريات، وفتح دور المؤسسات السياسية والمدنية في جميع أنحاء السودان، وتحقيق الربط والتنسيق بين جميع المبادرات الرامية إلى وقف الحرب في السودان.

ثوابت خارطة الطريق

شددت خارطة الطريق على جملة ثوابت، شملت: وحدة السودان شعبًا وأرضًا وسيادته الكاملة على أرضه ومواردِه ومجاله الجوي وبحره الإقليمي؛ واعتماد إعلان الرباعية وإعلان المبادئ السوداني ووثيقة برلين وثائقَ أساسية تُشكّل قلب العملية السياسية، إلى جانب الالتزام القاطع من أطراف الحرب وحلفائهم بتنفيذ نتائج العملية، والاتفاق على أطراف العملية السياسية واعتماد معايير ونسب تحقق الهدف الرئيس منها، وهو الانتقال المدني الديمقراطي وعدم إغراقها بالقوى الداعمة والمشاركة في الحرب، بالإضافة إلى وقف إنساني لإطلاق النار يتزامن مع انطلاق العملية السياسية، وعدم مكافأة من قالت إنهم أشعلوا الحرب، وفي مقدّمتهم قادة المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وواجهاتهما، وبناء منظومة أمنية وعسكرية وطنية مهنية واحدة، تعكس تنوّع السودان وتحمي مواطنيه، وحلّ جميع الميليشيات والجيوش الموازية، وكذلك التمييز الصريح بين القوى المدنية والعسكرية في العملية  السياسية ومراحلها.

أطراف العملية السياسية

ذكرت خارطة طريق قوى إعلان المبادئ السوداني أن العملية السياسية مفتوحة لجميع القوى المدنية الوطنية التي تعكس الواقع السوداني المعروف، على أن يُقصى منها بصورة قاطعة قادة المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وكل واجهاتهما.

وأوضحت أن المشاركة تتضمن ثلاث مجموعات رئيسة، تتمثل في القوى المناهضة للحرب غير المصطفة مع أطرافها، والقوى المصطفة مع الجيش، بالإضافة إلى القوى المصطفة مع قوات الدعم السريع.

وشددت الخارطة على أن مشاركة الجيش والدعم السريع تقتصر على مسار وقف إطلاق النار والمسار الإنساني، دون الخوض في العملية السياسية، إلا فيما يليها ويتفق عليه، مؤكدةً أنه شأن مدني بامتياز.

قضايا الحوار السياسي:

ولفتت قوى إعلان المبادئ السوداني إلى أن الحوار السياسي يعالج في صميمه ما أسمتها «الأسئلة الوجودية» التي قالت إن السودان ظل يتجنّب الإجابة عنها حقبًا من الزمن، من بينها نظام الحكم وتوزيع السلطة بما يُنهي المركزية القابضة، وعلاقة الدين بالدولة وحرية المعتقد والهوية والمواطنة المتساوية، وإنهاء اختطاف الدولة وتفكيك منظومة النظام المحلول، وبناء المنظومة الأمنية والعسكرية الوطنية  المهنية الموحّدة، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، والتعافي الاقتصادي وإدارة الثروات والموارد الطبيعية والتنمية العادلة، والعدالة والمحاسبة وإنهاء الإفلات من العقاب، وقضايا النازحين واللاجئين والمزارعين والرعاة، وحقوق الأراضي والتعليم والصحة والخدمات الأساسية ودور النساء والشباب، وقضايا العاملين والنقابات، والنظام الانتخابي، ومبادئ الدستور الدائم وعملية صناعة الدستور الدائم وهياكل ومستويات ومدة الفترة الانتقالية، وأسس إنهاء الحروب، وتأسيس الدولة السودانية الجديدة.

مخرجات الحوار

خارطة الطريق أكدت أنه وفقًا لآلية واضحة متفق عليها في اللجنة التحضيرية لاتخاذ القرار، تفضي العملية والحوار السياسي إلى نتائج ملزِمة واتفاقات واضحة المعالم تُشكّل الإطار العام لما أسمتها المرحلة التأسيسية القادمة.

وأوضحت أنها تضم: إعلان مبادئ أسس إنهاء الحروب وبناء الوطن الجديد، واتفاق السلام النهائي الشامل، والدستور الانتقالي وآليات صناعة الدستور الدائم، ومهام  تأسيس الفترة الانتقالية ومدتها وبرامجها بجداول زمنية واضحة، وآلية اختيار السلطة المدنية الانتقالية وضمان شرعيتها وهياكل ومستويات الحكم خلال المرحلة الانتقالية.

واشترطت خارطة الطريق تشكيل اللجنة التحضيرية قبل انطلاق العملية والحوار السياسي، على أن تضم ممثلين لأطراف العملية الثلاث، وتتولى وضع تصميم العملية وإرساء قواعدها.

وأشارت إلى أن مهام اللجنة تشمل: الاتفاق على تفاصيل نسب ومعايير مشاركة الأطراف، والاتفاق على مبادئ الحل السياسي ومرتكزاته، وتحديد منهجية وأسلوب إدارة الحوار ومكان وزمان انعقاده، وتنظيم العلاقة مع الوساطة والضامنين الدوليين والإقليميين، والإشراف على الدعم الفني واللوجستي للعملية.

المسار الإنساني: 

فيما يتعلق بالمسار الإنساني، ذكرت خارطة الطريق أن البلاد اليوم ليست دولة واحدة ذات نظام حكم موحّد، مشيرةً إلى توزع السيطرة العسكرية بين أراضيه على أطراف متعددة: الجيش، وقوات الدعم السريع، وحركة/ جيش تحرير السودان، والحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، مما أفرز سياقات إنسانية متمايزة. 

وقالت الخارطة إن أكثر من 24.6 مليون شخص يرزحون تحت وطأة انعدام الأمن الغذائي الحاد، وتتقدم المجاعة بخطى مسرعة نحو الفاشر وكادُقلي ومناطق شاسعة في دارفور وكردفان.

أما النزوح، فقد بلغ نحو 13 مليون نسمة منذ اندلاع الصراع، منهم نحو 9.5 مليون نازح داخلي و3.5 مليون لاجئ في دول الجوار، مما جعل السودان يحمل وحده لقب أكبر أزمة نزوح في العالم.

كما دعت خارطة طريق قوى إعلان المبادئ السوداني إلى هدنة إنسانية محددة زمنيًا ومتفق عليها، بهدف وقف الأعمال العدائية، تشمل: إعادة تشغيل الحد الأدنى من مقوّمات الحياة الأساسية تمهيدًا لوقف دائم لإطلاق النار ومسار سياسي شامل. 

وأوضحت خارطة الطريق أن الهدنة تقوم على مرجعيات بينها بيان الرباعية الدولية 2025، وينبغي أن ترتكز على: وقف جميع العمليات العدائية العسكرية بغرض كسب أراضٍ جديدة وتجميد القوات في مواقعها الحالية والانسحاب من الأعيان المدنية والخدمية وضمان حيادها الكامل، بالإضافة إلى فضّ الاشتباك وتحديد مسافات فاصلة بين القوات في مناطق التماس عبر خرائط مُتفق عليها ومحدّثة، علاوةً على الامتناع التام عن استهداف المدنيين والبنية التحتية الخدمية والعمليات الإنسانية وعمال الإغاثة، إلى جانب الامتناع عن استهداف المخازن الزراعية أو حرق المحاصيل أو تدمير الأرض.

وحددت الخارطة أهداف وأولويات الهدنة في: حماية المدنيين والعاملين الإنسانيين، ووقف التدهور الإنساني المتسارع، وضمان وصول آمن ومستدام وغير مشروط إلى المساعدات الإنسانية، بما في ذلك فتح الممرات وتنسيق الدعم عبر الحدود واستعادة الخدمات الأساسية: المرافق الصحية، وأنظمة المياه، والإنتاج الزراعي، وشبكات الكهرباء، وهياكل التعليم وإعطاء الأولوية للمناطق المحاصرة والمعزولة في دارفور وكردفان ومناطق مثل الأبيض وطويلة، وتوسيع برامج الحماية للناجين من العنف، مع تركيز خاص على النساء والأطفال، وتوفير المدخلات الزراعية وحمايتها، ودعم سلاسل الإمداد والأسواق المحلية لدرء المجاعة، وتوجيه التمويل المباشر للمنظمات المحلية والمبادرات القاعدية والطواقم الطبية الميدانية، وإدراج برامج التعليم ضمن خطط الاستجابة الإسعافية بوصفها أداة حيوية لحماية أجيال المستقبل.

وشددت خارطة الطريقة على ضرورة التزام الأطراف بإنشاء هياكل تنسيقية ورقابية مشتركة تعمل وفق مبادئ الحياد والشمولية والشفافية، إلى جانب تشكيل اللجنة العليا لتنسيق العمل الإنساني بتمثيل رفيع المستوى من دول الرباعية، وممثلين تقنيين عن الأجسام الإنسانية لأطراف الصراع، ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، وائتلاف المنظمات الدولية، وممثلي المبادرات المدنية والقاعدية.

كما دعت الخارطة إلى تشكيل لجان خفض التصعيد المحلية بقيادة مجتمعية تستمد ولايتها من اللجنة العليا، وتضم غرف الاستجابة والإدارة الأهلية ولجان النازحين بدعم فني من ضباط ارتباط ومراقبين دوليين، إلى جانب بعثة المراقبة الهجينة للفصل بين المسار الإنساني والمسار العسكري، وهي بعثة مراقبة مستقلة ذات طابع مدني تضم ما بين 20 و50 مراقبًا دوليًا من ذوي الخبرة، يدعمهم خبراء فنيون وضباط ارتباط سودانيون، على أن تعمل البعثة تحت إشراف الرباعية.  

 استمرارية الحياة في غياب الاتفاق

وأكدت خارطة الطريق أنه في حال تعثر التوصل إلى هدنة إنسانية شاملة، ينبغي الانتقال إلى مقاربة بديلة تركز على «استمرار الحق في الحياة رغم غياب الاتفاق»، عبر تفعيل برنامج وطني مرن لاستعادة الخدمات والإنتاج بتمويل ودعم دولي مباشر. 

وذكرت أن هذا النهج يعتمد على تنفيذ تدخلات قطاعية محددة جغرافيًا، في الصحة والمياه والكهرباء والتعليم والقطاع الزراعي، عبر شراكات مباشرة مع الفاعلين المحليين (منظمات المجتمع المدني، والغرف الطوعية، والسلطات الفنية غير المسيسة حيثما أمكن)، مع استخدام آليات «الوصول العابر لخطوط النار» و«عبر الحدود». 

وأشارت الخارطة إلى إمكانية توسيع نماذج العمل في مناطق ذات وضع خاص أو خارج السيطرة المباشرة للأطراف المتحاربة، كما حدث في تجارب دولية مثل سوريا رغم غياب اتفاق إنساني. 

وحذرت خارطة الطريق من أن هذه المقاربة، على ضرورتها، تنطوي على مخاطر سياسية لا يمكن تجاهلها، إذ قد تؤدي إلى تعميق واقع التجزئة الجغرافية والمؤسسية إن لم تُصمم بعناية ضمن إطار وطني جامع.

وقف إطلاق النار وترتيبات إنهاء الحرب

طرحت خارطة طريق قوى إعلان المبادئ السوداني عدة خطوات لبناء الثقة، بما في ذلك وقف الهجمات بين الأطراف المتحاربة والقصف الجوي وضرب المسيرات  حمايةً للمدنيين وتقليلًا للعنف، والسماح لوكالات الغوث الإنساني بتوصيل الغذاء والاحتياجات الطارئة، وإنشاء لجان للرصد والمراقبة والتحقيق في الانتهاكات، وفصل القوات وإنشاء مناطق عازلة في بؤر التوتر منعًا للاشتباكات المباشرة غير المقصودة، وتبادل الأسرى وإطلاق سراح المحتجزين، وعدتها خطوة رمزية بالغة الأثر في مسار بناء الثقة وإنشاء لجان مشتركة ومكاتب اتصال وعقد اجتماعات دورية.

وقف العدائيات – إطلاق النار المؤقت القابل للتجديد

دعت خارطة الطريق إلى التوقيع على اتفاق وقف إطلاق نار مؤقت –وقف للعدائيات– لمدة ثلاثة أشهر قابلة للتجديد، مدعوم بآليات مراقبة محلية وإقليمية ودولية، وبمشاركة مدنية فاعلة، بهدف تقليص العنف وتعزيز بناء الثقة. وتتضمن أطراف هذا الاتفاق، بحسب خارطة الطريق، الجيش السوداني وحلفاؤه، وقوات الدعم السريع وحلفاؤها، وحركة/ جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد أحمد النور.

ووضعت خارطة الطريق آليات لوقف إطلاق النار المؤقت، عبر إنشاء هيئات للمراقبة والتنفيذ، تتضمن اللجنة العسكرية المشتركة لوقف إطلاق النار، وتتشكل من الأطراف الموقّعة على وقف إطلاق النار بغرض التحقيق في الانتهاكات ورصدها والاتفاق على العقوبات ومحاسبة مرتكبيها، بالإضافة إلى مستويات رقابية وطنية وإقليمية ودولية، تشمل مستويات الرقابة المشتركة، ومستويات الرقابة  الوطنية (من الأطراف الموقعة على وقف العدائيات – إطلاق النار المؤقت)، والإقليمية (قوات من دول الإقليم يُتفق عليها، ولا يُشتبه في دعمها لأطراف الحرب)، والدولية (قوات من دول محايدة ذات خبرة في عمليات حفظ السلام)، إلى جانب إنشاء المفوضية السياسية لوقف إطلاق النار، وهي هيئة سياسية تُنشأ ضمن اتفاق السلام للإشراف على تنفيذ وقف إطلاق النار من الناحية السياسية وحل النزاعات بين الأطراف، وتتولى: متابعة تنفيذ اتفاق وقف العدائيات ومعالجة الخلافات السياسية، ودعم الالتزام ببنود الاتفاق، والتنسيق بين اللجان العسكرية والجهات الإقليمية والدولية.

ترتيبات وقف إطلاق النار الدائم وإنهاء الحرب

بحسب خارطة الطريق، فإنه عقب اكتمال العملية السياسية وتحديد كيفية بناء جيش وطني واحد بعقيدة مدنية وعسكرية جديدة، تبدأ مرحلة إنهاء الحرب الحقيقية. 

وتشمل هذه المرحلة، بحسب خارطة الطريق، بناء قطاع أمني وعسكري وشرطي إستراتيجي بعيد من السياسة والاقتصاد، تحت قيادة مدنية، مهمته الوحيدة حماية المواطن وصون سيادة الوطن وحدوده، على أن تستثني هذه الترتيبات ما وصفتها بالتشكيلات العسكرية الإسلامية المتطرفة، مثل كتائب «البراء بن مالك» و«البنيان المرصوص» وكتائب الدفاع الشعبي وسائر ميليشيات الحركة الإسلامية. 

كما أكدت الخارطة أن مرحلة وقف إطلاق النار الدائم ينبغي أن تتضمن حزمة من الترتيبات، تشمل ضمن مجالات أخرى: الترتيبات الأمنية والعسكرية المشتركة وخطط إعادة بناء وتشكيل المنظومة الأمنية والعسكرية الجديدة لمرحلة ما بعد الحرب و نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج وتكوين وحدات عسكرية مشتركة ومجلس دفاع مشترك لضمان السيطرة والقيادة الموحّدة وسنّ القوانين وتحديد المعايير اللازمة لمعالجة الخلل البنيوي والتاريخي الذي اعترى المنظومة الأمنية والعسكرية.

وسط مخاوف من تعميق الانقسام.. انطلاق امتحانات الشهادة السودانية «الموازية» بمناطق سيطرة «تأسيس»

أعلنت حكومة تحالف «تأسيس» الموازية بقيادة قوات الدعم السريع عن انطلاق «امتحانات الشهادة السودانية»، الأحد، بـ77 مركزًا، بالإضافة إلى ثمانية مراكز طوارئ، في علامة مقلقة تشير إلى تعمق الانقسام الإداري في البلاد.

وقال المجلس الرئاسي التابع لتحالف «تأسيس»، إن قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو «حميدتي»، شهد مراسم انطلاق «امتحانات الشهادة السودانية» لعام 2026، وذلك بقرع جرس الافتتاح الرسمي في مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور.

وذكر أن حميدتي شدد على «أهمية توفير المناخ المناسب للطلاب لأداء امتحاناتهم بكل يسر وسهولة رغم الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد».

وكان وزير الإعلام والناطق الرسمي باسم الحكومة الموازية، خالد دناع، قد صرح في مؤتمرٍ صحفي، عقد في مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور، باكتمال الترتيبات الفنية والإدارية الخاصة بإجراء الامتحانات، مؤكدًا حرصهم على ضمان سير الامتحانات بصورة «طبيعية وآمنة»، ومشيرًا إلى أهمية العملية التعليمية باعتبارها أولوية وطنية رغم الظروف التي تمر بها البلاد.

فيما أكد رئيس اللجنة الاشرافية العليا للامتحانات، حافظ عمر، اكتمال عمليات الرقابة والطباعة وتطريز الامتحانات وتغليفها وقفلها بالشمع الأحمر، لافتًا إلى أن الامتحانات تشمل المساق العلمي والأدبي والصناعي والدراسات الإسلامية، ومشيرًا إلى جلوس أكثر من تسعة آلاف ممتحن في المساق الأكاديمي.

امتحانات بالتوازي لأول مرة

تعد هذه المرة الأولى في تاريخ السودان التي تُعقد فيها امتحانات موازية للشهادة الثانوية.

وقال المتحدث الرسمي باسم لجنة المعلمين السودانيين، سامي الباقر، لـ«بيم ريبورتس» إن: «موقفنا واضح وثابت؛ فنحن مع حق جميع الطلاب السودانيين، أينما كانوا، في الجلوس لامتحانات الشهادة الثانوية السودانية الموحدة، باعتبارها استحقاقًا تعليميًا ووطنيًا لا ينبغي أن يُحرم منه أي طالب بسبب ظروف الحرب».

وأضاف الباقر: «ما يحدث اليوم سبق أن حذرنا منه منذ الأيام الأولى للحرب. لم نكن نرجم بالغيب عندما قلنا إن استمرار الصراع وتأثيره على التعليم سيقود إلى مزيد من التشظي والتفتيت. فالتعليم ليس مجرد خدمة، بل هو أحد أهم عوامل وحدة المجتمع وتماسك الدولة».

وتابع الباقر: «لذلك طالبنا منذ البداية بتحييد التعليم عن الصراع، وتأمين حق الطلاب في الدراسة والامتحانات، وجعل التعليم مدخلاً للسلام والتماسك الوطني لا ساحةً إضافية للصراع والانقسام».

وتأتي هذه الامتحانات باعتبارها الثانية في العام نفسه، وذلك في خضم جغرافيا منقسمة عسكريًا ما بين المناطق التي يسيطر عليها الجيش، وأخرى تخضع لسيطرة «الدعم السريع» وحلفائها.

وفي 13 أبريل الماضي، عُقدت امتحانات الشهادة الثانوية السودانية للدفعة 2024 – 2025 في الولايات السودان الخاضعة لسيطرة الحكومة السودانية، بما في ذلك أجزاء من كردفان، إلى جانب مراكز خارجية شملت دولًا مثل جنوب السودان ومصر وتشاد، فيما غاب بالكامل إقليم دارفور منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.

مخاوف من تعميق الانقسام

وأثارت مسألة عدم جلوس ما يزيد على 250 ألف طالب وطالبة للامتحانات في أبريل مخاوفَ عميقة بشأن مآلات التعليم وتأثيره في مستقبل الطلاب. ويقول المتحدث باسم لجنة المعلمين السودانيين إنه لا ينبغي أن تُختزل القضية في الأرقام وحدها، بل في كيفية الحفاظ على وحدة الشهادة السودانية وعدالتها واعترافها القومي، بما يضمن المساواة بين جميع الطلاب السودانيين دون تمييز أو إقصاء بسبب مواقعهم الجغرافية أو ظروف الحرب التي فُرضت عليهم.

مبادرة من أجل الطلاب تقابل بالصد

بناءً على المخاوف التي طُرحت بشأن حرمان طلاب دارفور من الامتحانات، قبيل أسابيع قليلة من انعقاد الامتحانات بمناطق سيطرة الحكومة السودانية في أبريل الماضي، ولدت المبادرة الوطنية لإنقاذ مستقبل طلاب الشهادة السودانية، التي أطلقها عدد من الآباء والأمهات والمعلمون والمعلمات ومهتمون بالتعليم في السودان، للدفاع عن حق الطلاب والطالبات، عبر التشديد على ضرورة إبقاء الحق في التعليم خارج دائرة الصراع. 

وطرحت المبادرة على عُدة محاور؛ أبرزها الدعوة إلى إقامة مراكز امتحانات في أماكن وجود الطلاب، وحشد الجهود المجتمعية من أجل حماية العملية التعليمية، بما يضمن جلوس جميع الطلاب لامتحانات الشهادة السودانية لعام 2026. 

وأجرت المبادرة عددًا من اللقاءات والاجتماعات والاتصالات مع القوى السياسية والعسكرية، بما فيها «حكومة الأمل» برئاسة كامل إدريس، و«الحكومة الموازية» برئاسة محمد حسن التعايشي، ورئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال عبدالعزيز الحلو، ورئيس حركة وجيش تحرير السودان عبد الواحد محمد نور، علاوةً على أعضاء في مجلس السيادة والمجالس الرئاسية في بورتسودان والخرطوم ونيالا وكاودا.

وفي هذه الاتصالات، طرحت المبادرة حزمة من المبادئ والموجهات الرئيسة، والتي كان أبرزها اعتماد المدخل الإنساني إطارًا وعدسة ينظر بها إلى الامتحانات بوصفها احتياجًا وحقًا إنسانيًا أصيلًا. 

وبالإضافة إلى ذلك، طرحت المبادرة ضرورة توفير فرص الامتحانات للممتحنين في مناطق وجودهم وبيئتهم الدراسية، مع التزام الأطراف كافة بضمان سلامة وأمن الطلاب والطواقم التربوية قبل العملية وأثناءها وبعدها.

وبحسب المبادرة، فإن هذه الجهود تهدف إلى إبعاد الامتحانات والحق فيها من التسييس والعسكرة والاستقطاب.

نجاة مستحيلة: السودانيون من حربٍ تنهش الوطن إلى منافٍ تسلب الكرامة

لم تعد الحرب في السودان تقتل الناس بالقذائف وحدها. صارت تقتلهم أيضًا في الطرق الطويلة التي تبدأ من مدن مشتعلة وتنتهي عند بحرٍ لا يرحم، أو صحراءٍ بلا شاهد، أو بوابة معبر في بلاد ظنّوا أنها أقرب إلى النجاة. بين رصاص طرفي الحرب داخل البلاد، وأسلاك الحدود خارجها، يمضي السودانيون في إحدى أكثر رحلات اللجوء قسوةً وإهانةً في الذاكرة الحديثة: يهربون من الموت، فيجدونه متربصًا بهم في البحر؛ ويفرون من الجوع، فتبتلعهم الصحراء؛ ويطلبون الحماية، فيُعاملون كعبءٍ أمني أو مادةٍ رخيصة في خطاب كراهية وصراع سياسي.

من الحرب إلى طرق النجاة القاتلة

منذ اندلاع حرب أبريل 2023، تحوّل السودان إلى بلدٍ يفيض بأهله خارج حدوده، وبينما نزح ملايين السودانيين داخل البلاد، عبرت ملايين أخرى إلى دول الجوار: مصر، وتشاد، وليبيا وجنوب السودان، وإثيوبيا، وأماكن أبعد. وبحسب بيانات منظمات أممية وإنسانية، تسببت الحرب في أكبر أزمة نزوح ولجوء في العالم، إذ بلغ إجمالي عددهم قرابة 11.5 مليون شخص، لكن الهروب من السودان لم يكن خروجًا من دائرة الخطر بقدر ما كان انتقالًا من شكلٍ من العنف إلى شكلٍ آخر. ففي مصر، التي كانت لعقود امتدادًا اجتماعيًا للسودانيين، وجد كثيرون أنفسهم فجأةً أمام نظام تأشيرات وإقامات معقد، وحملات توقيف، ومخاوف دائمة من الترحيل. وفي ليبيا، حيث الدولة ممزقة بين سلطات ومراكز احتجاز وشبكات تهريب، صار السوداني الهارب من بلاده عالقًا بين الحاجة إلى العمل، وخطر الاعتقال، وأسواق التهريب، ومقابر الصحراء.

في إحدى الوقائع التي تختصر المأساة، عُثر على سودانيين موتى في عمق الصحراء الليبية بعد أن تعطلت مركبتهم وهم يعبرون طريقًا يستخدمه المهربون. فقد نفد الطعام والماء، وانتظر الناس أحد عشر يومًا وسط الرمال. نجا بعضهم، وبينهم أطفال، لكن آخرين ماتوا أو فُقدوا. ولم تكن هذه حادثة معزولة، بل صورة مكثفة لطريقٍ صار مفتوحًا على الهلاك: سيارات تتعطل، وأطفال يجفون من العطش، وأجساد تُدفن بعيدًا عن البيوت والأمهات.

أما البحر المتوسط، فقد صار فصلًا آخر في كتاب المعاناة. من ليبيا ودول شمال أفريقيا، يركب سودانيون قوارب متهالكة، ليهربوا من حربٍ لم يصنعوها، ومن دول جوار لا تريدهم إلا صامتين ومؤقتين وممتنين، ثم يجدون أنفسهم بين مهربين يبتزونهم، وخفر سواحل يعيدهم، وأنظمة أوروبية تتبجح بالدفاع عن الحقوق، ثم تدفع لحراسة الحدود. وبينما يصل بعضهم إلى اليونان أو إيطاليا، يُعاد بعضهم، ويموت آخرون دون أن يتحول موتهم حتى إلى مجرد خبر.

سياسات الطرد والكراهية

في مصر، لم يعد الخوف محصورًا في عبور الحدود، بل يسكن الشارع، ومواقف المواصلات، وأبواب أماكن العمل، وحتى البيوت. ووثقت تقارير حقوقية توقيف لاجئين وطالبي لجوء سودانيين ووفاة عدد منهم داخل زنازين الاحتجاز. وعلى الرغم من أنّ بعض الموقوفين مسجل لدى مفوضية اللاجئين، فإنهم يُرحّلون أو يُهددون بالترحيل إلى بلدٍ ما تزال تشتعل فيه الحرب. ولا يمكن أن توصَف هذه الإجراءات بأنها تدابير إدارية عادية، إذ تعد انتهاكًا صريحًا لمبدأ أساسي في حماية اللاجئين: لا يجوز إعادة الإنسان إلى مكان قد يتعرض فيه لخطر جسيم.

ويزداد الوضع صعوبة مع إجازة اللائحة التنفيذية لقانون اللجوء المصري رقم 164 لسنة 2024، التي تنقل جزءًا كبيرًا من إدارة ملف اللجوء من مفوضية اللاجئين إلى السلطات المصرية. وبينما يُفترض أن ينظم القانون أوضاع اللاجئين، حذرت منظمات حقوقية من الصلاحيات الواسعة الممنوحة للسلطات، خاصة تحت مبررات «الأمن القومي» و«النظام العام». وبالنسبة إلى السودانيين، الذين يشكلون أكبر مجموعة من اللاجئين في مصر، يثير هذا التحول مخاوف من أن تُستخدم الإجراءات الجديدة لتضييق نطاق الحماية بدل توسيعه، وأن تتحول من إطار يفترض أن ينظم اللجوء إلى أداة إضافية للفرز والتقييد والإبعاد. 

في ليبيا، يتخذ التضييق على السودانيين شكلًا أكثر انفلاتًا وقسوة، إذ يجد كثيرون أنفسهم أمام داخل فضاء تتداخل فيه السلطات المتنازعة، ومراكز الاحتجاز، وشبكات التهريب، والعمل الاستغلالي، والعنف العنصري والجنسي.

ولا تعترف ليبيا باتفاقية اللاجئين لعام 1951 ولا بروتوكولها لعام 1967، كما ليس لديها نظام لجوء وطني فعّال، مما يعرّض كلّ مَن يدخل البلاد دون تصريح للتعامل معه بوصفه «مهاجرًا غير قانوني» لا طالب حماية. وفي هذا السياق، يصبح الخوف من الشكوى جزءًا من منظومة الانتهاك نفسها؛ إذ يخشى ضحايا العنف، خاصةً النساء، أن يؤدي اللجوء إلى الشرطة أو السلطات إلى احتجازهن بدلًا من حمايتهن. 

وقد وثقت تقارير صحفية وحقوقية شهادات سودانيات تعرضن للاغتصاب والضرب والابتزاز والعمل القسري، فيما تحدثت منظمات دولية عن استمرار الاعتقال التعسفي والتعذيب وسوء المعاملة داخل مراكز الاحتجاز، وعن عمليات طرد جماعي أو إعادة قسرية لمهاجرين عبر الصحراء. 

والأكثر قسوة أن السودانيين لا يواجهون فقط سياسات التضييق، بل يتعرضون أيضًا لخطاب كراهية متصاعد على الإنترنت في كل من مصر وليبيا ودول شمال إفريقيا، وتُنسج حولهم روايات كاملة: هم سبب الأزمة الاقتصادية، وهم سبب ارتفاع الإيجارات، وهم من يزاحمون المواطنين في العمل والتعليم والصحة، وهم خطر ديمغرافي، وهم «ضيوف» أطالوا الإقامة. ولا تبقى هذه اللغة حبيسة الشاشات دائمًا، بل تنتقل إلى الشارع، والنظرة، وإلى التعليق العنصري، والتنمر على لون البشرة واللهجة والملابس، وإلى عنف جسدي، وإلى إحساس اللاجئ بأنه مطالب طوال الوقت بأن يبرر وجوده، وأن يعتذر عن نجاته.

خطاب الكراهية ضد السودانيين لا يولد من فراغ، بل يجد بيئة خصبة حين تستخدم الحكومات والموالون لها ملف اللاجئين لتفسير فشل اقتصادي أو توتر سياسي داخلي. وبدلًا من أن تُسأل السلطة عن التضخم والديون والسياسات العامة، يُشار إلى اللاجئ. وبدلًا من أن تُسأل النخب السياسية عن العجز والفساد وسوء الإدارة، يُقال إن الغرباء أثقلوا البلد. وهكذا يتحول السوداني من إنسان هارب من الحرب إلى كبش فداء؛ ومن صاحب حق في الحماية إلى مادة في سوق الشعبوية.

مسؤولية لا تنتهي عند حدود السودان

لا يمكن فصل هذه المهانة عن مسؤولية طرفي الحرب في السودان. فالذين أشعلوا البلاد وحولوها إلى خرائط سيطرة ومعابر موت هم أول من دفعوا السودانيين إلى هذه الطرق. فكل قذيفة تسقط على حي، وكل حصار على مدينة، وكل نهب، وكل اعتقال، وكل خطاب تعبوي يطيل الحرب، يدفع عائلة جديدة نحو الحدود. وأطراف الحرب لا تقتل فقط من يبقى في الداخل؛ إنها تلاحق من يهرب أيضًا، فهي تسلبه البيت أولًا، ثم تجبره على طلب النجاة من عالمٍ لا يريد أن يراه.

لكن الغضب لا ينبغي أن يقف عند حدود السودان، فثمة مسؤولية ثقيلة على الدول التي استقبلت السودانيين بلسان الترحيب ثم ضاقت بهم حين طال أمد الحرب؛ ومسؤولية على الدول التي وقعت على اتفاقات دولية، وتحدثت عن الأخوة والجوار والإنسانية، ثم سمحت بالترحيل أو الاحتجاز أو التحريض.

وتبلغ المفارقة ذروتها حين تكون بعض الدول التي تضيق اليوم بالسودانيين، أو تتركهم على أبواب الحدود، أو تسمح بإهانتهم وترحيلهم، جزءًا من شبكة المصالح والتدخلات التي غذّت الحرب أصلًا، أو سهّلت استمرارها، أو تعاملت مع أطرافها بوصفهم أدوات نفوذ لا مصادر خراب. فهي لا تقف خارج المأساة لتدير «أزمة لاجئين» طارئة، بل تقف في قلبها: في صفقات السلاح، وفي حسابات الموانئ والذهب والحدود، وفي الدعم السياسي أو العسكري أو اللوجستي لأطرافها، وفي الصمت المتعمد إزاء جرائم حوّلت ملايين السودانيين إلى عابرين مذعورين للصحارى والبحار. وهكذا يدفع السوداني مرتين ثمن حرب لم يختَرها: مرةً حين تُهدم مدينته ويُنهب منزله ويُقتل أهله، ومرةً حين يصل إلى حدود دولة ساهمت، على نحو مباشر أو غير مباشر، في صناعة هذا الجحيم، فتستقبله لا باعتباره ضحية سياسات شاركت فيها، بل بوصفه متسللًا أو عبئًا أو ورقة ضغط في بازار السياسة الداخلية والخارجية.

حماية انتقائية وعالم يفتح الأبواب حين يريد

جاءت كارثة السودانيين في لحظة دولية يضيق فيها العالم أمام اللاجئين. ففي أوروبا، التي طالما قدمت نفسها بوصفها حارسةً لقيم اللجوء وحقوق الإنسان، تتجه السياسات باطّراد نحو الردع والإعادة والاحتواء خارج الحدود. 

ففي يونيو 2026، توصلت مؤسسات الاتحاد الأوروبي إلى اتفاق أولي على قواعد جديدة تسمح، ضمن مسار أوسع لتشديد سياسات الهجرة، بإرسال طالبي اللجوء المرفوضين والمهاجرين غير النظاميين إلى «مراكز عودة» في دول خارج الاتحاد، حتى في حالات لا تربطهم فيها صلة شخصية بتلك الدول، في خطوة أثارت انتقادات حقوقية واسعة وتحذيرات من تعريض الناس للاحتجاز التعسفي والخطر وسوء المعاملة.

هذا التحول لا يخص أوروبا وحدها؛ بل جزء من مناخ عالمي أوسع تتراجع فيه لغة الحماية أمام لغة الحدود، وتتصاعد فيه خطابات الكراهية ضد اللاجئين، ويُستخدم فيه ملف الهجرة للتكسب السياسي وصناعة الخوف وحشد الناخبين. وربما كان من سوء حظ السودانيين أن حربهم انفجرت في هذه اللحظة تحديدًا: لحظة صار فيها اللاجئ، في كثير من الخطابات والسياسات، متهمًا قبل أن يُسمع، وعبئًا قبل أن يُحمى، ورقمًا في معادلات الأمن والانتخابات قبل أن يُنظر إليه باعتباره إنسانًا فارًّا من الموت.

وتكاد كندا تكون الاستثناء الأوضح، إذ أعلنت مسارًا حكوميًا رسميًا لاستقبال المتأثرين بحرب السودان، وإن بقي مشروطًا في أحد أبرز مساراته بوجود قريب مؤهل داخل كندا. وبحسب الحكومة الكندية، تمت الموافقة لـ18,575 شخصًا على الإقامة الدائمة، إضافة إلى 6,135 طلب إقامة مؤقتة، ضمن إجراءاتها الخاصة بالحرب حتى مارس 2026. ورغم أهمية هذا المسار، فإنه يظل محدودًا إذا قورن بحجم النزوح السوداني واتساع الحاجة إلى حماية آمنة ومنظمة.

وتكشف هذه الفجوة أن الحماية ليست مسألة قدرة فحسب، بل مسألة إرادة سياسية أيضًا. فالعالم الذي يتحجج اليوم بضيق الموارد وتعقيد الإجراءات، يعرف، حين يريد، كيف ينشئ مسارات سريعة، ويوفر إقامات مؤقتة، ويفتح المدارس وسوق العمل والخدمات أمام الفارّين من الحرب. حدث ذلك في تجارب مختلفة بدرجات متفاوتة، وكان ينبغي أن يحدث، لأن المدنيين الهاربين من العنف لا يحتاجون إلى شفقة بقدر ما يحتاجون إلى نظام يحميهم من السقوط مرة أخرى. لكن ما يفضحه وضع السودانيين هو أن هذا النظام لا يعمل بالقدر نفسه لكل الناس.

اليوم، ومنذ اندلاع الحرب قبل ثلاث سنوات، يبدو السودانيون كأنهم عالقون في فراغ مضاعف: حرب طاحنة لا تحظى بما يكفي من الانتباه، ونزوح واسع لا تقابله آليات حماية كافية، وتمويل إنساني أقل من الحاجة، وحدود تتعامل مع الفارّين لا باعتبارهم ناجين من كارثة، بل بوصفهم مشكلة ينبغي ضبطها أو إبعادها.

ما يحتاج إليه السودانيون، ليس استثناءً ولا امتيازًا على حساب غيرهم، بل الحد الأدنى الذي يفترض أن يستوي فيه جميع الفارين من الحروب: ألا يُعادوا إلى الخطر، وألا يُحتجزوا لأن أوراقهم ناقصة، وألا يُتركوا للمهربين والصحراء والبحر، وألا يتحولوا إلى شماعة لأزمات لم يصنعوها. فكرامة اللاجئ لا ينبغي أن تتفاوت بحسب لون بشرته، أو موقع بلده على خرائط النفوذ، أو قرب مأساته من شاشات العالم ومصالحه.

حق النجاة دون إذلال

في النهاية، السوداني الذي يقف في طابور مفوضية، أو يختبئ من حملة تفتيش، أو يعبر الصحراء على عربة متهالكة، أو يركب قاربًا في الليل، لا يحمل معه مشروع غزو ولا مؤامرة ديمغرافية. إنما يحمل صورة بيتٍ فقده، ومفتاحًا قد لا يفتح شيئًا، وطفلًا يريد مدرسة، وأمًا تريد علاجًا، وأسماء أقارب وأصدقاء ماتوا أو اختفوا، وأرقام هواتف ما تزال محفوظة في هاتفه، لكنها لا تجيب مهما طال الاتصال، ورغبة بسيطة في أن ينام دون أن يسمع صوت الرصاص والقذائف.

لم تكتف الحرب السودانية بسلب الناس وطنهم؛ بل جعلت العالم يساومهم حتى على حقهم في النجاة. وما يحدث للسودانيين اليوم في الحدود والبحار والشوارع ليس أزمة لجوء فقط، بل اختبار أخلاقي عسير: لأطراف الحرب التي صنعت المأساة، ودول الجوار التي تعرف عمق الروابط مع السودان ثم تتنكر لها، وللدول الغنية التي تريد أن تُبقي الموت بعيدًا عن كاميراتها، حتى لو وقع في صحراءٍ بلا شاهد أو بحرٍ بلا قبر.

السودانيون لا يريدون شفقة، بل يطلبون أن يُعاملوا باعتبارهم بشرًا. وقد صار هذا المطلب، في زمن الحرب والحدود والعنصرية، غاضبًا بما يكفي، وحزينًا بما يكفي.

وكالة الإغاثة التابعة لـ«الدعم السريع» تشارك في مؤتمر إنساني بنيروبي تحت غطاء منظمة مستقلة

نيروبي، 2 يونيو 2026 – تشارك الوكالة السودانية للإغاثة والعمليات الإنسانية «سارهو» التابعة لقوات الدعم السريع، اليوم وغدًا، في فعاليات مؤتمر ومعرض AidEx المتخصص في مجالات العمل الإنساني والتنمية، والذي تستضيفه العاصمة الكينية نيروبي، تحت غطاء منظمة مستقلة، وفقًا للتعريف المكتوب في الموقع الرسمي للجهة المنظمة.

ويجمع الحدث منظمات الإغاثة والجهات المانحة ووكالات الاستجابة للطوارئ والأزمات من مختلف أنحاء العالم.

وتعرّف الوكالة السودانية للإغاثة والعمليات الإنسانية «سارهو» نفسها، في المواد التعريفية للفعالية، بأنها «منظمة إنسانية مستقلة يقودها سودانيون، ومكرسة لتسهيل وتنسيق وتمكين الوصول الآمن للمساعدات المنقذة للحياة داخل السودان».

وفي هذا السياق، تواصلت «بيم ريبورتس» مع المدير التنفيذي للجهة المنظمة للمؤتمر، نيكولاس رذرفورد، عبر البريد الإلكتروني، لاستيضاح المعايير والإجراءات التي استندت إليها إدارة AidEx في اعتماد «سارهو» واستضافتها في المؤتمر.

وقال رذرفورد ردًا على أسئلتنا إن معرض AidEx يهدف إلى جمع طيف واسع من الجهات الفاعلة في المجال الإنساني ضمن بيئة محايدة، بما يسهم في دعم الحوار وتحسين نتائج العمل الإنساني، مضيفًا «كما هو الحال بالنسبة للأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الإنسانية، فإن ذلك قد يتطلب أحيانًا الانخراط مع جهات قد يكون وجودها، أو مشاركتها محل جدل». 

ولكن المسألة هنا تتعلق في الأساس بالطريقة التي قُدمت بها «سارهو» بوصفها جهة محايدة، وهو ما يتعارض مع حقيقة أنها أُنشئت أساسًا بقرار من قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، لتتولى إدارة وتنسيق العمل الإنساني في المناطق الخاضعة لسيطرة القوات، لا سيما في إقليم دارفور غربي البلاد.

في أي سياقٍ تشكلت «سارهو»؟

في 13 أغسطس 2023، أصدر قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) «مرسومًا» قضى بإنشاء الوكالة السودانية للإغاثة والعمليات الإنسانية.

وجاء إنشاء الوكالة، وفقًا للقرار، بهدف تنسيق عمليات الإغاثة والعمل الإنساني في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، بما في ذلك أجزاء من دارفور وكردفان والخرطوم ومناطق النزوح، إلى جانب منح التصاريح للمنظمات الإنسانية وتسهيل الإجراءات الإدارية المرتبطة بعملها.

ومع اتساع رقعة الحرب وانقسام مناطق السيطرة بين الجيش السوداني والدعم السريع، برزت «سارهو» بوصفها جسمًا موازيًا لمفوضية العون الإنساني (HAC) التي تواصل إدارة ملف المساعدات الإنسانية في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة السودانية.

ولم يتوقف الأمر عند «سارهو»، ففي 10 سبتمبر 2025، أصدر رئيس وزراء الحكومة الموازية بقيادة قوات الدعم السريع، محمد حسن التعايشي، قرارًا بإنشاء «السلطة الوطنية للنفاذ الإنساني» (NAHA)، وهي جهة جديدة أوكلت إليها مهام تنظيم عمل المنظمات الإنسانية في مناطق سيطرة الدعم السريع، وفرضت على المنظمات العاملة هناك إعادة التسجيل لديها.

المساعدات الإنسانية وصراع الشرعية

لا يقتصر الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع على المواجهة العسكرية، بل يمتد إلى تنازع أوسع على الشرعية والسلطة والسيادة. ويُعد ملف المساعدات الإنسانية إحدى أبرز ساحات هذا التنافس.

ويتجلى هذا الصراع في التنافس بين الجهات التي تسعى إلى تنظيم وإدارة العمل الإنساني في البلاد. فمن جهة، كانت مفوضية العون الإنساني التابعة للحكومة السودانية تعمل من بورتسودان، قبل عودتها للعمل من الخرطوم مؤخرًا، باعتبارها الجهة الرسمية المخولة بتنظيم نشاط المنظمات الإنسانية، لكنها تواجه اتهامات مستمرة بعرقلة وصول المساعدات الإنسانية، بما في ذلك تقييد عمل المنظمات وعرقلة حصول موظفيها على تأشيرات دخول للبلاد. ومن جهة أخرى، تسعى «سارهو» والسلطة الوطنية للنفاذ الإنساني إلى الاضطلاع بالدور نفسه في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع.

ويُنظر إلى «سارهو» باعتبارها أكثر من مجرد آلية لتنسيق المساعدات، إذ تمثل أيضًا جزءًا من محاولات قوات الدعم السريع لبناء مؤسسات موازية واكتساب اعتراف عملي من المنظمات الدولية العاملة في مناطق نفوذها، بما يعزز ادعاءاتها بالقدرة على إدارة تلك المناطق.

ويضع هذا الواقع المنظمات الإنسانية التي تعمل على الأرض أمام معادلة معقدة، لا تستطيع وفقها أي جهة العمل باستقلالية في مناطق سيطرة الطرفين. ففي حين تشترط «سارهو» و«السلطة الوطنية للنفاذ الإنساني» على المنظمات إعادة التسجيل والعمل عبر قنواتهما داخل مناطق سيطرة «الدعم السريع»، تحذر مفوضية العون الإنساني في بورتسودان من أن التعامل مع هذه الأجسام قد يُفسر بوصفه اعترافًا بسلطة موازية، مما يعرّض المنظمات لإجراءات عقابية أو يهدد استمرار عملها في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة.

وفي فبراير 2025، صرحت الأمم المتحدة، عبر مكتبها لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، بأنّ «سارهو» تفرض قيودًا مستمرة وتضع عقبات بيروقراطية تجعل من العاملين في المجال الإنساني يواجهون عراقيل وتدخلات غير مبررة وقيودًا تشغيلية تتعارض مع القانون الدولي الإنساني.

وعلى الرغم من التعهدات المتكررة التي قدّمتها «سارهو»، ما يزال العاملون في المجال الإنساني يواجهون عراقيل وتدخلات غير مبررة، فضلًا عن قيود تشغيلية تعيق عملهم وتتعارض مع مبادئ وأحكام القانون الدولي الإنساني.

«تحرير السودان»: استمرار انتشار جدري القردة في جبل مرة بسرعة جنونية

أعلنت حركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور، استمرار انتشار وباء جدري القردة «بسرعة جنونية» في 11 منطقة من مناطق سيطرتها في جبل مرة بدارفور، منذ الإعلان عنه رسميًا من قبلها في 14 مايو الحالي، مشيرة إلى ضعف البنية الصحية وعدم قدرة المنظمات الموجودة في التصدي لوباء بهذا الحجم.   

وبلغت الحصيلة الإجمالية للمصابين، بحسب الحركة، حتى 20 مايو الحالي 347 إصابة موزعة في 11 منطقة. 

وقال الناطق الرسمي باسم الحركة، محمد عبد الرحمن الناير لـ«بيم ريبورتس» إن أول حالة سُجّلت لوباء جدري القردة كانت في الأول من مايو، فيما أُعلن عنها رسميًا في الرابع عشر من الشهر نفسه بعد انتشاره في دائرة ديرا.

بنية تحتية ضعيفة

ونشرت الحركة على حسابها الرسمي بمنصة فيسبوك عددًا من المقاطع المصورة تُظهر مرضى مصابين بعلامات ظاهرية لوباء جدري القردة. 

بحسب الناير، فإن الوباء بدأ في الانتشار منذ ذلك التاريخ ليبلغ عدد المناطق 11 منطقة ينتشر فيها الوباء، موضحًا أن ضعف البنية الصحية وانعدام الأدوية والرعاية والكوادر المؤهلة للتصدي لهذا النوع من الأوبئة ساعد في  انتشاره، بالإضافة إلى عدم تحرك الأمم المتحدة ووكالاتها والمنظمات الدولية والإقليمية لتدارك الأمر قبل أن يخرج عن السيطرة. 

وأشار إلى أن استمرار الحرب والقيود على دخول المنظمات الدولية يعد من أهم العوامل التي ساعدت في انتشار الوباء وغيره من الأمراض والأوبئة التي شهدتها عدد من مناطق دارفور مؤخرًا.

وردًا على سؤال ما إذا كان الوباء جاء من خارج السودان، قال الناير إن عملية تتبع المرض تحتاج إلى جهات متخصصة وذات دراية وهو ما لا يتوفر في الأراضي الخاضعة لسيطرة الحركة. 

وقال إن السلطة المدنية وحركة جيش تحرير السودان ناشدا المجتمع الدولي والأمم المتحدة وكافة المنظمات الإقليمية والدولية بالتدخل العاجل، مشيرًا إلى عدم وجود أي تحرك من جانبهم حتى الآن.  

وأكد أن المنظمات الموجودة في المنطقة مثل أطباء بلا حدود ليس لديها الإمكانيات للتصدي لمثل هذا الوباء الذي ينتشر بسرعة جنونية.

في المقابل، لم يرد وزير الصحة الاتحادي، هيثم محمد إبراهيم، على طلب من «بيم ريبورتس» بالتعليق بخصوص نسبة تفشي المرض في جبل مرة، وما إذا كانت الوزارة اتخذت خطوات تنسيقية مع أي منظمات عالمية للتعاطي مع انتشار الوباء، حتى الانتهاء من كتابة التقرير. 

وكانت الحركة قد أكدت في بيان في 20 مايو الحالي، أن وباء جدري القردة لا يزال يواصل اجتياح عدد من المناطق في جبل مرة، في ظل ندرة الأدوية والرعاية الطبية اللازمة، وعدم وجود أي تحرك حقيقي من المجتمع الدولي والأمم المتحدة ووكالاتها والمنظمات المحلية والإقليمية والدولية لإنقاذ هؤلاء المنكوبين.

وذكر بيان الحركة أن الوباء وصل إلى مناطق: (قولو، دربات، جاوا، سوني، يارا، ديرا، برتا، فلقا، فقوري، سورتنقا، أبونقا).

تحديات وصعوبات مستمرة

أكد البيان أن الصعوبات التي تواجه المناطق المنكوبة تتمثل في؛ عدم وجود كوادر طبية مؤهلة، وانعدام الدواء وصعوبة الوصول إلى المستشفيات في المدن لوعورة الطرق وقلة وسائل الحركة وانعدامها في بعض المناطق. كما أشار البيان إلى أن المواطنين في حاجة ماسة للتوعية بالوباء وكيفية التعامل معه عبر جهات متخصصة وذات دراية بالوباء.

ورأى البيان أن الأمر المهم في التصدي للوباء يثتمل في إعادة فتح وتأهيل المستشفيات والمراكز الصحية التي أغلقت بسبب عدم وجود الكوادر والأدوية والمعدات الطبية اللازمة، مثل مستشفى دربات الريفي، مركز جاوا، ومركز سوني وغيرها.

وحذر البيان من أن الكارثة لا تهدد مناطق جبل مرة وحده بل تهدد كل السودان وجواره الإقليمي.

المعاناة تتفاقم وسط النازحين

كانت المنسقية العامة لمعسكرات النازحين واللاجئين قد أشارت إلى أن انتشار انتشار الأمراض وسوء التغذية يمثل مأساة تهدد حياة النازحين. 

فيما أكد الناطق الرسمي باسم المنسقية آدم رجال في بيان بتاريخ 16 مايو الحالي، على أن مخيمات النازحين أصبحت بؤراً لتفشي الأوبئة ومسرحًا يوميًا لانهيار إنساني واسع النطاق.

وذكر أن مناطق  جبل مرة، سجلت أكثر من 200 حالة مشتبه بها بجدري القردة، مشيرًا إلى أن غالبيتهم من الأطفال، بالإضافة إلى  259 حالة مشتبه بها بالسعال الديكي. 

ورأى رجال أن هذه الظروف الكارثية ليست مجرد أزمة محلية، وإنما بمثابة إنذار صارخ بانهيار إنساني شامل يتطلب تدخلاً فوريًا. 

في وقتٍ دعت منسقية الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والمنظمات الإنسانية إلى إجراءات فورية لإرسال الغذاء والدواء والمياه النظيفة، إلى جانب إجراء تحقيق دولي مستقل في الانتهاكات التي أدت إلى هذا الانهيار الإنساني والضغط على الأطراف المتحاربة للوفاء بالتزاماتها الدولية لضمان وصول المساعدات دون عوائق وحماية النازحين من الاستهداف والعنف.

«ملاذ آمن» وعفو من الجيش لمنشقي الدعم السريع… كيف يثير جدلًا قانونيًا وسياسيًا؟

«يحدث دائمًا، في سياق النزاعات المسلحة الداخلية، أن تقدم بعض قادة الجماعات المسلحة أو المليشيات على عقد صفقات للانضمام للحكومة، وهو عمل أمني وسياسي في الدرجة الأولى، لكن يظل سؤال العدالة قائم على الدوام. إذ لا يمكن لبعض الجرائم أن تسقط بالعفو مثل الجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب وغيرها من الجرائم الخطيرة، وكذلك الجرائم الخاصة بالأفراد، حيث يظل الحق خالصًا لهم وحدهم» هكذا يوضح المحامي والحقوقي، عبد الباسط الحاج، الجوانب القانونية بشأن انشقاقات قادةً من قوات الدعم السريع وانضمامهم إلى الجيش.

ففي 11 أبريل الماضي انشق القائد الميداني البارز في قوات الدعم السريع، النور القبة، والذي يعد من أبرز قادة الدعم السريع الذين شاركوا في معارك الفاشر بولاية شمال دارفور،  قبل أن يصل مدينة دنقلا شمالي السودان في 19 من الشهر نفسه ويلتقي قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، في أكبر انشقاق يطال القوات منذ انشقاق قائد قوات درع السودان، أبوعاقلة كيكل، في أكتوبر 2024. 

وبعد شهر فقط، وفي 11 مايو الحالي انشق القائد الميداني في قوات الدعم السريع، علي رزق الله المعروف بالسافنا. والذي وصف انشقاقه بأنه « يمثل ضربة قاصمة لقوات الدعم السريع». قاتل السافنا بشكل أساسي في محور كردفان، قبل أن يصل الخرطوم في 15 مايو ويعلن انضمامه للجيش.

بداية الانشقاقات

بدأت سلسلة الانشقاقات في صفوف الدعم السريع، في أكتوبر من العام 2024، حينما أعلن أبو عاقلة كيكل انشقاقه وانحيازه للجيش السوداني. 

وقد شغل كيكل منصب قائد الدعم السريع في ولاية الجزيرة في أعقاب استيلائها على الفرقة الأولى مشاة التابعة للجيش بمدينة ود مدني في 18 ديسمبر 2023. وبعد انشقاقه، أعلن الجيش السوداني، في 20 أكتوبر من نفس العام، عن عفوٍ عام مقدم من القائد العام عبد الفتاح البرهان «لكل متمرد ينحاز لجانب الوطن ويبلغ لأقرب قيادة عسكرية بكل مناطق السودان»  ما أثار حينها الكثير من الأسئلة حول المسؤولية القانونية والجنائية بشأن ارتكاب كيكل وقواته انتهاكات واسعة النطاق ضد حقوق الإنسان، شملت القتل والاغتصاب والنهب والاعتقال وغيرها من الجرائم الكبيرة.

قائد قوات درع السودان أبو عاقلة كيكل

في الآن ذاته، لم تنحصر حينها الانشقاقات فقط على القادة العسكريين، بل شمل قادة سياسين كذلك، حيث أعلن خمسة مستشارين في الدعم السريع، خلال مؤتمر صحفي في مدينة بورتسودان انسلاخهم، وعقدوا بعدها لقاءً مع البرهان. 

ويعد قائد قوات درع السودان أبوعاقلة كيكل أول القادة البارزين الذين استفادوا من قرار القائد العام للجيش منذ انشقاقه عن قوات الدعم السريع في أكتوبر 2024، حيث أصبح من القادة البارزين ضمن القوات المتحالفة مع الجيش، وقاتل معه في ولايات الجزيرة والخرطوم وكردفان.

للمزيد، يمكن الاطلاع على تقرير بيم ريبورتس عن انشقاق كيكل وانضمامه إلى الجيش:

ملامح انشقاقات قادمة

وقد قال مصدرٍ سياسي تحدث لبيم ريبورتس من مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور «تسبب سلوك نائب قائد قوات الدعم السريع عبدالرحيم دقلو تجاه المجموعات المكونة للقوات التي تقاتل بشكل لا مركزي، والمحاباة في التسليح ومنح العتاد العسكري، فضلًا عن نقص التسليح في الفترات الأخيرة، في موجة الانشقاقات الأخيرة»

في وقتٍ توقع فيه المصدر استمرار عملية الانشقاقات، مشيرًا إلى وجود اختراقات داخل صفوف قوات الدعم السريع، لافتًا إلى أن استمرار الهجمات الجوية العنيفة على نيالا يهدف إلى دفع القادة السياسيين والعسكريين إلى مغادرتها، مؤكدًا وجود تصعيد عسكري كبير من الجيش في المدينة.

من جهةٍ أخرى، جاء انشقاق السافنا وقبله القبة في إطار التحولات التي أعقبت اجتياح قوات الدعم السريع بادية مستريحة، مقر الزعيم الأهلي وناظر قبيلة المحاميد موسى هلال، والتي أثارت غضب عدد من المجموعات المقاتلة ضمن صفوف الدعم السريع. 

للمزيد، يمكن الاطلاع على تقرير بيم ريبورتس بشأن تاريخ موسى هلال:

فالسافنا يعد أحد المقربين من هلال وتعرض في عام 2017 إلى الاعتقال والترحيل رفقته خلال هجوم دام شنته قوات الدعم السريع على بادية مستريحة في ذلك الوقت، حيث تم نقلهما بطائرة خاصة إلى أحد سجون العاصمة الخرطوم والذي ظل فيه حتى العام 2022 ليظهر لحظة اندلاع الحرب ضمن صفوف الدعم السريع. 

موسى هلال

وقد أكد مصدرنا من نيالا على أن الهجوم على مستريحة، في فبراير الماضي، لعب دورًا كبيرًا في عملية الانشقاقات ذات الطابع القبلي حيث ينتمي القبة والسافانا لمجموعة المحاميد التي يتزعمها هلال، مرجحًا وجود تفاهمات بواسطة هلال دفعت كل من القبة والسافنا إلى الانشقاق من قوات الدعم السريع.

وكان القبة قد اتهم في مؤتمر صحفي عقده بالخرطوم في 29 أبريل الماضي دولة الإمارات بقيادة مخطط يهدف إلى السيطرة على البلاد، مشيرًا إلى أن الخطة البديلة للإمارات تتجه نحو تقسيم البلاد على حد قوله.

البرهان يلتقي القبة، بعد وصول الأخير لمناطق سيطرة الجيش

وجاء حديث علي رزق الله (السافنا) في ذات السياق، مؤكدًا أنه سيقود عمليات قتالية إلى جانب القوات المسلحة والقوات المساندة لدحر قوات الدعم السريع عن مناطق كردفان ودارفور وحتى أم دافوق خلال الفترة المقبلة.

السافنا، أحدث المنشقين من الدعم السريع والمنضم للجيش السوداني

في الجهة المقابلة، تحاول قوات الدعم السريع التقليل من حجم هذه الانشقاقات واعتبارها غير مؤثرة في تماسكها الداخلي، حيث وفي رد فعلها على انشقاق النور قبة، جردت قوات الدعم السريع القبة من رتبته واعتبرته مطلوبًا للمحاكمة. 

وقال مستشار قائد قوات الدعم السريع، الباشا طبيق، إن المنشقين من القوات لا يمتلكون أي تأثير حقيقي على المشهدين السياسي أو العسكري، حسبما قال في منشور على صفحته بمنصة إكس. 

سؤال المسؤولية والمحاسبة

أثار انضمام المنشقين من الدعم السريع إلى الجيش السوداني، وما يزال يثير الكثير من التساؤلات والجدل القانوني، بشأن محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات والجرائم ضد المدنيين ومصير العدالة مستقبلًا، وحتى أثناء الحرب.

وبينما أصدرت محاكم سودانية، بعد اندلاع الحرب في أبريل 2023، مئات الأحكام بحق مواطنين سودانيين بتهمة التعاون مع قوات الدعم السريع شملت الإعدام والسجن المشدد. في وقتٍ يستفيد القادة العسكريين المنشقين من القوات من العفو العام الذي أصدره القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان مقابل القتال إلى جانب الجيش. 

حيث شمل العفو العام عن القادة الثلاثة المنشقين عن قوات الدعم السريع، رغم  ارتكاب جرائم كبيرة في ولايات الجزيرة وكردفان ودارفور تحت قيادتهم وهو الأمر الذي يطرح تساؤلات حول الحق بالعفو وسط اعتراض الضحايا والمخاوف القوية من استمرار الإفلات من العقاب ومكافئة قادة عسكريين ارتكبت تحت قيادتهم جرائم خطيرة. 

ويقول المحامي والحقوقي، عبد الباسط الحاج، في حديثه لـ«بيم ريبورتس» إن «استسلام قادة مليشيا الدعم السريع أمرُ مطلوب وفق الحسابات العسكرية والسياسية، ولكن لا ننسى حجم الجرائم التي تم ارتكابها بواسطة هؤلاء القادة، أو مشاركتهم وإصدارهم الأوامر المباشرة للجنود، ولا يمكن لحكومة السودان أن تصدر عفوٍ مطلق في حقهم إذا كانوا متورطين في جرائم خطيرة مثل الجرائم الدولية».

لا حصانة

في السياق نفسه، قالت مجموعة محامو الطوارئ إنها تتابع ما يتكشف من وقائع مرتبطة بتحركات بعض القادة بين أطراف الحرب.

وأكدت المجموعة أن المسؤولية الجنائية الفردية عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان تظل قائمة ومتصلة بالفعل محل التجريم وقت ارتكابه، بصرف النظر عن أي تبدل لاحق في الانتماء العسكري أو الموقع القيادي أو الاصطفاف داخل النزاع. وأضافت في بيان أن هذه المسؤولية لا تُعاد صياغتها وفق التحولات اللاحقة، ولا تتأثر بها، ولا تنتفي بزوال الصفة التي كان المتهم يشغلها وقت ارتكاب الفعل، متى ما ثبتت عناصر الإسناد الجنائي المباشر أو غير المباشر ضمن سلسلة القيادة أو السيطرة الفعلية.

ورأت المجموعة أن نطاق المساءلة يمتد إلى القوات التي ارتُكبت الانتهاكات في إطارها زمنياً وعملياً، كما يشمل أي تشكيلات عسكرية لاحقة انضم إليها القادة المعنيون، دون أن يترتب على ذلك أي أثر قانوني منشئ للحصانة أو مسقط للمسؤولية أو مخفف لها. 

كما تؤكد أن عدم التقادم على الجرائم الدولية الجسيمة يظل مبدأً مستقراً، بما يجعل هذه الأفعال قابلة للملاحقة والمساءلة أياً كان الزمن الذي مضى أو السياق الذي تغير، مشيرة إلى انتقال الانتماء داخل النزاع لا يمحو الوقائع ولا يعيد إنتاجها في صياغة قانونية جديدة، ولا يمكن أن يُستخدم كوسيلة لفصل الفعل عن مرتكبه أو تعطيل آليات العدالة.

وتشدد المجموعة كذلك على أن المسؤولية لا تقتصر على المنفذين المباشرين، بل تمتد إلى القادة الذين ثبت علمهم بالانتهاكات أو كان ينبغي لهم العلم بها، ولم يتخذوا الإجراءات اللازمة لمنعها أو وقفها أو محاسبة مرتكبيها، بما يرسخ مبدأ المسؤولية القيادية بوصفه أحد أعمدة القانون الدولي الإنساني. 

كما أن إعادة إدماج الأفراد المتورطين في انتهاكات جسيمة داخل تشكيلات عسكرية أخرى، أو إعادة توظيف مواقعهم داخل النزاع، لا يغيّر من الطبيعة القانونية للأفعال المرتكبة، بل يشكل تهديداً مباشراً لمبدأ عدم الإفلات من العقاب، وتقويضاً لحقوق الضحايا، واستمراراً لأنماط الانتهاك تحت غطاء الحرب، بما يمس جوهر العدالة ذاتها.

ودعت كذلك لجنة تقصي الحقائق الدولية التابعة للأمم المتحدة إلى مواصلة عملها في التوثيق الدقيق وربط الانتهاكات بسلاسل القيادة الفعلية دون انتقائية أو استثناء، مع إيلاء اهتمام خاص لحالات إعادة التموضع داخل النزاع بوصفها احتمالاً لعرقلة المساءلة أو الالتفاف عليها. 

ويشرح المحامي عبد الباسط الحاج أنه قد لا يكون قادة الدعم السريع المستسلمين حديثا أو سابقًا صدرت في مواجهتهم أي أوامر قبض أو مطالبات وملاحقات بشكل علني بواسطة القضاء السوداني أو المحكمة الجنائية، ولكن هذا لا ينفي احتمالية تورطهم في جرائم خطيرة تستدعي المحاسبة أو على الأقل التحقيق حولها.

اتهامات بالتدخل في حرب السودان تُعيد رسم خريطة التوترات بين الخرطوم وأديس أبابا

في الرابع من مايو الحالي، وبينما كانت الخرطوم تحاول لملمة جراحها، وذلك بعد أيام من استقبال مطارها أول رحلة دولية منذ اندلاع الحرب قبل ثلاث سنوات، دوّت عدة انفجارات عنيفة في المطار الدولي.

تصاعدت أعمدة الدخان في مطار الخرطوم الدولي ومناطق محيطة به، وفق ما وثّقه سكان، في صباح الاثنين قبل الماضي. وبحلول منتصف الليل، كان مسؤولون سودانيون كبار يعقدون مؤتمرًا صحفيًا في قلب العاصمة الخرطوم، أعلنوا فيه أن طائرات مسيرة انطلقت من مطار مدينة بحر دار الإثيوبية والواقعة في إقليم أمهرا، استهدفت مطار الخرطوم.

وتبعد مدينة بحر دار عن الخرطوم نحو 685 كيلومترًا خطًا جويًا، وفق الإحداثيات المسجّلة لكلتا المدينتين في قاعدة بيانات GeoNames الجغرافية الدولية.

جانب من مطار الخرطوم الدولي قبل اندلاع الحرب

حمّل وزير الخارجية السوداني محي الدين سالم والناطق الرسمي باسم الجيش السوداني عاصم عوض، أديس أبابا وأبوظبي المسؤولية، وأكدا أن الخرطوم قادرة على حماية سيادتها. وأعلن سالم استدعاء السفير السوداني في إثيوبيا للتشاور، بالإضافة إلى تعليق حركة الطيران في المطار لـ72 ساعة.

كل ذلك وسط إدانات عربية ودولية لاستهداف المطار والمنشآت الحيوية في الخرطوم.

وزير الخارجية السوداني محي الدين سالم

في المؤتمر الصحفي المشترك، أعلن كلٌّ من وزير الخارجية والناطق باسم الجيش أنّ السودان يمتلك «أدلة قاطعة» على أنّ طائرات مسيّرة إماراتية انطلقت من مطار بحر دار الإثيوبي لتضرب مطار الخرطوم الدولي ومنشآت عسكرية في العاصمة.

من جانبها، نفت أديس أبابا الاتهامات ووصفتها بـ«الباطلة»، واتهمت بدورها الجيش السوداني بدعم متمردي تقراي، في مشهد متوتر، لكنه ليس جديدًا بالكلية بين البلدين الجارين اللذين يتشاركان تاريخًا عريقًا.

ويُعدّ الاتهام السوداني الرسمي لإثيوبيا الثاني من نوعه منذ اندلاع الحرب في البلاد قبل ثلاث سنوات، فماذا تعرف عن العلاقات السودانية – الإثيوبية؟

علاقات قديمة

تعود العلاقات بين السودان وإثيوبيا إلى ما قبل الدولة الحديثة، إذ تعايش البلدان في سلام على مدار قرون. ومع ذلك، شهدت بعض الحقب والعصور صراعات ونزاعات وتوترات عديدة. 

ويُعد الصدام العسكري بين مملكة كوش السودانية ومملكة إكسوم الإثيوبية في القرن الرابع الميلادي، أحد أقدم الصراعات المسلحة الموثقة بين البلدين. تلاه بعد قرون عديدة الصراع بين الدولة المهدية السودانية وإثيوبيا في أواخر القرن التاسع عشر، والذي قُتل فيه الإمبراطور الإثيوبي يوحنا الرابع، كما دارت صراعات أيضًا في إقليم بني شنقول – قمز الذي كان يتبع للسودان.

وبعد سقوط الدولة المهدية بيد البريطانيين في 1898، بدأت حقبة جديدة من العلاقات بين السودان وإثيوبيا، بترسيم الحكومة البريطانية الحدود بين البلدين والبالغة نحو 1,600 كيلومتر، ومثلت الحدود مصدر توتر مستمر بين البلدين.

الإمبراطور الإثيوبي يتوسط أبيل ألير ممثلا للحكومة (يمين) وأزبوني منديري قوانزا ممثلًا المعارضة المسلحة

عقود من العلاقات الرسمية

انطلقت العلاقات الدبلوماسية رسميًا بين السودان وإثيوبيا بعد استقلال السودان في يناير 1956.

وفي عهد الإمبراطور الإثيوبي هيلا سيلاسي، رعت أديس أبابا مفاوضات السلام بين الحكومة السودانية والمعارضة الجنوبية المسلحة، والتي أسفرت عن التوقيع على اتفاق أديس أبابا في مارس 1972 والذي أنهى الحرب الأهلية الأولى بين شمال السودان وجنوبه، لتتغير وجهة العلاقات بين البلدين مع استيلاء منقستو هايلي مريام على السلطة في أديس أبابا في عام 1974.

ومع انهيار اتفاق السلام السوداني في عام 1983، دعم نظام منقستو الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، فيما آوت الخرطوم المعارضة الإثيوبية. 

وفي عام 1995، بلغت العلاقة قاعًا حقيقيًا، حين اتُّهم السودان بالتورط في محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، في أديس أبابا، فردّت إثيوبيا بدعم مسلح مكثّف للمتمردين الجنوبيين.  

وعادت العلاقة إلى مسار طبيعي بنهاية 1998. وبحلول العقد الأول من الألفية الثالثة كان البلدان مرتبطان بخط كهرباء واتفاقيات تجارية.

جانب من منطقة الفشقة – صورة نشرها مجلس السيادة السوداني

الفشقة

يمثل مثلث الفشقة الغني بالأراضي الزراعية الخصبة بولاية القضارف شرقي السودان على الحدود الدولية مع إثيوبيا، أحد ملفات الخلافات المستمرة بين البلدين. فهي تُعدّ جزءًا من الأراضي السودانية، لكن العديد من الإثيوبيين يزرعون عليها بموجب اتفاق مع الحكومة السودانية أُبرم في عام 1972، وآخر في عام 2008.

قوات الجيش السوداني في الفشقة

وظلت معظم مناطق المثلث خاضعة للسيطرة الإثيوبية منذ منتصف التسعينات، لكن في نوفمبر 2020، نفّذ الجيش السوداني عملية عسكرية في المثلث، استعاد بموجبها أكثر من 95% من مساحته، وذلك بالتزامن مع اندلاع الحرب الأهلية بين الحكومة الإثيوبية ومتمردي الجبهة الشعبية لتحرير تقراي.

افتُتح سد النهضة رسميًا في سبتمبر 2025

سد النهضة

منذ إعلان إثيوبيا البدء في بناء سد النهضة عام 2011 على بُعد نحو 40 كيلومترًا من الحدود السودانية، تأرجح الموقف السوداني بين القلق على سلامة سدوده والاستفادة من كهرباء السد الرخيصة.

ولكن بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع عمر البشير وتشكيل الحكومة الانتقالية في عام 2019، تمسّك السودان، إلى جانب مصر من جهة أخرى، بضرورة إبرام اتفاق قانوني ملزم لتشغيل سد النهضة وإدارته، وهو ما ترفضه إثيوبيا، حتى شغلت السد رسميًا في العام الماضي. فيما تزال الخرطوم متمسكة بموقفها رغم اندلاع الحرب في البلاد قبل ثلاث سنوات.

مواجهة مفتوحة ومحاولة لاحتواء الخلافات

بينما أعلن السودان عن استعداده لمواجهة مفتوحة «إن استدعى الأمر»، تلوح إثيوبيا بما تصفه بانتهاكات سودانية لم تُفصح عنها بعد، لكن المشهد الأعمق يكشف أن كلا البلدين يخوضان حربًا داخلية مدمّرة منذ سنوات، مما يشير إلى أن المواجهة المباشرة بينهما، إن وقعت، ستكون كارثة لا يتحمّلها أيّ طرف. 

وحاول الجانبان سريعًا تجاوز الخلافات، إذ عقد الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيله على هامش مراسم تنصيبه رئيسًا للبلاد في العاصمة جيبوتي في التاسع من مايو الجاري، جلسة مغلقة جمعت بين نائب رئيس مجلس السيادة السوداني مالك عقار ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد. وقال مصدر شارك في الاجتماع لقناة الجزيرة إن الجانبين تفاهما على العمل لاحتواء الخلافات.

في اليوم العالمي لحرية الصحافة.. جغرافيا وحروب متباينة ومعاناة واحدة يعيشها الصحفيون

سُجّلت في عام 2025 أعلى حصيلة قتل في صفوف الصحفيين خلال العقود الثلاثة الأخيرة، إذ قُتل 129 صحفيًا وصحفية في أماكن متفرقة من العالم. وفي السياقات التي تشهد حروبًا ونزاعات، يبدو المشهد أكثر قتامةً، إذ قُتل في السودان، منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، 34 صحفيًا وصحفية. وفي غزة قتل الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 220 صحفيًا منذ أكتوبر 2023، فيما شهد لبنان مقتل ثمانية صحفيين خلال شهرين فقط من عام 2026. 

ضمن هذا السياق، يأتي اليوم العالمي لحرية الصحافة، في الثالث من مايو من كل عام، بهدف تعزيز المبادئ الأساسية لحرية الصحافة، وتقييم حالتها عالميًا، والدفاع عن وسائل الإعلام ضد الهجمات، وتكريم الصحفيين الذين فقدوا حياتهم. 

وفي هذا العام يأتي اليوم حاملًا شعار«صياغة مستقبل يسوده السلام» وهو ما يتناقض مع ما يعيشه الصحافيون والصحافيات في بلدانٍ وسياقاتٍ مختلفة. وبينما يُفترض أن يشكّل هذا اليوم مناسبة لتكريس الحق في الوصول إلى المعلومات وحماية من ينقلونها، تكشف الوقائع المتسارعة عن اتساع دائرة المخاطر التي تواجه الصحفيين والصحفيات، في ساحات الحرب، من قتلٍ واحتجازٍ قسري، إلى الفضاء الرقمي، مرورًا بقبضة القوانين والرقابة، ما يعكس واقعًا بالغ القسوة تعيشه المهنة في أنحاء العالم.

في السودان، تعيش الصحافة أسوأ حقبة في تاريخها الممتد لأكثر من 120 عامًا بسبب الحرب التي تمزق البلاد منذ أكثر من ثلاث سنوات، قتل خلالها 34  صحفيًا بينهم خمس صحفيات، منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023،  في واحدة من أكثر الفترات دموية في تاريخ العمل الصحفي في البلاد قاطبة، وفق ما أكدت نقابة الصحفيين السودانيين.

وأكدت النقابة، في بيان بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، أن إجمالي الانتهاكات المرصودة ضد الصحفيين والعاملين في المجال الإعلامي بلغت 680 انتهاكًا، شملت: القتل، والتشريد والاعتقال، والاختفاء القسري، والاعتداءات الجسدية، والتهديد، والمطاردة ومصادرة المعدات، والاستهداف المباشر للمؤسسات الإعلامية.

معتقلون ومختفون قسريًا

في خضم الهجمة التي تعانيها الصحافة السودانية منذ اندلاع الحرب، طالبت النقابة بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الصحفيين والصحفيات المعتقلين، والكشف الفوري عن مصير المختفين قسريًا، ونشر قوائم رسمية بأسمائهم، بالإضافة إلى تمكين منظمات مستقلة من زيارة أماكن الاحتجاز وضمان سلامة المحتجزين.

وقالت النقابة إن الصحفي أشرف الحبر اختفى في ظروف غامضة بأم درمان، وانقطع الاتصال به تمامًا، دون توفر أيّ معلومات عنه منذ نوفمبر 2024. كما أشارت إلى اختفاء الصحفي مصعب الهادي بتاريخ 2 أكتوبر 2025، مشيرةً إلى عدم توافر معلومات مؤكدة بشأن مصيره أو مكان احتجازه. 

وأشارت النقابة أيضًا إلى اعتقال الصحفي آدم إسحق منان بتاريخ 25 أبريل 2026  بمدينة كتم بولاية شمال دارفور بواسطة قوات الدعم السريع التي تعتقل أيضًا المدير العام لهيئة الإذاعة والتلفزيون بوسط دارفور الصحفي مصطفى فضل المولى (أبو قوته) منذ 25 سبتمبر 2025. كما تعتقل قوات الدعم السريع الصحفي معمر إبراهيم منذ 26 أكتوبر 2025. وتعتقل قوات الدعم السريع المدير العام للهيئة الولائية للإذاعة والتلفزيون عصام محمد هارون (عصام جراد) منذ مارس 2026، رغم أنه في حالة صحية سيئة ومتدهورة للغاية.

صراع على الرواية

وشددت النقابة على أن أي عملية جادة للحوار أو الانتقال الديمقراطي في السودان لا يمكن أن تنجح دون ضمان استقلالية الإعلام ووضعها في قلب هذه العملية، موضحةً أن الإعلام ليس مجرد ناقل للأحداث، بل فاعل رئيسي في بناء الثقة، ومكافحة خطاب الكراهية، وتعزيز الشفافية.

وقالت النقابة إن الحرب في السودان تحولت إلى صراع على الرواية بقدر ما هي صراع على الأرض. وأضاف البيان أنه من دون حد أدنى من الحقيقة المشتركة، لا يمكن بناء سلام مستدام أو تحقيق عدالة، مشيرةً إلى أهمية الإعلام المهني بوصفه حارسًا للحقيقة وضامنًا لعدم اختطاف الوعي العام.

رفض عسكرة الفضاء الإعلامي

حذرت النقابة من محاولات السيطرة على الإعلام عبر الرقابة أو الترهيب أو التوظيف الدعائي، لافتةً إلى أن عسكرة الإعلام لا تطيل أمد النزاع فحسب، بل تعمّق الانقسام وتقوّض فرص المصالحة المستقبلية.

كما دعت النقابة إلى توفير حماية قانونية وميدانية فورية للصحفيين وإنشاء آلية مستقلة وشفافة للتحقيق في الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين خلال مدة زمنية محددة، وإنهاء الإفلات من العقاب ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وضمان حق الوصول إلى المعلومات دون قيود واحترام استقلالية المؤسسات الإعلامية وضمان عملها بحرية وأمان.

صحافة مسؤولة

ورأت النقابة أن حرية الصحافة لا تنفصل عن مسؤوليتها، مؤكدةً أن الصحافة المطلوبة اليوم هي صحافة دقيقة ومستقلة، ترفض التضليل وخطاب الكراهية، وتدرك أثر الكلمة في مجتمع ممزق بالحرب.

وأوضحت أن «صياغة مستقبل يسوده السلام» لن تتحقق عبر اتفاقات مغلقة، بل عبر فضاء عام حر تُتداول فيه الحقائق وتُسمع فيه كل الأصوات. فلا سلام بلا حقيقة، ولا حقيقة بلا صحافة حرة.

وتابعت النقابة: «وفي هذا اليوم، لا نحتفي بحرية الصحافة كشعار، بل ندافع عنها كشرط لبقاء السودان نفسه. فالمعركة اليوم هي معركة الحقيقة. لن يكون هناك سلام في السودان ما لم تكن هناك صحافة حرة».

ارتفاع ملحوظ في العنف الإلكتروني ضد الصحفيات

سلط تقرير جديد أعدته هيئة الأمم المتحدة للمرأة ومنظمة TheNerve وشركائهما بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، الضوء على الارتفاع الملحوظ والتعقيد المتزايد للعنف الإلكتروني الذي تتعرض له النساء الناشطات في المجال العام، وعلى رأسهن الصحفيات والعاملات في مجال الإعلام.

وأفادت 12% من المدافعات عن حقوق الإنسان، والناشطات، والصحفيات، والعاملات في مجال الإعلام، وغيرهن من المتواصلات مع الجمهور، بحسب التقرير، بأنهن تعرضن لمشاركة صور شخصية دون موافقتهن، شملت محتوى حميميًا أو ذا طابع جنسي. 

أما بالنسبة إلى الصحفيات والعاملات في مجال الإعلام، فإن الصورة تبدو أكثر إثارة للقلق؛ إذ أفادت 45% ن هذه الفئة بممارستهن للرقابة الذاتية على وسائل التواصل الاجتماعي في عام 2025 –وهي زيادة بنسبة 50% مقارنةً بعام 2020– بينما أفادت قرابة 22% منهن بممارستهن للرقابة الذاتية في سياق عملهن المهني.

تعزيز الإعلام المحلي المستقبل

يأتي اليوم العالمي لحرية الصحافة، والصحفيين يخاطرون بحياتهم يوميًا، في مختلف أنحاء إفريقيا والمنطقة العربية، وفي معظم بلدان العالم، وهم يوثقون الحروب والفظائع والنزوح وحملات التضليل، في ظروف عملٍ قاسية وبإمكانات شحيحة، وتهديدٍ مستمر وظهور إعلامي أدنى بكثير مقارنةً بالعديد من الفاعلين الدوليين الذين يغطون القصص نفسها.

ويفرض هذا الواقع أسئلة عن ما يطرحه الصحفيون والصحفيات بشأن ضرورة توفير وحماية وتعزيز الإعلام المحلي المستقل، باعتباره تمكينًا للمجتمعات في تصديه للأجندات السياسية والتدخلات الخارجية والسرديات المنسقة التي تشكل تغطية للأخبار، وليس مصدرًا ثانويًا لاستخلاص المعلومات فقط.

تحقيق يكشف عن عقارات بقيمة «24» مليون دولار في دبي مرتبطة بـ«الدعم السريع»

29 أبريل 2026 – كشف تحقيق استقصائي حديث عن امتلاك شبكة من أفراد عائلة قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو «حميدتي»، وكيانات مرتبطة بقيادة القوات، محفظة عقارية في دبي تُقدّر بنحو 24 مليون دولار، تضم أكثر من 20 عقارًا موزعة في مجمعات سكنية فاخرة.

وكان قد نُشر تحقيق استقصائي في فبراير الماضي كشف عن امتلاك قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو «حميدتي» ثلاث شقق سكنية في موقع إستراتيجي قرب قاعدة «المنهاد» الجوية في دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة بقيمة 1.7 مليون دولار. 

وبحسب التحقيق الصادر أمس الثلاثاء عن منظمة «ذا سنتري»، فإن عددًا من هذه العقارات مملوك لأفراد من عائلة دقلو داخل مجمع سكني مسوّر واحد، في مؤشر على تمركز الاستثمارات داخل بيئة عقارية محددة، وسط اتهامات بأن دبي تمثل «ملاذًا آمنًا» لأصول مرتبطة بقادة «الدعم السريع».

شركات واجهة واستثمارات مباشرة

وسلط التحقيق الضوء على دور شركة «بروديجيوس» لإدارة العقارات، المملوكة بالكامل لأبي ذر عبد النبي حبيب الله أحمد، الخاضع لعقوبات أمريكية، والتي تمتلك عقارات تُقدّر قيمتها بنحو 6.7 مليون دولار. وتشمل هذه الأصول شققًا ومكتبًا كان «حميدتي» يمتلكها شخصيًا قبل نقل ملكيتها إلى الشركة في 2022، بالإضافة إلى فيلتين فاخرتين في مجمع «ميدان».

كما امتدت الاستثمارات إلى أفراد من العائلة، إذ اشترت آمنة موسى عيسى يوسف، زوجة «حميدتي»، قطعة أرض في مشروع فاخر قرب نادي ترامب الدولي للغولف بنحو 850 ألف دولار في أكتوبر 2023. وكذلك امتلكت زهراء عبد الرحيم حمدان دقلو شقة بقيمة 1.2 مليون دولار في ذات المجمع.

وفي السياق ذاته، أشار التحقيق إلى امتلاك موسى حمدان دقلو شقة في «قرية جميرا الدائرية» بقيمة مماثلة، بينما يستأجر القوني حمدان دقلو فيلا فاخرة بتكلفة سنوية تصل إلى 144 ألف دولار.

مستشارون ضمن الشبكة

ولم تقتصر الاستثمارات على أفراد العائلة، إذ كشف التحقيق عن امتلاك طه عثمان أحمد الحسين، أحد مستشاري «الدعم السريع»، محفظة عقارية تُقدّر بنحو 13 مليون دولار. كما يمتلك مصطفى إبراهيم عبد النبي، الذي وصفه الاتحاد الأوروبي بالمستشار المالي للعائلة، شقة في برج خليفة بقيمة 700 ألف دولار.

ردود ونفي

في ردها على التحقيق، رفضت عائلة دقلو التعليق على ملكية عقارات محددة، لكنها أكدت أن أصولها ناتجة عن «أنشطة تجارية مشروعة» في القطاع الخاص، خاصة تجارة المواشي.

ومن جانبه، نفى مصطفى إبراهيم عبد النبي أيّ صلة له بتمويل أنشطة «الدعم السريع»، موضحًا أنه يشغل منصب مدير مالي منذ عام 2017، حين كانت القوات كيانًا رسميًا، ومؤكدًا عدم تورطه في أيّ أنشطة تعيق السلام في السودان.

دعوات إلى توسيع العقوبات

وخلص التحقيق إلى توصيات بضرورة توسيع نطاق العقوبات الأمريكية والأوروبية والبريطانية لتشمل شركة «بروديجيوس» ومالكها مباشرةً، إلى جانب دعوة المؤسسات المالية في الإمارات إلى تشديد إجراءات التدقيق على المعاملات المرتبطة بعائلة دقلو.

سياق مرتبط: استثمارات سابقة قرب منشآت عسكرية

يأتي هذا التحقيق في سياق سلسلة تقارير سابقة كشفت عن استثمارات عقارية مرتبطة بقادة «الدعم السريع» في دبي. ففي فبراير الماضي، أظهر تحقيق آخر امتلاك «حميدتي» ثلاث شقق سكنية بقيمة 1.7 مليون دولار في موقع إستراتيجي قرب قاعدة «المنهاد» الجوية.

كما أشار ذلك التحقيق إلى ارتباط شركة «بروديجيوس» بشبكات تمويل ساهمت في دعم «الدعم السريع»، سواء عبر عوائد إيجارية أو من خلال واجهات مالية مرتبطة بشركات خاضعة للعقوبات.

وفيما تؤكد تقارير دولية وجود ثغرات في أنظمة مكافحة غسل الأموال داخل القطاع العقاري، تنفي الإمارات دعمها لأيّ طرف في الصراع السوداني، رغم تصاعد الضغوط الدولية بشأن دورها المحتمل.

دلالات أوسع

تكشف هذه المعطيات عن نمط متكرر في توظيف القطاع العقاري أداةً لحفظ ونقل الثروات المرتبطة بالصراع، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى تشديد الرقابة الدولية على تدفقات الأموال المرتبطة بالنزاعات المسلحة، خاصة في ظل الحرب المستمرة في السودان منذ نحو ثلاث سنوات.