Category: سياسي

«الدالي» أرض غنية ومنسية في جغرافيا شاسعة مزقتها سيطرة «الدعم السريع»

مجاهد حلالي - Freelancer

مجاهد حلالي - Freelancer

تمثل بداية شهر يونيو من كل عام إعلان قدوم موسم الأمطار في منطقة الدالي والمزموم، الواقعة جنوب ولاية سنار وتمتد حدودها مع ولاية النيل الأبيض والأزرق وتصل حتى جنوب السودان.

 والدالي هي أرض هادئة ومنسية، في جغرافيا السودان الشاسعة والمترامية الأطراف لم يعرف أهلها المتنوعون الحرب أو رائحة الموت من قبل، ويبقى جل همهم حرث أرضهم مع قدوم موسم الزراعة الجديد والأرض حبلى بالخير الوفير فهم يتبعون أغنامهم إلى الغابات وأماكن توفر الكلأ حتى يلين الضرع. كما أن الدالي تعد سودانًا مصغرًا، في ثرائها وتنوعها القبلي، إذ تحتضن جميع قوميات المجتمع السوداني.

وتعتبر الدالي والمزموم من أعلى المناطق إنتاجا في الزراعة المطرية، خاصة محاصيل الذرة والسمسم وعباد الشمس والصمغ العربي كما إنها تمتلك ثروة حيوانية كبيرة.

لكن نهاية يونيو 2024 كانت غير متوقعة بالنسبة لهم، حيث حملت لهم مفاجأة كبرى وجرح عميق ربما لن يندمل أبدا، وقد يحتاجون لعشرات المواسم وربما مئة حول حتى ينسى الناس ما حدث.

 في مساء يوم السبت التاسع والعشرون من يونيو 2024، حينما تناقلت الأخبار سقوط مدينة سنجة، عاصمة ولاية سنار، في يد قوات الدعم السريع. وكان أهل الدالي والمزموم من قبل أيام من هذا التاريخ يدب فيهم الخوف والرعب بسبب وجود عربات الدفع الرباعي التي تتبع لقوات الدعم السريع، والتي تحمل على متنها مدافع ثقيلة وآلات الموت والتشريد والاغتصاب والنزوح إلى المجهول، التي قد تدمر حياتهم، وهذا ما قد حدث بالفعل. 

محاولة استباق الفاجعة

مع سقوط مدينة سنجة في يد قوات الدعم السريع، شعر الناس بالهلع الحقيقي ولأول مره فكروا في ترك أرضهم وأغنامهم التي كانت بمثابة الأوكسجين بالنسبة لهم، وذلك مخافة أن تنتهك أعراضهم وينكل بأجسادهم، لذا لم يكن لهم خيار سوى الفرار من الموت. فاختار بعضهم النزوح لاتجاهات مختلفة، والبعض الآخر قرر أن يبقى في أرضه ويموت في طينها، ليبقى ملح دمه مهرًا لحب هذه البلدة التي منحته معنى للحياة، معلنًا حبه غير المشروط، وإن كان ثمنه دمه الحي.

ومع ذلك ستظل ذكرى ذلك اليوم المشؤوم ذاكرة مأساوية خالدة وسط النساء والأطفال وكبار السن، وواحدة من أصعب تجارب وحكايات الموت التي مرت على الآلاف من سكان تلك المناطق. لن ينسى الناس كيف حرموا من أرضهم وهربوا من الموت ورائحة الدماء.

نذر الفاجعة وهلع النزوح

في مساء التاسع والعشرين من شهر يونيو 2024، حسم الجميع أمرهم في بداية رحلة نزوح للمجهول، هربًا من آلة الموت التي قد تصلهم في أي لحظة، وازدادت الفجيعة مع سماع الناس دوي الأسلحة الثقيلة في وسط المدينة، أصوات لم يسمعوها طيلة حياتهم. ثم انقطع التيار الكهربائي وشبكة الاتصالات والإنترنت، ولم يكن يعرف الناس ماذا يحدث؛ هل اجتاحت الدعم السريع المدينة أم هذه اشتباكات. لم يمتلك أحد إجابهً، فقط تسمع صراخ الأطفال ونومهم تحت السرائر في “قطاطي” القش البسيطة أملاً أن تحميهم من سيل الموت الذي ينتظرهم، والذي أضحى أقرب إلى الحقيقة، خاصة بعد ازدياد شدة أصوات السلاح هنا وهناك.

 بدأت الطرق تمتلئ بالأسر في منتصف الليل، والسحاب الأسود غطى السماء مع برق خاطف وأبيض وأصوات الرعد معلنة عن بداية هطول الأمطار، والتي لم يكن هناك شيء يحمي الناس منها.

سار بعض الناس راجلين، واستقل البعض الآخر السيارات والوابورات، وكان محظوظاً من وجد (حمارًا) يمتطيه. خرج الناس بجلدهم حفاة وبلا أغراضهم واحتياجاتهم من ملابس أو غذاء، بعض الناس تركوا وجبة العشاء في النار، لم تكن لهم رفاهية الوقت الكافي حتى يسدوا رمقهم، ونسي الأطفال في هذا المساء كل شيء، ويبدو أنه من مدة طويلة لم يسمعوا فيها أحاجي عن الغابة والعصافير والمرفعين، وستكون هناك أيام طوال تنتظرهم.

صباح جديد برائحة الترقب والخراب

طالت المدينة، في صبيحة اليوم التالي، 30 يونيو حالات نهب واسعة. حُرقت جميع المؤسسات الحكومية؛ المحلية ومؤسسات الشرطة والنيابة العامة، ونهب السوق. كانت المدينة تدخل في حالة صمت مهيب لأول مرة في تاريخها الممتد؛ الطرق فارغة إلى من مشاهد بعض الناس الذين لم يستطيعوا مغادرة المدينة بسبب عدم توفر وسيلة للنزوح والهرب من الموت. وكان الخوف والترقب هو سيد المشهد، طال الخراب المستشفيات والمراكز الصحية، إذ نُهبت وكسّرِت ما تبقت من أجهزة المعامل، وحرقت الأدوية الطبية ونثرت في الطرقات. كان كل شئ يدل على رائحة الخراب والموت وفناء المدينة.

النزوح إلى المجهول

الرحلة إلى المجهول كانت هي عنوان الحكاية لآلاف النازحين هربًا من آلة الموت على أيادي جنود الدعم السريع، سلك الناس جميع الاتجاهات وزحفوا في الطرقات.

 سيل من الجماعات يركضون غربًا وجنوبًا وشرقًا، نساءً ورجالًا وأطفالًا وكبار سن يشقون الأرض التي خبرتهم وعرفتهم وارتوت بعرقهم. ولأول مرة يودعونها وتودعهم تاركين ورائهم حزن كبير مثل جبل الدالي الذي يسكن أرواحهم ولن ينسى أبدًا.

لم يجد الناس شئ يحميهم من المطر والبرد

امتدت الرحلة لأكثر من أسبوع في طرقٍ وعرةٍ وماطرة، ونهش الجوع والبرد أجساد الناس وأرواحهم التي تثقلها الحيرة والخوف من الغد المجهول. 

 وصل العديد من النازحين من الدالي إلى مناطق تقع في شرق محلية الجبلين، ولاية النيل الأبيض، تحديدًا إلى أم القرى “أم كويكا” سابقًا، وأبو ضلوع والمجابي وأبو الدخيره وحي الصفا وجوده، وبعضهم اتجه جنوبًا نحو القرى المجاورة؛ أبو عريف بوزي المزموم، لكن لم يحالفهم الحظ، إذ بعد سويعات فقط من مكوثهم طالتهم يد جنود الدعم السريع فلم يكن لهم خيار إلا أن يبحثوا جميعهم مع أهل تلك القرى التي استضافتهم عن أماكن جديدة لعلهم يجدون فيها الأمان.

مناورة بناء حياة جديدة

طفلة تجلب الحطب من أجل توفير الغذاء وأساسيات الحياة

وصل قرية أم القرى، في بداية الأسبوع الأول من النزوح، حوالي 950 أسرة، أي بما يعادل حوالي 5000 نسمة وفقًا للإحصاءات المبدئية للجنة داخل معسكر أم القرى.

 وقدّم المجتمع المستضيف في القرية مثالًا عظيمًا في التكافل والتضامن، وهو جزء من الإرث الثقافي للمجتمع السوداني.  فقدموا للناس الطعام واقتسموا معهم منازلهم ووجباتهم. لكن الحوجة كانت ضخمة للغاية، مما ترك فجوة كبرى وجعل المئات من الأسر تسكن في العراء تمامًا، حيث افترشوا الأرض والتحفوا السماء، مع هطول الأمطار ومواجهة لدغات الثعابين والعقارب وغيرها من الحشرات الضارة التي تسببت في انتشار الأمراض الجلدية.

صعوبة في تقديم الرعاية الصحية مع قلة الأدوية

ظهرت، بعد الأسبوع الأول، مشكلات صحية كبيرة نتيجة نقص الغذاء الحاد، وعدم توفر الإيواء المناسب، حيث انتشرت الإسهالات المائية والملاريا الحادة ونقص السوائل، ووصل الوضع إلى مستوى الكارثة الإنسانية، وظهرت الوفيات وسط الأطفال، وتوفت امرأة حامل في شهرها الأخير بسبب رحلة نزوح طويلة على الأرجل. ليشهد هذا العام، تحول الدالي إلى أرضٍ جدباء وبور، وكتب على مدينة كاملة النسيان، وعلى أهلها الموت والنزوح والمرض.

الحصول على لجوء إلى كندا ينقذ أربعة صحفيين سودانيين من وطأة السجون المصرية والترحيل القسري

بيم ريبورتس

بيم ريبورتس

ربما لم يكن يخطر على بال أربعة صحفيين سودانيين يعملون لصالح قناة سودان بكرة، وهم يفرون من الحرب الطاحنة في البلاد إلى الجارة الشمالية مصر، أن ينتهي بهم المطاف مبعدين من سلطاتها، إلى كندا بأمريكا الشمالية. 

بدأت قصة الصحفيين الأربعة الذين يعملون لصالح قناة سودان بكرة في 23 سبتمبر 2023 عندما اعتقلتهم السلطات المصرية، وهم: علي فارساب، ونفيسة بكري ويوسف حمد النيل وحفصة بكري.

يقول فارساب لـ«بيم ريبورتس» من ملجئه الجديد في كندا، بعد قضائه أكثر من شهرين في السجون المصرية، إن سبب اعتقالهم كان بلاغًا من شخص اتهمهم بالعمل مع قوات الدعم السريع لتداهمهم بعدها قوة مكونة من مباحث المصنفات في مقر عملهم بالقاهرة.

بعد قضائهم 65 يومًا في ثلاثة سجون مصرية متنقلين بين زنازين العاصمة القاهرة ومحافظة أسوان، كان يوم 29 نوفمبر الماضي، يمثل مرحلة جديدة في حياتهم، عندما حطت طائرة تقلهم بمدينة ويندزور الكندية في محافظة أونتاريو، في أعقاب حصولهم على فرصة نادرة للجوء إلى كندا، جراء تعرضهم لأقسى أنواع التعذيب والتحقيق.

موسم اللجوء إلى الشمال

بعد اندلاع حرب 15 أبريل 2023، لجأ مئات الآلاف من السودانيين إلى الجارة الشمالية مصر، بمن في ذلك عشرات الصحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان وسياسيين.

وكان الصحفيون المبعدون قد حصلوا على فرصة اللجوء إلى كندا بعدما تعرضوا للتعذيب والسرقة، وفق ما أكدوا لـ«بيم ريبورتس».

استهداف الصحفيين في مصر

خلال نوفمبر الماضي طالبت نقابة الصحفيين المصريين بالإفراج عن 23 صحفيًا معتقلاً معبرة عن قلقها الشديد إزاء تصاعد الممارسات القمعية التي تقيد حرية الإعلام.

 وكانت منظمة مراسلون بلا حدود قد أطلقت تحذيرًا  في 24 أكتوبر الماضي من المخاطر المحتملة لترحيل الصحفيين السودانيين الأربعة أثناء احتجازهم  في مركز للاجئين بمدينة أسوان جنوبي مصر.

 وقالت المنظمة في بيان «إن إعادة هؤلاء الإعلاميين المحترفين إلى السودان سيشكل ليس فقط انتهاكًا صارخًا لحقهم في الأمان، بل أيضًا خطرًا كبيرًا على سلامتهم الجسدية، نظرًا للانتقام الذي قد يتعرضون له. ندعو السلطات المصرية إلى وقف هذا الإجراء الخاص بالترحيل. يجب الإفراج عن هؤلاء الصحفيين وضمان حمايتهم».

قصة التحقيق والاعتقال والسجون

يقول فارساب إنه تم التحقيق معهم  ليوم واحد والتحفظ عليهم لمدة ثلاثة أيام دون بلاغ وإجراءات قانونية.

«بعدها تم فتح بلاغ مخالفات شركة، وأصدرت النيابة قرار براءة لصالحنا.. كان هناك إجراءات تعسفية للأجانب، فبعد أن يتم الإفراج عنك لا بد من عرضك على الأمن الوطني الذي يصدر قرارًا بترحيلك في الغالب وتأكد الجوازات على ذلك»، يضيف.

 ويتابع «خلال هذه الفترة تم منع الزيارة عنا والاتصالات.. كما تم إخفاء كروت اللجوء عن قصد لنصبح بدون أوراق إقامة، حتى أمام النيابة».

 ويوضح أن أشرس هذه السجون وأصعبها والأخطر، كان قسم قصر النيل بوسط البلد، حيث تم احتجازهم فيه لأكثر من أربعين يومًا تعرضوا فيها للسرقة ولم يغمض لهم فيها جفن لمدة عشرة أيام متواصلة بسبب خطورة الوضع داخله.

أما السجن الثاني، والحديث لفارساب، فهو قسم 15 مايو ويصفه بأنه سجن كبير تجميعي به كل السودانيين المقرر ترحيلهم إلى أسوان ومنها تم نقلهم إلى سجن قوات الأمن التابع للأمن الوطني فيه عنابر كثيرة ومليئة بالسودانيين، مشيرًا إلى أن ما لا يقل عن 10 سودانيين يوميًا يصلون إلى السجن.

يتابع «بعدها كان يفترض أن يصلوا إلى منطقة أبو سمبل بأسوان لكن تم إرجاعهم قبل الوصول وإخطارهم من قبل المفوضية السامية للاجئين أنها بدأت إجراءات التوطين لهم».

ويردف «بقينا مدة أسبوعين في سجن أسوان ورجعنا بعدها إلى القاهرة، وتم عمل  الفحص الطبي اللازم لنا وإخطارنا بأن كندا قبلت ملفنا».

سجون فظيعة وإعادة قسرية إلى السودان

«السودانيون المحتجزون في السجون المصرية ممنوعين من الزيارات وكذلك الاتصالات ممنوعة عنهم»، يقول فارساب، لافتًا إلى أن الغالبية منهم يصدر بحقهم قرار ترحيل رغم امتلاكهم إقامات وكروت لجوء سارية.

ويضيف «يوميًا تأتي بصات محملة بالسودانيين من أسوان.. ما لا يقل عن 50 شخصًا وممكن يصلوا حتى 150 في اليوم الواحد».

ضرب فارساب مثلًا بشباب إثيوبيين كانوا في السودان وقدموا إلى مصر بالطريق الصحراوي الشمالي (تهريب)، لكن تم القبض عليهم بواسطة السلطات المصرية التي قال إنها ظلت تحبسهم لأكثر من عام وتمنع عنهم الزيارات والتواصل مع أسرهم حتى الآن، في ظل رفض السفارة الإثيوبية التفاعل مع قصتهم.

أسوأ أنواع التعامل وأقسام الشرطة تنكر وجودهم

قسم شرطة قصر النيل

تقول المحامية، إقبال أحمد علي لـ«بيم ريبورتس» إن الصحفيين احتجزوا لـ شهرين وخمسة أيام، وفي أول 15 يومًا صدر قرار بالإفراج عنهم من النيابة، لكن باقي الفترة ظلوا موضوعين «كأمانات إلى أن تم إجلاؤهم».

وتشير إلى أنهم تعرضوا لأسوأ أنواع التعامل في السجون، موضحةً أن قسم قصر النيل، كان ينكر أي وجود لهم داخله في أول ثمانية أيام من لحظة حبسهم، لكننا كنا على دراية بأنهم في الداخل رغم إنكار القسم ذلك، تقول إقبال.

وتواصل قائلة «لم يتم فتح بلاغ في مواجهتهم لدى النيابة ولم يكن لها علم بحالتهم.. الحراسة التي كانوا بها في الفترة الأولى كانت عبارة عن متر في مترين وعدد المحتجزين بها  لا يقل عن 30 شخصًا سواء كانوا للشباب أو النساء».

وتضيف «كان الصحفيون المحتجزون يتم إعطاؤهم وجبة واحدة في اليوم (جبنة قريش)،  لم يتمكنوا من تناولها لعدم استساغتهم لها.. أما المياه فكان يتم جلبها لهم دون تنقية مما سبب لهم مشاكل صحية ممثلة في تورم أجسادهم بسبب المياه الملوثة وحبس البول في وقت لم يتم عرضهم لطبيب».

وتتابع «عاشوا تفاصيل صعبة حيث تعرضوا للضرب من المساجين وتم اقتلاع حاجياتهم وسرقتهم». 

ووفقًا لإقبال، فإنه بعد 15 يومًا من الحبس أصدرت النيابة قرارًا بالإفراج عنهم وترحيلهم إلى العباسية للتأكد ما إذا كانوا مطلوبين في شيء آخر، لكنها عادت وأشارت إلى صدور قرار بأن يتم التحفظ عليهم وترحيلهم إلى السودان رغم أنه لم يكن عليهم شيء آخر.

قانون اللجوء

وتلفت إقبال إلى أن قانون اللجوء ينص على أن أي شخص يتم القبض عليه يفترض أن يتم إخطار المفوضية بذلك لتوفر محام له لمتابعة إذا كان لديه جناية أم لا، لتتدخل، مشيرة إلى أن السلطات المصرية لم تخاطب المفوضية ولم يكن لها علم بحالة الصحفيين.

وتوضح أنه وفقًا لقانون المفوضية، فإنهم في الأصل لا يفترض أن يكونوا في الحبس. وتواصل «أيضًا القانون يحمي كل من يحمل كرت لجوء من الترحيل، والقرار صدر ببرءاتهم من التهمة المنسوبة لهم لكن بعدها جاء قرار بالترحيل.. قانون المفوضية يحميهم من الترحيل»

وأكدت أن محامين مصريين أشاروا إلى أن السلطات المصرية لا تستجيب للطلبات التي تقدم بإلغاء قرارات الترحيل وأن قرار الإبعاد تم مرة واحدة إلغاؤه بموجب أمر قضائي  ولم تتكرر في أي حالة أخرى.

وذكرت أنها توجهت بمعية عدد من الحقوقيين السودانيين إلى مكتب الحماية وهو أحد المكاتب القانونية للمفوضية، مشيرةً إلى أنه لم يتحرك في الوقت المناسب لإيقاف الإجراءات المتعلقة بهم.

وأوضحت أن 3 صحفيين بينهم كانوا يحملون بطاقات المفوضية أما الصحفي الرابعة، كان مسجلًا لكنه لم يتسلم بطاقته لأن مواعيد استلامها كان بعد يومين من تاريخ حبسه.

واستنكرت إقبال غياب دور السفارة السودانية تمامًا عن وضع السودانيين في الحراسات المصرية، مشيرةً إلى أن السلطات المصرية كانت تعيد السودانيين على مرأى ومسمع السفارة السودانية وأن الأخيرة تقوم بإصدار وثيقة سفر اضطرارية لكل من لا يحمل مستندات لتعيده إلى السودان.

قانون جديد للاجئين

وفي 29 نوفمبر الماضي أقرّ مجلس النواب المصري مشروع قانون جديد خاص باللاجئين الأجانب وصدق عليه الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، لكنه أثار قبيل إقراره رسميًا جدلًا على منصات التواصل الاجتماعي، وسط مخاوف من أن يؤدي إلى «توطين اللاجئين» خاصة السودانيين والسوريين، وتساؤلات عن جدواه في ظل ما يقدمه من امتيازات للأجانب. 

وتأتي الموافقة عليه في إطار مساعٍ مصرية لتنظيم وضع اللاجئين وفق ما تقول القاهرة والذين يزيد عددهم عن 9 ملايين وفق بيانات صادرة عن الحكومة ، حيث ازداد عددهم أخيراً مع اندلاع الصراعات في المنطقة.

وفي الصدد تقول إقبال عن تأثير القانون الجديد على اللاجئين السودانيين إن القانون المصري الجديد تراجع تراجعًا وصفته بالمريع عن الوضع القائم بالنسبة للاجئين وعصف بالحماية القانونية لهم، مشيرة إلى إنه إذا أُعتمد فسيصبح ليس هناك حماية قانونية تماماً للاجئين.

وتشير إلى أنه خلق فراغًا انتقاليًا في الفترة من إعلان القانون حتى صدور الإجراءات، لأنه لم يحدد موعد تشكيل اللجنة التنفيذية، موضحةً أنه وفي هذه الفترة ما بين صدور القانون وتشكيلها، سيكون القانون هو النافذ والمفوضية لن يكون لديها حق في ممارسة أي شيء.

وتلفت إقبال إلى أنه وخلال هذه الفترة ستصبح حقوق المسجلين في المفوضية والواجبات لهم وتفاصيل المفوضية على اللاجئين موقوفة، وتنوه إلى أن القانون الجديد سيطر على جميع أموال اللاجئين وأدخلها تحت عباءة وزارة المالية المصرية، ما يعني أنه، وفق القانون، فإن تمويل اللاجئين الذي يأتي من الدول المانحة سيصبح تحت تصرف الحكومة المصرية.

وتوضح إقبال أن القانون الجديد توسع في اكتساب صفة اللجوء للاجئ، حيث أعطى اللجنة الحق في إطلاق صفة اللاجئ على الأشخاص أو غير لاجئ، كما منحها الحق في اعطاء صفة اللجوء أو لا. وتواصل و«فرزت بين القادم بطريقة رسمية أو غير رسمية في حين ان المفوضية تقول أن أي شخص فر من بلده لدولة أخرى ووصل الحدود يعتبر لاجئ».

أكدت أن القانون اتخذ لغة فضفاضة تعتمد على تفسير الطرف الثاني، لذلك فهو سيسبب مشاكل جمة ويحرم الأشخاص من أهم حقوق، وهي حق الإنتماء للنقابات وممارسة العمل السياسي، رغم أن أغلب الموجودين في مصر هم لاجئين سياسيين ومدافعين عن حقوق الانسان وصحفيين. كذلك منع اللاجئين من التكلم عن أي دولة أو معارضة نظام أي دولة، حتى لو لم تكن دولتك طالما مصر لديها مصالح معها.

وتواصل «القانون الجديد أعطى الدولة المصرية حق الاعتقال ومميزات الجنسية والمحاكم مربوطة بالقوانين القديمة وهي غير معدلة».

وتوضح أنه وفق للقانون الجديد سيتم التقديم للجنة للحصول على حق اللجوء حتى للأشخاص القادمين بطريقة رسمية ومن الممكن أن ترفض لهم، وتشير إلى أنه أيضاً بالنسبة للقادمين بطريقة رسمية لمدة سنة، فإنه وفي خلال ستة أشهر خلال السنة يحق لهذه الجهات الإدارية اتخاذ ما تراه مناسبًا، وتواصل «من الممكن أن يتم الاعتقال أو فرض غرامة على أي يوم تكون فيه في البلد في خلال فترة العام وستة أشهر».

وتقول «هذه كلها أشياء مبهمة وخطرة، والأهم منها فسيما يتعلق بقرار الإبعاد غير معروف بالنسبة للدولة القادم منها وطالب اللجوء أم لدولة أخرى، وهل يقوم اللاجئ بالتقديم للدول الأخرى، أم ستكون اللجنة وكيف سيصلها، واين سيكون خلال هذه الفترة، في السجون أم خارجها».

إعادة 40 شابًا احتفلوا بانتصار عسكري للجيش

وقالت إقبال إن السلطات المصرية أعادت 40 شابًأ تم القبض عليهم في أعقاب احتفالات السودانيين بخبر كان قد انتشر عن انتصار الجيش على قوات الدعم السريع في مصفاة الخرطوم للبترول (الجيلي).

وأضافت بعدها ترحيلهم إلى السودان بينهم شباب أقل من 18 عامًا، وبعضهم من المقرر أن يجلس لامتحانات الشهادة الثانوية ومسجلين في جمهورية مصر العربية، كما أن من بينهم شباب ليس لهم علاقة بالاحتفال، موضحة أن طريقة الاعتقال كانت مهينة. 

«بيم ريبورتس» ترصد أبرز أحداث سنة طويلة من الصراع المدمر في السودان

مع نهاية عام 2024 تقدم بيم ريبورتس رصدًا موجزًا لأبرز الأحداث السياسية والإنسانية والعسكرية التي وقعت على مدار الـ12 شهرًا الماضية ونقلت الصراع المسلح في السودان إلى مستويات غير مسبوقة، بما في ذلك إعلان المجاعة في خمس مناطق وإجراء امتحانات الشهادة الثانوية وإعلان مجموعات في تنسيقية القوى الديمقراطية تقدم اعتزامهم تشكيل (حكومة سلام) في مناطق سيطرة الدعم السريع.

أيضًا شهد عام 2024 انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان ضد المدنيين بما في ذلك عمليات اغتصاب وقتل جماعي وتهجير قسري للسكان من قوات الدعم السريع وسقوط مئات الضحايا في قصف للطيران الحربي التابع للجيش. كذلك فرضت دول غربية عقوبات على قادة عسكريين في الجيش والدعم السريع. كما فرضت الأمم المتحدة عقوبات على قائدين بالدعم السريع للمرة الأولى منذ اندلاع الصراع.

أبرز الأحداث السياسية في 2024

سياسيًا، شهد الثاني من يناير 2024 توقيع تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية تقدم إعلانًا سياسيًا مع قوات الدعم السريع لحماية المدنيين في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا. وقع عن تقدم رئيسها عبد الله حمدوك والجنرال محمد حمدان دقلو (حميدتي) عن قوات الدعم السريع.

 ومن ضمن أبرز الأحداث السياسية أيضًا تجميد السودان عضويته في الهيئة الحكومية للتنمية (ايغاد).

وفي ولاية الجزيرة أعلنت الدعم السريع عن تأسيسها إدارة مدنية في أواخر مارس وفي نوفمبر دعت إلى حكم لا مركزي وتأسيس جيش جديد.

أيضاً أقامت تنسيقية القوى المدنية الديمقراطية (تقدم) مؤتمرها التأسيسي  في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا لمناقشة النظام الأساسي وإجازة الرؤية السياسية والهيكل التنظيمي.

وفي ديسمبر 2024 أقامت التنسيقية المدنية اجتماعات الهيئة القيادية التي وقفت على العمل التنظيمي الداخلي بمدينة عنتيبي الأوغندية. 

كذلك من الأحداث دعوة واشنطن للجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى محادثات سلام جديدة في العاصمة السويسرية جنيف بهدف إنهاء النزاع في السودان، وانطلاقها في منتصف أغسطس في ظل غياب وفد الجيش السوداني.

واختتمت مفاوضات جنيف بفشلها في التوصل لوقف إطلاق النار مع أخذها ضمانات من الطرفين بفتح ممرات آمنة لمرور المساعدات الإنسانية.

وفي ديسمبر 2024 عرض الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وساطة بلاده لحل الخلاف بين السودان ودولة الإمارات العربية المتحدة.

أبرز الأحداث العسكرية في 2024

عسكرياً أعلنت حركة جيش تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي رسميا انخراطها في قتال قوات الدعم السريع.

أيضاً أعلن الجيش السوداني بسط سيطرته على أحياء أبوروف وبيت المال بوسط أم درمان وتطويق قوة الدعم السريع المتمركزة داخل مباني الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون.

ليعلن الجيش رسمياً بتاريخ 12 مارس في تطور ميداني لافت سيطرته على مقر الإذاعة والتلفزيون الرسمي للبلاد في منطقة أم درمان وربطه قواته في شمال وجنوب أم درمان.

وفي شهر أبريل برزت حرب المسيرات على المدن التي يسيطر عليها الجيش حيث تمت مهاجمة إفطار نظمته مجموعة لواء البراء بن مالك المحسوبة على الإسلاميين بواسطة طائرة مسيرة في مدينة عطبرة خلف قتلى ومصابين.

لكنها لم تقف على ذلك بل تواصلت في عطبرة حتى نوفمبر 2024 وفي مناطق أخرى بولاية النيل الأبيض والولاية الشمالية وفي الفاشر بشكل دائم ومستمر.

أما الدعم السريع فقد سيطرت على عدد من المدن ابتداءً من محلية مليط بولاية شمال دارفور في أبريل ومدينة الفولة عاصمة ولاية غرب كردفان في يونيو. وفي ولاية سنار تمكنت من السيطرة على منطقة جبل موية الاستراتيجية بعد معارك مع الجيش بولاية سنار لتسقط مدينة سنجة عاصمة الولاية تحت يدها كذلك دون قتال.

وفي يوليو سيطرت الدعم السريع كذلك على مدينتي الدندر والسوكي بولاية سنار بالإضافة إلى مدينة الميرم الحدودية مع جنوب السودان، بعد معركة عنيفة مع قوات الجيش السوداني المتمركزة، في مقر اللواء 92 مشاة التابع للفرقة 22 بابنوسة.

 الجيش السوداني من جانبه بدأ تنفيذ عملية عسكرية واسعة في مدن ولاية الخرطوم الثلاث (الخرطوم، أم درمان، الخرطوم بحري)، في 26 سبتمبر شاركت فيها قوات برية وجوية وبحرية تقدم خلالها عبر 3 جسور تربط مدن العاصمة، نحو أهداف قوات الدعم السريع على مواقع مهمة بوسط الخرطوم وسيطر على مدينة الحلفايا ببحري.

وفي أكتوبر استعاد الجيش السوداني منطقة جبل موية الاستراتيجية وأعقبها باستعادة مدينتي الدندر والسوكي في تمدد جديد بولاية سنار وأتبعها باستعادة السيطرة على مدينة سنجة عاصمة ولاية سنار في نوفمبر.

في 20 أكتوبر وفي أعقاب انضمام قائد الدعم السريع بولاية الجزيرة أبوعاقلة كيكل، للجيش شنت قوات الدعم السريع عمليات عنف واسعة ضد المدنيين في مدينة الهلالية ومحليات أخرى بشرق الجزيرة ما أدى مقتل وجرح المئات وتشريد عشرات الآلاف.

أبرز الأحداث الإنسانية في 2024

إنسانياً، ظلت قضية المساعدات الإنسانية وفتح المعابر مثار جدل طوال العام من قبل المنظمات الحقوقية المحلية والخارجية وداخل أروقة الأمم المتحدة بشأن السودان، حيث أغلق السودان معبر أدري الحدودي في فبراير بسبب اتهامه لدولتي الإمارات وتشاد ليفتح تحت الضغط الأممي في أغسطس لمدة 3 أشهر قبل أن يعلن تمديد الفترة توجت بإيصال مساعدات انسانية إلى معسكر زمزم للنازحين بولاية شمال دارفور بعد إعلان المجاعة فيه بالإضافة إلى مناطق أخرى في جنوب كردفان وفي ولايتي وسط وجنوب دارفور.

وكان تقرير عالمي للجنة مراجعة المجاعة في التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي قد كشف عن تفشي المجاعة في مخيم زمزم للنازحين، وفي ديسمبر أصدرت نفس اللجنة تقريرًا جديدًا يتحدث عن اتساع المجاعة إلى خمس مناطق أخرى بحلول مايو 2025.

لكن الحكومة السودانية ظلت تنفي بشكل مستمر صحة هذه التقارير وأعلنت خروجها من المرصد العالمي على خلفية هذه التقارير.

وفي ديسمبر 2024 استقبلت العاصمة الخرطوم أول مساعدات إنسانية بعد 20 شهرًا من الحرب.

أبرز الأحداث الصحية في 2024

صحياً زار مدير منظمة الصحة العالمية  السودان وتوقع أن يواجه 25.6 مليون شخص في السودان أي أكثر من نصف عدد السكان مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد.فيما كشف عن وضع صحي متردي في البلاد في ظل اهمال أممي.وتدمر القطاع الصحي خاصة في الخرطوم ومدينة الفاشر ولاية الجزيرة.

أيضاً تفشت الوبائيات والأمراض بينها الكوليرا وحمى الضنك خاصة في شرق السودان.

أبرز الأحداث الثقافية في 2024

في الثقافة شيع السودان عددًا من الشعراء والفنانين أبرزهم الشاعر والدبلوماسي السوداني، محمد المكي إبراهيم، والأديب والمفكر السوداني القانوني كمال الجزولي، والشاعر والكاتب المسرحي هاشم صديق.

أبرز العقوبات الدولية المتعلقة بالسودان في 2024

دولياً صدرت عدد من العقوبات على قادة في قوات الدعم السريع وأفراد في الجيش وشركات تابعة لهم.حيث قام مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوزارة الخزانة الأمريكية بفرض عقوبات على قائدين عسكريين بالدعم السريع هما علي يعقوب جبريل وعثمان محمد حامد محمد (عثمان عمليات).

أيضاً فرض الإتحاد الأوروبي عقوبات على ستة كيانات ضالعة في الحرب في السودان قال إنها مسؤولة عن دعم الأنشطة التي تقوض الاستقرار والانتقال السياسي في السودان.

أيضاً فرضت واشنطن عقوبات على شقيق حميدتي القوني حمدان دقلو  لدوره في تأجيج الحرب.

كذلك فرض مجلس الأمن الدولي لأول مرة أول عقوبات على قادة في الدعم السريع وهما (عبد الرحمن جمعة بارك الله القائد بغرب دارفور و قائد عمليات الدعم السريع عثمان محمد حامد محمد)  لتورطهما في أعمال عنف بغرب دارفور.

كما فرضت واشنطن عقوبات على مدير شركة الصناعات الدفاعية التابعة للجيش السوداني على خلفية إبرام 8 صفقات سلاح مع إيران وروسيا.

أبرز الأحداث الدبلوماسية في 2024

دبلوماسياً تواصل التوتر بين السودان ودولة الإمارات على خلفية اتهام الحكومة السودانية أبو ظبي بدعم قوات الدعم السريع ومدها بالسلاح والعتاد، في وقت أثبتت عدد من التقارير الصحفية والأممية ذلك غير أن أبو ظبي ظلت تنفي حتى أمام مجلس الأمن تورطها في أي عمل غير الأعمال الإنسانية في السودان.

وشاركت الإمارات في مباحثات جنيف بشأن السودان كما أصدرت عدد من البيانات بخصوص قلقها من الوضع في السودان.

أما دولة تشاد فقد برز الإحتجاج السوداني على دورها في الحرب وفق ما يقول الجيش بإبعاد السودان قادة دبلوماسيين واتهامها بشكل مباشر في بيانات من الخارجية السودانية بدعم الدعم السريع لكنها ظلت تنفي ذلك ط، وتأثر من التصعيد بين البلدين 13 ألف سوداني كان من المقرر أن يجلسوا لامتحانات الشهادة الثانوية في منطقة ابشي.

أما جمهورية مصر العربية فظلت مشددة على موقفها بدعم الجيش السودان واعترافها به وتسمية الدعم السريع بالمليشيات فيما خرج قائد قوات الدعم السريع حميدتي واتهمها بدعم الجيش في معركة جبل موية.

أما إثيوبيا أعلنت عن دخول اتفاقية الإطار التعاوني لحوض النيل “عنتيبي” حيز التنفيذ رغم اعتراضات السودان ومصر.

بينما الجارة جنوب السودان ظلت تجري مباحثات مع الطرفين بشأن حقول البترول في السودان بينما يتهم الجيش مقاتلين جنوب سودانيين بالمشاركة مع الدعم السريع في القتال.

كما برزت دولة كولومبيا بمشاركة أفراد منها في القتال مع الدعم السريع وفق ما أعلنت القوة المشتركة في دارفور بنشر هوياتهم وجوازات سفرهم فيما قالت الحكومة السودانية إن الحكومة الكولومبية قدمت اعتذارًا لها على مشاركتهم. 

أبرز الأحداث الاقتصادية في 2024

اقتصادياً أعلنت شركة حكومية عن أن قيمة تصدير الذهب خلال الفترة من يناير إلى أكتوبر 2024 بلغت 1.5 مليار دولار.

أيضاً  أعلن مجلس الوزراء السوداني عن اجازته أهداف وسمات الموازنة الطارئة للعام 2025 وموجهات إعدادها.

كما برزت قضية استبدال العملية بإعلان بنك السودان المركزي عن طرح ورقة نقدية جديدة من فئة 1000 وسحب القديمة تدريجياً وسط اعتراضات من القرار وتأثيراته على وحدة السودان.

وكان تقرير عالمي للجنة مراجعة المجاعة في التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي قد كشف عن تفشي المجاعة في مخيم زمزم للنازحين، وفي ديسمبر أصدرت نفس اللجنة تقريرًا جديدًا يتحدث عن اتساع المجاعة إلى خمس مناطق أخرى بحلول مايو 2025.

لكن الحكومة السودانية ظلت تنفي بشكل مستمر صحة هذه التقارير وأعلنت خروجها من المرصد العالمي على خلفية هذه التقارير.

وفي ديسمبر 2024 استقبلت العاصمة الخرطوم أول مساعدات إنسانية بعد 20 شهرًا من الحرب.

وسط نيران الحرب وجحيم المنافي.. انطلاق امتحانات الشهادة السودانية المؤجلة في جغرافيا منقسمة عسكريًا 

عمر الفاروق وملاذ حسن

عمر الفاروق وملاذ حسن

في يوم 22 ديسمبر الحالي استقل اللاجئ السودان (م.أ) حافلة ركاب من مدينة كيغالي عاصمة رواندا برفقة ابنته التي من المنتظر أن تجلس لامتحانات الشهادة الثانوية في المساق العلمي، متوجهًا إلى العاصمة الأوغندية، كمبالا، في رحلة استغرقت أكثر من 10 ساعات. 

على (م.أ) أن يبقى هناك في كمبالا حتى نهاية الامتحانات ودفع تكلفة إضافية قد لا تغطيها أعماله التجارية المحدودة في كيغالي، لكنه اختار أن يجد سكنًا قرب مركز الامتحانات لتقليل التكلفة إلى أقصى حد.

لم تكن ابنته ترتاد المدرسة، وإنما كانت تتلقى دروسها إلكترونيًا، وهذه عقبة أخرى، تواجه الآلاف من زملائها، بالإضافة إلى الظروف الاستثنائية التي يعيشها السودانيون الذين تغيرت بيئتهم في وقت وجيز.

كانت ابنة (م.أ) ضمن نحو 513 ألف طالبة وطالب في السودان يستعدون للجلوس لامتحانات الشهادة الثانوية في يونيو 2023، عندما تغير كل شيء في هذا البلد المترامي الأطراف والمثقل بالفقر والنزاعات، في صباح السبت 15 أبريل، في العاصمة الخرطوم ومناطق أخرى من البلاد، إذ حمل ذلك الصباح المشؤوم رسالة مضمخة بالدماء، ليس لأولئك الطلبة وحدهم، وإنما لنحو 50 مليون سوداني، مفادها أنه قد تم تأجيل وتحطيم الحياة مرةً أخرى، ريثما تنتهي دورة جديدة من الحرب. 

وهكذا تمزق الحاضر وبدأ المستقبل يتسرب من بين يدي مئات آلاف الطلبة الذين كانوا على موعد مع امتحانات الشهادة السودانية، ومع استمرار ضراوة الحرب، وتحطم أجهزة الدولة ومؤسساتها، لم يعد أحد، يفكر في مثل هكذا رفاهية، إذ أن الجميع كانوا يبحثون عن النجاة، نزوحًا ولجوءًا، وبقاء تحت نيران المحرقة لعل نيرانها تخبو، أو تنظفئ. 

هذا السياق الحربي، أعلن أنه لا امتحانات لطلبة الشهادة السودانية 2023 الذين تفرقوا وتشتتوا مع الحرب، لينتهي العام وسط لغة واحدة لغة الرصاص، قبل أن يأتي العام 2024 والذي على وشك النهاية، وهو يحمل معه خبر إقامة الامتحانات، والذي أصبح واقعًا، حيث من المنتظر أن يجلس غدًا السبت نحو 370 ألف طالبة وطالب لامتحانات الشهادة السودانية في الولايات الخاضعة لسلطة الحكومة السودانية، ممثلة في الجيش بالإضافة إلى مراكز خارجية في عدة دول، حسبما أكدت وزارة التربية والتعليم الاتحادية.

لن يقرع جرس الامتحانات في ثماني ولايات

لن يعرف كامل إقليم دارفور والذي تسيطر قوات الدعم السريع على معظمه امتحانات الشهادة السودانية لهذا العام، بالإضافة إلى أجزاء واسعة من ولايات كردفان الثلاث التي يتشارك فيها الجيش وقوات الدعم السريع، بالإضافة إلى الحركة الشعبية – شمال السيطرة عليها. كذلك لن يقرع جرس الامتحانات بالعاصمة ممثلة في مدينتي الخرطوم وبحري، بينما ستكون مدينة أم درمان ثالث مدنها والتي يسيطر الجيش على معظمها، مركزًا رئيسيًا للامتحانات. 

وكان قرار إقامة امتحانات الشهادة السودانية، لهذا العام، في ولايات الوسط، الشمال، الشرق والجنوب، واستثنائه ولايات دارفور أثار الجدل في البلاد، وحوّل العملية، إلى عملية سياسية بالغة التعقيد، يُسمع فيها مفردات التقسيم، ساحبة إليها لغة الحرب.

وفي ولاية جنوب كردفان تجلت رغبة الطلاب الكبيرة في الجلوس للامتحانات بخروجهم في مدينة الدلنج في تظاهرة عارمة مطالبين بجلوسهم للامتحانات بعد ورود أنباء عن عدم تمكن الحكومة من إيصال أوراق الامتحانات للمدينة.

صورة ارشيفية

وقالت لجنة المعلمين السودانيين (جسم نقابي) في بيان اليوم الجمعة إن ثماني ولايات حرمت بالكامل، وثلاث بصورة شبه كاملة، وثلاث بصورة جزئية، من جملة 18 ولاية في السودان من الامتحانات ومؤكدة أن 60 ٪ من الطلاب على الأقل سيحرمون من هذه الامتحانات.

واعتبرت في البيان أن -التخبط والعشوائية- في التجهيز للامتحانات تجلى في عدم ظهور أرقام جلوس لعدد كبير من الطلاب في محلية كرري بأم درمان، وإعلان عدم عقد الامتحانات في محلية النهود والدلنج وفي دولة تشاد في اللحظات الأخيرة.

 بينما كشفت عن محسوبية ومجاملة في اختيار كبار المراقبين لخارج السودان، وفي مراكز مصر والإمارات، مشيرةً إلى أنه يوجد بينهم من لم يعمل معلم ولو ليوم واحد.

وحملت ـ حكومة الأمر الواقع ـ كامل المسؤولية عن أي نتيجة تترتب على الإصرار على عقد الامتحانات بهذا الشكل، دون استصحاب شروط العدالة والشمول، والالتزام بإجراءات سلامة المعلمين والطلاب، لافتة إلى أن هذه الامتحانات خطر على الطلاب والمعلمين أثناء عقدها، وخطر على السودان بعد عقدها، وفق ما ذكر بيانها.

غياب الشهادة السودانية في 2023

وامتحانات الشهادة السودانية والتي بدأت منذ ما بعد الاستقلال غابت للمرة الأولى العام الماضي بشكل كامل، وتغيب هذا العام بشكل جزئي في مساحة سكانية كبيرة ممثلة في دارفور والخرطوم وأجزاء واسعة من الجزيرة وغيرها من المناطق. كما أنها تُجرى للمرة الأولى في توقيت مسائي وسط مخاوف أمنية من استهدافها.

والي الخرطوم السابق أيمن نمر يقرع جرس الامتحانات بمدرسة العبيدان بنات بمنطقة مايو جنوب الخرطوم - أرشيفية

بخصوص المخاوف الأمنية طالبت لجنة المعلمين السودانيين بوقف إطلاق نار طيلة فترة الامتحانات، لكن لم يوضح أي طرف موقفه من هذا الأمر. 

بدأت بوادر تحديات امتحانات الشهادة الثانوية من خلال أنباء عن تحقيقات واعتقالات مع الطلاب القادمين مبكرًا إلى مناطق سيطرة الجيش للاستعداد للامتحانات.

وفي نوفمبر الماضي استنكرت لجنة المعلمين السودانيين ما تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي حول اعتقال الطالب عمر أحمد عبد الهادي الذي جاء إلى الولاية الشمالية للجلوس لامتحانات الشهادة الثانوية للدفعة المؤجلة 2023، إلا أنه تم توقيفه في الطريق ومن ثم الحكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات بحجة التعاون مع الدعم السريع.

وأشارت اللجنة إلى أن هذه الأفعال لن تقود إلا إلى تمزيق الوطن، بعد أن مزقت النسيج الاجتماعي، ونشرت خطاب الكراهية البغيض تحت مرأى ومسمع من يدعون أنهم حكومة البلد بحسب ماقالت.

ومع اقتراب موعد الامتحانات منعت الدعم السريع بدورها الطلاب من الذهاب إلى مناطق الجيش للجلوس للامتحان، فيما بقي مصير الطلاب معلقاً بجغرافيا وجودهم وعوامل أخرى مما تسبب في حرمان آلاف الطلاب من استكمال عملية تخرجهم من المرحلة الثانوية.

إجراءات لتأمين الامتحانات

من جهتها، أعلنت الحكومة السودانية إجراءات أمنية لتأمين سير الامتحانات، لكن الأمر يواجه بشكوك كبيرة في ظل حرب طاحنة ومخاوف جدية من أن يدفع الطلبة ثمن ذلك.

وفي وقت لم تعلن الدعم السريع موقفًا رسميًا بشأن السماح للطلاب المقيمين في مناطق سيطرتها بالذهاب إلى الامتحانات في مناطق سيطرة الحكومة والجيش،  أدلى بعض قادتها بتصريحات أبدوا فيها رفضًا مبطنًا.

حذر القائد بقوات الدعم السريع المك أبوشتال في تصريحات نشرت في الحساب الرسمي لقوات الدعم السريع على منصة تليجرام أولياء الأمور من إرسال أبنائهم إلى الولايات الخاضعة لسيطرة الحكومة، متحدثًا عن سيناريوهات تشمل الهجوم بالمسيرات والتجنيد الإجباري، وهي ضمن أمور أخرى رآها سببًا لعدم ذهاب الطلبة للامتحانات.

أجندة سياسية وانقسامية

وكانت قوات الدعم السريع قد اعتبرت في بيان لها بتاريخ 12 ديسمبر الحالي الحكومة في بورتسودان بأنها تمضي إلى استخدام التعليم أداة لتنفيذ أجندتها السياسية الانقسامية والحربية.

وقالت إن موقفها المعلن بانطلاق امتحانات الشهادة الثانوية في مناطق بعينها دون سائر ولايات السودان لأول مرة في تاريخ السودان، ما عدا حالة سياسة المناطق المقفولة التي أقامها المستعمر، يكشف حجم التآمر واللا مسؤولية وعدم الاكتراث لمستقبل مئات الآلاف من الطلاب السودانيين في مختلف مناطق السودان.

التربية: أكثر من 350 ألف طالب يمتحنون في 2300 مركز داخل وخارج السودن

وفي 21 ديسمبر الحالي، أكدت وزارة التربية والتعليم اكتمال كافة استعدادها لامتحانات الشهادة السودانية المؤجلة، وقالت إن عدد الطلاب الممتحنين بلغ 343644 طالبة وطالب، موزعين على 2300 مركز امتحانات داخل وخارج السودان، مشيرة إلى أن 120724 طالبة وطالبة وفدوا من ولايات غير آمنة. 

وقال وزير التربية والتعليم المفوض، أحمد خليفة عمر، إن كل أرقام الجلوس وصلت للمراكز ما عدا ولاية الخرطوم، متوقعًا وصولها بأقرب وقت، وعازيًا  التأخير لازدياد عدد الطلاب.

وزير التربية والتعليم المفوض، أحمد خليفة عمر

 وأضاف أن هناك عدد من أرقام الجلوس الاحتياطي ومركزين إضافيين في عطبرة والدامر للوافدين حتى الجمعة 27 ديسمبر، مؤكدًا أن الوزارة مستعدة لأي أرقام إضافية للولايات من 100 رقم إلى 200 ليتمكن كل طالب من الحصول على رقم جلوس.

نحو 50 ألف يجلسون للامتحانات خارج السودان

وأكد الوزير أن عدد الطلاب خارج السودان بلغ 46553 بينهم 27 ألف طالبة وطالب في جمهورية مصر، بعدد 59 مركزا  كليًا منها 27 مركزا في مصر.

 وأشار إلى أن الطلاب الذين سجلوا للامتحانات في 2023 بلغت نسبتهم 83%، بينما قال إن نسبة الطلاب الوافدين بلغت 35%، موضحًا أن نسبة الطلاب الذين سجلوا قبل الحرب كان عددهم 513 ألف. 

وأكد الوزير أن الوزارة تمتلك كل معلومات الممتحنين وولاياتهم ومدارسهم داخل وخارج السودان، موضحًا أن امتحانات الشهادة السودانية للعام 2024 ستعقد بعد ثلاثة أشهر، مشيرًا إلى أنه امتحان أصيل وليس بديلًا، لالتحاق كل الطلاب الذين لم يتمكنوا من الجلوس لامتحان ديسمبر، وذلك تحقيقاً للعدالة والمساواة. 

كما أكد الوزير أن طباعة امتحانات الشهادة السودانية تمت بداخل السودان بمدينة عطبرة بولاية نهر النيل وأن عملية الطباعة استغرقت 15 يومًا فقط، حيث تمت طباعتها بصورة دقيقة ووفق ترتيبات معينة.

وشدد الوزير على أن الامتحانات مؤمنة تأمينا كاملاً وأن عملية التأمين تبدأ من المراكز وحتى المؤتمر الصحفي لإعلان النتائج.

لجنة المعلمين: وزارة التربية حددت عدد الممتحنين (زورًا وتدليسًا)

لكن لجنة المعلمين السودانيين قدمت بيانات ورؤية مختلفة بالنسبة لانعقاد امتحانات الشهادة السودانية. 

وقالت اللجنة في بيان يوم 22 ديسمبر الحالي، إن وزارة التربية والتعليم أصمت أذنيها عن النداءات والرجاءات والنصائح المبذولة لقيام امتحانات الشهادة السودانية للدفعة 2023 من قبل أهل الشأن من الحادبين على التعليم والكثير من أولياء الأمور وأعطتها لمن لا يمت للتربية والتعليم بأي صلة، مصرة على جعل التعليم مدخلًا لتقسيم السودانيين، ورافدًا من روافد الحرب، في محاولة لشرعنة الحرب ونتائجها.

وأكد البيان أنه تم تحديد عدد الممتحنين (زورًا وتدليسًا)، حيث تم اعتماد الساعة الثانية والنصف ظهرًا موعدا للامتحانات، وأن عدد الممتحنين بلغ أكثر من 330 ألف طالب وطالبة.

شعار لجنة المعلمين السودانيين

وشددت لجنة المعلمين السودانيين، أنه بناءً على التقارير الواردة من الولايات، وإفادات مديري التعليم ببعض الولايات، فإنها تؤكد على عدم صحة هذا الرقم وعدم دقة النسبة التي تم ذكرها (83 ٪).

وأردفت «فالجميع يعلم أن العدد المرصود قبل الحرب بلغ ما يقارب 580 ألف طالب وطالبة». وتابعت «نؤكد أن العدد المسجل حتى الآن لم يتجاوز الـ200 ألف، على أحسن الفروض».

وأوضح البيان قائلًا إنه دون الخوض في تفاصيل هذا الأمر، فإننا نظل على موقفنا الداعم لاستمرار العملية التعليمية لأي عدد من الطلاب، وفي الوقت نفسه نرفض تصميم عملية تعليمية تقصي عددًا مقدرًا من السودانيين بواسطة الجهة المنوط بها توفير التعليم -كحق – لكل السودانيين.

وقالت إنه اتضح من خلال المؤتمر الصحفي تبني المفوض بأعمال وزارة التربية والتعليم الاتحادية السير في ذات النهج الذي يجعل من التعليم أداة للحرب.

وأضافت «كما يتضح عدم وجود تخطيط سليم منذ البداية، أرغمه ذلك على تغيير مواعيد جلسات الامتحان، بسبب تضارب الزمن المعتاد مع التقويم المدرسي في جمهورية مصر العربية».

 وأكدت «من المعلوم أن عطلة المدارس في جمهورية مصر العربية تبدأ منتصف يناير، وهذا يؤكد على ضعف التنسيق والترتيب، وأن هذه الشهادة ليس القصد منها العملية التعليمية، بل الهدف الأساسي منها سياسي بامتياز».

وختمت لجنة المعلمين السودانيين قائلة «نظل على موقفنا الداعم للطلاب الذين سيجلسون لهذا الامتحان.. كما سنظل ندافع عن حق الطلاب الذين لن يجلسوا لهذا الامتحان ونحمل حكومة الأمر الواقع كامل المسؤولية عن أي تقصير أو أي نتائج تترتب على هذا القرار وهذه الإجراءات غير المدروسة والمتعجلة».

السلطات التشادية تمنع آلاف الطلاب السودانيين من الجلوس للامتحانات في أراضيها

وفيما يتعلق بامتحان الطلاب السودانيين، في تشاد، قال الوزير إنه سبق وأن تم إعداد كل الترتيبات لذلك، إلا أنهم فوجئوا بقرار الرئيس التشادي محمد إدريس دبي، بمنع قيام الامتحانات للطلاب السودانيين، باعتبارهم نازحين، يجب أن يمتحنوا وفق مقرارات الدولة التي يقيمون بها.

وأردف الوزير أن هناك محاولات تقوم بها سفارة السودان، إلى جانب بعض المنظمات نأمل أن تتوصل إلى حلول.

وفي السياق نفسه، أبدى حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، أسفه على منع السلطات التشادية الطلاب السودانيين من الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية.

وشدد قائلًا «يجب ان يكون التعليم ضمن أدوات ليست لها حدود، وليست هناك جريمة تقع علي الطلاب.. إنما هم ضحايا حروب وضحايا أعمال الدعم السريع. على حكومة تشاد مراجعة هذا الأمر».

قنصلية السودان بمدينة أبشي التشادية تعتذر للطلاب

الخارجية السودانية: تشاد منعت 6 آلاف طالب من الجلوس للامتحانات

ويوم الأربعاء أعربت الحكومة السودانية عن أسفها واستنكارها لرفض السلطات التشادية السماح بإقامة امتحانات الشهادة السودانية لأكثر من ستة آلاف طالب وطالبة من اللاجئين السودانيين من ولاية غرب دارفور وغيرها.  

وأكدت وزارة الخارجية  في بيان أنها بذلت كل الجهود الممكنة عبر التواصل المباشر مع وزارة الخارجية التشادية وعبر المفوضية السامية للاجئين لإقناع السلطات التشادية بإقامة الامتحانات، حتى لا يتضرر الطلاب اللاجئون بسبب التقديرات السياسية الخاطئة للسلطات التشادية، دون جدوى.

ووفقًا للبيان، يأتي هذا الموقف امتدادًا لنهج  السلطات التشادية العدائي من السودان. 

ورأى البيان أن حرمان الطلاب الأبرياء من حق التعليم وتهديد مستقبلهم يمثل خرقا واضحا لأحد مبادئ حقوق الإنسان الأساسية التي نص عليها القانون الدولي، وتنكرا للعلاقات التاريخية الوثيقة بين الشعبين الشقيقين، وسابقة السودان في إتاحة فرص التعليم لأبناء الشعب التشادي.

وتابع البيان «سيظل حرمان أبنائنا من الجلوس لامتحانات الشهاده السودانيه نقطة سوداء في سجل السلطات التشادية وسياستها العداونية  تجاه الشعب السوداني».

تنسيقية لجان المقاومة الفاشر تنتقد قرار إقامة الامتحانات

انتقدت تنسيقية لجان المقاومة الفاشر إصرار ما أسمتها حكومة بورتسودان على اقامة امتحانات الشهادة السودانية في موعدها المحدد، مع علمها بأن هناك ألف طالب وطالبة سيحرمون من حقهم للجلوس للامتحانات.

ورأت في بيان أن ذلك محاولة لإثبات أن الدولة قادرة على تسيير دولاب العمل وأن النزاع لم يؤثر على التعليم، بدون النظر إلي المخاطر والتحديات والظروف الاقتصادية المتردية المحيطة بنا.

وأضاف البيان “نحن نراها كمحاولة للتكسب السياسي فقط..  قضية التعليم يجب أن لا تسيس، ولا يجب أن يأخذ التعليم كواحدة من أدوات الحرب”.

وشدد البيان على رفض قيام امتحانات الشهادة السودانية في هذه الظروف الحرجة، بجانب استخدام قضية التعليم كاداة للانتصار دون النظر الي المخاطر.

وتابع البيان “ومن جانب آخر المليشيات تستخدم كل الطرق من أجل أن لا تقام الامتحانات في موعدها، وذلك بمنع الطلاب في مناطق سيطرتها من الوصول إلى مراكز الامتحانات.

التعليم والحرب ضدان

قال الناطق الرسمي لجنة المعلمين السودانيين في تصريح صحفي لـ«بيم ريبورتس»، إنه حسب ما يرشح، فإن هناك تأمين لامتحانات الشهادة الثانوية.

 غير أنه عاد وأشار إلى أن الحرب والتعليم ضدان، مؤكدًا أنه لا يمكن مواصلة التعليم في ظل الحرب وصوت البنادق والمشاكل التي تنتج عن الحرب.

المتحدث الرسمي باسم لجنة المعلمين السودانيين، سامي الباقر

وأضاف الباقر «لكن رغم ذلك نتمنى أن يتم عقد هذه الامتحانات في جو من الطمأنينة وأن يتحلى الطرفان بالأخلاق وأن يتركوا هؤلاء الطلاب ليكملوا امتحاناتهم»،  متمنياً ألا تكون هناك أي مزايدة في موضوع الامتحانات وألا يحاول أي طرف التكسب من هذه القضية سياسيًا سواء كان بإقرار الامتحانات أو منعها.

حزمة من الإجراءات لشمول العملية التعليمية

وذكر الباقر أنهم طالبوا بحزمة من الإجراءات لضمان شمول العملية التعليمية والإمتحانات من ضمنها وقف إطلاق النار وإعلان مراكز الامتحانات ومراكز تجميع الأوراق ومراكز التصحيح للمعلمين، بحيث تكون مناطق آمنة.

بالإضافة إلى فتح المسارات للطلاب للوصول لأقرب نقطة يتم الاتفاق عليها من ضمنها إيقاف إطلاق النار ضمن فترة الامتحانات والتصحيح.

 وتابع «لكن لم نجد استجابة لهذا الطلب للأسف من أي من الطرفين، وبالتالي نفتكر أن المقصود من الامتحانات ليس العملية التعليمية، بل الهدف منها هو إقرار نتائج الحرب وجعل التعليم أحد وسائل إقرار النتائج التي توصلت لها الحرب حتى الآن».

وشدد على أنه يجب أن يكون التعليم أحد الروافع التي تخفض صوت البنادق، وأن لا يتم اتخاذه لاقرار أي نتيجة من نتائج الحرب .

تعليم الطوارئ

واعتبر أن مصير الطلاب في الولايات التي لن تكون بها امتحانات سيظل كما هو عليه بأن عددا كبيرا منهم  لن يجلسوا للامتحان، مشيرًا إلى أن  حكومة الأمر الواقع تتجه إلى خط عقد الامتحانات بمن حضر، في وقت تحرم الدعم السريع في المناطق التي تسيطر عليها تحرم الطلاب من الوصول إلى مراكز الامتحانات.

وواصل «التعليم يجب أن يكون متاحًا لجميع السودانين نسبة لأن التعليم في الطوارئ معمول به في كل الدول التي تكون فيها حروب.لذلك مازلنا متمسكين برؤيتنا بشمولية وعدالة التعليم».

واعتبر الباقر أن حكومة الأمر الواقع في بورتسودان تحاول أن ترسل رسالة عبر العملية التعليمية أنها مسيطرة على أجزاء كبيرة من السودان وقادرة على تسيير العملية التعليمية.

أما قوات الدعم السريع من جانبها، بحسب الباقر، ترد بمحاولة تعطيل ما تقوم به حكومة الأمر الواقع. وما بين إصرارهما، يضيع عدد كبير جدًا من الطلاب والتلاميذ، وهو ما يجعلنا نطالب دائمًا بإبعاد التعليم عن الصراع وأن يكون حق لكل طالب في السودان ولا يكون مدخل لتقسيم السودان والسودانيين.

 

ورغم كل ماسبق تتوجه أعين وقلوب آلاف السودانيين في بقاع الأرض مع الطلاب الذين سيجلسون غدًا للإمتحانات الأهم لدي الشعب السوداني على مدار الأزمان، متحدين أي ظروف أمنية ولوجستية وأي نوايا ومهددات بتحطيم أحلامهم التعليمية غير آبهين بعبث الكبار في هذه الحرب بينما ستظل تحديات امتحانات الشهادة 2023 ضمن أبرز القصص التي سترويها الأجيال في أزمان أفضل من تاريخ السودان.

بوابات خزان جبل أولياء المغلقة ترد مياه النيل الأبيض جنوبًا في رحلة عكسية مدمرة

عمر الفاروق وملاذ حسن

عمر الفاروق وملاذ حسن

في شهرها العشرين، انتقلت الحرب في السودان، إلى مرحلة جديدة من الخطر. خطر الغرق ومحو المدن والبلدات على ضفاف النيل الأبيض بالفيضان جنوب العاصمة الخرطوم. إذ لم تكن الجزيرة أبا التي فر منها معظم سكانها في ظرف أربعة أيام، إلا مثالًا محدودًا لما يمكن أن يحدث في حال لم تتم معالجات عاجلة لمشكلة خزان جبل أولياء والذي تسبب في فيضان كبير لنهر النيل الأبيض.

إنه ليس موسم الفيضان التقليدي في السودان، وإنما هو موسم فيضان خزان جبل أولياء جنوب العاصمة السودانية الخرطوم بعد أكثر من عام على غياب مهندسيه وفنييه، وتحوله إلى مسرح عمليات عسكرية ساخنة بين الجيش وعدوه اللدود قوات الدعم السريع.

خزان جبل أولياء - Google Earth

تحذير أوغندي من ارتفاع مناسيب المياه في بحيرة فكتوريا

لكن لربما لا تكمن المشكلة في غلق بوابات الخزان لوحدها، إذ أصدرت أوغندا، المصدر الرئيس للنيل الأبيض، في 14 مايو الماضي تحذيرًا للمجتمعات التي تعيش على شواطئ البحيرات وضفاف الأنهار من زيادة حجم المياه في تلك المسطحات المائية، والتي قالت إنها وصلت إلى مستويات مثيرة للقلق.

وقال وزير المياه والبيئة الأوغندي، سام تشيبتوريس، آنذاك، إن منسوب المياه في بحيرة فيكتوريا ارتفع إلى أعلى مستوى له. حيث بلغ 13.66 متر، مقارنة بـ13.5 متر في عام 2020.

وأكد الوزير الأوغندي أن بحيرة فيكتوريا تتلقى المياه من 23 نهرًا في جميع أنحاء المنطقة، والتي تشهد حاليًا أمطار ظاهرة النينو.

وأشار إلى أنه بسبب ارتفاع منسوب المياه في البحيرة، اضطرت الحكومة إلى إطلاق المزيد من المياه في نهر النيل، الذي يغذي أحواض البحيرات الأخرى، مما قد يتسبب في حدوث فيضانات هناك.

بحيرة فكتوريا - Google Earth

عمر الخزان يقترب من يقترب من 90 عامًا

وعودة إلى خزان جبل أولياء هو سد حجري على نهر النيل الأبيض ويقع على بعد 44 كيلومترًا جنوب العاصمة الخرطوم وتم إنشاؤه في عام 1937 بواسطة الحكومة المصرية، وفق اتفاقية بقبول قيام خزان سنار، حتى تحفظ حقها في مياه النيل دون أي تدخل من حكومة الحكم الثنائي، أو الحكومات الوطنية بعد استقلال السودان.

Sudan. Jebel Awlia, to Malakal. Air view. Dam south of Khartoum, largest engineering project on the Nile

سُلّمَ الخزان إلى حكومة السودان في عام 1977 ليُستفاد منه في رفع منسوب المياه في المناطق أمام جسم السد وخلفه حتى يمكن ري مشاريع النيل الأبيض الزراعية في كل من مناطق: أبو قوتة، والفطيسة ، والهشابة ، وأم جر، والدويم، بواسطة الطلمبات.

إنه ليس موسم الفيضان التقليدي في السودان، وإنما هو موسم فيضان خزان جبل أولياء جنوب العاصمة السودانية الخرطوم بعد أكثر من عام على غياب مهندسيه وفنييه، وتحوله إلى مسرح عمليات عسكرية ساخنة بين الجيش وعدوه اللدود قوات الدعم السريع. 

رجوع إدارة الخزان لسلطة وزارة الري

المخاوف من انفلات الأمر أخرجت الدعوات للتعاون بين الأطراف المتقاتلة إلى العلن، من أجل وقف التدهور في خزان جبل أولياء بالسماح للمختصين في وزارة الري والموارد المائية تحت ضمانات قوية للعمل على إصلاح الخزان الحيوي وتحييد خطره المحدق بمجتمعات جنوب الخرطوم.

وقال وزير الري والموارد المائية السابق، عثمان التوم، لـ«بيم ريبورتس»، إن الحل العاجل للأزمة، هو رجوع إدارة الخزان لسلطة وزارة الرى حتى يقوم المهندسون بإصلاح الأعطال التي تسببت فيها الحرب والعمل عاجلًا على فتح بوابات السد قبل أن يرتفع منسوب البحيرة وتمر المياه فوق جسم السد.

وأضاف التوم أن السد والذي بناه المصريون قبل أكثر من تسعين عامًا لم يوفروا فيه بوابات مفيض لتندفع من خلاله المياه لما بعد الخزان، إذا ارتفعت المناسيب حفاظًا على سلامة السد، كما فعلوا في مفيض توشكي في جنوب مصر.

تمكين مهندسي الري بالوصول إلى الخزان

ودعت أحزاب سياسية وأجسام مدنية في بيانات السبت والإثنين إلى التحرك لإنقاذ الوضع وتفادي الضرر بينها حزب الأمة القومي والمؤتمر السوداني والتجمع الاتحادي.

وقال حزب الأمة القومي، السبت، إنه يتابع هذه المأساة بقلق بالغ، وطالب الطرفين المتقاتلين بضرورة تمكين مهندسي الري للوصول إلى منطقة الخزان لتمرير المياه لخفض منسوب النيل لإنقاذ المواطنين في قرى ولاية النيل الأبيض. 

كما ناشد المنظمات الدولية والمحلية وكافة الجهود الإنسانية بالاستجابة للكارثة الإنسانية وتوفير مواد الإيواء والغذاء والدواء للمواطنين المحاصرين بالمياه في الجزيرة أبا وما حولها لرفع المعاناة عنهم وتخفيف الضرر.

رئيس حزب المؤتمر السوداني، عمر الدقير، من جانبه، قال الإثنين إن تعرّض آلاف المواطنين في مناطق مختلفة من ولاية النيل الأبيض للفيضانات، جرّاء خروج خزان جبل أولياء عن الخدمة، أدى إلى تدمير العديد من المنازل والممتلكات العامة والخاصة، ولا يزال الوضع يهدد بمزيد من المعاناة.

وأكد الدقير، بحسب إفادات نقلها عن مهندسين خبراء في مجال السدود، أن خزان جبل أولياء عانى من إهمال جسيم وعدم انتظام في الصيانة في عهد النظام السابق واستمر هذا الإهمال خلال الفترة الانتقالية. فضلاً عن  الأضرار التي تسبب فيها القصف الجوي والاشتباكات المسلحة المتبادلة.

وأضاف «كما غادرت فرق تشغيل وصيانة الخزان موقعها عقب احتدام المعارك في المنطقة والتي انتهت بسيطرة قوات الدعم السريع عليها».

ودعا الدقير الجهات المعنية للتحرك الفوري واستنفار فريق فني مُتخصص لمعالجة الوضع وتفادي المزيد من الأضرار. 

وقال نأمل أن تسمح القوات المسلحة – في مناطق سيطرتها – بمرور الفريق الفني إلى الخزان، وأن تتيح قوات الدعم السريع وصوله لموقع الخزان لأداء مهمته، ويمكن أن يتم ذلك تحت إشراف الصليب الأحمر لضمان سلامة العملية.

وناشد الدقير المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية للتدخل العاجل وتقديم الدعم الفني والإغاثي. كما ندعو السودانيين في الداخل والخارج للتكاتف وإطلاق مبادرات شعبية لدعم أهلنا المتضررين بكل الوسائل الممكنة.

وأضاف الدقير أن استمرار الحرب في السودان لا يعني سوى التتابع المحموم للكوارث على شعبنا، والتهديد الوجودي لوطننا.

فتح بوابات الخزان فورًا

في السياق نفسه، دعا حزب المؤتمر السوداني، قوات الدعم السريع بالإسراع فورًا في فتح بوابات خزان جبل أولياء حيث مناطق سيطرتها، مشيرًا إلى ضرورة التنسيق مع حكومة بوتسودان والقوات المسلحة، وإن تطلبت العمليات الفنية توفير واستدعاء مختصين.

وقال الحزب في بيان، غُمِرَت العديد من مدن وقرى ولاية النيل الأبيض بمياه الفيضان من بينها كوستي والجزيرة أبا، حيث فاقم عدم فتح بوابات خزان جبل اولياء الوضع سوءًا ما جعل النيل الأبيض يتمدد أفقيًا مسببًا تلفًا لآلاف الأفدنة من المساحات المزروعة، أو انهيار لعدد كبير من المنازل، نجم عن ذلك حركة نزوح كبيرة وتهديد متزايد لآلاف الأسر والنساء والأطفال وكبار السن.

وشدد البيان، أن الأمر في غاية في الخطورة، لافتًا إلى أنه يمثل انعكاسًا حقيقيًا لحالة انهيار الدولة الكامل  وعدم تحمل طرفي الحرب تداعياتها مطلقًا.  كما نلفت انتباه المنظمات الاقليمية والدولية ذات الصلة بضرورة تيسير هذه العملية واغاثة أهلنا في مناطق فيضان النيل الأبيض.

وفي السياق نفسه، أعلن حزب التجمع الاتحادي عن تضامنه غير المحدود مع سكان ولاية النيل الأبيض في هذه الكارثة التي حلت بهم وقال إنه يعمل مع أبناء وبنات الولاية يدًا بيد من أجل تخفيف معاناة المتأثرين بالفيضانات.

وقال في بيان إن هذا الوضع يتطلب التنسيق بين القوات المتحاربة للسماح بوصول فرق الإغاثة والتطوع وتأمين عملها حتى تتمكن من أداء المهام المطلوبة منها على وجه السرعة لإنقاذ حياة الناس بالولاية وقراهم ومزارعهم.

وحث كل مكونات المجتمع المدني والأهلي بالولاية للتضافر والمساهمة في سبيل جبر الضرر وإغاثة المتضررين.

 أيضًا تقدمت مبادرة غرفة طوارئ الكوة بمناشدة عاجلة إلى السلطات السودانية والمنظمات الإنسانية والدولية للتدخل الفوري لإنقاذ المواطنين في مدينة الكوة وولاية النيل الأبيض، وقالت إنهم يواجهون كارثة إنسانية غير مسبوقة جراء الفيضانات المدمرة.

ولفتت في بيان إلى أن استمرار إغلاق بوابات خزان جبل أولياء يزيد من تفاقم الوضع، مما يعرض مدن وقرى النيل الأبيض جنوب الخزان لخسائر فادحة في الأرواح والممتلكات.

الدعم السريع تحمل الجيش المسؤولية

في المقابل، قالت قوات الدعم السريع التي تسيطر على الخزان منذ نوفمبر 2023، إنها تتابع بقلق تطورات الفيضان الناجم عن أعطال في بوابات خزان جبل الأولياء جراء الأضرار الكبيرة التي لحقت ببنية السد بعد الاستهداف المتكرر له.

وأكدت في بيان أن الخزان تعرض لأكثر من (70) غارة جوية منذ سيطرة قواتها على المنطقة العسكرية بجبل الأولياء جنوبي العاصمة الخرطوم، إضافة إلى القصف المدفعي المتواصل بقصد تدمير الخزان.

وحمّلت الدعم السريع  الحكومة السودانية في بورتسودان المسؤولية الكاملة إزاء تداعيات الفيضان على المناطق والقرى الواقعة جنوب الخزان.  

وأكدت أن تفاقم الأزمة الحالية يعود بشكل مباشر إلى استهداف الطاقم الفني العامل في الخزان من قبل الجيش وإجبارهم على مغادرة الموقع ما تسبب في مقتل نحو (9) من المهندسين والفنيين العاملين جراء عمليات القصف الممنهج، وفقًا لبيانها.

كما اتهمت من أسمتهم الفلول بكسر عدد من (الترع) في الجزيرة والنيل الأبيض، والتي انسابت جميعها إلى النيل الأبيض مما ضاعف من مناسيب النهر.

وذكرت الدعم السريع أن جهودها مستمرة لفتح بوابات الخزان، كما أعلنت استعدادها للتعاون مع أي جهات فنية متطوعة مستقلة للمساعدة في المعالجة.

مناطق آمنة وحظر طيران في السودان.. ما آليات تنفيذها وجدواها؟

ملاذ حسن وعمر الفاروق

ملاذ حسن وعمر الفاروق

خلال الأسابيع الماضية تصاعد الجدل في السودان بشأن الدعوات لإنشاء مناطق آمنة ونشر قوة دولية لحماية المدنيين وفرض حظر طيران فوق سماء البلاد، وبينما كان للسودان تجارب سابقة وحالية في نشر قوات ضمن بعثات أممية مثل (يونسيفا) في منطقة أبيي المتنازع عليها مع جنوب السودان، ليس لديه سابق تجربة، بشأن إنشاء مناطق آمنة، رغم الصراعات المسلحة المستمرة فيه منذ الاستقلال.

وجاءت الدعوات لإنشاء مناطق آمنة لحماية المدنيين في السودان، وفرض حظر طيران من قادة تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية «تقدم» بشكل مطرد، على اعتبار أنها الحل المتاح في ظل استمرار القتال وتباعد فرص التفاوض بين الأطراف المتقاتلة.

أيضًا تبنت منظمات دولية مثل منظمة العفو الدولية، تمديد حظر الأسلحة في السودان من دارفور ليشمل جميع أنحاء البلاد، وهي الدعوة التي كانت قد سبقتها إليها بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق والتي دعت أيضًا إلى نشر قوة مستقلة لحماية المدنيين.

الجيش السوداني الذي يقود مجلس السيادة -الهيئة الحاكمة في البلاد- لم يرد بشكل مباشر على الدعوات، لكن قائده عبدالفتاح البرهان، أكد في يوم 19 نوفمبر الحالي على رفض الحلول الخارجية وقال من يريد حلًا «الحل في الداخل».

«الدعم السريع» من جهتها، لم توضح موقفها من إنشاء مناطق آمنة في السودان، لكن بشكل مستمر تشكو من الطيران الحربي التابع للجيش وكثيرًا ما دعت إلى فرض حظر عليه.

«بيم ريبورتس» تحدثت إلى خبراء سودانيين لاستجلاء آرائهم حول هذه الدعوات ومدى واقعيتها وآليات تنفيذها ونجاحها في هذه الحالة. أيضًا، كانت التجارب السابقة في السودان لنشر قوات أممية في والتجارب العامة حول العالم في هذا الخصوص، محور نقاشاتنا معهم.

تمثلت الأسئلة التي طرحانها عليهم حول: ماذا يعني مصطلح المناطق الآمنة لحماية المدنيين؟ خاصة وأنه يترافق مع دعوة لحظر الطيران، وهل يمكن أن يسهم في حماية المدنيين؟ وهل توجد تجارب ناجحة في هذا الصدد؟. أيضًا لماذا جاءت هذه الدعوة في هذا التوقيت، وهل لا يوجد أمل في حل سلمي تفاوضي بين الأطراف؟ وما إمكانية تحقق هذا الأمر وعلى ماذا يمكن أن يستند؟ هل بموجب الفصل السابع مثلاً؟،  بالإضافة إلى تاريخ التدخل الدولي في السودان وكيف تم وإلى ماذا أدى؟ وكيف إذا لم توافق الحكومة السودانية على هذا الأمر؟.

فيصل محمد صالح

فيصل محمد صالح: مصطلح المناطق الآمنة موجود في السياسة الدولية للنزاعات

وزير الإعلام والثقافة السابق، والمحلل السياسي، فيصل محمد صالح يقول لـ«بيم ريبورتس» إن مصطلح المناطق الآمنة موجود في السياسة الدولية للنزاعات، ويقصد به عندما يكون المدنيون تعرضوا للمخاطر في الحروب بها أطراف متحاربة، حيث يتم التوافق على مناطق بعيدة عن النزاع.

وأضاف توجد مناطق في العالم تم فيها إصدار قرار حظر طيران مثلما حدث في العراق وفي مناطق أخرى، وهو يجنب القصف الجوي لتصبح المنطقة نسبيًا آمنة للمدنيين. 

وفي حالات أخرى هناك مناطق يتم اعتبارها مناطق منزوعة السلاح حتى لو كان سلاح أرضي وليس طيران، وبالتالي تصبح منطقة أمن وسلام للمدنيين، يقول صالح.

ويمضي قائلًا إن هناك تجارب عالمية مختلفة، في المصطلح، بعضها ناجح وبعضها فاشل. لكن الواضح في السودان أن الحلول التفاوضية توقفت بعد مباحثات جنيف والحكومة لم تذهب إلى جنيف، بل ذهبت الدعم السريع والوسطاء.


ويبدو لي، والحديث لصالح، أنه في الوقت الحالي ليس لدى الطرفين نية للذهاب إلى التفاوض، حيث لا توجد مؤشرات حالية على رغبة في عودة إلى مائدة التفاوض من الطرفين، وبالتالي أعتقد أن الدعوة لديها مبررات معقولة من الناحية الإنسانية والأخلاقية والسياسية، لأن المدنيين حاليًا، هم ضحايا الحروب سواء كانوا في مناطق في دارفور بسبب القصف الجوي، أو أولئك الذين يتعرضون لمآس في شرق الجزيرة، بواسطة قوات الدعم السريع.

بكري الجاك

بكري الجاك: المطالبة بمناطق آمنة هو البديل لحالة استمرار الحرب

تنسيقية «تقدم» تتوافق مع صالح في معقولية الدعوة، حيث قال المتحدث باسمها بكري الجاك لـ«بيم ريبورتس»، إن المطالبة بمنطاق آمنة هو البديل لحالة استمرار الحرب، دون التفاهم على آلية ووسيلة لضمان حماية المدنيين. مضيفًا أن مؤسسات «تقدم» ما زالت تدرس الطريق الأمثل والقابل للتطبيق فى مسألة حماية المدنيين.

غير أن الكاتب والمحلل السياسي، عبدالرحمن الغالي، يختلف مع رؤية تقدم وزميله صالح، حيث قال لـ«بيم ريبورتس» إن هذه الدعوة تأتي في ظروف منها، تغيُّر ميزان القوى وتحسن موقف الجيش وحاجة الدعم السريع لالتقاط الأنفاس بالتجنيد وإعادة التسليح.

ويعود وزير الإعلام السابق فيصل محمد صالح ويقول إنه من الواضح أن الجيش ليس لديه قدرة على مقاومة الدعم السريع في ولاية الجزيرة، بالإضافة إلى عدم وضوح وجود حل سلمي قريب.

وتابع «المناطق الآمنة في اعتقادي الشخصي لا يمكن أن تحدث إلا بقرار من مجلس الأمن، وليس عبر المنظمات الإقليمية مثل الاتحاد الإفريقي أو الجامعة العربية أو غيرها من الهيئات الإقليمية والدولية».

ورأى الوزير السابق أنه إذا تم التوافق على التدخل الدولي، فإنه يحتاج إلى قرار من مجلس الأمن، متوقعًا أن يكون تحت الفصل السابع، حيث يبيح للأمم المتحدة والدول المشاركة، بموجب قرار مجلس الأمن، استخدام القوة لفرض الأمر على الأطراف في الحرب، لأنهم لا تبدو عليهم الرغبة في حظر العمل المسلح بمناطق بعينها.

ويعتقد صالح، أن المسألة، إذا كان المقصود بها حظر الطيران فقط، تصبح كأنما مقصود بها الجانب الحكومي.

وقال هناك انتهاكات من جانب قوات الدعم السريع لا تتم بالطيران، وبالتالي إذا صدر القرار، لا بد أن يكون متوازنًا بحيث لا ينص فقط على حظر الطيران، بل على وقف العمليات المسلحة في المنطقة، وهو ما ينطبق على الطيران الحربي التابع للجيش والعمليات البرية للدعم السريع.

وشدد قائلًا إذا لم يكن يشمل الطرفين يصبح كأنما جاء لنصرة طرف على طرف آخر، وهذه مسألة خطرة جدًا، تقدح في شرعيته ومشروعيته، وقبول الأشخاص له.

عمليًا، يقول صالح إنه لا يدري ما إذا كان مجلس الأمن متحمسًا لذلك أم لا، وما إذا  كان هناك توافق داخل مجلس الأمن بين القوى المختلفة (روسيا والصين من جانب) وأمريكا وبريطانيا وغيرهما من جانب آخر أم لا؟. إذا لا يوجد توافق بين الأطراف، سيصعب هذا الأمر.. لا بد من نقاش داخل المجلس والتوازن، يضيف صالح.

بخصوص الربط التاريخي للتدخلات الدولية في السودان، يقول صالح إن هناك تجارب مماثلة، الأولى كانت اتفاقية جبال النوبة ما قبل نيفاشا.

ويمضي شارحًا التجربة بقوله «كان هنالك وقف قتال داخل جبال النوبة وقوات مراقبة دولية ولجان مراقبة مشتركة بين الحكومة والحركة الشعبية في كادقلي  ونجحت في تهدئة الأوضاع في جبال النوبة وجاءت بعدها اتفاقية نيفاشا حيث نشرت بموجبها بعثة (يونيماس) والتي كانت إلى حد ما محدودة جدًا»، مبررًا ذلك بأن الأمور  كانت مستقرة بين الحركة الشعبية والحكومة ولم يحدث قتال.

ثم يمضي صالح إلى تجربة دارفور، قائلًا «بدأت التجربة بنشر قوات الاتحاد الإفريقي ومن ثم بعثة (يوناميد) وهي كانت قوات مختلطة بعضها أفريقية وأخرى دولية».

وتجربة بعثة يوناميد التي أنهي تفويضها في ديسمبر 2020، عليها ملاحظات كبيرة ولم تكن ناجحة بمعنى كبير لأنها لم توقف القتال تمامًا، في مناطق حسبما يقول صالح. مضيفًا «من عيوبها أنه تم صرف أموال ضخمة عليها لم تكن بقدر القوات وما قامت به.. لا أعتقد أن هناك مانحين في العالم سيدفعون مثل تلك المبالغ حاليًا، لذلك إذا أضحت هناك تجربة مماثلة ستواجه مشاكل التمويل».

ورأى صالح أنه من المؤكد جدًا أن الحكومة السودانية لن تكون متوافقة مع مثل هذا  الحل، وقال «لا أعتقد أنها ستوافق عليه، لكن طبعًا إذا صدر القرار من مجلس الأمن الدولي، فلن يكون مكترثًا بانتظار موافقة أيًا من الأطراف، لأنه يمكن أن يفرض بالقوة».

واستدرك صالح قائلًا «لكن أفتكر إذا دار حوار مع الحكومة السودانية وتم إقناعها بأنها لن تتضرر منه وحدها بل سيسري على الدعم السريع لوقف العمليات البرية، من الممكن أن يلين موقفها ربما بشكل ما وتقبل هذا الأمر».

الكاتب والمحلل السياسي عبدالرحمن الغالي

الكاتب والمحلل السياسي عبدالرحمن الغالي: تجارب حظر الطيران لم تخل من البعد السياسي المباشر

رؤية أخرى حول المسألة يطرحها الكاتب والمحلل السياسي عبد الرحمن الغالي. يقول الغالي إن مصطلح المناطق الآمنة يُستخدم لمناطق مؤقتة تهدف لتأمين وحماية المدنيين وتجنيبهم آثار العدائيات.

وأضاف «هو مصطلح، وإن لم يظهر في أدبيات القانون الدولي الإنساني أو المعاهدات الشبيهة، لكنه ظهر في القانون الدولي الإنساني حديث عن أشكال من المناطق المحمية، مثل المستشفيات والمناطق المحايدة والمناطق منزوعة السلاح، مؤكدًا أن إنشاء مثل هذه المناطق يتطلب اتفاق أطراف النزاع المسلح على ذلك، أو صدور قرار من مجلس الأمن».

وقال إن مناطق حظر الطيران هي مناطق يمنع فيها الطيران العسكري دون إذن الجهة الممنوعة من الطيران في مناطق غالبًا ما تكون خاضعة لسيطرتها وتنفذه قوة عسكرية أخرى (قوات دولية أو خارجية أخرى مفوضة) لأسباب إنسانية أو عسكرية.

وأشار الغالي إلى أن تجارب حظر الطيران عديدة وتمت في سياقات متعددة، لكنها كلها، لم تخل من البعد السياسي المباشر وليس الإنساني، ومع ذلك مُنيت العديد منها بالفشل الذريع، مثل حالة البوسنة والعراق وليبيا.

كذلك فشلت  تجارب كثير من المناطق الآمنة، حيث تم ذبح المسلمين في البوسنة رغم وجود قوات الأمم المتحدة وتم خرق حظر الطيران بواسطة صربيا أكثر من 500 مرة دون رد، يوضح الغالي وهو قيادي سابق بحزب الأمة القومي ومهتم ومنقب في التاريخ السياسي. 

ويتابع «كذلك لم تنجح بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان في حماية المدنيين الذين لجأوا إليها ولا في حماية نفسها.. كذلك الحال بالنسبة ليوناميد في السودان وفشلها في حماية المدنيين في دارفور».

أما بالنسبة لنجاح مثل هذه الدعوة فيتطلب توافر عددًا من الشروط وأولها، بحسب التجارب، أن تتم بموافقة أطراف النزاع ولا تأتي بقرار دون الاتفاق، وأن تتوافر لها الموارد المادية والبشرية والأسباب اللوجستية وأن تحظى بتعاون دول الإقليم المحيط بالنزاع، يقول الغالي.

ويضيف «هناك محاذير كثيرة تصعب نجاح المناطق الآمنة، منها إمكانية وصول المدنيين إليها في ظل عدم الاتفاق، وكذلك مخاطر قربها من مواقع المتقاتلين ومن البنيات التحتية».

كما أن هناك مخاطر استخدام الأطراف لها كمخازن سلاح مما يعرض المدنيين لأخطار أكبر أو استخدامها كتاكتيك سياسي لإخلاء أراض واحتلالها وتهجير المواطنين، هذا إضافة لعدم رغبة أو قدرة قوات الحماية في التصدي للهجمات وحماية المدنيين.

 ورأى الغالي أن هذه الدعوة تأتي في ظروف منها، تغير ميزان القوى وتحسن موقف الجيش وحاجة الدعم السريع لالتقاط الانفاس بالتجنيد وإعادة التسليح، وفي ظل تراجع شعبية وسمعة «تقدم» والسخط الشعبي عليها وتعويلها على بقاء الدعم السريع في مستقبلها لذلك الحرص على بقائها في المعادلة.

ولفت إلى تزايد الضغوط الاعلامية والسياسية على الإمارات، وقال «لا تخفى العلاقة الوثيقة للدعم السريع وتقدم بهذا المحور» وذلك بعد تزايد انتهاكات الدعم السريع واستهدافه للمواطنين وتهجيرهم وتجويعهم وإفقارهم والرفض الشعبي الواسع للتعايش مع الدعم السريع. 

وكذلك رغبة الجيش في استعادة أكبر قدر من المناطق التي فقدها وتحسين موقفه على الأقل. وكما هو معلوم، فإن اللجوء لحل فرض المناطق الآمنة يجئ بعد فقدان الأمل في حماية المدنيين بالاتفاق ووقف الحرب، يوضح الغالي.

وتابع «بناء على ما سبق، فإن فرص الحل الساسي حاليًا ليست كبيرة ولكنها في النهاية ستحدد بالموقف العسكري وتحرك الأطراف الإقليمية والدولية للوصول لحل أو فرض حل».

وأشار إلى أن السيناريوهات مفتوحة ولكن إذا تم اقتراح تسوية تخاطب المصلحة الوطنية في نظر الشعب وتعيد له الأمان وتخاطب مخاوف ومطلوبات أطراف النزاع يمكن ابتدار عملية سياسية تبدأ بالبعد الإنساني ثم وقف العدائيات ثم وقف إطلاق النار ثم عملية سياسية شاملة تزيل أسباب النزاع عامة في السودان، وفي هذا الصدد يمكن اقتراح تفاصيل تلك الخطوات وإصلاح العملية السياسية العقيمة الجارية حاليًا.

ويعتقد الغالي أن هناك ثلاثة طرق لتحقيقه، إما بتوافق طرفي القتال، وهذا غير وارد، لأن المعني به فقط تحييد سلاح الجيش وخدمة الدعم السريع. وإما عبر مجلس الأمن تحت الفصل السابع وهذا صعب جداً في ظل الفيتو وإشكاليات أخرى تتعلق بتكوين القوة والقبول بالمشاركة في وضع كهذا والتمويل، والخيار الثالث أن يتم خارج إطار القانون الدولي مثلما حدث في العراق وهذا أيضًا مستبعد جدا.

وبشأن تاريخ التدخل الدولي في السودان وكيف تم وإلى ماذا أدى، قال الغالي «في تقرير قدمته لجنة تقييم بعثة يوناميد ذكرت أن البعثة لازمها كثير من الإخفاقات، فهي فشلت في حماية المدنيين في كثير من الحالات بل وفشلت في حماية نفسها من الهجمات وفشلت الدور السياسي في الوصول لحل».

ومن خارج التقرير يقول الغالي «كلنا نعلم أنها فشلت حتى في حماية نفسها من الهجمات رغم أنها ظلت تحتمي في معسكراتها ولا تخرج لحماية المدنيين، بل وكانت تعتمد في تحركها على استصدار إذن من الحكومة، بينما من المفترض أنها جاءت لتحمي المواطنين من هجمات الحكومة».

لكن المهم أن أهم توصية في التقرير كانت «أن ضغط الرأي العام الدولي قد يكون عاملًا مساعدًا قويًا لفعل شيء لحماية المدنيين، ولكن هذا لا يجب أن يقود وحده لنشر عملية سلام إذا كانت الشروط السياسية لنجاحها غائبة».

وأوضح الغالي أنه في الغالب لن يتم نشر قوات ولا إقامة مناطق حظر طيران، لاسيما في ظل تضارب الأجندة الإقليمية والدولية.

فالبعض يريد إضعاف السودان واستمرار الحرب يخدم هذا الهدف، والبعض لا يتدخل إلا إذا كان في التدخل مصلحة استراتيجة كبيرة وعاجلة، وهذا حتى الآن غير منظور، وإن كان وارداً في مستقبل قريب، إذا تدخلت عوامل الصراع الاستراتيجي العالمي والاقليمي. 

وكذلك صعوبة حدوث إجماع في مجلس الأمن يجعل التدخل خارج الشرعية ذا كلفة عالية ولا يحدث إلا لمصلحة أو خطر كبير تحسه الولايات المتحدة وكل هذا مستبعد الآن اضافة لتكلفة التدخل وعدم حماس الدول لإرسال جنود دون اتفاق ودون موافقة الحكومة.

عنف «الدعم السريع» والأمراض الوبائية يسرقان حيوات سكان الهلالية

ملاذ حسن

ملاذ حسن

7 نوفمبر 2024 – بينما كانت منطقة الهلالية شرقي ولاية الجزيرة وسط السودان تعيش تحت وطأة عنف قوات الدعم السريع من قتل وحصار ونهب وتدمير منذ اقتحامها لها في 29 أكتوبر الماضي، تضاعفت مأساتها بتفشي حالات التسمم والأمراض الوبائية بما في ذلك الكوليرا. حينها لم يكن بالإمكان إنقاذ مئات المرضى، بسبب تدمير ونهب المستشفى والمراكز الصحية، ما أدى إلى وفاة العشرات، حسبما أكد مصدر صحفي من أهالي المنطقة لـ«بيم ريبورتس»، واللجنة التمهيدية لنقابة أطباء السودان في بيان أصدرته أمس الأربعاء.  

وتجئ انتهاكات قوات الدعم السريع في شرقي الجزيرة عامةً وفي منطقة الهلالية بشكل خاص، في ظل انقطاع خدمات الاتصالات والانترنت، وسحب أجهزة الإنترنت الفضائي «الإستارلينك».

وقال الصحفي محمد احمد الفاضل إن مستشفى أم ضوًابان جنوب العاصمة السودانية الخرطوم استقبل حوالي 150 حالة إصابة بالكوليرا للنازحين من المنطقة هربًا من انتهكات الدعم السريع هناك.

ووصف الفاضل ما يحدث في الهلالية، بأنه موت للمواطنين بالجملة نتيجة لحالات يصفها البعض بالتسمم الغذائي، لافتًا إلى أن بعض الروايات تشير إلى أن التسمم بسبب مبيد حشري زراعي تم تناوله مع الوجبات.

 ومع ذلك، أكد أن الاحتمال الأرجح هو أن حالات الوفيات جاءت نتيجة وباء الكوليرا، مشيرًا إلى أن ذلك يؤكده وصول 150 حالة إلى مستشفى أم ضواًبان تم تشخيصها، على انها حالات إصابة بوباء الكوليرا.

وأوضح أن ما يُصعب التشخيص في الهلالية عمليات النهب الواسعة التي طالت المستشفى والمراكز الصحية الخاصة والصيدليات ومركز غسيل الكلى، كاشفًا عن أنه يتم نشر ما يزيد عن 12 حالة وفاة يوميًا في مجموعات أهالي الهلالية والإعلان عنهم، بعد التأكد من ذويهم.

وأشار كذلك إلى أن أرقام الوفيات المنشورة والمتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي بشأن الضحايا في أوساط سكان الهلالية أقل بكثير من الإحصائيات الحقيقية على الأرض، وذكر أنه تأكد من دفن قرابة 25 شخصًا في يوم واحد قبل أسبوع جراء التسمم.

واعتبر أن ما يحدث من قوات الدعم السريع في الهلالية هو عملية انتقام، مشيرًا إلى أنه تم نهب وتكسير كل المعدات الخدمية والطاقة الشمسية المعتمدة عليها الآبار في توليد المياه، بالإضافة إلى جميع المخازن ومعظم المنازل.

وذكر أن المواطنين اضطروا لشرب مياه الآبار الموجودة منذ عشرات السنين، لعدم استطاعهم الوصول إلى مورد مياه النيل الأزرق، مضيفًا «يبدو أن الآبار هي سبب الوفيات العديدة التي بلغت حوالي أكثر من 70 حالة حسب المرصود، بما في ذلك الذين قتلو بالرصاص».

وأوضح أن الأطباء والكوادر الصحية من أبناء المنطقة الذين لا زالوا موجودين داخل الهلالية، قاموا بعمل جولات على الأهالي، في محاولة لتقديم خدمات طبية، لكنهم لم يكن لديهم أي معينات، ولا حتى أملاح تروية. وتابع «الجميع ماتوا بالكوليرا وحتى النازحين الناجين اتجهوا نحو المجهول».

لجنة أطباء السودان: وفاة أكثر من 73 شخصًا

في السياق، قالت اللجنة التمهيدية لنقابة أطباء السودان،  إن «منطقة شرق الجزيرة تعاني من كارثة إنسانية متفاقمة ومن حملة الجنجويد الانتقامية»، مشيرة إلى أن الإسهالات المائية تحصد أرواح مواطني الهلالية والمناطق المجاورة.

 

وأكدت في بيان أن مناطق شرق الجزيرة تواجه كارثة إنسانية متفاقمة، نتيجة لهجمات عنيفة ومستمرة تشنها مليشيا الدعم السريع، وأن المنطقة تشهد حملة انتقامية ممنهجة تستهدف المدنيين، مما أدى إلى مقتل وترحيل الآلاف وتهجيرهم قسريًا. 

 

وأضاف البيان أن الوضع الصحي في المنطقة تفاقم بشكل مقلق حيث تفشت الإسهالات المائية في مدينة الهلالية والمناطق المجاورة، ويحتجز من تبقى من سكانها في المساجد مما أدى إلى وفاة أكثر من 73 شخصًا حتى الآن.

 

 ويعاني مستشفى الصباغ الريفي، الذي يعد المحطة الرئيسية لتقديم الرعاية الطبية للنازحين، من تدفق هائل للمرضى يفوق طاقته الاستيعابية، بالإضافة إلى نقص حاد في الكوادر الطبية والأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية.

مجازر وحشية

في السياق، قال حزب المؤتمر السوداني-ولاية الجزيرة، في بيان الخميس، إنه يتابع الوضع المأساوي الذي تعيشه مدينة الهلالية، شرق ولاية الجزيرة، حيث تتعرض منذ أيام لحصار خانق وهجمات مستمرة من قبل قوات الدعم السريع، «في مشاهد تقشعر لها الأبدان وتزيد من عمق مأساة الحرب على بلادنا».  

 

وأكد البيان سقوط العشرات من الضحايا الأبرياء في مدينة الهلالية نتيجة إطلاق الأعيرة النارية، وتدهور الحالة الصحية ونقص الغذاء والدواء، إضافة إلى انتشار موجة من التسمم الغذائي والكوليرا، ما أدى إلى وفاة عدد من المواطنين والمواطنات، بينهم أطفال ونساء وكبار في السن. 

 

وبحسب البيان «فقد بلغ عدد الضحايا الذين روت دماؤهم أرض الهلالية أكثر من سبعين، في وقت تعاني فيه المدينة من ظروف صعبة وحرجة تنذر بالمزيد من الكوارث».  

 

وأدان البيان بشدة المجازر الوحشية التي ترتكبها قوات الدعم السريع، معتبرًا أن الحصار المفروض على المدينة يعد انتهاكًا صارخًا للحقوق الإنسانية وجرمًا ضد كل الأعراف والقوانين الدولية. 

 

وحمل البيان قوات الدعم السريع المسؤولية الكاملة عن هذه الكارثة الإنسانية، مشددًا على ضرورة وقف هذه الممارسات القمعية والإجرامية التي تطال المدنيين العزل.  

 

كما دعا المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان إلى التدخل العاجل لتوفير الحماية اللازمة للمدنيين، ومطالبة الأطراف المتورطة بإنهاء حصار المدينة فورًا، والسماح بإدخال المساعدات الإنسانية والأدوية لإنقاذ الأرواح والحد من انتشار الأمراض.

ورأى البيان أن صمت المجتمع الدولي أمام هذه الجرائم يعُدّ تواطؤًا لا مبرر له. 

حملة انتهاكات ممنهجة شرقي الجزيرة

وبدايةً من 20 أكتوبر الماضي شنت الدعم السريع حملة انتهاكات ممنهجة ضد المواطنين بشرق وشمال الجزيرة، في أعقاب انشقاق قائدها السابق بولاية الجزيرة، أبو عاقلة كيكل، وانضمامه للجيش.

 

ونشرت الدعم السريع قواتها في كل وحدات شرق الجزيرة: (تمبول، ريفي رفاعة، رفاعة، الهلالية وود راوة)، بالإضافة إلى قرى السريحة وأزرق في الكاملين شمالي الجزيرة.

 

وبتاريخ 29 أكتوبر الماضي قالت لجان مقاومة مدني إن مواطني مدينة الهلالية شرق الجزيرة  يتعرضون إلى اقتحام شرس و استباحة من قبل مليشيا الجنجويد  ما أدى  إلى مقتل أكثر من 4 أشخاص وإصابة العشرات وتم نهب منازل المواطنين واعتقالهم.

 

فيما قال شهود عيان وقتها لـ«بيم ريبورتس» وقتها إنه تم نهب منطقة الهلالية بشكل كامل بدايةً من حي الشاطئ وحتى حي الشكرية، بعد محاصرتها من أربعة اتجاهات.

عفو عام في خضم دماء وصرخات الضحايا.. ما مدى مشروعيته؟

ملاذ حسن

ملاذ حسن

في خضم دماء وصرخات الضحايا في ولاية الجزيرة وسط السودان، أعلن الجيش العفو العام عن قائد قوات الدعم السريع المنشق، أبوعاقلة كيكل الذي كان المسؤول العسكري الأول لنحو 10 أشهر قُتل فيها من قُتل، ونهب فيها من نهب واغتصبت من اغتصبت، إذ استقبل في 20 أكتوبر الماضي بإحدى مناطق الجيش بسهل البطانة، كبطل، وكأنما طويت صفحة الجرائم الخطيرة المرتكبة والتي تقع تحت نطاق مسؤوليته. 

بدأت القصة، قصة العفو العام عن كيكل في 20 أكتوبر الماضي حين أعلن الجيش السوداني، في بيان رسمي، عن «انحياز» قائد قوات الدعم السريع السابق بولاية الجزيرة، أبوعاقلة كيكل إليه، قبل أن يشير إلى العفو المقدم من القائد العام عبدالفتاح البرهان «لكل متمرد ينحاز لجانب الوطن ويبلغ لأقرب قيادة عسكرية بكل مناطق السودان». 

وكيكل الذي عينه قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي»، قائدًا لقواته في ولاية الجزيرة في أعقاب استيلائه على الفرقة الأولى مشاة التابعة للجيش بمدينة ود مدني في 18 ديسمبر 2023، تلاحقه اتهامات بالمسؤولية عن ارتكاب قواته انتهاكات واسعة النطاق ضد حقوق الإنسان، شملت القتل والاغتصاب والنهب والاعتقال وغيرها من الجرائم الكبيرة.

وقال الجيش في البيان إنه يرحب «بهذه الخطوة الشجاعة من قبل كيكل وقواته»، مؤكدًا أن «أبوابه ستظل مشرعة لكل من ينحاز إلى صف الوطن وقواته المسلحة». كما جدد البيان عفو القائد العام للجيش «لأي متمرد ينحاز لجانب الوطن ويبلغ لأقرب قيادة عسكرية بكل مناطق السودان».

البرهان يستقبل مستشارين انسلخوا من قوات الدعم السريع بمكتبه في مدينة بورتسودان

تبع انشقاق كيكل، إعلان خمسة مستشارين في قوات الدعم السريع، في 26 أكتوبر الماضي خلال مؤتمر صحفي في مدينة بورتسودان انسلاخهم منها.

وقال مسؤول ملف شرق السودان في الدعم السريع عبد القادر إبراهيم محمد، خلال المؤتمر الصحفي «إننا نختار هذا الموقف الوطني بالانسلاخ من مليشيا الدعم السريع المجلس الاستشاري».

وبعد أربعة أيام، في 30 أكتوبر الماضي، عقد المنسلخون من المكتب الاستشاري لقوات الدعم السريع لقاء مع البرهان. ونقل إعلام مجلس السيادة عن عبد القادر «مناشدته إلى كل الذين يقفون في صف التمرد للانحياز لخيار الوطن»، مضيفًا أن «الباب لا زال مفتوحًا أمامهم للتبرؤ من أفعال هذه المليشيا الإرهابية».

في السياق نفسه، أعلن ضابط في الجيش السوداني، أمس الإثنين، معرفًا نفسه بالعقيد ركن عثمان جعفر بيلو بابكر، انشقاقه من الجيش وانضمامه إلى قوات الدعم السريع، قائلًا إنها تخدم قضيته.

وردًا على انشقاقه صرح الناطق الرسمي باسم الجيش نبيل عبد الله، قائلًا إن بابكر هرب من الخدمة منذ اندلاع الحرب إلى مصر، مشيرًا إلى أنه برتبة مقدم ويتبع لسلاح المظلات، ومنتحل لرتبة العقيد التي ظهر بها في مقطع مصور نشرته قوات الدعم السريع على منصتها بتليغرام.

وأثار انشقاق كيكل وقواته من الدعم السريع وانضمامه إلى الجيش الكثير من التساؤلات والجدل القانوني، بشأن محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات والجرائم ضد المدنيين ومصير العدالة مستقبلًا، وحتى أثناء الحرب.

وكذلك أثار انسلاخ مستشارين في قوات الدعم السريع واستقبالهم في بورتسودان على أعلى مستوى التساؤلات بشأن ما إن كان يُنظر إلى المسائل القانونية عبر ازدواجية في المعايير، إذ يواجه 16 من قادة تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية «تقدم» اتهامات من النيابة العامة تصل عقوبتها إلى الإعدام.

انتقال لاعبين من معسكر إلى آخر

المحامي المعز حضرة عد كلمة انشقاق لفظة غير دقيقة، وقال إنه لا يعتبره انشقاقًا بل انتقال لاعبين من معسكر إلى آخر، على حد تعبيره. وأشار إلى أنهم جميعهم يمثلون النظام السابق وتم تكوينهم أثناء النظام السابق واختلفوا حول السلطة والثروة. وأضاف: «انقلاب 25 أكتوبر في الأصل قام به البرهان والدعم السريع، والآن هؤلاء اختلفوا في 15 أبريل. وبالتالي انتقال شخص من هذا المعسكر إلى هذا المعسكر لا يعني شيئًا كثيرًا.. هذا لا يهم الشعب السوداني أو يهم المدنيين كثيرًا».

وقال حضرة إن كيكل صنيعة الاستخبارات العسكرية، مضيفًا «وفي الأصل الدعم السريع، كما كان يدعي قادة الجيش من رحم القوات المسلح.. أما المستشارين الذين أعلنوا استسلامهم أغلبهم مؤتمر وطني».

البرهان وغريمه حميدتي - أرشيفية

العفو العام ينزع عن الفعل صفته الجنائية

في المقابل، قال المحامي نبيل أديب إن الحق العام يسقط بموجب العفو العام ومعه تسقط العقوبة الجنائية عن الجرائم التي ارتكبت ضد الدولة، مضيفًا أن هذا «هو الحكم الشرعي بالنسبة لجريمة الحرابة بحسب النص القرآني في سورة المائدة»: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ۖ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ).

ومع ذلك، أكد أديب أن الحق الخاص لا يسقط إلا إذا قبل ذلك المتضرر، أو تمت معالجة تشريعية عامة على غرار العدالة الانتقالية.

ونوه أديب بأن الحق الخاص يشمل «الجرائم التي يجوز للمضرور التنازل عنها. كجرائم القصاص على سبيل المثال، كما يشمل الحق المدني والحقوق التي تنشأ للمضرورين جراء تلك الأفعال في مواجهة مرتكبيها والمسؤولين عن أفعالهم مدنيًا وجنائيًا يلزم معالجتها بنصوص تشريعية تعوض المضرورين». وتابع أديب «لكن بدون تلك المعالجة التشريعية، يكون من حق المضرور مقاضاة الأشخاص، سواء كانوا طبيعيين أو اعتباريين المسؤولين عنها».

وأردف أديب أنه «ينبغى أن نذكر أن هناك رأي يرى أن العفو العام ينزع عن الفعل صفته الجنائية، لأن الحق في العقاب الجنائي هو حق مطلق للدولة لا يشاركها فيه الأفراد. وبالتالي فإن العفو يسقط ويمنع المحاكمة الجنائية ولا يبق للمضرور سوى الحق المدني». 

ازدواجية معايير

فيما يتعلق بالتكييف القانوني وما إن كانت مثل هذه الجرائم تسقط بالعفو العام يقول المحامي المعز حضرة، إن الذين ارتكبوا تلك الجرائم وهي ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية كما صنفتها كثير جدًا من المنظمات الحقوقية المعنية وأهمها لجنة تحقيق تقصي الحقائق التي كونها مجلس حقوق الإنسان، لا تسقط بالتقادم، ولا يملك النائب العام ولا قائد الجيش أن يعفوا عنهم هذه الجرائم، وبالتالي هذا هو ازدواج في المعايير.

وبشأن ما إن كان السياق القانوني يختلف وينفصل عن الاتهامات الموجهة لقادة «تقدم من النيابة، يقول حضرة: «بينما نجد النائب العام يقوم بالاجتهاد بفتح بلاغات ضد سياسيين تشمل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وهم لم يقوموا بأي أفعال ولكن الذين قاموا بهذه الأفعال الآن يستقبلوا في بورتسودان أمثال ما يسمى بمستشاري الدعم السريع».

قادة تقدم

ووصف حضرة هذه الأمور بأنها ألاعيب لا قيمة لها، وقال «الجرائم التي ارتكبها كيكل أو غيره إذا  كانت هناك نيابة حقيقية مستقلة ستقوم بفتح بلاغ ضدهم لأنهم مستشارين للدعم السريع وكانوا منتمين للدعم السريع».

وتابع متسائلًا «لماذا لم يقم النائب العام بفتح بلاغات ضدهم كما فعل بفتح البلاغات الكيدية»، مضيفًا «هذه ازدواجية في المعايير للأسف.. النائب العام لا يملك أن يسقط هذه الجرائم، ولا يملك حق العفو. لكن هذه نوع من العبثية التي تدار أجهزة العدل وما تبقى من الدولة».

ورأى حضرة أن هناك انحسارًا كاملًا لأجهزة الدولة العدلية والقانونية والسياسية. وتابع «وبالتالي هذا كله عبث يؤكد أن المدنيين هم الذين يدفعون هذا الثمن الكبير من هذه العبثية وغدًا نفس المعيار إذا انضم أي شخص من الدعم السريع إلى بورتسودان  يمكن أن يعفو عنه ويهلل له».

وما بين الآراء المتباينة بشأن العدالة الجنائية لضحايا حرب 15 أبريل والعفو العام  للأطراف في ظل وجود بعض الجرائم الموثقة على وسائل التواصل الاجتماعي وتوافر سبل التحقق من هذه التجاوزات من بعثات أممية ومنظمات مراقبة، صدرت قرارات بالعفو وضعت الشعب السوداني أمام سؤال مبكر، قبل انتهاء الحرب حتى، عن إمكانية حصول الضحايا والمتضررين من الحرب والمطالبين بمحاسبة المسؤولين عن جرائمها على حقهم في المطالبة بذلك. 

الجوع يفتك بمواطني جنوب كردفان المحاصرين بين ثلاث جبهات عسكرية 

«مع اشتداد الجوع واعتماد معظم سكان المدينة على أوراق الشجر كغذاء رئيسي، تناول ثلاثة من الأطفال أوراق نبتة تعرف بـ “بن بلاش” والتي لم يعرفوا أنها سامة، ليصابوا بالإسهال والاستفراغ المستمر، ويفارقوا الحياة بعدها» – هكذا تحدثت سماح (اسم مستعار) لـ«بيم ريبورتس» وهي تصف وضع مواطني مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان.

فتحت حرب 15 أبريل 2023 الباب واسعًا أمام الصراع المركب في ولاية جنوب كردفان بتعدد الأطراف المتحاربة، فالجيش السوداني والجيش الشعبي يخوضان حربهما الخاصة داخل الحرب الأوسع، فيما يخوضان معًا بشكل غير معلن في بعض الحالات الحرب ضد قوات الدعم السريع، فيما تحارب الدعم السريع الجميع في ولاية جنوب كردفان على رأسهم السكان.

وضع هذا الصراع المركب سكان ولاية جنوب كردفان بين ثلاث جبهات عسكرية تتشارك السيطرة على المنطقة، أثر هذا الأمر بشكل مباشر على إمدادات الغذاء والأدوية على مدينة الدلنج وهي ثاني أكبر مدن ولاية جنوب كردفان، والتي تقع على مسافة 498 كيلو مترًا جنوب غربي العاصمة السودانية الخرطوم والتي كانت تعيش أوضاعًا مستقرة، علاوة على كونها ملجأً لما يزيد على خمسة آلاف من المواطنين الذين نزحوا إثر هجوم الدعم السريع على منطقة هبيلا الزراعية (الواقعة شرق الدلنج).

لكن كل ذلك تغيَر في مطلع يناير 2024، عندما حشدت الدعم السريع قواتها في محاولةٍ لدخول المدينة، ليتصدى للهجوم كلِ من الجيش السوداني والجيش الشعبي التابع للحركة الشعبية قيادة عبد العزيز الحلو، وبينما أشار الطرف الأول إلى وجود تنسيق مشترك بين الطرفين لصد الهجوم، نفت الشعبية وجود هذا التنسيق.

صورة أرشيفية من جبل "الدش" بمدينة الدلنج

الدلنج.. مدينة محاصرة ومعزولة

تأثرت مدينة الدلنج بالمعارك التي دارت بين الجيش السوداني والجيش الشعبية التابع للحركة الشعبية بمدينة كادوقلي (حاضرة ولاية جنوب كردفان) منذ أغسطس 2023، والتي أدت إلى نزوح آلاف المواطنين داخل الولاية وخارجها. علاوة على إغلاق الرابط بين الدلنج وكادوقلي، وهو وضع تعقد بعد هجوم الدعم السريع على مدينة هبيلا ومن ثم الدلنج مطلع يناير 2024، وبذلك أصبحت المدينة معزولة، الأمر الذي فرض خناقاً اقتصادياً قاسياً على المدينة، أصبحت مع معاناة المواطنين أمراً يومياً مستمراً، خاصة فيما يتعلق بالحصول على الغذاء والأدوية والخدمات الصحية.

وقالت بعض المصادر التي تحدثت لـ«بيم ريبورتس» من مدينة الدلنج، إن هناك انعدام شبه كامل للسلع الغذائية، وحتى التجار توقف عملهم بسبب عدم توافر البضائع وإغلاق الطرق من وإلى المدينة، ومعظم الأسر لا تمتلك ما تأكله فأصبحت تعتمد على أوراق الأشجار بشكل رئيسي، الأمر الذي زاد معدلات سوء التغذية وسط الأطفال بالإضافة إلى زيادة نسبة وفيات الأطفال وكبار السن”.

وتشرح سماح في ذات السياق، بأن «إغلاق الطريق وعدم توفر السيولة النقدية تسبب في ارتفاع جنوني لأسعار السلع الغذائية الرئيسية، والتي لا تستطيع معظم الأسر توفيرها أو شرائها في المقام الأول».

وأدناه جدول يوضح أسعار السلع بتاريخ 25 سبتمبر:

السلعة

السعر بالجنيه السوداني

ملوة الذرة

20 ألف 

ملوة البصل

20 ألف 

رطل الزيت

40 ألف 

كيلو الدقيق

9 آلاف 

وفي السياق نفسه، فإن معاناة سكان الدلنج لا تقتصر على عدم توافر السلع الاستهلاكية فحسب، فالجانب الصحي كذلك بالغ الصعوبة، إذ هناك ندرة في الأدوية، خاصة أدوية الأمراض المزمنة (القلب، والكلى، والسكري) علاوة على عدم توفر الأدوية والأمصال الوقائية  لتطعيم الأطفال.

 وتضيف سماح «أدى هذا الوضع إلى تسول أهل المدينة لمأكلهم، وبالرغم من عمل بعض الجهات والمبادرات والمنظمات التطوعية، مثل صدقات وصناع الخير  والنفير وللخير نسعى وأمل بلا حدود، إلا أن الوضع ما يزال كارثيًا، حيث أن حاجة الناس كبيرة للغاية».

وإن كان الوضع قاسيًا على سكان مدينة الدلنج، فإن حدته تتضاعف على النازحين إليها من منطقة هبيلا الواقعة شرقها، إذ نزح الآلاف من يعتمدون على الزراعة وتربية الماشية خالي الوفاض من كل ما بإمكانه مساعدتهم في رحلة نزوحهم، علاوة على إقامتهم في دور الإيواء، والتي تعاني هي الأخرى أشد أنواع المعاناة، وتنعدم فيها أدنى مقومات الحياة.

صورة أرشيفية من مخيم للنازحين بمدينة كادوقلي

كادوقلي.. وجه آخر للمعاناة

لا تختلف حدة الوضع كثيرًا في مدينة كادوقلي، والتي نزح إليها الآلاف حيث يواجهون شتى ضروب المعاناة؛ من ندرة في توفر الطعام ومياه الشرب، إلى جانب تدهور واسع في الأوضاع الصحية.

وهذه المعاناة يعيشها كل سكان المدينة، وتزيد وطأتها على النازحين، والمدينة مثلها مثل الدلنج تأثرت بإغلاق الطرق وعدم وصول البضائع والمساعدات الإنسانية، ما تسبب في تكرار نفس مشاهد الجوع المفزعة وسوء التغذية وموت الأطفال نتيجة تناول أوراق شجر سامة، علاوة على وفاة 19 طفلًا خلال شهر مايو الماضي فقط، نتيجة سوء التغذية والإسهالات المائية، الأمر الذي يزيد من مخاوف السكان، خاصة مع بداية الخريف وانتشار الحميات والأوبئة، بالإضافة إلى الكوليرا التي تفتك بالبلاد.

مناطق سيطرة الشعبية.. إعلان رسمي للمجاعة

في منتصف أغسطس الماضي، أعلنت الحركة الشعبية-شمال عن المجاعة بمناطق سيطرتها في إقليمي جبال النوبة والفونج الجديدة، والتي يبلغ عدد سكانهما، بحسب بيانات الحركة، (3,000,000) نسمة بعد نزوح الفارين من الحرب إليهما من الولايات الأخرى.

وأرجعت الحركة الشعبية أسباب المجاعة في تأثر الإقليمين بالحرب الدائرة، والتي أدت إلى تقلَّص المساحات المزروعة في السودان بسبب الحرب إلى (60%) مما جعل أكثر من (80%) من القوى العاملة في الزراعة يغادرون مناطق الإنتاج وأصبحوا لاجئين ونازحين، ما تسبب في فشل الموسم الزراعي السابق وعدم توفر التقاوي والوقود وقطع الغيار نتيجة لإغلاق الطرق.

صورة من مناطق سيطرة الحركة الشعبية

جوعٌ لا يذهبه تبادل الاتهامات

سبق إعلان المجاعة اختراق مهم لكنه أجهض في مهده، إذ شهدت مسألة المساعدات الإنسانية تطورًا في الرابع من مايو الماضي، عندما وقع كلٍ من نائب القائد العام للجيش السوداني، شمس الدين كباشي، ورئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان، عبد العزيز الحلو، اتفاقاً مبدئياً نصّ على تسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة في جبال النوبة، والتي تسيطر عليها القوات التابعة للطرفين، وهو ما قوبل باستحسان كبير داخل السودان، خاصة وأن الاتفاق مثل خطوة أولى نحو تحسين الأوضاع المعيشية للملايين من السودانيين المتأثرين بالصراع المستمر منذ أبريل 2023.

لكن لم تمر إلا أيام، لتتعثر جولات المفاوضات بعد أيام قليلة من بدء جولات المفاوضات نتيجة الخلافات العميقة بين الطرفين حول طبيعة الاتفاق. فقد اتهم الجيش الحركة الشعبية بإصرارها على إدخال قوات الدعم السريع كطرف في المباحثات، مما اعتبره الجيش محاولة لتبرير الانتهاكات التي ارتكبتها تلك القوات ضد المدنيين. من جانبها، ردت الحركة الشعبية باتهام الجيش بمحاولة استغلال المفاوضات ليس لإيصال المساعدات الإنسانية، بل لتأمين إمدادات عسكرية لقواته المحاصرة في مناطق كردفان، متهمة الجيش بالابتعاد عن الهدف الإنساني للمفاوضات.

 وفي خطوة مفاجئة أمس السبت، 19 أكتوبر 2024، أصدرت اللجنة الوطنية للطوارئ الإنسانية «حكومية» قرارًا أعلنت فيه التزامها بتقديم كافة التسهيلات لانسياب المساعدات الإنسانية وتقديم كل ما من شأنه أن يسهل وصولها إلى المحتاجين في كافة أنحاء البلاد.

كما كشفت اللجنة الوطنية للطوارئ عن فتح مطارات: كسلا ودنقلا والأبيض وكادقلي أمام المنظمات الدولية، بالإضافة إلى 7 معابر برية تمت الموافقة عليها مسبقًا. كما كشفت عن تواصل فعال هذّه الأيام- لم تسم الجهة- لبدء لنقل المساعدات الإنسانية إلى ولاية جنوب كردفان من مطار جوبا إلى مطار كادقلي.

وفي الوقت الذي أشارت فيه في البيان إلى أنها ستكون بهذه الخطوة قد أوفت بكل متطلبات دخول وإنسياب المساعدات الإنسانية عبر الجو والبحر، قال المتحدث باسم وفد الحركة الشعبية شمال، جاتيقو اموجا دلمان، في تصريح لـبيم ريبورتس إن “بيان مجلس السيادة السوداني الغرض منه التنصل من التزامات سابقة تمت ما بين حكومة بورتسودان ووكالات الأمم المتحدة المعنية بالإغاثة ومثلها مع الحركة الشعبية”.

 وأضاف كان يفترض أن يتم استخدام معبر جوبا الدولي لنقل مساعدات إنسانية لأربع مدن في ولاية جنوب كردفان عن طريق الإسقاط الجوي، وهي كادقلي وكاودا والدلنج وجلد وليس مدينة واحدة فقط.

وضع استمرار الحرب بأشكالها العسكرية والسياسية في مدن ولاية جنوب كردفان حياة الملايين من السكان على شفا كارثة إنسانية محققة في ظل انعدام الأمن والغذاء، ومعاناة الناس من الجوع والعوز، مما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض الفتاكة وسوء التغذية، خاصةً الأطفال وكبار السن. ومع تفاقم  الأوضاع المأساوية وإغلاق الطرق وحصار المدن، فإن المدينة المحاصرة من قبل ثلاث قوات عسكرية، تعيش قصة مأساة يومية، تُكتب بحروف من ألم وفقدان.

سرادق جديدة للموت شمالي الجزيرة في موجة انتهاكات عنيفة من «الدعم السريع»

26 أكتوبر 2024 – نقلت قوات الدعم السريع حملاتها الانتقامية إلى شمال ولاية الجزيرة وسط السودان، حيث قتلت أمس، أكثر من 124 شخصًا وجرحت مئات آخرين بقرية «السريحة»، في موجة وحشية جديدة من الانتهاكات ضد المدنيين. 

تأتي حملات الدعم السريع التي وصفتها منظمات حقوقية بالانتقامية في ولاية الجزيرة في أعقاب انشقاق قائدها السابق، أبو عاقلة كيكل وانضمامه إلى الجيش، في المنطقة التي ظلت هادئة على مدى أشهر عديدة، إذ هوجم السكان على أساس يبدو أنه انتقامي من مجموعات الدعم السريع الموالية لحميدتي.

في وقت حثت فيه منظمة «هيومن رايتس ووتش» الدول الأعضاء في الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي على البدء في التخطيط لنشر بعثة لحماية المدنيين في السودان. وأضافت في بيان أمس أنه لا يمكن انتظار محادثات وقف إطلاق النار لتؤتي ثمارها أو الظروف المثالية لنشر البعثة. «يحتاج المدنيون إلى الحماية الآن» – أردف البيان.

وأوضحت المنظمة أن التصعيد الأخير في القتال الدائر في العاصمة السودانية الخرطوم وولاية الجزيرة يعرض المدنيين مجددًا لـ«لخطر الهائل المتمثل في الغارات المتعمدة والموت أو الإصابة جراء الأسلحة المتفجرة التي يستخدمها الطرفان»، لافتةً إلى أن المدنيين ما زالوا يتعرضون للتعذيب والإعدام دون محاكمة، فيما تعاني النساء والفتيات من انتشار العنف الجنسي.

كذلك دعت المنظمة مجلس الأمن إلى أن يوسّع فورًا حظر الأسلحة الأممي المفروض حاليًا على دارفور ليشمل البلد بكامله، وأن يفرض عقوبات على المسؤولين عن الفظائع، ويؤكد أنهم سيُحاسبون.

في السياق، قالت مجموعة «محامو الطوارئ» الحقوقية إن قوات الدعم السريع تواصل استهداف المدنيين العزل في هجمات انتقامية عشوائية تمارس فيها أقسى أشكال العنف، غير مبالية بالمعايير الإنسانية أو الأخلاقية.

 وأضافت في بيان السبت، أنها استهدفت قرى: كريعات، زرقة، العقدة، العبوداب، الطندب، ود موسى، والشقلاوه، مما أسفر عن مئات القتلى والمصابين، بالإضافة إلى تشريد مئات العائلات ونزوح نحو 10,000 شخص بحثًا عن ملاذ آمن.

وأكد البيان أن هذه الانتهاكات مخالفة لنص المادة الثالثة المشتركة في اتفاقيات جنيف لعام 1949 التي تُلزم الأطراف في النزاعات المسلحة غير الدولية باحترام كرامة الأشخاص الذين لا يشاركون في الأعمال العدائية، بما في ذلك المدنيين، وتحظر جميع أشكال العنف ضدهم، بما في ذلك القتل والمعاملة القاسية.

وتابع البيان: «كما شهدت قرية السريحة مجزرة مروعة أسفرت عن مقتل 124 مدنيًا وإصابة مئات آخرين، إضافة إلى حملات اعتقال وانتهاكات واسعة بحق المواطنين الأبرياء». وأردف البيان: «في محاولة للتغطية على هذه الجرائم، قامت قوات الدعم السريع بتعطيل شبكات الاتصال والإنترنت، بما في ذلك خدمة (ستارلينك)، لمنع توثيق الانتهاكات».

ولفت البيان إلى أنه في المقابل، يقوم الجيش بتحشيد وتسليح بعض المجتمعات المحلية بدعوى مقاومة قوات الدعم السريع، ما يعرّض المدنيين لخطر الاستهداف المباشر ويزيد من حدة الانقسامات المحلية ويضاعف العنف.

وأشار البيان إلى أن توظيف المدنيين في النزاع المسلح يمثل انتهاكًا لمبادئ القانون الدولي الإنساني، وتحديدًا المادة 13 من البروتوكول الإضافي الثاني لاتفاقيات جنيف لعام 1977، التي تحظر الهجمات التي تجعل من السكان المدنيين هدفًا مباشرًا للأعمال العدائية.

وطالب محامو الطوارئ المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية بتحمل مسؤولياتها والعمل على حماية المدنيين في السودان، ووضع حدّ لكل أشكال الدعم العسكري للأطراف التي تتورط في انتهاكات حقوق الإنسان.

وأظهرت مقاطع مصورة نشرها عناصر من الدعم السريع وهم يمارسون أشكالًا وحشية من الانتهاكات والتعذيب بحق السكان المدنيين في قرية «السريحة»، بما في ذلك الضرب والإذلال بتقليد أصوات الحيوانات.

وفي أحد المقاطع كانوا يقتادون عشرات المدنيين في صف طويل ويطالبونهم بترديد أصوات الحيوانات. فيما أمسك قائد ميداني بالدعم السريع لحية رجل مسن وجرها في مقطع إذلالي آخر.

وسبق الحملة على «السريحة» توعد عناصر الدعم السريع بمهاجمتها في مقطع مصور بثته منصاتهم، معلنين أنهم سيهاجمون أي منطقة كانت تحت حماية قائدهم السابق بولاية الجزيرة أبو عاقلة كيكل. وقال أحدهم “كيكل ذهب.. نحن قادمون إليكم” مستخدمًا عبارة دارجة تعني القتل. 

أيضًا أظهر مقطع آخر إجلاس العشرات قسريًا، معظمهم رجال مسنون، ومن ثم اقتيادهم، فيما يقول متحدث من عناصر الدعم السريع إن هؤلاء يتبعون لـ«كيكل» في قريتي «السريحة وأزرق» بشمال الجزيرة.

وفي مقطع فيديو آخر ظهر عشرات الرجال المدنيين وهم محتجزين، بينما يخاطبهم أحد قادة الدعم السريع باعتبارهم جزءًا من قوات كيكل. 

وأمس الجمعة، أظهرت مقاطع مصورة أهالي «السريحة» وهم يوارون جثامين العشرات من ذويهم، فيما بثوا نداءات لإنقاذ الجرحى في ظل انعدام أي رعاية طبية بالمنطقة. 

فيما قال مؤتمر الجزيرة (كيان مدني) إن قوات الدعم السريع اقتادت أكثر من 150 من مواطني القرية إلى معتقلات بمنطقة «كاب الجداد» القريبة.  

في المقابل، أدانت وزارة الصحة الاتحادية، في بيان، الاستهداف المستمر من قبل قوات الدعم السريع للمواطنين والمؤسسات الصحية، مؤكدة أنه يعد خرقًا للأعراف والقوانين الدولية. 

وقالت بيان الوزارة: «في جريمة بشعة تمتهن قوات الدعم السريع قتل المدنيين والكوادر الطبية العاملة في ولاية الجزيرة بأبشع الصور وتقتل المدنيين والكوادر الطبية»، مضيفًا «في مستشفى رفاعة تم قتل كادر طبي واختطاف ثلاثة ممرضات أثناء اجتياحها للمنطقة مستخدمة الأسلحة الثقيلة».

وأشارت وزارة الصحة إلى صعوبة تقديم الخدمات الصحية في ظل هذا السلوك والإبادة الجماعية للمواطنين في المناطق الواقعة تحت سيطرة الدعم السريع، حتى من قبل المنظمات الدولية والأممية.

وطالبت الوزارة المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان بإدانة واستنكار جرائم الدعم السريع ومحاسبة مرتكبيها، إعمالًا لمبدأ عدم الإفلات من العقاب.

    

وفي السياق، قال قائد الجيش السوداني، عبدالفتاح البرهان، في منشور على حسابه بمنصة «إكس» أمس، إنه «كلما تمادت مليشيا آل دقلو الإرهابية في سفك دماء المواطنين الأبرياء،

ازدادت عزيمة الشعب السوداني على مقاومتهم». وأضاف: «إن انتهاك القانون الدولي الإنساني والجرائم الإنسانية لن تمر دون عقاب، وتجعل من غير الممكن التسامح مع هذه المليشيا الإرهابية».

في المقابل، قالت قوات الدعم السريع في بيان أمس إن البرهان يتحمل المسؤولية الكاملة فيما تشهده ولاية الجزيرة من اشتباكات مع المقاومة الشعبية وكتائب العمل الخاص، مشيرةً إلى تصريحاته بشأن تسليح كل من هو قادر على حمل السلاح في منطقة البطانة. 

وأنكرت قوات الدعم السريع في بيان قتلها المواطنين، متحدثة عن أنها تواجه مسلحين مشددة على أنها ستضرب بيد من حديد كل من يحمل السلاح. كما حاولت قوات الدعم السريع في بيانها ربط ما يجري في الجزيرة بقائدها المنشق، أبو عاقلة كيكل.  

وسط هذه الأجواء القاتمة التي خلفها انضمام كيكل وقواته إلى الجيش السوداني الأحد الماضي، وضعت قوات الدعم السريع الموالية لحميدتي، كل ثقلها العسكري في الجزيرة في مواجهة المدنيين، إذ لم يكف عناصرها عن ترديد اسم «كيكل» في كل انتهاك يرتكبوه، ناظرة إلى كل مواطن على أنه جزء من «كيكلها» المنشق.