Category: سياسي

فجرها طلاب المدارس.. كيف انطلقت شرارة ثورة ديسمبر من الولايات إلى الخرطوم؟

تخلقت الثورة في مدينة مايرنو على مر السنوات الأخيرة، وكانت كبركان محموم، أوقده الحراك الطلابي المستمر والتنظيمات العمالية والسياسية، غير أن “لحظة” 6 ديسمبر 2018م، التي شقّت فيها هتافات تلاميذ مرحلة الأساس عنان السماء، عندما خرجوا في تظاهرات حاشدة، مثلت انفجار ذلك البركان في وجه النظام المخلوع، وانجرف إلى كل أرجاء البلاد.

 

 كانت تظاهرة من أجل الحياة؛ حيث ردد الطلاب والشباب والذين سرعان ما انضم إليهم المواطنون، هتافات تندد بالوضع المعيشي والغلاء، لكن قوات الشرطة لم تدخر وقتاً؛ حيث هاجمت التظاهرات باستخدام العنف المفرط، واستبسل المتظاهرون في صده. 

 

يسترجع عضو لجنة مقاومة مايرنو، رعد شهاب، تلك اللحظات المفصلية في تاريخ البلاد، قائلاً: إن احتجاجات طلاب ومواطني مايرنو في ذلك اليوم خلقت صدمة لدى إدارتها الأهلية الموالية للنظام وحكومة الولاية لاعتقادهم أنها تحت سيطرة النظام. 

ويضيف شهاب لـ(بيم ريبورتس): “دخلنا في مواجهة مفتوحة مع الشرطة وقدنا الموكب لمنطقة نائية غرب المدينة بعيداً عن المباني السكنية والأراضي الزراعية. لكن الشرطة لاحقتنا بالغاز المسيل للدموع إلى الأحياء مرة أخرى، حيث ألقته في المنازل ومسجد “السلطان” الشهير، ويضيف: كما شهد الموكب محاولات دهس، واعتقل مواطن وضرب بسبب تصويره للتظاهرات. ويواصل رعد عن المعتقل: “كان المواطن من أنصار النظام قبل أن يخلع ثوبه وينضم إلى صفوف المتظاهرين والناشطين في المدينة بعد حادثة الاعتقال”.

 

ربما انتبه الناس لمايرنو مع ثورة ديسمبر، إلا أن للمدينة تاريخاً ممتداً في مقاومة نظام الإنقاذ، في السنوات الأخيرة. على سبيل المثال، شهدت المدينة في العام 2010م حراكاً مهماً رافضاً لتزوير الانتخابات الرئاسية، الذي توج بتكوين حركة مقاومة باسم “عدنا” وهي بدأت كجسم صغير ومن ثم توسع إلى “شباب مايرنو الثوري التقدمي” حيث ضمت شباباً ثورياً من المنطقة، والذي قاد تظاهرات مناهضة للوالي حينها، أحمد عباس في العام 2012م. واستخدم النظام الرصاص الحي في فض تظاهرة نظمتها الحركة.

النيل الأزرق

سرعان ما انتقلت شرارة الثورة من مايرنو إلى مدينة الدمازين (إقليم النيل الأزرق) في  13 ديسمبر 2018، وخرج طلاب المدرسة الفنية الثانوية بالدمازين احتجاجاً على انعدام الخبز، ولاحقاً انتقلت حالة الغضب إلى ثانويات البنات في رفيدة التجارية وذات النطاقين وبنت وهب، ومدارس القطاع الجنوبي، وأدى تعامل السلطات العنيف مع الطلاب إلى انخراط أهالي المدينة في الحركة الاحتجاجية حتى أصدرت لجنة أمن الولاية قراراً بإغلاق المدارس.

 

“سبقت أحداث 13 ديسمبر حالة من الضغط المعيشي نتيجة التدهور الاقتصادي العام، بالإضافة إلى حراك المعدنيين في منطقة بلقوة بمحلية ود الماحي بسبب فرض الحكومة وقتها نسبة ربح 10% على كل جوال ذهب”، يقول عضو لجان مقاومة الدمازين، معاذ عيسى لـ(بيم ريبورتس).

ويضيف “رفض العمال الزيادة، خاصة وأن توقيتها جاء في نهاية العام، بالإضافة إلى مطالبتهم الشركة السودانية للمعادن بمنشور رسمي للزيادة، وتعبيراً عن احتجاجهم قام المعدنيون بحرق آليات تتبع للشركة السودانية للمعادن”. 

 

لم يقف الحراك في النيل الأزرق يوم 13 ديسمبر، ولكنه شهد تصعيداً في أماكن عدة داخل الإقليم في الأيام التالية، خاصة وسط الحركة الطلابية التي كانت جزءاً أصيلاً منه، حيث رفع طلاب كلية الهندسة بجامعة الروصيرص لافتات تحمل مطالب سياسية واضحة يومي 14 و 15 ديسمبر2018؛ ويوضح عيسى “توج حراك طلاب المدارس والجامعات بإنضمام المواطنين للحراك على مدى الثلاث أيام اللاحقة، وتراجع الحراك في الدمازين في 18 ديسمبر بعد قمع الشرطة العسكرية المفرط للمحتجين وإغلاق المدارس”. 

 

 

كان هذا الوضع في النيل الأزرق، يعبر عن أوضاع ولايات البلاد الـ18، فانتقلت شرارة التظاهرات غرباً، حيث خرج طلاب المدارس بمدينة الفاشر بولاية شمال دارفور، في موكب احتجاجي يوم 16 ديسمبر تنديداً بفرض تسعيرة تجارية لشراء الخبز رفعت قيمته بنسبة 300%، واستخدمت الشرطة الهراوات وعبوات الغاز المسيل للدموع لتفريق الطلاب وجرى إغلاق سوق المدينة الرئيسي للحد من حركة الاحتجاجات.

 

وفي صبيحة 17 ديسمبر تسببت عبوات غاز مسيل للدموع أطلقتها الشرطة لفض اعتصام محدود لطالبات داخلية الزهراء في مدن تابعة لولاية الجزيرة احتجاجاً على انعدام الخبز، في حالات اختناق في أوساط الطالبات. وفي الولاية نفسها تظاهر أهالي قرية فداسي ليل 18 ديسمبر احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية المتردية.

نهر النيل

“توقفت سيارتي بمحطة الوقود لما يقارب الأسبوعين لكي أحصل على البنزين”. هكذا بدأ الشيخ محمد علي (32 عاماً) حديثه لـ(بيم ريبورتس) عن الأوضاع بمدينة عطبرة (ولاية نهر النيل) في الأسابيع التي سبقت اندلاع الثورة، وقال إن المدينة في تلك الفترة كانت تمر بـ”أزمة طاحنة في الوقود والدقيق”.

 

تحدّث الشيخ عن انعدام الدقيق تماماً بمخابز عطبرة منذ التاسع من ديسمبر، “احتدّت حالة الغضب بين المواطنين بسبب توقف عمل المخابز، وتزامن ذلك مع تداول معلومات بين المواطنين بأن حصّة ولاية نهر النيل من الدقيق أرسلت إلى الخرطوم لتغطية العجز هناك”، كما ذكر أن مجهودات الحكومة الولائية كانت منصبّة في تغطية حاجة الوجبة المدرسية للطلاب، إلى أن عجزت عن ذلك.

 

وفي صباح الأربعاء، 19 ديسمبر 2018م، خرجت تظاهرة طلّاب مدرسة عطبرة الصناعية، بعدما أخبرهم المدير بعجزه في توفير حصّة الخبز للمدرسة، وانضم للتظاهرة المتجهة نحو سوق عطبرة أعداد كبيرة من مختلف فئات المواطنين، وأصحاب المحال التجارية، وبعض كوادر الأحزاب السياسية. 

وفي عصر اليوم نفسه، ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي بصور تُظهر دار المؤتمر الوطني مشتعلاً بالنيران، حيث أضرم متظاهرون النيران في المبنى عند وصولهم إليه بعدما أغلقوا الشوارع المحيطة به.

 

تجددت التظاهرات في اليوم التالي (الخميس 20 ديسمبر) بالرغم من إعلان الحكومة حالة الطوارىء وإغلاقها سوق المدينة. حاول متظاهرون عبور الجسر الواصل بين عطبرة والدامر للوصول إلى أمانة حكومة ولاية نهر النيل بالدامر، إلّا أن قوات الجيش حالت دون ذلك.

 

ومع خروج طلاب عطبرة شمالي البلاد في 18 و 19 ديسمبر للسبب نفسه أخذت الثورة زخمها فسرعان ما انخرط أهالي المدينة النقابية العريقة في الحراك، إذ رفعت عطبرة لأول مرة شعارات سياسية تنادي برحيل النظام، هذا غير هتافات “شرقت شرقت عطبرة مرقت التي حثت بقية المدن للخروج، ومن ثم جاءت لحظة إحراق دار المؤتمر الوطني لتشكل منظرا رمزيا لسقوط النظام سياسياً.

 

 وفي الـ20 من ديسمبر فضت الشرطة تظاهرة لطلاب جامعة الخرطوم فقد فيها 2 من الطلاب المشاركين أطرافهم جراء محاولتهم إعادة عبوات الغاز المسيل للدموع، فيما تواصلت احتجاجات عطبرة في تحدٍ لحالة الطوارئ التي أعلنها الوالي المكلف حاتم الوسيلة وامتدت لتشمل بقية مدن الولاية مثل الدامر والعبيدية وبربر فقدمت الأخيرة أول شهداء الثورة “محمد عيسى ماكور”. ومن ثم دخلت ولاية القضارف في مواجهات عنيفة مع الشرطة انتهت بسقوط 8 ضحايا، وانضمت مدينة بورتسودان إلى خط الاحتجاجات، بينما أضرم مواطنو كريمة في الولاية الشمالية النيران في مقر الحزب بعد تظاهرات بها مما أدى لسقوط قتيلين، وفي ولاية شمال كردفان، فيما أحرق محتجون في 21 ديسمبر مقر الحزب الحاكم في مدينة الرهد بعد تظاهرات حاشدة.

 

ومنذ انطلاق الثورة في 6 ديسمبر 2018م في مايرنو وتوسعها لمدن وقرى السودان المختلفة؛ شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً؛ إلى الدمازين والفاشر وعطبرة حيث اشتعلت النيران في مقر الحزب الحاكم، ها هي أربعة أعوامٍ تمضي وما يزال حراك الشارع الذي توج بالإطاحة بنظام الرئيس المخلوع، والذي ظن كثيرون انه سينتهي بسقوط عمر البشير، في 11 أبريل 2019م مستمرا،في سعيه الحثيث والدائم لإنهاء الحكم العسكري في السودان، إذ أن الحراك لم يقف هناك،ويواصل مدّه  اليوم في مقاومة انقلاب 25 أكتوبر، ولا يزال كثيرون يعبرون عن عدم تراجعهم عن مطالب الثورة حتى لو تطلب الأمر عقوداً من الزمان لتحقيقها.

جيوش عديدة.. هل تعبد (النصوص) وحدها الطريق للإصلاح العسكري في السودان؟

على مدى السنوات الأربع الأخيرة، في أعقاب ثورة ديسمبر 2018 التي أطاحت بنظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، في أبريل 2019، لم يكف الفاعلون السودانيون، مدنيون وعسكريون، عن الحديث بشأن إعادة هيكلة الجيش أو إصلاح القطاع العسكري عامةً، الذي تم تضمينه في جميع الاتفاقات، في ظل ظاهرة الجيوش المتعددة التي تعيشها البلاد.

 

ومع اختلاف المقصد والتصورات من عملية الإصلاح، بين الفاعلين، إلا أنهم جميعاً يتفقون على “ضرورة الوصول إلى جيش قومي واحد”. على أن يكون بعيداً عن السياسة وملتزماً بإطار مهني يحدده الدستور، إلا أن هذا الأمر ما يزال يبدو بعيد المنال بالنظر إلى دور الجيش المتنامي في السياسة منذ اندلاع الثورة.

 

ولا يواجه الجيش السوداني في الوقت الحالي، مجرد عملية دمج وإعادة تسريح تقليدية، مثل تلك التي تم تنفيذها طوال تاريخ اتفاقات السلام التي وقعها السودانيون حكومات وحركات مسلحة، على أمل إطفاء الحروب الأهلية التي وسمت تاريخ البلاد الحديث، وإنما تُثار التساؤلات بالأساس، حول قدرته على احتواء كل تلك الجيوش التي تقدر بنحو 5-9 جيوش، في جيش قومي واحد. 

 

وأكثر من ذلك، يواجه الجيش من جهة، وجميع أولئك الساعين إلى بناء جيش وطني قومي موحد، تحدي كيفية التعاطي مع الدعم السريع الذي تنامت قوته وترسخ وجوده العسكري والسياسي، ما يجعله في مصاف الجيش الرسمي.

تباين وجهات النظر

مثل اتفاق سلام جوبا، وقبله الوثيقة الدستورية واتفاق حمدوك ـ البرهان، لم يغب إصلاح الجيش عن نصوص الاتفاق الإطاري الموقع يوم 5 ديسمبر الحالي، غير أن قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، وقائد الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي) أدليا في كلمتيهما بمناسبة توقيع الاتفاق، بتصريحات متباينة عن دور الجيش المهني وإطاره الدستوري، بما في ذلك الطريق إلى تحقيق ذلك الهدف.

 

ومع ذلك، اتفقا في بعض التفاصيل المتعلقة بخروج الجيش من العملية السياسية. وبينما قال البرهان في كلمته، إن وجود القوات المسلحة والعسكريين في السلطة أمر مؤقت وغير دائم. ذهب حميدتي في كلمته إلى تأكيد انسحاب المؤسسة العسكرية من السياسة، والذي قال إنه أمر ضروري لإقامة نظام ديمقراطي مستدام.

 

عاد البرهان وأضاف قائلاً: “إننا نسعى لتحويل الجيش لمؤسسة دستورية يمنع تحيزه لحزب أو جماعة أو أيديولوجيا ولا تستخدم المؤسسة العسكرية صلاحيتها تجاه طرف من الأطراف وتعمل بمهنية واحتراف”.

 

 ومع أن البرهان، أقر في كلمته بأن السلطة المدنية مسؤولة عن ما وصفها بـ”غايات الوطن وقضاياه”، إلا أنه عاد وحذر القوى السياسية والقوى المدنية بعدم التدخل في العمل الفني للمؤسسة العسكرية، دون تقديم مزيد من التوضيحات. 

 

في المقابل، أضاف حميدتي، أن إقامة نظام ديمقراطي مستدام “يستوجب أيضاً التزام القوى والأحزاب السياسية، بالابتعاد عن استخدام المؤسسة العسكرية للوصول للسلطة، كما حدث عبر التاريخ. وذلك يتطلب بناء جيش قومي، ومهني، ومستقل عن السياسة وإجراء إصلاحات عميقة في المؤسسة العسكرية تؤدي إلى جيش واحد، يعكس تنوع السودان، ويحمي النظام الديمقراطي”.

الدعم السريع

في يناير 2017، أجاز البرلمان المحلول، قانون (قوات الدعم السريع)، والذي بموجبه أصبحت القوات شبه العسكرية والمتهمة بارتكاب انتهاكات فظيعة ضد حقوق الإنسان، في إقليم دارفور بشكل خاص، وأنحاء مختلفة من البلاد، قوات نظامية.

 

ومع ذلك، أثارت وضعيتها مقابل الجيش وتبعيتها لرئاسة الجمهورية منذ ذلك الوقت التساؤلات في الأوساط السياسية، لاحقاً أعادت الوثيقة الدستورية 2019، تقنين وضع الدعم السريع، وهو الأمر عينه الذي فعله الاتفاق الإطاري مرةً أخرى. 

وبالنسبة لقضية الجيش القومي الواحد يعتقد محللون سياسيون أن الاتفاق الإطاري لم يجاوب عليها. 

 

يقول الكاتب عبد الرحمن الغالي، إن “وثيقة دستور المحامين بدأت بتجاهل الدعم السريع ولم تذكره ضمن الأجهزة النظامية الثلاثة (الجيش والشرطة وجهاز المخابرات) وجاء الإعلان الدستوري ليتحدث فقط عن مهام القوات المسلحة وعن دمج كافة القوات دون ذكر الدعم السريع. ولكن في الاتفاق الإطاري، ظهر الدعم السريع ضمن هذه الأجهزة النظامية لتصير أربعة أجهزة (الجيش، الدعم السريع، الشرطة، المخابرات)، وجاء في الاتفاق أنها تتبع للقوات المسلحة وأن القانون سيحدد لها أهدافها ومهامها وأن يكون رأس الدولة قائداً أعلى لها. 

 

وهذا يعني، حسب الغالي في مقال منشور، أنها قوة منفصلة بقانون منفصل وليس قانون القوات المسلحة، وأنه لم ينص على أنها تتبع للقائد العام بل للقائد الأعلى (المدني).

 

ونص الاتفاق الإطاري، في باب (قضايا ومهام الانتقال)، على الإصلاح الأمني والعسكري الذي يقود إلى جيش مهني وقومي واحد، يحمي حدود الوطن والحكم المدني الديمقراطي، وينأى بالجيش عن السياسة. بالإضافة إلى تنقية الجيش من أي وجود سياسي حزبي، وإصلاح جميع الأجهزة النظامية.

 

وعرف الاتفاق الأجهزة النظامية في جمهورية السودان بأنها هي: القوات المسلحة، قوات الدعم السريع، الشرطة، جهاز المخابرات العامة.

ونص الاتفاق على أن القوات المسلحة؛ مؤسسة نظامية قومية احترافية غير حزبية، مؤلفة ومنظمة هيكلياً طبقاً للقانون، تضطلع بواجب حماية الوطن ووحدته وسيادته والحفاظ على أمنه وسلامة أراضيه وحدوده، أيضاً نص الاتفاق على أن  تتخذ القوات المسلحة عقيدة عسكرية تلتزم بالنظام الدستوري وبالقانون وتقر بالنظام المدني الديمقراطي أساساً للحكم، ويكون رأس الدولة قائداً أعلى للقوات المسلحة.

 

كما يحدد القانون الحالات التي يجوز فيها لمجلس الوزراء، أن يلجأ إلى إشراك القوات المسلحة في مهام ذات طبيعة غير عسكرية، على أن تتكون القوات المسلحة من مكونات الشعب السوداني المختلفة بما يراعى قوميتها وتوازنها وتمثيلها دون تمييز أو إقصاء، وتخضع لمؤسسات السلطة الانتقالية ولا تُستخدم ضد الشعب السوداني، ولا تتدخل في الشؤون السياسية.

 

أيضاً يحظر تكوين مليشيات عسكرية أو شبه عسكرية ويحظر مزاولة القوات النظامية للأعمال الاستثمارية والتجارية ما عدا تلك التي تتعلق بالتصنيع الحربي والمهمات العسكرية وفقاً للسياسة التي تضعها الحكومة الانتقالية، وتؤول لوزارة المالية والتخطيط الاقتصادي جميع الشركات الحكومية والمملوكة للقوات النظامية المختلفة وجهاز المخابرات والتي تعمل في قطاعات مدنية، وتخضع بقية الشركات المملوكة للقوات النظامية والتي تعمل في قطاعات عسكرية وامنية لإشراف وسلطة رقابة وزارة المالية في الجوانب المالية والمحاسبية وسلطة ديوان المراجعة القومي.

 

 وحدد الاتفاق مهام القوات المسلحة في الفترة الانتقالية إضافة إلى ما ورد في قانونها؛ هي: الالتزام بالنظام الدستوري، واحترام سيادة القانون، والحكومة المدنية الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة البلاد وحماية حدودها أمام أي عدوان خارجي، احترام إرادة الشعب السوداني في حكومة مدنية تعددية ديمقراطية والعمل تحت إمرتها، وتنفيذ السياسات المتعلقة بالإصلاح الأمني والعسكري وفق خطة الحكومة الانتقالية وصولاً لجيش قومي مهني احترافي واحد. 

 

ويتضمن ذلك؛ تنفيذ بند الترتيبات الأمنية الوارد في اتفاقية جوبا لسلام السودان والإتفاقيات التي تأتي لاحقاً بخصوص قوات حركات الكفاح المسلح.

وبحسب الاتفاق، فإن دمج قوات الدعم السريع في القوات المسلحة سيتم وفق الجداول الزمنية المتفق عليها، كما سيتم مراجعة شروط القبول للكلية الحربية ومراجعة المناهج العسكرية، بما يتماشى مع متطلبات العدالة والمواطنة المتساوية والعقيدة العسكرية الديمقراطية، غير أن الاتفاق الذي تحدث عن إدماج الدعم السريع في الجيش أشار إلى أن تنفيذ مهام هذا الإصلاح يتم بواسطة قيادة القوات المسلحة، فيما أشار إلى رئاسة الدولة بواسطة قائد أعلى قوات الدعم السريع.

 

ويرى الخبير العسكري، أمين مجذوب، أن عملية هيكلة ومسألة دمج أفراد وقوات جديدة في القوات النظامية أمر ممكن، ويضيف: ” للقوات المسلحة خبرة كبيرة جداً في دمج القوات مثلما تم في اتفاقية أديس أبابا 1972 وفي  اتفاقية نيفاشا 2005 )، ويشير إلى أن عملية الدمج ستتم بسهولة حال  تم توفير الأموال والمعلومات الصحيحة من جانب الحركات المسلحة والدعم من المجتمع الدولي.


وينوه مجذوب في إفادته لـ(بيم ريبورتس)، إلى أن عملية التسريح “تتم  بتسريح الأفراد للعمل المدني وإرجاعهم  للقرى التي نزحوا منها. أما الدمج، فهو للراغبين في العمل بالقوات المسلحة بعد استيفاء شروطها وتسهيل عملية الإدماج بعد اجتياز القبول ليتم تدريبهم للعمل.

واعتبر مجذوب، أن ما تنادي به بعض الأصوات الأخرى، حول مسألة تفكيك وحل الجيوش تضر بالبلاد أكثر مما تصلحها، مستشهداً بما تم في العام 1985 بحل جهاز أمن الدولة، الذي اعتبره قراراً كان له أثر سلبي على العمل الأمني في البلاد، وأن السودان لا يزال يدفع ثمنه حتى اليوم. 

 

وفيما يتعلق بتجارب مماثلة في دول الجوار، أشار مجذوب إلى ما حدث للجيش الإثيوبي عام 1991 بعد حله، وتعرض المليشيات بعده للهزيمة من القوات الإرترية، وفشل إثيوبيا حتى اليوم في إعادة هيمنة الجيش الذي كان ترتيبه الـ14 في افريقيا رغم إعادتها تجميع الجيش بعد 3 سنوات. 

 

ومع حديث بعض الخبراء، عن إمكانية إجراء عمليات الدمج وإعادة التسريح للجيوش العديدة في البلاد، بما يمهد الطريق إلى توحيدها في جيش قومي واحد، إلا أن التاريخ القريب يخبرنا بأن النصوص والاتفاقات وحدها لا تعبد الطريق لعملية الإصلاح العسكري المنتظرة، في ظل الحاجة الكبيرة للدعم المالي والتحلي بالإرادة السياسية الكافية، وإيمان الفاعلين بضرورة عملية التحول المدني الديمقراطي نفسها. 

أربعة أعوام من الثورة.. هل يجيب الاتفاق الثالث مع الجيش على قضايا التحول الديمقراطي؟

صباح الاثنين، عاودت خطى قادة قوى الحرية والتغيير، السير في ردهات القصر الرئاسي بالعاصمة السودانية الخرطوم للمرة الأولى، منذ أن أطاح قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان بالحكومة الانتقالية، عبر انقلاب عسكري نفذه في 25 أكتوبر 2021. 

توقيع الاتفاق السياسي الإطاري، والذي سبقته جولات تفاوضية معلنة وغير معلنة بين الطرفين، هو ما جمع قادة الحرية والتغيير والجيش، بجانب الجبهة الثورية ومجموعات حزبية وكيانات نقابية أخرى، على صعيد القصر الرئاسي، صباحها.


وبحسب بنوده، فإن الاتفاق الإطاري الذي تم توقيعه، وسط حضور إقليمي ودولي واسعين، من المفترض أن يؤدي إلى تكوين حكومة انتقالية بقيادة مدنية كاملة تتمتع بصلاحيات واسعة، من بينها إدارة الشرطة والمخابرات العامة، عقب توقيع اتفاق نهائي في الأسابيع المقبلة.

ومع ذلك، لم يدخل الاتفاق الإطاري في تفاصيل موضوعات تركت للنقاش حتى التوقيع النهائي الذي سيجري التفاوض حوله خلال الأسبوعين المقبلين، وهي: (العدالة والعدالة الانتقالية، وتفاصيل الإصلاح الأمني والعسكري، وقضية إزالة تمكين النظام السابق، وإمكانية إجراء تعديلات على اتفاق سلام جوبا)

خطابات متباينة

صاحب اتفاق قادة الحرية والتغيير والعسكريين، بعد أكثر من عام على الانقلاب، ردود فعل متباينة من كل من البرهان وحميدتي، خلال كلمتيهما بمناسبة توقيع الاتفاق. فبينما قال البرهان إنهم يسعون إلى تحويل الجيش إلى مؤسسة دستورية تخضع للدستور ومنع تسيسه أو تحيزه إلى جماعة أو أيدلوجية، واعترافه بالقيادة السياسية. وأضاف قائلاً: “نحن بصدد وضع اللبنات لهذا النظام. ووضع هذه الغايات نصب أعيننا، يستوجب من السلطة المدنية عدم التدخل في الشؤون الفنية العسكرية لإنفاذ غايات الأمن القومي”. 

 

فإن حميدتي أقر، في كلمته، بأن ما حدث في 25 أكتوبر 2021م، كان خطأ سياسياً، وقال إنه فتح الباب لعودة قوى الثورة المضادة حسب تعبيره. مضيفاً أن بناء جيش قومي، مهني، ومستقل عن السياسة، يتطلب إجراء إصلاحات عميقة في المؤسسة العسكرية تؤدي إلى جيش واحد، يعكس تنوع السودان، ويحمي النظام الديمقراطي.

 

بالمقابل، أشار ممثلون لقوى الحرية والتغيير في كلماتهم أثناء الاحتفال، بأن الاتفاق غايته توحيد الشعب وبناء دولة الحكم المدني.

وقال القيادي بالحرية والتغيير، الواثق البرير، إن التوقيع يأتي في إطار إنهاء ظواهر الحكم الشمولي للأبد وتأسيس مسار انتقالي جديد أكثر فاعلية يقود البلاد لانتخابات تحقق السلام المستدام. 

 

ومع ذلك، تُثار أسئلة وسط السودانيين، حول جدوى الاتفاق الثالث بين المدنيين والعسكر منذ إطاحة نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير في أبريل 2019م. بالإضافة إلى تساؤلات أخرى متعلقة بضمانات وآليات تنفيذ الاتفاق، خاصة أنه سكت عن مصير البرهان وحميدتي وبقية أعضاء السلطة العسكرية الحاكمة الذين يطالب المحتجون بمحاكمتهم وإبعادهم من المشهد السياسي.

 

وفي خضم هذه المخاوف التي يطرحها السودانيون، تطل أسئلة أخرى حول قدرة الاتفاق على إنهاء الانقلاب واستعادة مسار التحول المدني الديمقراطي، وهو الأمر الذي يعتقد محللون أنه قد يتحقق وإن كان وفق سياقات محددة.  

 

 يقول المحلل السياسي، بكري الجاك، لـ(بيم ريبورتس)، إن الاتفاق الإطاري، حسم النقاش في بعض القضايا من حيث المبدأ، غير أنه شدد على أن ذلك لا يعني اتفاق الطرفين. ويشير الجاك، إلى أن الحرية والتغيير، عبر الاتفاق الإطاري، اتجهت في مسار تحقيق رؤيتها لإنهاء الانقلاب، لكنه أكد أن إنهاء الانقلاب لن يتحقق إلا بعد التوقيع النهائي وتنفيذ بنود الاتفاق، خاصة تلك المتعلقة بخروج المؤسسة العسكرية من السياسة والاقتصاد، وتحويل السلطة لحكومة مدنية كاملة برئاسة رئيس وزراء ومجلس سيادة يرأسه مدني.

 

 وحول موقف المؤسسة العسكرية المحتمل بعيداً عن البرهان، يعتقد الجاك أنه من الصعب أن يكون للجيش رؤية مستقلة من الاتفاق الذي وقعه قائده العام، مضيفاً “يجب أن نتعامل مع المؤسسة العسكرية من منظور اقتصاد سياسي، ونقيم موقفها من تطبيق الاتفاق وتأثيره على مصالحها واستثماراتها”.

 

ويرى المتحدث الرسمي بقوى الحرية والتغيير المجلس المركزي، شهاب الدين إبراهيم، في إفادته لـ(بيم ريبورتس) أن الاتفاق حدد الإطار العام للقضايا التي يمكن أن تستجيب لرغبات السودانيات والسودانيين في تحقيق شروط التحول المدني الديمقراطي، وأن الاتفاق منسجم مع الرؤية التي تقدمت بها قوى الحرية والتغيير وهي مرجعية للاتفاق الاطاري أيضاً.

ويضيف إبراهيم، أن الضمان لتنفيذ الاتفاق والالتزام به يتمثل في ” وجود جبهة مدنية تضغط في اتجاه التوصل لاتفاق نهائي”.

مواقف رافضة

وفي لحظة توقيع الاتفاق نهار أمس الاثنين، كانت شوارع الخرطوم تضج بهتافات آلاف المتظاهرين الذين قاوموا انقلاب 25 أكتوبر منذ يومه الأول، ورفعت شعارات رافضة للاتفاق الإطاري خلال المواكب، ومتمسكة بشعار أن “لا تفاوض، لا شراكة، لا شرعية”. وليس الشارع ولجان المقاومة هما الرافضان الوحيدان للاتفاق من قوى الثورة، بل هناك كيانات وأجسام سياسية ونقابية أخرى رافضة. 

 

فالحزب الشيوعي، اعتبر الاتفاق مواصلة لما وصفها بؤامرات القوى المعادية لقطع الطريق على الثورة، وإنتاج النظام المباد في واجهة جديدة. وفي هذا السياق، يقول  السكرتير الإعلامي للحزب الشيوعي بالعاصمة القومية الخرطوم، عبد الخالق بابكر، في إفادته لـ(بيم ريبورتس): “الاتفاق لن يصمد طويلاً، وسينهار إما  بالانقسامات الداخلية للتنظيمات المكونة له، أو بحدوث انقلاب جديد ناتج من كون  تركيبته لا تقوم على مصالح حقيقية أساسية  تعبر عن الجماهير التي  تحمي السلطة، بل تقوم على مصالح مؤقتة وثانوية تفتقر لمن يحميها”. 

 

وفي السياق نفسه، يعتقد مسؤولون رفيعون بالحكومة الانتقالية السابقة، أن الاتفاق الإطاري لا يمثل مدخلاً لحل الأزمة السياسية التي تسبب فيها انقلاب 25 أكتوبر. حيث يرى عضو مجلس السيادة السابق، صديق تاور، أن الانقلاب ما زال قائماً ومتمكناً تحت سلطة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان. وقال تاور في تصريح لـ(بيم ريبورتس)، إن الاتفاق الإطاري، هو مجرد عموميات لا يمكن الاعتماد عليها في تحقيق مطالب الشعب السوداني ولن يفضي للسلطة المدنية التي يحلمون بها. 

 

ويعتقد تاور، أن فرص نجاح الاتفاق تبدو ضئيلة جدًا بل تكاد تكون منعدمة، وقال “العبرة ليست في المضمون وحده وإنما فى الإرادة الصادقة لتحقيق ذلك، وهذا ما لا يتوافر في طرف أساسى من أطراف هذا الاتفاق، وأقصد به المكون العسكري”. 

“بموجب هذا الاتفاق ليس هناك ما يشير لرجوع عن الانقلاب، فالانقلاب لا يزال قائمًا ومتمكنًا وكل السلطات والقرارات في الدولة بيد فرد واحد أحد اسمه عبد الفتاح البرهان، بلا شرعية و بلا مرجعيات مؤسسية”، يقول تاور.

 

ويضيف قائلاً “بهذه الخطوة الحرية والتغيير شرعنت الانقلاب وحققت له حلم ظل يحلم به منذ يومه الأول، و منحته صك براءة من صفة الانقلاب دون أن تضمن أي شيء، أو دون أن تؤمن الخطوة الضرورية لجعل ميزان القوى لصالح قوى الثورة، مجرد وعود لا يوجد ضمان لانتكاستها في أي وقت”.

“لا ضمانات ولا التزامات جادة أو واضحة ولا أي شيء، مجرد وعود في الهواء، هذا ما لم يجب عليه رفاقنا في الحرية والتغيير”، يتساءل عضو مجلس السيادة السابق، صديق تاور عن الاتفاق الإطاري الموقع مع الجيش.

مواقف أطراف السلام

بالنسبة لمواقف الحركات الموقعة على اتفاق سلام جوبا، من الاتفاق الإطاري، فقد جاءت متباينة، إذ وقعت كلا من الحركة الشعبية لتحرير السودان (فصيل مالك عقار) وتجمع قوى تحرير السودان (قيادة الطاهر حجر) وحركة جيش تحرير السودان المجلس الانتقالي (الهادي إدريس) على الاتفاق الإطاري، بينما أعلنت حركة جيش تحرير السودان (مني أركو مناوي) والعدل والمساواة (جبريل إبراهيم) رفضهما التوقيع. 

 

بينما أشاد حجر وإدريس بالاتفاق الإطاري، وصف جبريل ومناوي الاتفاق “بالإقصائي” حيث يرى جبريل، أن الاتفاق لا يفضي لانتخابات حرة ونزيهة، ويشير مناوي متفقا مع الأول في رفضه، أن الاتفاق فُرض من الخارج على المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير والمكون العسكري.

 

ومع ذلك يقول مصدر بحركة جيش تحرير السودان لـ(بيم ريبورتس)، إنه يجب على الحركة أن تنظر للقضية من باب الوعي بقضاياها، بجانب الحاجة الملحة لتنفيذ اتفاق السلام.

أبرز بنود الاتفاق

تكون الاتفاق من 5 بنود رئيسية هي: المبادئ العامة، وقضايا ومهام الانتقال، وهياكل السلطة الانتقالية، والأجهزة النظامية، وقضايا الاتفاق النهائي. وحدد الاتفاق الفترة الانتقالية بعامين منذ لحظة تعيين رئيس الوزراء، على أن تجرى بنهاية الفترة الانتقالية انتخابات عامة في البلاد. 

وأكد الاتفاق أيضاً، على احترام إرادة الشعب في حكومة مدنية، إضافة إلى العمل على وقف التدهور الاقتصادي وفق “منهج تنموي شامل يراعي الفقراء والمهمشين”.

 

وفيما يخص المؤسسة العسكرية؛ فإن الاتفاق نص على دمج قوات الدعم السريع في الجيش خلال جداول زمنية محددة، وحظر تكوين المليشيات والمجموعات الخارجة على القانون، وأن تخضع جميع الشركات العسكرية لرئيس الوزراء وولاية وزارة المالية، إلى جانب تنفيذ السياسات المتعلقة بإصلاح المنظومة العسكرية.

 

ونص الاتفاق أيضاً على استقلالية ومهنية مؤسسات الدولة، مثل القضاء والتعليم والقوات النظامية والتخصصية والخدمة المدنية، إضافة إلى مكافحة الفساد وإرساء مبادئ الشفافية والمحاسبة.

وجاء فيه أن “يحدد الدستور مهام المجلس التشريعي القومي، وعدد مقاعده ونسب ومعايير الاختيار، بما يضمن مشاركة النساء بنسبة 40%، إضافة إلى الشباب ولجان المقاومة وذوي الإعاقة”.

 

ويندرج داخل الاتفاق وجود مجلس عدلي مؤقت من 11 عضواً، يتم تعيينه من قبل رئيس الوزراء بترشيح من الأطراف المدنية الموقعة على الاتفاق، لاختيار رئيس القضاء ونوابه، والنائب العام ومساعديه، ورئيس وأعضاء المحكمة الدستورية، ويتم حله بانتهاء مهمته. وشدد الاتفاق على أن لا تكون هناك سلطة اعتقال أو احتجاز لجهاز المخابرات، وأن يتبع لرئيس الوزراء مباشرة، كما يحظر على قوات الشرطة ممارسة أي أعمال تجارية أو استثمارية وأن تقتصر مهمتها على إنفاذ القانون وحماية المدنيين. 

 

 

منذ ظهيرة سقوط رأس النظام البائد، عمر البشير، في 11 أبريل 2019م  والشعب السوداني يتطلع إلى ديمقراطية مستدامة، بعد تاريخ حافل بالانقلابات والحكومات العسكرية. وخلال مسار الثورة التي أوشكت على الأربع سنوات، فإن البلاد شهدت توقيع ثلاثة اتفاقات لإدارة الفترة الانتقالية، وثيقة دستورية، واتفاق إطاري آخر بين رئيس وزراء السابق عبد الله حمدوك و قائد الجيش بعد انقلابه في 25 أكتوبر 2021م.

 

وبعد مرور أكثر من عام على انقلاب 25 أكتوبر، وفشل وتخبط حكومة الأمر الواقع، ها هي تعود لتجلس على طاولة التفاوض من جديد، في عملية سياسية ذات شقين أولها الاتفاق الإطاري، آملة على حد اتفاقها أن تشمل العملية في شقها الأخير مشاركة أوسع لتطوير الاتفاق الاطاري الحالي، الذي وجد من يومه الأول رفضاً واسعاً من قوى سياسية ومدنية وما زال الجدل يثار حول شرعيته من الأساس.

بحجج مختلفة.. كيف وظّفت حكومتا شمال وغرب دارفور قانون الطوارئ لسجن المئات تعسفياً؟

 منذ حوالي 4 أشهر، ويعقوب آدم إدريس وابنه واثنين من أبناء عمومته، يقبعون بسجن بورتسودان شرقي البلاد، تحت طائلة قانون الطوارئ الذي أصدره قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان غداة انقلابه، ومن ثم ألغى العمل به في مايو الماضي.

 

وكان إدريس، المتحدر من ولاية غرب دارفور الواقعة أقصى غربي البلاد، قد اعتقل في يوليو الماضي دون أوامر قضائية، ليفقد التواصل مع عائلته، بمن فيهم أبناؤه الـ16 الذين تركهم في الجنينة بلا عائل، حسبما يقول أقرباؤه لـ(بيم ريبورتس).

 

بدأت حكاية إدريس والمئات غيره، من المعتقلين تعسفياً، في 27 يوليو الماضي، عندما أمر حاكم ولاية غرب دارفور، خميس عبد الله أبكر، باحتجاز 177 مواطناً من مدينة الجنينة، بدون الاستناد على أية إجراءات قضائية، بحجة مشاركتهم في نزاع أهلي بـ(منطقة آزرني)، نُقِل على إثره 90 بينهم إلى سجن بورتسودان في اليوم نفسه، ومن ضمنهم  إدريس، أما ابنه وأقربائه، فاعتقلوا في سجن الجنينة.

 

ومع ذلك، ما تزال الأجهزة الأمنية تشن حملات اعتقالات شبه مستمرة في أنحاء إقليم دارفور المختلفة، بحجة مشاركتهم في أعمال عنف أهلي، غير أن محامين وناشطين تحدثوا لـ(بيم ريبورتس)، أشاروا إلى أن الاعتقالات لم تكن قانونية وطالت أشخاص لا علاقة لهم بالأحداث.

 

ويؤكد ذوو المعتقلين على ذات الأمر، حيث ينفى أحد أقرباء المعتقل (إدريس) لـ(بيم ريبورتس) عبر الهاتف من مدينة الجنينة، أن يكون أقربائه الأربعة قد ارتكبوا أية جريمة، وقال إنهم كانوا في قرية (برونة) التي تبعد نحو 25 كلم من مدينة الجنينة، مشيراً إلى أنهم اعتقلوا لمجرد حديثهم مع القوات الأمنية الأمنية المرتكزة على بعد نحو كيلومترين من القرية، وأبدوا رغبتهم في إفادتها عن الأحداث القريبة منهم.  

 

 لم تقتصر الاعتقالات التي شنتها قوات الأمن على إدريس وعائلته، حيث تم اعتقال أكثر من 100 مواطن من قرية (كنغوك)، يقول المصدر. كما جرى استجواب المواطنين بشكل عشوائي وقمعي، قبل أن يتم اقتيادهم سيراً على الأقدام لمسافة 8 كلم من قرية (كنغوك) إلى قرية (مكو)، ومن بعدها رُحل المعتقلون ووزعوا على سجون: (أردمتا وبورتسودان والهدى).

معتقلو سجن الهدى

فصل آخر من الانتهاكات يعيشها المعتقلون تعسفياً في السجون، حيث يصفهم السجانون بسجن الهدى غرب مدينة أمدرمان بـ”أمانات والي غرب دارفور”، يقصد السجانون بذلك 21 شخصاً جرى اعتقالهم بواسطة لجنة أمن ولاية غرب دارفور في أبريل 2021م، في أعقاب أحداث (كريندق 2). ورغم انتهاء فترة حبسهم، إلا أن حاكم ولاية غرب دارفور، أصدر قراراً بالتحفظ عليهم.

تجدد الأحداث وزيادة المحتجزين

 خلال العامين الماضيين، شهدت ولاية غرب دارفور عدداً من موجات العنف الدامية في يناير 2020 ويناير وأبريل 2021 عرفت بأحداث مخيم كريندنق 1 وكريندنق 2 ومخيم أبو ذر وحي الجبل ، وأودت تلك الأحداث بحياة 452 قتيل على الأقل بينهم 43 من النساء والاطفال وخلفت 528 جريح .

 

وتجددت الأحداث في أواخر أبريل الماضي، حيث اندلعت موجة جديدة من العنف في مدينة الجنينة، راح ضحيتها أكثر من 200 شخص، فضلاً عن عشرات الجرحى.

ومع توقيف مئات الأشخاص دون اتخاذ إجراءات قانونية بحقهم، أقر قائد الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، بالتقصير في احتواء أحداث (كريندق) وأحداث غرب دارفور عامة.  

 

ومع استمرار الاعتقالات التعسفية، شكل محامون هيئة للدفاع عن معتقلي ولاية غرب دارفور المحتجزين بالسجون، حيث أسفرت جهودها عن الإفراج عن عدد من المعتقلين بسجن أردمتا.

اعتقالات بولاية شمال دارفور

 فيما ارتبطت الاعتقالات في ولاية غرب دارفور بأحداث العنف وقانون الطوارئ، جرت حملة اعتقالات شبيهة في ولاية شمال دارفور، في يوليو وأغسطس الماضيين، يقول محامون إنها جاءت هذه المرة بأوامر من قائد ثاني الدعم السريع، عبد الرحيم دقلو، على خلفية مشاريع استثمارية في التعدين حاول فرضها بالقوة.

 

ومع احتجاجهم على مشروع دقلو، تم ترحيل أغلب الموقوفين إلى سجن الهدى غربي بأمدرمان لتتولى قضيتهم، بالإضافة إلى معتقلي ولاية غرب دارفور، هيئة دفاع مشتركة.

 

 وتقول هيئة محامي دارفور، إنه منذ مايو الماضي، جرى ترحيل 71 محتجزاً من الفاشر إلى سجن الهدى، ألحقت بهم دفعة ثانية في 31 أغسطس الماضي، ضمت 16 معتقلاً في 31 أغسطس الماضي ، وذلك بأوامر من قائد ثاني دعم سريع عبد الرحيم دقلو.

معتقلو سجن شالا

مع اختلاف أماكن السجون الجغرافية، إلا أن الاعتقال التعسفي ظل قاسماً مشتركا. تقول عضو هيئة الدفاع عن المعتقلين من ولاية شمال دارفور بسجن شالا بمدينة الفاشر، وهيبة بشير لـ(بيم ريبورتس)، إن السلطات أطلقت سراح 17 من معتقلي سجن شالا بضمانات عادية بعد احتجازهم لأكثر من 3 أشهر.

 

وأشارت إلى أن 5 آخرين من المفرج عنهم مؤخرا بضمانات عادية تجري محاكمتهم بتهم ملفقة على حد قولها، لافتة إلى أن إدارة السجن ردت على استفساراتها بأن المحتجزين ألقي القبض عليهم بموجب أمر محلي وليس قانون الطوارئ الملغي.

 

 وبحسب المحامية وهيبة بشير، فإنه جرى توقيف معتقلي شمال دارفور، بسبب إقامة مواطني قرية (جبل حلة) وقفة احتجاجية رفضاً لاستثمارات مرتبطة بالتعدين كان (عبد الرحيم  دقلو)، يعتزم بدء العمل فيها، وهي المنطقة التي تشمل مزارع المحتجين.    

 

في خضم احتجازات غير قانونية بالأساس، كشفت هيئة الدفاع المشتركة أخيراً عن لجوء أسر بعض المعتقلين إلى غطاء الحركات المسلحة، إذ تم الإفراج عن أحد المعتقلين بعد خطاب توصية من حكومة ولاية شمال دارفور يتحدث عن تبعيته لإحدى الحركات المسلحة.

 

واتهمت الهيئة، السلطات بممارسة التمييز في الإفراج عن ضحايا الانتهاكات عبر تجزئة المشروعية، فيما تم الإفراج عن 4 من عضوية لجنة متابعة مطالب المتأثرين بأحداث منطقة ملاقات شمال دارفور، والذين تم اعتقالهم بسبب تمسكهم بمطالب المتأثرين بأحداث المنطقة في اجتماع ضم عبد الرحيم دقلو.

 

وإجمالاً يبلغ عدد المحتجزين من ولايتي شمال وغرب دارفور، بسجن الهدى حالياً، قرابة الـ100 محتجز، بينما يبلغ عدد المحتجزين بسجن بورتسودان 109، و77  محتجزاً بسجن أردمتا بالجنينة.

وضع صحي مزرٍ بسجن الهدى

بجانب احتجازهم غير المشروع، يواجه المعتقلون ضروباً أخرى من المعاناة، حيث أعلنت هيئة الدفاع عن معتقلي غرب وشمال دارفور، أن شاباً فقد عقله في الثاني من نوفمبر الحالي بسجن الهدى، دون أن يتمكن من مقابلة الطبيب بعدما فقد سيطرته على نفسه، جراء شعوره بالظلم نسبة لاحتجازه غير المستند لأية قوانين. 


أيضاً، أعلنت الهيئة عن إصابة سجين آخر في سجن الهدى بمرض الدرن المعدي، والمعتقلان الاثنان تم ترحيلهما من ولاية شمال دارفور. 

 

 ومع تفاقم أوضاع المعتقلين الصحية في السجن، قدمت الهيئة مذكرة للنائب العام، لكنها لم تتلقَ رد عليها حتى اليوم حسبما تقول. أيضاً في إطار تحركاتها للدفاع عن المحتجزين، زارت هيئة الدفاع المشتركة السجون للتعرف على أوضاع المحتجزين، كما شملت تحركاتها  النائب العام، ورئيس القضاء، للإفراج عن المحتجزين.

 

وخلال لقاء هيئة الدفاع  للنائب العام عدة مرات، أشار إلى أنه أرسل خطابات لحاكمي ولايتي شمال وغرب دارفور، وأنه في انتظار توضيحاتهما بشأن الاعتقالات، بجانب إرساله خطاباً لـ(مجلس السيادة) في القضية نفسها. ومع ذلك، وعد النائب العام، هيئة الدفاع بالتحرك وإصدار قرار منفرد حال لم ترد الجهات المعنية عليه حتى تاريخ 1/9/2022، لكن لم يطرأ أي جديد.

 

مواصلة في قضية المعتقلين، سلمت هيئة الدفاع مذكرة لرئيس القضاء في العاشر من سبتمبر الماضي بموجب المادة 46 من قانون سجون السودان، بعد عجز النائب العام عن حل القضية، وفي السابع والعشرين من الشهر نفسه، التقت الهيئة رئيس القضاء حيث قدمت له كشفاً بأسماء المعتقلين وأوضاعهم وخلفيات اعتقالهم.  

 

 وفي نوفمبر الحالي، قدمت هيئة الدفاع مذكرة معنونة لرئيس القضاء لاستعجال النظر في المذكرة التي تطالب بالإفراج عن المعتقلين واحالة المرضى للعلاج، مهددة باللجوء إلى الآليات الإقليمية والدولية وتقييد شكوى ضد حكومة السودان لدى المفوضية الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب. 

 فيما أعربت هيئة الدفاع، عن قلقها بسبب ظهور نشاط الإفراج عن بعض محتجزي شمال دارفور مقابل مبالغ مالية تفاوتت بين 50-500 ألف جنيه سوداني. وأرجعت السبب في ذلك للتردي القانوني بالبلاد وغياب العدالة ووصفته بـ الانتهاك لحقوق المعتقلين القانونية والدستورية، في ظل تخلي النائب العام عن مسؤولياته وغياب دولة القضاء والقانون .

بلاغات ضد دقلو وولاة الولايات

 شددت هيئة الدفاع عن معتقلي ولايتي غرب وشمال دارفور في أكثر من بيان لها عن اعتزامها فتح بلاغات بحق عبد الرحيم دقلو ووالي شمال دارفور عبد الرحمن نمر، وضد والي غرب دارفور، خميس أبكر بسبب انتهاكات حقوق المعتقلين في الطريقة التي تم بها الاعتقال والتحفظ على المعتقلين بالسجون المختلفة ورفض الإفراج عنهم ولكن حتى الآن لم يتم تقييد بلاغ على أرض الواقع.

خداع المجتمع الدولي

 في منتصف نوفمبر الحالي، زار المفوض السامي لمفوضية حقوق الإنسان التابع للأمم المتحد،ة فولكر تورك، مدينة الفاشر بناء على طلب من هيئة الدفاع المشتركة لتفقد أوضاع المحتجزين بسجن شالا بالفاشر وبقية السجون. لكن، قبل وصول المفوض قامت إدارة السجن بتوزيع المعتقلين على أقسام شرطة الفاشر تحت غطاء الإفراج عنهم خشية مقابلة المفوض لهم في الفاشر والذي تم إخباره بالإفراج المسبق عن المعتقلين.

انتقادات لاستخدام السلطة قانون الطوارئ

نظراً لاعتقال القوات الأمنية المئات من المتظاهرين السلميين والصحفيين والقادة السياسيين والمدنيين اعتماداً على أمر الطوارئ رقم 3 الصادر بموجب حالة الطوارئ التي أصدرها البرهان، أعدت منظمة (ريدريس) بالاشتراك مع جهات قانونية عدة منها مركز (الناس للعون) ومجموعة (محامو الطوارئ) و(هيئة محامي دارفور) موجزاً يحدد أنماط الاعتقال والاحتجاز التعسفية بموجب حالة الطوارئ وأمر الطوارئ رقم 3، وجهت فيه سلطة الأمر الواقع برفع حالة الطوارئ وإلغاء جميع الحصانات المتصلة به في مايو الماضي نظراً لعدد الانتهاكات التي ارتكبت بواسطة السلطات بموجب القانون في الخرطوم والولايات.

 

ورغم إصدار البرهان في 29 مايو الماضي مرسوماً بإنهاء حالة الطوارئ في كل أنحاء السودان، إلا أن عشرات المعتقلين بسجون الخرطوم والولايات استمر اعتقالهم بموجب سلطات القانون أو تأخرت إجراءات الإفراج عنهم بمن فيهم معتقلي شمال وغرب دارفور.

 

وفيما تبدو قضية معتقلي ولايتي غرب وشمال دارفور على وشك الانفراج، إذ تم الإفراج عن العديد منهم خاصة بعد بيان هيئة الدفاع المقتضب بشأن ما تم في زيارة المفوض السامي لحقوق الإنسان وربط تجاهله للقضية بالمستجدات السياسية بالبلاد عن قرب تسوية سياسية بين الأطراف المدنية والعسكرية والتي يعد قادة الدعم السريع جزءاً لا يتجزأ منها، لا تزال عائلة يعقوب آدم ادريس ومئات العائلات الأخرى،لا تعلم حتى عن كون أفرادها معتقلين بالسجون وتحسبهم في عداد المفقودين.

كيف اندلع العنف الأهلي بالنيل الأزرق ثلاث مرات خلال أشهر تحت أعين السلطتين المركزية والإقليمية؟

فيما كان إقليم دارفور يعيش تحت وتيرة عنف أهلي واجتماعي، تصاعدت في أعقاب انقلاب 25 أكتوبر 2021م، سرعان ما امتدت شرارة العنف إلى مناطق عديدة بولايات كردفان، قبل أن تستقر ككتلة لهب عظيمة باقليم النيل الأزرق (جنوب شرقي البلاد). فبين شهري يوليو وأكتوبر الماضيين، اندلعت أعمال عنف أهلي بإقليم النيل الأزرق لثلاث مرات، تحت أعين السلطتين المركزية والإقليمية، راح ضحيتها مئات القتلى والجرحى. فيما اضطر عشرات الآلاف تحت وطأة العنف، للنزوح قسرياً من مناطقهم.

 

ومع ذلك، في خضم اشتعال الوضع، وسقوط ضحايا قتلاً وتهجيراً قسرياً، تباعاً على مدى الأشهر الماضية، تبنت السلطتين المركزية والإقليمية، إطلاق اتهامات ضد أطراف مجهولين بحجة تأجيج العنف الأهلي، دون أن يكون لها القدرة على تغيير الأمر الواقع في الإقليم الذي ظلت مكوناته على مدى عقود من الزمن، تتعايش سلمياً.

 

وكان سكان الإقليم قد استيقظوا، في منتصف يوليو على أحداث عنف تسببت في مقتل 119 شخصاً، وإصابة 291 آخرين، وتهجير ما يزيد عن الـ 32 ألف شخص من قراهم ومنازلهم إلى مخيمات داخل وخارج الإقليم. وساهمت الجهود الشعبية والمجتمعية والدولية في تقديم المساعدات وإيواء النازحين في المدارس والبيوت داخل المناطق الآمنة في الإقليم، وفي الولايات الأخرى، ليخيم الهدوء الحذر على الأوضاع.

اتفاق ولكن

 بعد شهر من انفجار العنف الأهلي، شهد الإقليم توقيع اتفاق وقف العدائيات بين أطراف النزاع، وأتت وثيقة الاتفاق من 13 بنداً، تمثلت في وقف كافة العدائيات، والعمل على سلامة المواطنين دون تمييز في كافة أرجاء الإقليم، ووقف أشكال التصعيد الإعلامي، وفتح الطرق وموارد المياه، وفرض هيبة الدولة، ونشر قوات مشتركة في المناطق المختلف عليها، والسعي والعمل الجاد لانعقاد مؤتمر الصلح في فترة أقصاها الأول من ديسمبر، وحصر الأضرار، وعودة جميع المواطنين عدا حيي اللعوتة والله كريم  (في مدينة الدمازين) لحين قيام مؤتمر الصلح، وتكوين لجان للتبشير بوقف العدائيات من الأجهزة الأمنية والإدارات الأهلية.

 

ورغم توقيع الاتفاق، إلا أن العنف الأهلي ما برح، أن اشتعل مرة أخرى في مطلع سبتمبر، في محلية قنيص (شرق مدينة الروصيرص) وتجددت الاشتباكات، التي استخدمت فيها الأسلحة النارية والتقليدية، مما تسبب في مقتل 21 شخصاً وجرح وإصابة 40 آخرين، ونزوح آلاف المواطنين من منازلهم.

 

وكانت الاشتباكات قد تجددت على إثر محاولة عودة مئات الأسر إلى مناطقهم ومنازلهم التي نزحوا منها مع بداية اندلاع أحداث العنف في يوليو، وهو الأمر الذي عارضته مكونات اجتماعية أخرى، الأمر الذي أذكى التوترات بين المكونات الاجتماعية المختلفة، وتزايد النعرات العنصرية وخطاب الكراهية، في الإقليم الذي يتسم بالتنوع الإثني.

غياب الدولة

حمل تجدد العنف الأهلي في النيل الأزرق، إشارات واضحة، بعدم معالجة الأسباب التي كانت وراء اندلاع العنف في المرة الأولى. الأمر الذي يجعل إقليم النيل الأزرق عرضةً لأحداث مماثلة، ومع غياب الاستجابات الرسمية، من حكومة الأمر الواقع، وتبادل الاتهامات بين الفاعلين السياسيين في الإقليم، دون الاهتمام بما يعيشه المواطنون جراء هذه الأحداث وفقدانهم حياتهم وممتلكاتهم، وتهجيرهم من قراهم ومدنهم، فإن الأمر يصبح خطيراً للغاية.

بالنسبة للإدارات الأهلية التقليدية المتحكمة في مجريات الأحداث، يستند تحكمها على الانحياز الإثني تجاه المكونات الأخرى. 

 

خلال توقيع اتفاق وقف العدائيات، شدد حاكم إقليم النيل الأزرق، أحمد العمدة بادي، على شروع الحكومة في ملاحقة كل من ساهم في “هذه الفتنة القبلية” على حد تعبيره، مشدداً على أن الأمر سيشمل كل من يثبت تورطه حتى ولو عبر إطلاق شائعة في مواقع التواصل الاجتماعي. وقال إن حكومة الإقليم تعتزم سن قانون يجرم العنصرية والكراهية. لكن كل ذلك، لم يتجاوز حديثه كونه تصريحات سياسية، لم تستطع في احتواء العنف الأهلي أو معالجة مسبباته. 

 

ومع حالة الاحتقان والغبن بين المكونات الاجتماعية في الإقليم، وفشل السلطات في تقديم حلول حقيقية، اتسعت دائرة العنف الأهلي والاشتباكات بين المكونات الاجتماعية، وتمددت إلى مساحات جديدة، بحيث صار العنف أكثر ضراوة، وهو ما حدث في يوم 19 أكتوبر الماضي، عندما اندلع العنف للمرة الثالثة، وتسبب في مقتل 267 شحصاً على الأقل. وبعدها اقتحم مئات المواطنين مقر حكومة النيل الأزرق، ومخزناً للأسلحة بعد اقتحام حشود أخرى لمقر قيادة الفرقة الرابعة مشاة بمدينة الدمازين، ونهب الأسلحة منه. 

 

وعلى إثر هذه الأحداث، أعلن حاكم إقليم النيل الأزرق، عن فرض حظر التجوال بمنطقة ود الماحي ما بين  الساعة السادسة مساءً إلى السادسة صباحاً لحين استقرار الوضع الأمني، إضافة إلى ذلك، فإن القرار قد نص على منع التجمعات وحمل السلاح الأبيض والعصي وكل ما يمكن استخدامه كأداة جريمة.

غياب المحاسبة

بالرغم من تشديد أحاديث كل مسؤولي حكومتي الأمر الواقع؛ الإقليمية والمركزية، على ضرورة التحقيق في الأحداث منذ اندلاعها في يوليو الماضي، ومحاسبة مشعلي العنف الأهلي والمشاركين فيه، “إلا أن الأمر لم يمض قدماً، حيث لم توضح سلطات الأمر الواقع، ما إذا ما كانت لجان التحقيق في الأحداث التي أعلنت عنها قد تكونت أم لا، وفي حال تشكيلها أين وصلت في عملها، لكن ما يرجح هشاشة الوضع هو اندلاع العنف مرتين أخرتين بعد الإعلان خلال اتفاقية وقف العدائيات عن تكوين لجان التحقيق. 

 

وتمثلت كل الإجراءات التي اتخذتها السلطات في فرض حظر التجوال خلال الأشهر السابقة، وهو القرار الذي جدده حاكم إقليم النيل الأزرق، يوم الاثنين الماضي لمدة شهر.  

 

ووسط كل ذلك، يظل التحقيق حول الأحداث التي كانت هناك مؤشرات على اندلاعها، وتجددها المستمر غائباً عنها محاسبة المشتركين فيها، بمن في ذلك المسؤولين الحكوميين الذين قصروا في أداء واجباتهم.

أرض التعايش

 لطالما كان إقليم النيل الأزرق مثالاً للتعايش السلمي بين مكوناته المختلفة، حيث تتنوع فيه المكونات الإثنية المتحدرة من غالبية مناطق السودان، غرباً وشرقاً، شمالاً وجنوباً ووسطاً، وعلى مدى عقود كانت تلك المكونات الاجتماعية تلجأ إلى الأعراف الأهلية المشتركة في حل النزاعات.

 

 والجدير بالذكر، أنه حتى خلال سنوات الحرب بين الحركة الشعبية والحكومة المركزية، فإن إقليم النيل الأزرق لم يشهد نزاعات ذات طابع أهلي بين مكوناته الاجتماعية، وحتى بعد انقسام الحركة الشعبية إلى فصيلين في عام 2017م، ورغم التوترات التي خلقها هذا الأمر في الإقليم، فإنه لم يجلب معه أي نذر حرب أهلية. بل كانت هناك توقعات بأن يتحقق سلام شامل في الإقليم إثر ثورة ديسمبر، وتشكل الحكومة الانتقالية التي كان من أهم أهدافها تحقيق السلام. 

 

كل ذلك التاريخ يجعل من العنف الأهلي الذي اندلع في الإقليم وتجدده ثلاث مرات خلال الأشهر الأربعة الأخيرة، نذراً بالخطر في ظل تفشي النعرات وخطاب الكراهية وفراغ دستوري وأمني جعل من اشتعال الحرب الأهلية مهدداً خطيراً للأمن والسلم المجتمعي، ارتفعت معه المخاوف من تمدد الصراع إلى أقاليم أخرى. 

 

وفي ظل انحسار ظل الدولة وضعف منظومتها الأمنية وضعف استجابتها والشعور باستعداد السلطة لتقديم تنازلات مقابل الحفاظ على الوضع الراهن، وجد قطاع من إدارات أهلية الظروف مهيأة لتمكينهم ضمن النظام الأهلي وإدارته العرفية، ومن ثم تصاعدت الدعوة داخل مجموعات أخرى ترى أنها ضحية لتشكيل نظام تراتبية إدارية جديدة.

عام على توقيعه.. ما تفاصيل وملابسات اتفاق (حمدوك – البرهان)؟

"قررت أن أرد إليكم أمانتكم وأعلن لكم استقالتي من منصب رئيس الوزراء مفسحاً المجال لآخر من بنات أو أبناء هذا الوطن المعطاء"

 بهذه الكلمات التي وجهها للسودانيين، في مساء الثاني من يناير الماضي، أنهى رئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك، اتفاقه مع قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان. وفي 21 نوفمبر 2021م، وقع حمدوك والبرهان، اتفاقاً، عاد بموجبه الأول إلى منصبه رئيساً للوزراء، دون أن يؤدي القسم مرةً أخرى، وذلك بعد حوالي شهر من انقلاب 25 أكتوبر.

ما قبل الاتفاق

غداة الانقلاب، فجر يوم الاثنين، الخامس والعشرين من أكتوبر 2021م، اعتقلت قوات من الجيش رئيس الوزراء، ضمن حملة اعتقالات، شملت قيادات من قوى إعلان الحرية والتغيير ومسؤولين في الحكومة الانتقالية. 

في اليوم نفسه، حمّل بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، القيادات العسكرية، مسؤولية سلامته وزوجته اللذين تم اقتيادهما إلى مكان مجهول، مشيراً إلى أن ما حدث يعتبر “تمزيقا للوثيقة الدستورية وانقلاباً مكتملاً”، قبل أن يدعو البيان السودانيين للخروج إلى الشوارع ومناهضة الانقلاب.

وقال البيان “ندعو الشعب السوداني للخروج والتظاهر واستخدام كل الوسائل السلمية المعلومة والتي خبرها وجربها، لاستعادة ثورته من أي مختطف، كما نؤكد أن الشعب السوداني بإرادته الجبارة، هو الحارس لمكتسباته وهو القادر على حماية ثورته”

لكن، وسط ضغط دولي هائل، ودعوات غربية وأممية لإطلاق سراحه، عاد حمدوك في اليوم الثاني للانقلاب إلى منزله تحت حراسة أمنية مشددة، حيث بقي قيد الإقامة الجبرية، إلى حين توقيعه الاتفاق في 21 نوفمبر 2021م.

بينما كان حمدوك في معتقله، استمر آلاف المتظاهرين في التدفق إلى الشوارع منددين بالانقلاب رافعين شعار: (لا شراكة، لا تفاوض، لا شرعية) والذي عبر عن رفض قاطع لانقلاب الجيش. حيث استمرت التظاهرات إلى جانب إغلاق الشوارع الرئيسية والفرعية في العاصمة ومدن مختلفة بالبلاد، حتى أعلنت لجان المقاومة عن مواكب في مدن العاصمة الخرطوم الثلاث في يوم 30 أكتوبر وحمل المتظاهرون شعارات تدعم موقف حمدوك الرافض للانقلاب.

في نوفمبر استمرت التظاهرات المناهضة للانقلاب، وفي ظل عدم وضوح الصورة العامة في البلاد، زارت مساعدة وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الأفريقية، مولي في، الخرطوم، في أيام 14-15-16، والتقت خلال زيارتها برئيس الوزراء عبد الله حمدوك، ورئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، وعدداً من أطراف في الحكومة والمجتمع المدني، وأكدت خلال تلك اللقاءات دعم الولايات المتحدة للانتقال الديمقراطي. لكن غالبية السودانيين لم يكونوا على علم بما الذي كان يجري خلف الكواليس.

ومع استمرار القمع الأمني للمتظاهرين السلميين منذ 25 أكتوبر، والذي وصل ذروته بإرتكاب قوات الأمن مجزرة بحري في 17 نوفمبر، وحالة عدم اليقين السياسي التي كانت تعيشها البلاد، واستمرار تظاهرات آلاف السودانيين في العاصمة الخرطوم في يوم 21 نوفمبر تنديداً بالانقلاب، ظهر حمدوك إلى جانب البرهان وهما يوقعان اتفاقاً بالقصر الرئاسي -على بعد مئات الأمتار فقط من مقر التظاهرات بوسط الخرطوم.  

بمشاعر متباينة، تلقى الشارع السوداني الذي كان يرفع بعضاً منه صور حمدوك، أخبار توقيع الاتفاق، وبحلول الساعة الثانية ظهراً، نقلت قنوات محلية وأجنبية مراسم التوقيع بينه وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان.

الاتفاق السياسي حمدوك البرهان

بنود الاتفاق

احتوى نص اتفاق حمدوك-البرهان على 13 بنداً، والتي تمثلت في التأكيد على أن الوثيقة الدستورية لعام 2019م تعديل 2020م، هي المرجعية الأساسية القائمة لاستكمال الفترة الانتقالية.

وأكد الاتفاق على مراعاة وضعية شرق السودان، وتعديل الوثيقة بالتراضي بما يضمن مشاركة سياسية شاملة لمكونات المجتمع كافة عدا حزب المؤتمر الوطني المحلول، وإشراف مجلس السيادة الانتقالي على تنفيذ المهام الواردة بالمادة 8 من الوثيقة.

كما أشار إلى ضرورة الالتزام بتكوين حكومة مدنية من الكفاءات الوطنية المستقلة، وضمان انتقال السلطة في موعدها المحدد للحكومة المدنية، وإدارة الفترة الانتقالية بموجب إعلان سياسي يحدد إطار الشراكة بين القوى المدنية والمكون العسكري والإدارة الأهلية ولجان المقاومة وقوى الثورة الحية وقطاعات الشباب والمرأة ورجالات الطرق الصوفية.

أيضاً، نص الاتفاق على التحقيق في الأحداث التي جرت أثناء التظاهرات وتقديم الجناة للمحكمة، وإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين وتنفيذ اتفاق سلام جوبا وإلحاق غير الموقعين عليه في الاتفاق، بجانب الإسراع في استكمال جميع مؤسسات الحكم الانتقالي وابتدار حوار (موسع وشفاف) يؤسس لقيام مؤتمر دستوري، وإعادة هيكلة لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو وتفعيل لجنة الاستئنافات ومراجعة قراراتها وفقاً لدرجات التقاضي، والعمل على بناء جيش موحد.

ترحيب دولي وإقليمي

ما أن تم توقيع الاتفاق السياسي، بين حمدوك والبرهان، حتى سارع المجتمعين الدولي والإقليمي بالترحيب به، وعَدوه خطوة نحو تراجع الجيش عن إجراءاته (انقلابه) التي أعلنها في 25 أكتوبر.

وكانت دول الترويكا التي تضم: (النرويج، بريطانيا والولايات المتحدة)، بجانب الاتحاد الأوروبي وسويسرا وكندا من أوائل المرحبين بالاتفاق. فيما عبر وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكين، عن ترحيبه بـ”التقارير” التي تفيد بأن محادثات الخرطوم ستؤدي إلى إطلاق سراح جميع المعتقلين وعودة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك إلى منصبه، أيضاً رحبت بعثة الأمم المتحدة في السودان (يونيتامس) بالاتفاق، والذي لاقى ترحيباً كذلك، من دول: الإمارات، مصر والسعودية.

حمدوك في مكتبه مرةً أخرى

بالتوقيع على هذا الاتفاق يُلغى قرار قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، بإعفاء عبد الله حمدوك من رئاسة الحكومة”كان هذا البند الأخير في وثيقة الاتفاق بين حمدوك والبرهان، وكان بمثابة خاتمة لنحو شهر من وضعه تحت الإقامة الجبرية واعتقال قيادات ائتلافه السياسي وأعضاء حكومته الانتقالية.

بموجب هذا الاتفاق، عاد حمدوك إلى منصبه، لكن في خضم تجميد طال عددًا من نصوص الوثيقة الدستورية الحاكمة للفترة الانتقالية، والتي طالما شدد على ضرورة الالتزام بها طوال أكثر من عامين بقليل.

رفض للاتفاق واستقالات

لم ينتظر تحالف الحرية والتغيير كثيراً حيث سارع في إعلان رفضه للاتفاق، بجانب الرفض الواسع له من قبل الشارع الذي تمسك بلاءاته الثلاثة، وبالتالي كان موقفه تجاه الاتفاق رفضاً مطلقاً. فضلاً عن ردود الفعل السريعة الرافضة للاتفاق أيضاً من جانب قوى سياسية أخرى ونقابات.

“حمدوك مد يده إلى جحر الأفعى ولن يناله منها غير السم والغدر”. هكذا وصفت اللجنة الإعلامية لقوى الحرية والتغيير الاتفاق الإطاري بين حمدوك والبرهان، مشيرة إلى رؤيتها بأن الاتفاق لم يتطرق إلى جذور الأزمة الناتجة عن انقلاب 25 أكتوبر والمتمثلة في تكرار الالتفاف على الثورات عن طريق الانقلابات العسكرية وقطع الطريق أمام التحول المدني الديمقراطي.

 

وفي اليوم الثاني من توقيع الاتفاق، نشرت الصفحة الرسمية لوزارة الثقافة والإعلام، بياناً ذكرت فيه، أن 12 وزيراً في حكومة حمدوك تقدموا باستقالاتهم من مناصبهم مكتوبة لرئيس الوزراء، استنكاراً لتوقيعه اتفاقاً مع البرهان.

لم يغير ذلك من موقف حمدوك الذي بدأ في تنفيذ مهامه بعد توقيع الاتفاق مباشرة، حيث أصدر أول قراراته في 24 نوفمبر بإيقاف قرارات العزل والتعيين التي أصدرها البرهان بعد استيلائه على السلطة في 25 أكتوبر -بكافة الوحدات الحكومية على المستويين القومي (الحكومة المركزية) والولائي (حكومات الولايات).

 

في ذلك الوقت كان الحراك الشعبي المناهض لانقلاب الجيش في أوج اشتعاله، والذي زاد من حدته مجزرة 17 نوفمبر في بحري ثم تلاها الاتفاق السياسي الذي وقعه حمدوك، لم يخفف ذلك من طبيعة الحراك وهدفه الجاد بشأن إسقاط الانقلاب.

بعد الاتفاق مباشرة، دعت لجان المقاومة لتظاهرات في 25 نوفمبر بذات الحشد وذات المسارات وكان التغيير الوحيد الملحوظ هو الشعارات التي تبدلت من أجل الموقف المبدئي المناهض للانقلاب وما تلاه من إجراءات، حيث ندد المتظاهرون في شعارات تدين موقف حمدوك باتفاقه مع البرهان وبعد أن حظي بمناصرة شعبية واسعة أصبح في كفة واحدة مع من تريد المقاومة إسقاطهم.

 

في غضون يومين صدر قرار آخر في 27 نوفمبر بإعفاء كل من “الفريق أول شرطة حقوقي خالد مهدي إبراهيم الإمام من وظيفة مدير عام قوات الشرطة، والفريق شرطة حقوقي الصادق علي إبراهيم من وظيفة نائب مدير عام قوات الشرطة على خلفية قمع الشرطة المفرط في التظاهرات السابقة”. وأتى هذا القرار بعد ساعات قليلة من الإفراج عن بعض المعتقلين السياسيين.

إقالة‌ ‌مدير‌ ‌الشرطة؟‌ ‌أم‌ ‌إصلاح‌ ‌المؤسسة‌ ‌نفسها؟‌

 كان الحراك الشعبي المتواصل ينفي مبررات توقيع عبد الله حمدوك على الاتفاق شيئاً فشيئاً، ففي خطابه لإعلان توقيع الاتفاق، أشار حمدوك إلى أن أحد دواعي التوقيع كان “حقن الدماء” وأردف قائلا “دماء السودانيين ثمينة، دعونا نوقف إراقة الدماء ونوجه طاقات الشباب إلى البناء والتنمية”، لكن تلك الكلمات لم تغير شيئا من موقف الأجهزة الأمنية التي كانت وما زالت تقابل التظاهرات السلمية باستخدام قمع مفرط يسفر عنه كثير من المصابين والقتلى.

وهو الأمر الذي لم يتردد حمدوك في ذكره في خطاب استقالته، قائلاً: “رغم ما بذلت كي يحدث التوافق المنشود والضروري للإيفاء بما وعدنا به المواطن من أمن وسلام وعدالة وحقن للدماء، ولكن ذلك لم يحدث”. حيث أسفرت التظاهرات -التي تلت توقيع الاتفاق في 21 نوفمبر وحتى تلاوته خطاب الاستقالة من منصبه في 2 يناير- عن 15 شهيداً في احتجاجات مختلفة.

تفاصيل الاستقالة

“إن قبولي التكليف بمنصب رئيس الوزراء كان على أرضية وثيقة دستورية وتوافق سياسي بين المكونين المدني والعسكري، إلا أنه لم يصمد بنفس الدرجة من الالتزام والتناغم التي بدأ بها” يقول حمدوك عن عدم تماسك اتفاق الشراكة بين المدنيين والعسكريين الذي وقع في أغسطس 2019م، وكانت نهايته انقلاب 25 أكتوبر 2021م.

وأشار حمدوك في خطاب استقالته، إلى ما وصفها بالتحديات الجسام التي واجهتها حكومة الفترة الانتقالية والتي قال إنها تعاملت معها بجهد أبناء الوطن الأوفياء، مؤكداً على انتهاجهم الحوار والتوافق في حلحلة بعض القضايا، لافتاً إلى ما حققوه من نجاح في إدارة بعض الملفات، ومقراً بالإخفاقات في بعضها.

رغم الاعتراضات والرفض الواسع، لاتفاقه مع البرهان، إلا أن الأزمة السياسية في البلاد تعقدت، في أعقاب استقالة حمدوك، حيث رأى محللون سياسيون، أن خروجه من المشهد السياسي، في ذلك التوقيت، حرر شهادة وفاة رسمية لأي فرصة للتوصل إلى صيغة تفاهم بين المدنيين والعسكريين.

بعد مرور عام على اتفاق حمدوك – البرهان، ما تزال قوى الحرية والتغيير (الائتلاف الحاكم – سابقاً)، منخرطة في مفاوضات (غير معلنة) مع قادة سلطة الأمر الواقع، على أساس الدستور الانتقالي لسنة 2022م، الذي أصدرته نقابة المحامين في أكتوبر الماضي، على أمل إنهاء الانقلاب، حسبما ظلت تؤكد دائماً.

في الوقت الذي يتمسك فيه الشارع بالتصعيد الثوري كتعبير عن رفضه لأي مستجدات سياسية قد تطرأ ولا ترضي طموحه، ليجد الشارع نفسه يدفع ثمن هذه المطالب بتقديم مزيد من الدماء، في مواجهة عنف العسكر الذين فتحوا الباب واسعاً بعد استقالة حمدوك لحزب المؤتمر الوطني المحلول في العودة إلى مفاصل ومؤسسات الدولة.

أما بالنسبة لقوى الحرية والتغيير، فهي تعمل على محاولة الوصول إلى اتفاق مع العسكر لـ”إنهاء الانقلاب”، وفي طريقها إلى ذلك، اصطحبت معها قوى سياسية كانت ضمن منظومة نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، وهو الأمر الذي قد يضعها في مواجهة الشارع، ويعصف باتفاقها المرتقب.

فضلاً عن أن أهداف الشارع بشكل أساسي تتمثل في محاكمة قادة المجلس العسكري و(إبعادهم) من المشهد السياسي مرةً واحد وإلى الأبد، وبينما قطع اتفاق حمدوك الطريق أمام عودة النظام المخلوع، تنتظر قادة الحرية والتغيير، حال عقدوا اتفاقاً مع العسكر، مهام عديدة، ليس أقلها إنهاء التمكين، وتحقيق العدالة، لكن الواقع يشير إلى أن مهمة شبه مستحيلة في انتظارهم لاستعادة مسار التحول المدني الديمقراطي.

كيف صبغت مجزرة (17 نوفمبر) الدامية مدينة الخرطوم بحري بالمأساة؟

مع مغيب شمس الأربعاء، السابع عشر من نوفمبر 2021م، لم يكن أحد يعلم على وجه التحديد عدد الضحايا الذين سقطوا بالرصاص الحي طيلة ساعات النهار، بمدينة الخرطوم بحري، بعد ثلاثة أسابيع من عمر الانقلاب العسكري.

لكن، ما كان مؤكداً بطبيعة الحال، حسب ما ظهر في وسائل التواصل الاجتماعي من العنف الذي مورس ضد المتظاهرين السلميين، والبيانات العاجلة التي أصدرتها لجنة أطباء السودان المركزية، وتكدس المئات بالمستشفى الدولي، أن مدينة الخرطوم بحري، كانت بانتظار أكثر الليالي حلكة في تاريخها. بعدما تركزت خريطة الموت في عدد من أحيائها؛ الدناقلة والشعبية، قبل أن تمتد إلى ريفها الشمالي بمنطقة الكدرو.

وفي ذروة كارثية من تلقي أخبار متضاربة، عن ضحايا (مجزرة بحري)، ظهر اسم الناشطة في العمل الإنساني، ست النفور بكار، من ضمن شهداء عديدين، انتهت أحلامهم برصاص القوات الأمنية في ذلك اليوم، الذي  طوى فيه عنف القوات الأمنية حياة 17 شاباً وشابة، دون أن يرتكبوا أية جناية، وبدا الأمر كما لو أنه كان قراراً مسبقاً بإعدامهم.

لكن، وبعد مرور عام على (مجزرة بحري) شمالي الخرطوم، هاهم السودانيون يعدون العدة للخروج غداً الخميس، تأكيداً على استمرار المقاومة لانقلاب 25 أكتوبر، والذي تسبب في استشهاد 119 متظاهراً سلمياً إلى الآن، فضلاً عن مقتل المئات ونزوح الآلاف بمناطق السودان التي تشهد نزاعات وعنف أهلي.

لن تسيروا وحدكم

في نوفمبر من العام الماضي، وضمن مقاومة السودانيين لانقلاب الجيش السوداني، والتي بدأت من قبل صدور البيان، دعت لجان مقاومة أحياء بحري، في 16 نوفمبر، إلى تظاهرة حددت القصر الرئاسي بالخرطوم وجهة لها عبر كبري المك نمر، وكانت هذه الدعوة هي الثالثة في جدول لجان المقاومة التصعيدي منذ الانقلاب. وفور صدور بيان لجان بحري، انضمت عدد من لجان وتنسيقيات المقاومة إلى قائمة المشاركين في الموكب، وكتبوا مخاطبين لجان بحري “لن تسيروا وحدكم”.

وفور انتشار هذا الإعلان عن المواكب، شرعت سلطة الانقلاب عبر قواتها الأمنية في إغلاق الجسور بالعاصمة؛ التي تربط بين مدينتي بحري والخرطوم وأمدرمان، بالإضافة لقطع شبكة الاتصالات الهاتفية قبل انطلاق التظاهرات، لتضاف إلى شبكة الإنترنت التي قطعتها الأجهزة الأمنية منذ يوم الانقلاب الأول.

كل تلك الإجراءات كانت مألوفة بالنسبة للمتظاهرين ولجان المقاومة الذين واجهوا تعتيم وقمع الأجهزة الأمنية لما يقارب الشهر بعد الانقلاب، لذلك لم يتردد المتظاهرون في الانطلاق نحو التظاهرات المعلن عنها.

المجزرة

مع بداية التجمعات لانطلاق تظاهرات 17 نوفمبر، كانت الشرطة قد بدأت بالفعل في استخدام القوة لقمع التظاهرات، حيث استخدمت عبوات الغاز المسيل للدموع بكثافة، وصوبت الرصاص الحي على أجساد المتظاهرين، مما أدى إلى سقوط 14 شهيداً في مدينة بحري، وشهيدين في أمدرمان وشهيداً في مدينة الخرطوم، إضافة إلى عدد كبير من الإصابات.

كما طاردت الشرطة المصابين الذين أسعفوا إلى المستشفى الدولي، ومنعتهم من الحصول على الإسعافات الطبية، واعتقلت جزءاً منهم، ولم يتوقف عنف القوات الأمنية بعد المجزرة، بل واصلت هجومها وحصارها لمدينة بحري في اليوم التالي.

مفارقات وتضليل

عشية ذلك اليوم كانت بحري قد أقامت عزاءات شهدائها وهي تنتظر تشييع جثامينهم القابعة بالمشارح، وتترقب في قلق مستجدات حالات مصابيها بالمستشفيات. وفي ذروة هذه الأحداث، أشعلت القوات الأمنية النار مجددا، حينها نظمت مؤتمرا صحفياً حول ما حدث في ذلك اليوم. حيث جاء في بيان الشرطة: “لدينا مواطن توفي في حادث آخر لا علاقة له بالمسيرة، و لم يتم دفنه ليلاً، وبالصباح تم إضافة اسمه باعتباره من شهداء المسيرة”، كان هذا حديث مدير عام الشرطة وقتها، خالد مهدي إبراهيم، وعلاوة على ذلك، اتهم المتظاهرين بالخروج عن السلمية وحرق قسم شرطة ببحري، بالإضافة إلى عدة عربات تتبع للشرطة وأخرى يمتلكها مدنيون.

إدعاءات مدير عام الشرطة، والذي أقيل من منصبه بعد نحو أسبوع من مجزرة بحري، كذّبه توثيق المتظاهرين وسكان بحري لأحداث ووقائع كثيرة وقعت في ذلك اليوم. حيث تداول ناشطون مقاطع مصورة في مواقع التواصل الاجتماعي، تظهر الشرطة وهي تطلق الرصاص الحي على المتظاهرين وتستخدم العنف المفرط في مواجهة الثوار.

كيف فندت وسائط التواصل الإجتماعي تصريحات مدير عام قوات الشرطة حول إطلاق الرصاص على المتظاهرين؟

وفي إفادتها لـ (بيم ريبورتس) حول ذلك اليوم، قالت الإعلامية، نازك محمد يوسف، التي كانت من ضمن المشاركين في تظاهرات 17 نوفمبر بمدينة بحري: “احتميت بالمستشفى الدولي ببحري يوم المجزرة، وذلك بعد محاصرتنا والهجوم علينا بوابل من الرصاص في ميدان عقرب، وهناك شهدت إحضار 8 جثامين للشهداء إلى المستشفى”.

رغم ذلك أصر مدير الشرطة المقال خالد مهدي خلال المؤتمر الصحفي، على نسج الأكاذيب، حيث قال “هناك بعض الصور تظهر بعض أفراد الشرطة يحملون بنادق، هذه البنادق هي بنادق “خرطوش” لإطلاق الغاز المسيل للدموع وهي واضحة للعيان، لكن يتم تصويرها عن بعد للاشتباه بأنها سلاح ناري”. لكن الوسائط التي تناقلها الناشطون فندت حديث مدير الشرطة وانتشرت على نطاق واسع.

شكلت كل تلك الأحداث التي تناقلتها الوسائط، ضغطاً مضاعفاً على حكومة الأمر الواقع، التي لم تكمل شهر منذ انقلابها على الحكومة الانتقالية، لذلك لم يطل الأمر كثيراً حتى نفى قائد الانقلاب العسكري، عبد الفتاح البرهان، أن تكون قواته أو الدعم السريع خلف قتل المتظاهرين، مشيراً إلى أن ما حصل ربما يكون خلفه قوات الشرطة وأفراد مسلحين ينتمون لأحزاب سياسية، حسبما ادعى.

استمرار العنف بعد المجزرة

خلفت تلك الأحداث غضباً عارماً وسط أهالي مدينة بحري الذين سارعوا بالرد بمواصلة التظاهر وإغلاق الطرق الرئيسية وحرق الإطارات، لكن كل تلك المعطيات لم تكن كافية بالنسبة للقوات الأمنية التي عاودت لتستخدم ذات العنف في اليوم التالي والتظاهرات التي تلتها.

وشهد اليوم الثاني من المجزرة، ردود أفعال غاضبة، إذ وصف تجمع المهنيين تظاهرات الأربعاء بالملحمة الشعبية والمذبحة مكتملة الأركان، وأضاف في بيان “ما حدث يؤكد على سلامة شعارات المقاومة ولاءاتها الثلاث لا شراكة، لا تفاوض، فيما اتهمت قوى إعلان الحرية والتغيير سلطة الأمر الواقع بإرتكاب انتهاكات ضد المتظاهرين ترقى لجرائم الإبادة الجماعية.

من جهتها، أدانت مفوضة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ميشيل باشليه، استخدام قوات الأمن السودانية الذخيرة الحية في وجه المتظاهرين السلميين ووصفت العنف بالأمر المعيب، بينما اعتبر الاتحاد الأوروبي عنف 17 نوفمبر غير مقبول، أيضاً أعرب وزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكن عن قلقه إزاء أعمال العنف التي وقعت في بحري وأم درمان وندد بمقتل المتظاهرين، وطالب الجيش باحترام حقوق المدنيين في التجمع السلمي وحرية التعبير.

يعود المتظاهرون، يوم الخميس، بعد مرور عام على المجزرة حاملين أسماء الشهداء الذين سقطوا في ذلك اليوم، مواصلة لمقاومة الانقلاب الجاثم على صدر البلاد لأكثر من عام و لإحياء ذكرى تلك المجزرة بالدعوة لمواكب حاشدة في ذكرى 17 نوفمبر.

إفلات مستمر من العقاب

رغم مقتل 17 متظاهراً سلمياً في وضح النهار، إلا أن الإفلات من العقاب ما يزال مستمراً، يقول المحامي صديق علي عبد الله، لـ (بيم ريبورتس)، إن شهداء مجزرة 17 نوفمبر، وجميع شهداء ما بعد الانقلاب بشكل عام، لم تتجاوز قضاياهم أقسام الشرطة التي تم فيها فتح البلاغات.

وأشار إلى تدوين بلاغات في قسم بحري المدينة بعد المجزرة مباشرة تحت المادة 51 من قانون الإجراءات  الجنائية “الوفاة في ظروف غامضة “،  ومن ثم حولت البلاغات للمادة 130 قتل عمد ضد مجهول. غير أنه أشار إلى أنها تتوقف عند مرحلة معينة بسبب التلكؤ في التحقيق والتحري وبسبب مسائل متعلقة باستجلاب الشهود.

وعزا عبد الله عدم تحويل ملفات شهداء ما بعد الانقلاب حتى اليوم إلى محاكم، لتعنت أجهزة الدولة التي يرى أنها -محل اتهام- في القيام بالتحري والتحقيق عن القمع والقتل الذي قامت به.

تعتيم إعلامي

بعدما استبانت المجزرة بحق المتظاهرين السلميين، حاولت سلطة الأمر الواقع اتباع سياسة التعتيم، تقول الإعلامية، نازك محمد يوسف، لـ(بيم ريبورتس) إنه تم استيضاحها بعد رفضها تلاوة بيان الشرطة عبر برنامج صباح الخير الذي يبث في تلفزيون السودان القومي، ومواجهة الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية بموقف الرفض، بعدم صحة ما يريد التصريح به عن سقوط شهيد واحد في مواكب 17 نوفمبر.

في أعقاب رفضها نشر البيان في البرنامج بتاريخ 18 نوفمبر 2021م تم توقيف، معدة البرامج بتلفزيون السودان، نازك محمد يوسف، عن العمل.

وبشأن مشاركتها في موكب 17 نوفمبر بالخرطوم بحري، تقول يوسف إنها احتمت بالمستشفى الدولي ببحري يوم المجزرة، بعد محاصرتهم بوابل من الرصاص في ميدان عقرب، لافتة إلى أنها شهدت إحضار 8 جثامين بالمستشفى.

لا تزال عضوة لجان مقاومة بحري، دالياً صديق تذكر تفاصيل الأربعاء الدامي في 17 نوفمبر 2021م والذي حول الخرطوم بحري إلى مدينة بطابع المأساة. كما لا تزال تذكر أصوات المتظاهرين الهلعين من كم الرصاص وعبوات الغاز المسيل للدموع الذي استخدم في الموكب. وقالت لـ(بيم ريبورتس)، أن عدد المصابين كان كبيرا للدرجة التي عجزت فيها اللجنة الطبية عن الحصر والإسعاف.

وأضافت: "كنت شاهدة على مداهمة القوات الشرطية لنا في الجهة الشرقية للمؤسسة وعجزنا عن إكمال إسعاف أحد الجرحى بسبب المحاصرة، في الوقت الذي لم تسع فيه المنازل بأحياء بحري المحتمين منا من الرصاص".

يستعد السودانيون، غداً الخميس، لإحياء الذكرى الأولى لمجزرة الخرطوم بحري التي وقعت بحق المتظاهرين السلميين، وحتى بعد مرور عام عليها، ما يزال المجرمون طلقاء، وبعيدون من أن تطالهم يد العدالة.

ومع ذلك، يؤمن رفاق الشهداء، بأن العدالة آتية، مهما طال طريقها، وهم لا يزالوا يسيرون على طريقها، مرددين شعار الثورة: (حرية، سلام وعدالة)، وشعار ملاحقة المجرمين: (لا شراكة، لا شرعية لا مساومة).

هل يصبح قرار حل (تسييرية) المحامين نقطة فاصلة في معركة إعادة نقابات النظام المخلوع؟

أمام أحد المحال التجارية على مسافة نحو 50 متراً من دار المحامين بحي العمارات بالعاصمة السودانية الخرطوم، الذي تحرسه قوات عسكرية، ولا تسمح لأحدٍ بدخوله، منذ يوم الأربعاء 2 نوفمبر الحالي، جلس المحامي علاء الدين عبد اللطيف (53 عاماً)، مستعيداً ذات المشهد من العام 1997م، عندما مُنعوا من الدخول للدار بواسطة عناصر النظام المخلوع الذين كانوا يسيطرون على نقابة المحامين.

يقول عبد اللطيف الذي جاء للمشاركة في الوقفة الاحتجاجية للمحامين تنديداً بمنع الشرطة دخولهم إلى مبنى النقابة يوم السبت قبل الماضي، إنه شارك في الوقفة تعبيراً عن رفضه لقرار (لجنة استئنافات قرارات لجنة إزالة التمكين المجمدة) والتي “طعن في شرعيتها قرارها بحل اللجنة التسيرية لنقابة المحامين وتسليم الدار لنقابة النظام المخلوع التي قامت لجنة إزالة التمكين بحلها بموجب المادة 8/2 وشكلت لجنة تسيير نقابة المحامين به”.

أصر عبد اللطيف، على الاحتجاج، رغم معاناته من ضعف في النظر ومرض السكري، فضلاً عن ارتباطاته المهنية يومها، حسبما قال لـ( بيم ريبورتس).

في الأول من نوفمبر الحالي، فوجئ أعضاء اللجنة التسيرية لنقابة المحامين، بعد عقدهم مؤتمراً صحفياً، حول القرار رقم 89/ 2022 الصادر من لجنة الاستئنافات ضد قرارات لجنة إزالة التمكين وتفكيك نظام الـ30 من يونيو، بتسليم الدار وحل اللجنة التسيرية للنقابة، بهجوم أعضاء النقابة المحلولة ومجموعات مسلحة ترتدي زي مدني تتبع للنظام المخلوع بالهراوات والعصي على الدار ومحاصرة الموجودين بمقر النقابة حتى ساعات متأخرة من الليل وإتلاف بعض ممتلكات النقابة والمحامين.

وبدأت الأزمة، بإعلان لجنة استئناف قرارات لجنة إزالة التمكين التابعة لمجلس السيادة الانتقالي والمحكمة القومية العليا، قرارات متسارعة قضت بإعادة منظمات ونقابات وواجهات تابعة للنظام المخلوع كانت لجنة إزالة التمكين في فترة الحكومة الانتقالية أصدرت قرارات بحلها، منها إعادة الاتحاد العام للصحافيين السودانيين واتحاد المرأة، كما أعادت موظفين في أجهزة الدولة المختلفة فصلتهم اللجنة، وآخرها إلغاء قرار لجنة التفكيك القاضي بحل المكتب التنفيذي ومجلس نقابة المحامين السودانين وتوجيهها الجهات المختصة بتنفيذ القرار.

وامتداداً لهذه القرارات، أصدر مسجل عام تنظيمات العمل، في أواخر أكتوبر الماضي، قراراً بحل اللجنة التسييرية بالهيئة الفرعية لنقابة العاملين ببنك السودان المركزي، فيما شهد البنك موجة من التنقلات التعسفية لعدد من فروع الولايات، طالت أعضاء المكتب التنفيذي للجنة بنك السودان، في خطوة لاقت رفضاً واسعاً وتضامناً كبيراً مع العمال من كيانات نقابية وثورية.

وأصدرت مسجل عام تنظيمات العمل المستشار، آمنة الصادق كبر، في السابع من نوفمبر الحالي قراراً قضى بتكوين لجنة استلام دور وممتلكات 7 اتحادات إنفاذاً لقرار المحكمة القومية العليا. وشمل قرار الاستلام دور وممتلكات: (اتحاد عام أصحاب العمل السوداني، اتحاد أصحاب العمل ولاية الخرطوم، اتحاد الصناعات الصغيرة والحرفية، اتحاد الغرف التجارية والصناعية، اتحاد غرف الزراعة والإنتاج الحيواني واتحاد غرف النقل).

والخميس الماضي الموافق 10 نوفمبر 2022م أصدر القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان قراراين متتابعين؛ الأول قضى بإعفاء رئيس لجنة الاستئناف ضد قرارات لجنة إزالة التمكين المستشار بوزارة العدل علي عبد الرحمن محمد إدريس المعروف بـ”أبو سبيحة” من منصبه والثاني تعيين عضو مجلس السيادة بسلطة الأمر الواقع، الطاهر حجر رئيساً لها.

وحسب تعليق الخبير القانوني، مشعل الزين، على القرار الأخير، فإن البرهان التفت لوعي الشعب والإعلام بمخالفة وجود إدريس على رأس اللجنة التي ينص قانونها على رئاستها من أعضاء مجلس السيادة، هذا غير الضغوطات الأخيرة عليه وتوجهاته في المرحلة الحالية والتي وصفها -بالمتماهية- مع قوى الثورة مما جعله ينظر في إعفاء المستشار.

وحول تعيين عضو مجلس السيادة في سلطة الأمر الواقع، الطاهر حجر، قال الزين إنه يتناسب مع قانون التمكين، لكن الطاهر في شخصه “غير قانوني” قبل أن ينوه إلى أن تغيير رئيس اللجنة لا يعني إلغاء القرارت التي اتخذها الرئيس السابق علي عبد الرحمن.

فيما قال الخبير القانوني والقاضي السابق، سيف الدولة حمدنا الله، تعليقاً على قرارات المحكمة العليا بإلغاء قرارات لجنة إزالة التمكين، بأن “لغز صدور جميع الأحكام بإلغاء قرارات لجنة تفكيك نظام الإنقاذ، يكمن في كون القرار رأي دائرة محددة بالمحكمة العليا”، مشيراً إلى أن الصواب الذي كان على القضاء السوداني فعله، هو تنويع دوائر المحكمة العليا واختيار قضاة آخرين للنظر في هذه القضايا لا تركها رهينة لعقيدة واحدة، وفق تعبيره.

وأشار حمدنا الله في مقال منشور، إلى عدم جواز “نظر المحكمة العليا أو غيرها من المحاكم في الطعون ضد قرارت لجنة إزالة التمكين بوصفها قرارات إدارية صدرت بموجب قانون خاص ساري المفعول وضح طرق الطعن فيها واستئنافها”.

وقبيل الهجوم على دارها بساعات معدودة، أكدت اللجنة التسيرية لنقابة المحامين، في مؤتمر صحفي، عدم استناد قرار عودة النقابة السابقة إلى أي قانون، مشيرة إلى مناهضتها له بكافة الطرق القانونية.

من ناحية أخرى، اعتبرت اللجنة التسيرية، أن قرار الحل يأتي استمراراً لمخطط يسوقه مناصرو النظام المخلوع، ضد نقابة المحامين، قالت إنه بدأ قبل 6 أشهر بتجميد بنك السودان المركزي لحسابات النقابة، وأعقبه تسريب بثه التلفزيون بحل اللجنة التسيرية قبل أن يتراجع عنه وتنفيه الهيئة القضائية.

ورأت اللجنة التسيرية، أن القرار وتوقيته، يشيران إلى الرغبة في إيقاف أعمال اللجنة وتعطيل الجمعية العمومية بعد تنقيح سجل المحامين وإزالة التلاعب الموجود فيه. وقال أمين عام اللجنة التسيرية لنقابة المحامين، الطيب العباسي، في المؤتمر الصحفي، “بعد أن أصبحنا قريبين من إقامة الجمعية العمومية، سعى فلول النظام المعزول والعسكريين لتعطيل هذا العمل”.

"حتى المادة 128 من قانون الإجراءات الجنائية السوداني إذا حدث شغب أو إخلال بالسلامة العامة في أي سلطة يجوز للضابط المسؤول أو وكيل النيابة أن يصدر أمراً مؤقتاً بإغلاق الأماكن العامة الأخرى والتي يرتادها الجمهور في تلك المنطقة والتي تعطي النيابة والمحكمة صلاحيات إغلاق أي مكان عام، لا تمنحها شرعية قرار إغلاق دار نقابة المحامين، لأنه خاص بالمحامين فقط"، يقول علاء الدين عبد اللطيف الذي استنكر وجود الشرطة أمام الدار وإصرارها على منع المحامين من الدخول، مشيراً إلى عدم صواب القرار.

وشغلت حادثة الهجوم على دار المحامين، وحجز المقر لاحقاً بواسطة الشرطة، الرأي العام المحلي والدولي، إذ أعربت جهات وأحزاب سياسية وكيانات نقابية عن رفضها وإدانتها للهجوم على دار نقابة المحامين. كما أدان الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في السودان ورئيس بعثة (يونيتامس)، فولكر بيرتس، الهجوم على مقر النقابة، وعبر في بيان يوم الأربعاء الماضي 2 نوفمبر عن “قلقه العميق”، رافضاً تسوية الخلافات السياسية أو القانونية عن طريق العنف.

واعتبر بيرتس الهجوم، إشارة واضحة ضد “الجهود الجارية” للتوصل إلى “إجماع مقبول” بين القوى السياسية والعسكريين نحو انتقال ديمقراطي حقيقي في السودان، “مشيداً” بدور اللجنة التسييرية لنقابة المحامين في طرح مسودة إطار دستوري اعتمدت من قبل جهات عدة وأصبحت المرجع للمشاورات بين  جميع أصحاب المصلحة على حد تعبيره.

وفي الفترة من 7-10 أغسطس الماضي،عقدت اللجنة التسيرية لنقابة المحامين ورشة عمل لإعداد مسودة مشروع دستوري انتقالي للخروج بدستور متفق عليه بمشاركة عدد من السياسين والقانونين والدبلوماسيين وممثلي المجتمع المدني، توجت في السابع من سبتمبر 2022م بنسخة نهائية حوت 12 بابا و 76 مادة بعد إنهاء لجنة خبراء مراجعة صياغة الدستور تعديلاتها عليها.

وبالنسبة لتداعيات الهجوم على دار المحامين، أدانت أيضاً دول الترويكا (الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة والنرويج)، في بيان لها الخميس 3 نوفمبر الحالي الهجوم على مقر نقابة المحامين ودعت السلطات إلى تهيئة الأوضاع في البلاد لعملية سياسية، فيما أعلنت عن وقوفها “ضد الذين يرفضون قبول مطالب الشعب السوداني بالحرية والسلام والعدالة وضد الذين يسعون إلى إحباط التقدم نحو إتفاق سياسي وحكومة بقيادة مدنية”.

وفي الأثناء، أصدرت أكثر من 20 نقابة ولجنة تسييرية مهنية بياناُ مشتركاً يوم الجمعة الموافق 4 نوفمبر الحالي عبرت فيه عن غضبها من محاولة استيلاء النظام المخلوع على النقابات المهنية، بينها نقابة الصحافيين السودانيين ولجنة المعلمين.

فيما وصف بيان لـ(تضامن نقابات السودان)، الاعتداء بـ”المحاولة البائسة واليائسة لإثبات عودة الفلول إلى ساحة العمل النقابي”، مشيراً إلى أن “استخدام العنف والبلطجة في قضية قانونية، سلوك يشبه النظام البائد وسلطته الانقلابية التي مكنتهم من جديد في محاولة أخيرة منها للقضاء على الثورة والثوار”، وفق البيان.

واعتبر الخبير النقابي محجوب كناري، أن القرارات الأخيرة، “أرجعت الأمور إلى ما قبل نجاح الشعب السوداني في الإطاحة برأس النظام السابق”.

وانتقد “إقحام الشرطة في الصراع” معتبراً أن موقفها بجانب القوات الأمنية المشتركة، كان فيه انحياز لصالح منسوبي النظام المخلوع، مشيراً إلى أنه موقف متوقع، لجهة أن الأجهزة الشرطية السودانية تدين بالولاء للنظام السابق ولم تمسسها أيادي الهيكلة. 

ودعا كناري المحامين إلى توجيه الصراع نحو تنظيم عضويتهم وأنفسهم وحصر كشوفاتهم، والاستعداد للدخول مع “فلول النظام” من المحامين في معركة نقابية وتشكيل نقابة شرعية.

كما دعاهم إلى تقديم دعم قانوني للنقابات التي قامت بالفعل، مثل نقابة الصحفيين والهيئة النقابية لأساتذة جامعة الخرطوم، والتي قال إنها ستقوم مثل نقابة الدراميين والمهندسين لمواجهة المسجل والأجهزة الأمنية والتمكين بالمؤسسات الحكومية.

وربط متابعون لأحداث الهجوم على الدار، بين قيام اللجنة بعمل الإعلان الدستوري لنقابة المحامين، ورغبة أفراد النظام المخلوع في استعادة الدار في الفترة الحالية.

ولا يعتبر هجوم أعضاء النقابة السابقة الأول من نوعه، إذ هاجم أعضاء بارزون في نقابة المحامين التابعة لحزب المؤتمر الوطني المحلول بمساعدة قوى مدنية مسلحة بالعصي والهراوات في العاشر من أغسطس الماضي دار النقابة، أثناء انعقاد ورشة الإعلان الدستوري التي تمت برعاية من لجنة التسييرية لنقابة المحامين.

وفي 25 سبتمبر الماضي، استدعت نيابة التمكين رئيس اللجنة التسيرية لنقابة المحامين، علي جيلوب، وأمينها المالي، بعد بلاغ ضد اللجنة التسيرية، فتحه نقيب المحامين في عهد النظام المخلوع، عثمان الشريف، والمحامي ياسر الجاك، بسبب ما قالا إنه ممارسة اللجنة التسيرية لـ”أنشطتها حتى اليوم “.

لكن لجنة الدفاع عن أعضاء التسيرية، قدمت طعناً ضد قرار استدعاء عضوية تسيرية المحامين بموجب المادة 48 من قانون المحاماة والتي تنص على عدم مثول أي محامي أمام جهة قضائية أو شبه قضائية، دون إذن النقابة، ولاحقا تمكنت من توقيف وإلغاء قرار التكليف بالحضور عبر تقديمها طلب إجراء فحص لأعضاء لجنة التفكيك والتمكين، لدى النيابة العامة ممثلة في وكيل النيابة ماهر سعيد.

وكانت لجنة التسييرية لنقابة المحامين، قد أشارت في بيان لها وقتها، أن البلاغ يأتي في إطار “حرب فلول النظام البائد ضد اللجنة التسيرية”، مضيفة أن “هدف الفلول مصادرة حرية المحامين وتقييد الحراك الثوري داخل دار المحامين”.

"إن أكثر ما يقلق النظام القائم الآن؛ هو تمكن المحامين بكياناتهم المختلفة من فرض رقابة رصينة على انتهاكاته ضد المواطنين والثوار. بالإضافة إلى تخوفه من نجاح الإعلان الدستوري الانتقالي الذي أعدته لجنة تسيير نقابة المحامين في قيام فترة انتقالية مهمة تستطيع أن تقوم بمهام إنتقالية مطلوبة بما فيها تفكيك نظام الـ 30 من يونيو وتنفيذ مهام الثورة"، يقول أمين أمانة الإعلام بلجنة تسيير نقابة المحامين محمد جودة لـ(بيم ريبورتس)، مرجحاً أن استهداف المحامين نتج من هذين السببين.

وأكد جودة، على أن الإعلان الدستوري لن يتأثر بأي إجراءات متعلقة بالدار أو اللجنة التسيرية، مضيفاً :“لسنا متخوفين من أي تعدٍ على الإعلان الدستوري؛ لأنه أصبح ملكاً للقوى الثورية السودانية” معتبراً أن طبيعة الصراع الحالي، بين قوى التحول المدني الديمقراطي والقوى الشمولية.

وأوضح جودة عدم تحصل المحامين حتى اليوم على أي مستند رسمي لقرار الحجز على دار النقابة، مؤكداً على عدم شرعية لجنة استئنافات قرارات لجنة إزالة التمكين.

وأشار إلى أن لجنة استئنافات لجنة إزالة التمكين، جسم غير شرعي وتعيينها خاطئ، لجهة أن تسميتها، يجب أن تتم من قبل مجلس الوزراء الذي يفتقر لوجود رئيس منذ الانقلاب، ومن ثم يعتمد من قبل مجلس السيادة لاحقاً. بالإضافة إلى أن دائرة اللجنة، يجب أن تتكون من 5 قضاة حسب القانون، وهي مكونة من 3 فقط حالياً، وفق ما يقول جودة.

وكشف أمين أمانة الإعلام بلجنة تسيير نقابة المحامين، عن تقديمهم طعون في القرار للدائرة الأعلى وتقييدهم إجراءات قانونية قيد التنفيذ، مشيراً إلى إعلانها لاحقا، بينما أكد على تقديمهم طعن رئيسي في قرار لجنة الاستئنافات.

وفيما يخص تسليم الدار، أشار إلى عدم معرفتهم حتى الآن لجهة محددة للتسليم، وأكد على أن محاولات “فلول النظام” استلام الدار لن تسلم من مرورها بخطوات قانونية، ووصفها بالخطوة المتعجلة منهم.

وذكر أن إجراءات إغلاق الدار تؤثر على دوائر مهمة مثل المعاشيين ولجان مسؤولة عن موضوع حصانات مطلوبة من النيابة وجهات أخرى متعلقة بمهام تتم بالدار غير الجوانب الإجتماعية، فيما رأى أن إجراءات استرداد الدار لن تأخذ وقتاً.

فيما عاد الخبير القانوني مشعل الزين وكشف عن اتخاذ المحامين 3 إجراءات للطعن في قرارت لجنة اسئناف قرارات لجنة التمكين منذ الثالث من نوفمبر الحالي، أولها؛ طلب تنظيم لائحة النيابة لعام 2017م وهو ما تم الإستجابة له باستبعاد رئيس اللجنة.

والثاني هو؛ طلب فحص بموجب المادة 188 / 186 ضد قرار اللجنة وهو مرتبط بقانون لجنة التفكيك. والثالث بموجب قانون السلطة القضائية لعام 1986م، باستبعاد القاضي رئيس الدائرة “أبو سبيحة ” لعدم حيادته ولتبنيه آراء واضحة ضد قانون التفكيك منذ بداية تشكيل اللجنة.

وبينما لا تزال الرؤية غير واضحة حتى الآن، يأمل المحامي علاء الدين عبد اللطيف الذي قال إنه شهد تزوير أعضاء النظام المخلوع لانتخابات النقابة في عام 1997م، وحوادث مثل إغلاق نقيب المحامين الأسبق وأحد قيادات حزب المؤتمر الوطني المحلول، فتحي خليل، باب الدار في وجه المحامين الذين أعلنوا عن اجتماع لمناقشة تزوير انتخابات عام 97 وإحضاره قوة شرطية للإعتداء عليهم. كما يذكر منعهم من إقامة افطارات رمضان في الدار والتعدي عليهم في إفطار عام 2011م.

“لا أرغب في أن تتكرر مثل هذه الحوادث التي سيشهد المحامون مثيلها حال استولى الفلول على النقابة”، يقول عبد اللطيف.

ومواصلة للاحتجاجات ضد قرارات لجنة الاستئناف، سير اليوم الاثنين 23 جسماً نقابياً من أمام مكتب مسجل تنظيمات العمل إلى المحكمة الدستورية بالخرطوم. وندد (موكب الحرية النقابية) “بتسييس وعسكرة السلطات العدلية وتدخل مجلس السيادة في تعيين اللجان التسيرية”، مطالباً “بتفكيك نظام الثلاثين من يونيو وهيكلة الخدمة المدنية وإسقاط الانقلاب”.

ومع سيطرة الشرطة على دار المحامين منذ الثاني من شهر نوفمبر الحالي، وتقديم اللجنة التسييرية لنقابة المحامين طعوناً عديدة ضد القرار، وإقالة رئيس لجنة الاستئناف، واحتجاج النقابين لا يبدو واضحاً، ماذا ستكون النتيجة.

هل يؤسس بيان الشرطة في 25 أكتوبر لمرحلة جديدة من القمع ضد المتظاهرين السلميين؟

طالبت الشرطة السودانية، يوم الثلاثاء قبل الماضي، بمنحها سلطات استثنائية تمكنها من عقد محاكمات إيجازية، لتحقيق ما وصفتها بـ”العدالة الناجزة“، وفق بيان أصدرته عقب تظاهرات 25 أكتوبر التي خرجت بالعاصمة الخرطوم وعدة مدن ولائية أخرى في الذكرى الأولى لانقلاب الجيش على الحكومة الانتقالية.

وناشدت الشرطة، حسب البيان، وزارة العدل و”الجهاز التشريعي” بسن تشريعات استثنائية “تمكنها من مواجهة تلك الجماعات لحماية القوات لتباشر مهامها وواجباتها لحسم الفوضى وردع وتقديم الجناة للعدالة الناجزة والمحاكمات الإيجازية في مواجهة الجرائم ضد الدولة وحيازة الأسلحة والمخدرات وإيواء المتفلتين لبسط هيبة الدولة وإحكام سيادة القانون حفاظاً على أمن الوطن والمواطن”.

وتأتي مطالب الشرطة، عقب اتهامات أطلقتها في البيان نفسه عن وجود تشكيلات عسكرية بالتظاهرات.

وخلال عام من انقلاب 25 أكتوبر، قتل 119 متظاهراً سلمياً، وأصيب الآلاف بالرصاص المطاطي وعبوات الغاز المسيل للدموع وسلاح الخرطوش المتناثر، حيث أظهرت مقاطع مصورة عشرات الانتهاكات للشرطة، بما في ذلك إطلاق الرصاص الحي تجاه المتظاهرين، واقتحام مقار وسائل إعلام ومنشآت طبية، وغيرها من الانتهاكات.

وامتداداً لانتهاكات الشرطة، لقي مواطن حتفه، في شهر أكتوبر الماضي، جراء تعرضه لتعذيب داخل أحد أقسام الشرطة بالخرطوم، حسبما أكد تقرير طبي رسمي. 

كما فرضت وزارة الخزانة الأميركية، في مارس الماضي، عقوبات على شرطة الاحتياطي المركزي ذات الطابع العسكري بسبب ارتكابها انتهاكات واسعة بحق المتظاهرين السلميين.

ومع اقتراب العام الرابع لاندلاع ثورة ديسمبر 2018م التي أطاحت بنظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، مثّل الالتزام بالسلمية أحد مبادئ الثورة الرئيسية، ولم يتبنَ المتظاهرون أي دعوات للعنف، في الوقت الذي أبدت فيه الشرطة مواقف عديدة ومتضاربة بشأن مهامها الموكلة إليها، رغم تغيير قيادتها عدة مرات خلال الفترة الانتقالية.

في نهاية يناير 2019م، أثناء ثورة ديسمبر، قتل المعلم أحمد الخير، تحت التعذيب أثناء اعتقاله ونقله من مدينته خشم القربة إلى مدينة كسلا شرقي البلاد، وقتها ادعت الشرطة أنه مات بسبب مرضه أثناء التحقيق، لكن تقارير طبية عرضت في المحكمة لاحقاً، أثتبت تعرضه للتعذيب حتى الموت، قبل أن تدين المحكمة 29 متهماً بجريمة قتله، وتحكم عليهم بالإعدام. 

وبالعودة إلى بيان الشرطة الأخير الذي رفضته لجان المقاومة قائدة الاحتجاجات وقوى الحرية والتغيير وأحزاب أخرى ومنظمات حقوقية ومدنية، فإنه يأتي وفق إفاداتهم كمحاولة لشرعنة العنف ضد المتظاهرين السلميين بموجب القانون، كما رأت أنه يعني مزيداً من العنف. 

كما أعاد بيان الشرطة المطالب القديمة المتجددة بضرورة إصلاحها لتكون جهازاً حيادياً ومستقلاً، خاصة وأنها تعاملت بإزدواجية مع مسيرة دعت إليها مجموعات موالية لحزب المؤتر الوطني المحلول، يوم 29 أكتوبر الماضي بالعاصمة الخرطوم. 

إقالة‌ ‌مدير‌ ‌الشرطة؟‌ ‌أم‌ ‌إصلاح‌ ‌المؤسسة‌ ‌نفسها؟‌

مع بيانها في الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي، تكون الشرطة، قد توجت عاماً كاملاً من الانتهاكات بحق المتظاهرين السلميين عقب الانقلاب، بالدعوة إلى مزيد من القمع المقنن بالتشريعات. يعتقد بعض الخبراء، أن إصلاح جهاز الشرطة يجب أن يكون من أولويات أول حكومة مدنية مقبلة.

يقول الخبير القانوني والقاضي السابق، سيف الدولة حمدنا الله، إن رئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك، لم يفطن إلى أن سلطته تشمل وزارة الداخلية، إلا قبل أشهر من انقلاب البرهان، حينها قام بعزل ضابط برتبة فريق شرطة تحت ضغط الجماهير. 

وأضاف حمدنا الله “قبل ذلك التاريخ لم يجد حمدوك من ينصحه بأن سلطة المكون العسكري بالوثيقة الدستورية تنحصر فقط في ترشيح أسماء شاغلي وزارتي الداخلية والدفاع، وأن هذا الترشيح لا يُخرِج أي من الوزيرين عن نطاق سلطته عليهما كرئيس للوزراء، تماماً كما هو حال سلطة قوى الحرية والتغيير في ترشيح سائر بقية الوزراء.”

وتابع الخبير القانوني “هذا التلكؤ في الفهم هو الذي فوّت على رئيس الوزراء وحكومته فرصة اتخاذ خطوات كانت ضمن سلطته والتي كان من شأنها إصلاح جهاز الشرطة وتنظيفها من القتَلة والمؤدجلين الذين يحصدون الآن أرواح الشباب بلا رحمة، وإحلالهم بضحايا الإنقاذ من مفصولي الشرطة، وبتنظيم دورات تدريب سريعة لتخريج أعداد كبيرة من ضباط وأفراد الشرطة من بين شباب الثورة المؤمنين بها وبأهدافها”.

“شيء من هذا لم يحدث، ولكن ذلك يجب أن يكون من أولى أولويات الحكومة المدنية القادمة”، يوضح حمدنا في مقال نشره عقب بيان الشرطة في يوم 25 أكتوبر الماضي.

"من خلال بيانها في يوم 25 أكتوبر الماضي، تحاول الشرطة شيطنة الحراك الثوري للشارع الذي ظل يقاوم الانقلاب منذ حدوثه، كما تحاول أيضاً اكتساب مشروعية إضافية لممارسة القمع المفرط"، يقول الخبير القانوني والناشط الحقوقي عبد الباسط الحاج لـ(بيم ريبورتس). 

ويضيف الحاج “بالعودة إلى تاريخ هذه القوات في التعامل مع المتظاهرين، فإننا نجد أن العنف الموجه والقتل والسحل كان من صميم التعليمات الأساسية لها في التعامل مع أي حراك سلمي للجان المقاومة والتجمعات السلمية الرافضة للانقلاب”.

ورأى الحاج، أن أكبر دليل على ذلك، ارتفاع سجل انتهاكات حقوق الإنسان بشكل خطير بعد الانقلاب، حيث ابتعث مجلس حقوق الإنسان مفوضاً خاصاً للسودان لمراقبة أوضاع حقوق الإنسان. بالإضافة إلى أن عدد القتلى المباشر وصل إلى حوالي 120 بجانب آلاف المصابين، لافتاً إلى أن هذا يدل على أن القتل والعنف كان منظماً وأن المتظاهرين كانوا أهدافاً مباشرة. 

“طلب الشرطة بمنحها صلاحيات استثنائية في التعامل مع المتظاهرين، يظهر “النية المبيتة وسبق الإصرار على ارتكاب المزيد من العنف وهو انتهاك صارخ لحقوق الانسان”، يقول الحاج.

ويعقد مقارنة بين تعامل الشرطة مع مسيرة أنصار حزب المؤتمر الوطني المحلول يوم 29 أكتوبر وتظاهرات لجان المقاومة، قائلاً: “الشرطة لم تطلق عبوات الغاز المسيل للدموع، ولم تعتقل ولم تضرب ولم تقتل، مع أن المسيرة نفسها كان فيها تحريض على العنف وتهديدات بالقتل للدبلوماسين الأجانب وبعثة الأمم المتحدة في السودان”.

مضيفاً “رغم ذلك لم تتعامل معهم الشرطة بعنف، ما يعني أن الشرطة لم تكن محايدة إطلاقاً، بل هي منحازة لجهاز الدولة الإجرامي وتدافع عن الانقلاب وتدعم عودة الجبهة الإسلامية مرة أخرى”.

ورأى المدافع الحقوقي، أن هذه المواقف تثبت “ما كنا نقوله مراراً، بأن جهاز الشرطة تشوه بسياسات حزب المؤتمر الوطني المحلول، وقد تم تصميمه مسبقاً على حمايته، وهذا ما ظلت تؤكده الشرطة كل مرة بمواقفها”.

وأضاف “لم تقم الشرطة في جميع الأحداث السابقة بتسليم أفرادها في الدعاوى المفتوحة ضدهم ولم تبدِ النية في محاسبة المتورطين في عمليات القتل التي تمت،  بل على العكس ما زالت تبحث عن صلاحيات إضافية لممارسة إجرامها”. وتابع الحاج قائلاً “هذا يقودني إلى التأكيد على أهمية الإصلاح وبناء عقيدة جديدة لرجال الشرطة تحافظ على النظام وتحمي المواطن وتنفذ القانون وتحمي الدستور والحقوق الدستورية”.

ويعتقد خبراء آخرون، أن الشرطة تجاوزت أدوارها ومهامها المعروفة، منتقلة إلى ممارسة السياسة.

يقول عضو اللجنة القانونية لقوى الحرية والتغيير مشعل الزين لـ(بيم ريبورتس)، إن بيان الشرطة الأخير “ذو طابع سياسي تحاول فيه إيجاد مبررات لممارسة العنف تجاه الثوار السلميين”، مشيراً إلى أنها -الشرطة- أصبحت تمارس السياسة متجاوزة بذلك دورها المدني الطليعي في حماية المواطنين والمجتمع.

وأوضح الزين، أن بيان الشرطة في يوم 25 أكتوبر الماضي، أعطاها صلاحيات في التعامل مع المواكب حسب ما يتطلبه الوضع. بجانب صلاحيات السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وهو ما اعتبره تحويل رجل الشرطة إلى قاض ومشرع، قبل أن يوضح أنه غير مؤهل لتصبح كل هذه السلطات الثلاث في يده.

ورأى عضو اللجنة القانونية لقوى الحرية والتغيير، أن البيان له انعكاساته التي ظهرت لاحقاً في موكب 30 أكتوبر الذي زادت فيه الشرطة حجم القمع، رغم عدم أخذها الموافقة على القرارت بعد من الجهات المختصة مثل الأجهزة القضائية والنائب العام. قبل أن يشير إلى أن الشرطة تعاملت بشكل مختلف مع مسيرة أنصار حزب المؤتمر الوطني المحلول في 29 أكتوبر، لافتاً إلى أنها وفرت الدعم اللوجستي والأمني للمسيرة.

“الغرض من بيان الشرطة، ضرب الثوار والثورة وكل مراحل وأشكال المقاومة منذ الانقلاب وحتى اليوم”، يوضح الزين، مشيراً إلى أن نهج سلطة الأمر الواقع، “يمضي في اتجاه فتوى قتل المتظاهرين التي قدمها شيوخ ينتمون للنظام البائد مثل عبد الحي يوسف”، في الوقت الذي اعتبر فيه أن مثل هذه التصرفات لن تؤثر “على الثوار ومبادئهم”.

وبشأن عملية إصلاح الشرطة، قال إن قوى الحرية والتغيير كانت قد شرعت “في الفترة الانتقالية”، في صياغة مشروع قانون الأمن الداخلي لإصلاح الشرطة والأجهزة الأمنية، معتبراً أنه المخرج الحقيقي لأزمة الشرطة.

وأشار إلى أن الشرطة، مرت بمراحل مختلفة ما بعد الاستقلال، كانت تؤدي فيها عملها بشكل مستقل، “قبل أن يتم تدجينها وتحويلها لجهات تنفذ مخططات سياسية بعد تعاقب الأنظمة الأيدولوجية في البلاد”، موضحاً أن مشروع قانون جهاز الأمن الداخلي، كان يعمل على تقديم واجهات متعلمة ومتدربة وواعية بالسلوك العام وذات ارتباط بالثورة.

وحسب الزين، فإن الجهاز المقترح كان قد وضعت له كل الوسائل التي تجعل الشرطة تخرج من أزمتها الحالية وممارسة مهامها وفق عقيدة وطنية ومهنية وليس لديها أغراض، معتبراً أن الأوضاع الحالية لن تساعد في القضاء على مساوئ الأجهزة الشرطية التي قال إنها  تعاني في جميع وحداتها سواء الجنائية أو الاحتياطي المركزي أو الأمنية.

ومن بين العقبات الرئيسية التي تواجه إصلاح جهاز الشرطة، وفقاً للزين، هي أن جميع قيادات الشرطة الحالية تدين بالولاء لحزب المؤتمر الوطني المحلول.

ومع إصدار الشرطة للبيان، زادت حدة عناصرها تجاه المتظاهرين السلميين، وهو الأمر الذي أظهره العنف الذي واجهت به موكب 30 أكتوبر الماضي، لكن رغم ذلك واجه المتظاهرون القمع بالسلمية مع إصرارهم على مواصلة المواكب بإعلانهم جدول مواكب نوفمبر الحالي دون اكتراث للبيان والعنف الأخير.

هل تنهي مقاومة السودانيين غير المسبوقة لانقلاب 25 أكتوبر ممارسة الجيش للسياسة؟

قدرنا أننا الجيل الذي سيدفع تكلفة نهاية الانقلابات العسكرية ولن نؤجل هذه المعركة“. شكّل هذا الشعار الذي أطلقته لجان المقاومة، بوصلة للسودانين، في مقاومتهم المستمرة لانقلاب 25 أكتوبر 2021م، في سعيهم الحثيث لإقامة حكم مدني ديمقراطي.

ولا تعد الانقلابات العسكرية، باستيلاء الجيش على السلطة، حدثاً جديداً، في تاريخ السياسة السودانية ما بعد الاستقلال. لكن، في 25 أكتوبر 2021م، خرّق الجيش عادته الراسخة بتقويض الحكومات المنتخبة، بتنفيذه أول انقلاب على حكومة انتقالية أتت بعد ثورة شعبية، وهو الأمر الذي صحبته بالمقابل أول مقاومة جماهيرية شعبية لانقلاب عسكري في تاريخ البلاد، بدأت منذ الساعات الأولى لوقوعه فجر الاثنين 25 أكتوبر 2021م، وما زالت مستمرة حتى الذكرى الأولى لتنفيذه.

ففي انقلابات؛ 17 نوفمبر 1958م، 25 مايو 1969م و30 يونيو 1989م، التي نفذها الجيش ضد حكومات منتخبة، استطاعت النخب العسكرية التي استولت على السلطة، فرض الأمر الواقع خلال ساعات وأيام معدودة. فبينما شكّل انقلابي 17 نوفمبر و25 مايو حكومتيهما في اليوم الأول لاستيلائهما على السلطة، شكّل انقلاب 30 يونيو حكومته بعد عدة أيام، لكن بالنسبة لانقلاب 25 أكتوبر لم يتمكن من تشكيل حكومة، حتى بعد مرور عام على تنفيذه.

ما قبل الانقلاب

لم تكن البيئة السياسية والإشارات التي سبقت قيام انقلاب 25 أكتوبر استثناءً من بقية الانقلابات العسكرية في البلاد. ففي 24 أكتوبر 2021م، وصل التوتر ذروته بين المدنيين والعسكريين الذين اتفقوا على تشكيل حكومة انتقالية في 17 أغسطس 2019م، في أعقاب إطاحة نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، في أبريل من العام نفسه، عبر ثورة شعبية امتدت لعدة أشهر. بجانب التوترات، وقعت سلسلة من الأحداث المفصلية، بدأت في سبتمبر، بإغلاق شرق السودان، ومحاولة انقلابية فاشلة في الخرطوم، وانتهت باعتصام القصر الجمهوري، جعلت جميع هذه الأحداث من الانقلاب أمراً واقعاً في فجر يوم الاثنين 25 أكتوبر 2021م. 

رغم الإشارات الدالة عليه، إلا أن توقيت انقلاب 25 أكتوبر بدا مفاجئاً، في ظل وجود مسؤول أمريكي رفيع في البلاد، والذي كان يجري مباحثات مع جميع أطراف الأزمة، بمن فيهم رئيس مجلس السيادة الانتقالي، وقتها، عبد الفتاح البرهان. 

عشية الانقلاب، في مساء 24 أكتوبر، عقد المبعوث الأمريكي الخاص للقرن الأفريقي السابق، جيفري فيلتمان، اجتماعاً منفرداً للمرة الثانية مع رئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك، كان قد سبقه اجتماع ثلاثي ضم إلى جانب حمدوك، القائد العام للجيش، عبد الفتاح البرهان، وقائد الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي). حيث أكد البرهان في ذلك الاجتماع “حرص القوات المسلحة على الانتقال الديمقراطي”.   

 بعثت تصريحات البرهان الطمأنينة لدى المسؤول الأمريكي، خاصة تلك المتعلقة بعدم السماح بحدوث أي انقلاب من شأنه عرقلة الانتقال الديمقراطي بالبلاد، وضرورة الاحتكام إلى الوثيقة الدستورية. واستجابة لذلك، نشرت السفارة الأمريكية في السودان بحسابها على فيسبوك، تأكيد فيلتمان “دعم الولايات المتحدة لانتقال ديمقراطي مدني وفقًا للرغبات المعلنة للشعب السوداني”. 

لكن، كل ذلك لم يمنع البرهان أن يعلن، بعد أقل من 24 ساعة، عن فرض حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد، وحل مجلسي السيادة والوزراء، وتعليق العمل ببعض المواد في الوثيقة الدستورية، سبق كل ذلك اعتقال رئيس الوزراء وعدداً من  أعضاء الحكومة الانتقالية.

وكان المسؤول الأمريكي الرفيع، قد أعرب عن تفاؤله بتجاوز الأزمة السياسية في البلاد، عقب اجتماعه مع حمدوك،  قبل أن يستقل في وقت مبكر من صباح 25 أكتوبر الطائرة عائداً إلى بلاده، وقتها بدأت عملية اعتقال قادة الحكومة الانتقالية، بمن فيهم حمدوك. 

بداية الانقلاب

أتى انقلاب 25 أكتوبر الذي نفذه القائد العام للجيش، عبد الفتاح البرهان، قبل أقل من شهر على موعد تسلم المدنيين لرئاسة مجلس السيادة الانتقالي في 17 نوفمبر 2021م والتي كان من المفترض أن تستمر حتى قيام  انتخابات عامة، حسب اتفاق الوثيقة الدستورية، الموقع بين الطرفين.

فمع تأزم الوضع السياسي والتوجهات المعلنة للعسكريين بتقويض الفترة الانتقالية، كان وقوع انقلاب 25 أكتوبر مسألة وقت وحدثا متوقعا يتداوله الكثيرون في أحاديثهم وعلى مواقع التواصل الاجتماعي وكان الواقع السياسي يرويه بوضوح تام، لكن ذلك لم يخفف من روع السودانيين عند اصطدامهم بحقيقة تلك التوقعات، عندما استيقظوا في ذلك اليوم ليواجهوا أحداثاً ضبابية وشائعات لا مفر أن تروى نسبة لانفصالهم عن العالم وعن بعضهم البعض، حيث لم يكن هناك أي وسيلة تواصل متاحة فقد قطعت السلطات الانترنت والمكالمات قبل أن يطل فجر ذلك اليوم. 

لكن السودانيين كانوا قد تسلحوا بتاريخهم الطويل مع الانقلابات العسكرية، فكان الأمر واضحاً، ففي هذه المرة لم ينتظر السودانيون سماع صوت المارشات العسكرية التي تعلن عن بيان انقلابي على تلفزيون السودان القومي أو الإذاعة كما جرت العادة، وانطلقوا إلى الشوارع قبل بزوغ الشمس يرددون هتافات مناهضة للانقلاب على الحكومة الانتقالية، مستخدمين جميع أنواع الاحتجاجات السلمية من حرق للإطارات وإغلاق للشوارع الرئيسية.

بيان الانقلاب

تأخر البرهان لأكثر من 8 ساعات في قراءة بيانه الذي استغرقت تلاوته على التلفزيون القومي دقائق معدودة، الأمر الذي لم يعتده السودانيون في الانقلابات السابقة. كما لم يعتد العسكر على ظهور معارضيهم في الشوارع قبل صدور البيان حتى. أكثر من 8 ساعات، كسر الثوار فيها أطواقاً أمنية عدة وأغلقت شوارع رئيسية وفرعية، ونفد وقود المتظاهرين لإشعال إطاراتهم، والذين نجحوا في إصابة البلاد بشلل تام يعبر ضمنياً عن غضبهم إزاء هذه الأحداث، في تلك الأثناء كان تلفزيون السودان ينبه إلى بيان “عاجل” بعد قليل، بعد أن بث ما في أرشيفه من مارشات عسكرية وأغانٍ وطنية وثورية لمغنيين قدماء وثورات سابقة.

وبعد طول انتظار، ظهر البرهان في بث مباشر يتلو بياناً يعلم الجميع غالبية فحواه، ليبدأ بيانه بافتتاحية يتحدث فيها عن عز وشموخ السودانيين ويشيد بقوتهم ورفضهم الحاسم للحكومات التي لا تؤمن (بالحرية، السلام، والعدالة) في تناقض فادح لكون تلك الكلمات مقدمة بيان انقلابي. وفي الوقت نفسه، الذي كان الآلاف يحتلون الشوارع احتجاجاً على الانقلاب.

أردف البرهان قائلا:“نؤكد مضي القوات المسلحة في إكمال التحول الديمقراطي، حتى تسليم قيادة الدولة لحكومة مدنية منتخبة”. وردت هذه العبارة في بيان الانقلاب، وأشار البرهان إلى الصراع بين شركاء الفترة الانتقالية، والذي وصفه بأنه تهديد لأمن الوطن ووحدته وسلامه. وعلى ضوء ذلك، نفذ البرهان انقلابه الذي أطلق عليه (إجراءات 25 أكتوبر التصحيحية) والتي قضت باعتقال قادة السلطة المدنية المشاركة له في الفترة الانتقالية، وإعلان حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد ثم حل مجلسي السيادة والوزراء وإعفاء جميع ولاة الولايات من مناصبهم.

بالإضافة لتجميد عمل لجنة تفكيك نظام ال30 من يونيو، وهكذا قضى السودان تلك الليلة بلا حكومة وتلتها ليال عدة مشابهة تحكي فشل الانقلاب الذريع في التحرك بالبلاد نحو مربع جديد.

ردود الفعل الدولية

تباينت ردود الفعل الدولية على الانقلاب، باعتبار أن المجتمع الدولي كان منخرطاً في الأزمة السياسية ما قبل الانقلاب، بجانب أن تنفيذ الانقلاب تم بعد ساعات قليلة من اجتماع المبعوث الأمريكي، جيفري فيلتمان، مع رئيس الوزراء السابق،عبد الله حمدوك، والقائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان، حيث طمأن الأخير المبعوث الأمريكي، والذي عبر عن تفاؤله بوجود مخرج للأزمة الحالية في السودان.

لذلك سارعت الولايات المتحدة في إعلان رفضها القاطع لما وصفته بـ”استيلاء الجيش على السلطة” وتوعدت الحكومة الانقلابية بقطع مساعدتها في حالة فرض أي تغييرات بالقوة. أما بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فقد أعرب عن قلقه إزاء الأحداث، حيث غرد الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية للاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، على منصة تويتر أنهم يتابعون الأحداث الجارية في السودان، وأضاف:”الاتحاد الأوروبي يدعو جميع المعنيين والشركاء الإقليميين لإعادة العملية الانتقالية لمسارها الصحيح“. 

أما الاتحاد الأفريقي من جهته، فقد أعرب عبر مفوضيته عن قلقه البالغ إزاء الوضع في السودان، ودعت مفوضة الاتحاد الأفريقي إلى إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين. 

وكان موقف الأمم المتحدة مشابها حيث نشرت على حساب البعثة الأممية بيان لرئيس البعثة (فولكر بيرتس) يتحدث عن “انقلاب جار في السودان” وكتب بيرتس معلقاً على الوضع “الاعتقالات التي طالت رئيس الوزراء و المسؤولين الحكوميين والسياسيين غير مقبولة“. ودعا في حديثه قوات الأمن لإطلاق سراح المعتقلين.

لم يختلف موقف المملكة العربية السعودية فقد شددت بدورها في بيان من الخارجية السعودية على “أهمية ضبط النفس والتهدئة وعدم التصعيد و الحفاظ على ما تحقق من مكتسبات سياسية و اقتصادية لحماية وحدة الصف بين المكونات السياسية في السودان“.

عام يسدل ستاره على الخامس والعشرين من أكتوبر، الانقلاب الذي بدأت مقاومته منذ اللحظات الأولى، وما تزال مستمرة، برغم العنف والتقتيل الذي تمارسه القوات الأمنية المختلفة في حق المتظاهرين، والتي حصدت 118 شهيداً، كان آخرهم عيسى عمر، يوم أمس 23 أكتوبر، بحي الصحافة بالخرطوم، حيث تلقى رصاصة مباشرة في الصدر.

وحتى المتظاهرين الذين نجوا من الموت، لم ينجوا من الإصابات، فالعنف واستخدام الرصاص، والغاز المسيل للدموع، والاعتداءات بالضرب والتعذيب تسببت في 1074 إصابة بلغية، مع ثلاثة حالات اعتداء جنسي. وعلاوة على ذلك، تشهد عدداً من مناطق السودان؛ النيل الأزرق ولقاوة (غرب كردفان) صراعات أهلية دامية راح ضحيتها المئات، وشردت عشرت الآلاف، وسط صمت كامل من قبل حكومة الأمر الواقع.