Category: اجتماعي

أزمنة النزوح الجديدة.. «20» عامًا من الصراع تضاعف مأساة إقليم دارفور

 

مع اشتداد حدة  المعارك، ترك ياسر إسحق عبد الرحيم، بائع المياه المتجول في أحياء مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور غربي البلاد، عربته التي يجرها حصان «كارو»، محاولًا مسابقة الرصاص الذي كان ينهمر كالمطر، جراء هجوم قوات «الدعم السريع» على قيادة الفرقة 16 مشاة بنيالا أواخر أكتوبر الماضي، وهي إحدى اكبر الحاميات التابعة للجيش السوداني في دارفور والبلاد.

 

قطع ياسر – 23 عامًا – عشرات الأميال مشيًا على الأقدام إلى أن التقطه أحد المسافرين في طريق نيالا- الفاشر وأوصله إلى عاصمة ولاية شمال دارفور بعد رحلة استمرت يومين. وهو كما يقول لـ«بيم ريبورتس» لا يعرف أحدًا في الفاشر أو نيالا، إذ أنه قدم إلى نيالا من منطقة نيرتتي بجبل مرة بحثًا عن الرزق.

 

وفي المدرسة الجنوبية لإيواء نازحي نيالا في الفاشر التي وصل إليها عبد الرحيم في حالة يُرثى لها وصدمة جعلته غير قادرعلى الكلام، واصفًا ما عايشه خلال الأشهر الماضية في نيالا. ومع ذلك، تعرفت عليه إحدى الأسر التي كان يجلب إليها المياه، وهو حاليًا تحت رعايتها، لكنه بحالة صحية ونفسية سيئة.

تمدد الحرب

بعد اندلاع الصراع المسلح بين الجيش السوداني والدعم السريع في الخرطوم ومروي قبل أكثر من ستة أشهر، سرعان ما انتقلت الاشتباكات إلى مدن أخرى في ولايات كردفان ودارفور، مما أودى بحياة المئات ونزوح الآلاف داخل وخارج السودان.

 

ونيالا التي تعد ثاني أكبر مدن السودان بعد العاصمة الخرطوم، ظلت تشهد اشتباكات متقطعة منذ أبريل، اشتدت في مايو، ومن ثم في أغسطس تصاعدت وتيرة المعارك بين الجيش والدعم السريع فيها الأمر الذي أجبر الآلاف للنزوح إلى مدينة الضعين بولاية شرق دارفور، وإلى الفاشر عاصمة شمال دارفور منذ أغسطس وحتى اليوم.

 

في الثامن عشر من أغسطس الماضي وجراء التدهور الأمني بالمدينة الذي انعكس بدوره على الوضع الإنساني، وجهت مبادرة غرفة طوارئ نيالا نداء إنساني عاجل إلى جميع المنظمات الإنسانية والأممية والمحلية قائلة: «إن مدينة نيالا تعيش أوضاعًا إنسانية كارثية تجاوزت فيها كل حدود التوقع»، كما أعلنت خروج كل مستشفيات الولاية عن الخدمة مع انقطاع خدمات الاتصال.

 

لاحقًا، بعد شهرين في السادس والعشرين من الشهر الماضي، أعلنت الدعم السريع سيطرتها على قيادة الفرقة 16 مشاة بنيالا بعد يومين من هجمات شنتها الأخيرة للسيطرة على المقر، مما زاد موجة النزوح على المناطق المجاورة والأقل توترًا بعد سقوط نيالا في يدها.

الحرب تضاعف أسعار الترحيلات

 

 

اضطرت أسماء عبد العزيز – 26 عامًا – وهي حبلى بجنينها الأول للبقاء برفقة زوجها وأسرته لمدة 5 أشهر بنيالا وسط الاشتباكات بسبب عدم قدرتهم على الانتقال من جنوب دارفور إلى ولاية أخرى، خاصة مع ارتفاع أسعار الترحيل.

 

وبعد سقوط دانة في منزل جارتهم ووفاتها على إثرها، انتقلت أسماء من حي الجير جنوب إلى الجير الشمالي، واستقرت هناك حتى تمكنت العائلة من توفير ثمن التذاكر لـ15 فردًا بينهم أسماء زوجة ابنهم.

تقول أسماء لـ«بيم ريبورتس»، إنها عانت من وعورة الطريق للفاشر والذي علاوة على خطورته، استغرق 5 أيام خصمت من صحتها وصحة جنينها، وتضيف: «سعر التذكرة للفرد الواحد بلغ 30 ألف ارتفعت بعد أحداث أكتوبر إلى 50 ألف، كما أن الدعم السريع فرضت ضريبة على كل سائقي البصات عند بوابات الفاشر الرئيسية ونقاط التفتيش وقدرها 40 ألف».

 

ورغم وصول أسماء إلى الفاشر واستقرارها في المدرسة الجنوبية لإيواء النازحين القادمين من نيالا، إلا أنها لا تزال تعيش على حافة الخطر ما بين خوفها من ألم مخاض مولودها الأول، وانتقال التوتر الأمني إلى الفاشر مؤخرًا.

9 مراكز لإيواء نازحي نيالا

تحتضن مدارس «أم شجيرة بنات وبنين، والتربة والثورة أساس للبنين والثورة الثانوية للبنات والمدرسة الجنوبية والرديف والإسراء ومدرسة الرفيدة»، نازحي نيالا في الفاشر، يقول المنسق العام بغرفة طوارئ نيالا، إدريس مناوي لـ«بيم ريبورتس».

 

 ويضيف: «هناك مدارس أخرى لم يتم حصرها، بالإضافة إلى مدارس أخرى يوجد بها نازحي نيالا مع نازحي مناطق أخرى»، مشيرًا إلى توزيع النازحين  الجدد في معسكر زمزم بسبب صعوبة فتح مدرسة جديدة في الفاشر.



بحسب تقرير لمفوضية العون الإنساني بولاية شمال دارفور اطلعت «بيم ريبورتس» على نسخة منه، فإن الولاية وزعت النازحين في 56 مدرسة، فيما بلغ العدد الكلي للنازحين حتى تاريخ 22 أكتوبر الماضي أكثر من 10 ألف. 

 

 وقال المدير التنفيذي لمفوضية العون الإنساني بولاية شمال دارفور، بشير محمد علي، لـ«بيم ريبورتس» إنه تم فتح مدارس جديدة مع أحداث الفاشر الأخيرة وارتفاع عدد النازحين إلى ما يزيد عن 13 ألف.

 

وفي نهاية أكتوبر الماضي، تجددت الاشتباكات في مدينة الفاشر مما فتح باب التساؤلات عن مصير هؤلاء النازحين، خاصة بعد سقوط غالبية مدن دارفور في يد الدعم السريع، وتوجيه والي ولاية شمال دارفور نمر عبد الرحمن في الأول من نوفمبر الجاري، نداء إلى مواطني الفاشر بمغادرتها نظرًا للتوترات الأمنية الأخيرة.

 

شرق درفور.. الملاذ الثاني

 

في أواخر أغسطس الماضي، قال مفوض العون الإنساني بشرق دارفور محمد أحمد محمد في تصريح صحفي، إن المفوضية أحصت عبر المنظمات العاملة في الولاية 83 ألف أسرة فرت اإلى مدينة الضعين قادمين من مدن نيالا وزالنجي والجنينة والفاشر، مشيرًا إلى أن 28 ألف أسرة تقيم في الضعين مع أقاربهم أو بإيجار منازل.

 

وكان مكتب الأمم المتحدة للشئون الإنسانية «أوتشا» قد كشف عن نزوح50 ألف شخص من نيالا جراء تجدد الاشتباكات بين الجيش والدعم السريع في 11 أغسطس الماضي، بعد مقتل 60 شخصًا على الأقل واصابة 250 آخرين. 

 

 وأشار إلى  تعذر تحرك الشاحنات المحملة بالمساعدات الإنسانية من مدينة الضعين إلى نيالا وتأجيل التوزيع المخطط له وقتها من قبل اليونيسيف بسبب الوضع الأمني.

 

ومع تدفق النازحين القادمين من نيالا، تضاعف سعر التذكرة إلى الضعين بعد اشتباكات شهر أغسطس إلى 60 ألف بعدما كانت 30 ألف.

تقول حواء خليل عبد الله وهي من سكان حي الوحدة بنيالا ونازحة بمدينة الضعين لـ«بيم ريبورتس» إنها غادرت المدينة في وقت كانت فيه هدنة لمدة ثلاثة أيام لرفع الجثث، وذلك بعد تأزم الوضع في نيالا، كما أنها كانت شاهدة على مآساة جارها الذي فقد 6 من أفراد عائلته بعد سقوط دانة على منزله أثناء ذهابه لجلب عربة  للخروج بهم من نيالا.

 

وتذكر حواء التي وصلت برفقة أطفالها إلى الضعين الواقعة شرقي نيالا، بعد رحلة استمرت 8 ساعات، أول يوم لها في المدينة التي تزورها لأول مرة ولا تعرف فيها أحدًا، إذ أنها اضطرت للمبيت معية أطفالها في السوق الكبير قرب محطة اللوكندة القديمة ونامت على الأرض تحت مظلة آوتهم من مطر غزير حتى وصلتهم مبادرة طوارئ الضعين صباح اليوم التالي، حيث قدمت العلاج  لأطفالها وتوفير سكن مؤقت لها.


أما أحمد محمد الذي نزح من حي خرطوم بليل بنيالا إلى الضعين بعد حضوره مجزرة  كبري طيبة ومشاركته في دفن القتلى ووفاة أغلب أقاربه وجيرانه، فلا يبدو حاله مختلف كثيرًا عن حال أغلب النازحين المقيمين بالمراكز، فعلى الرغم من انتقاله من مركز النزوح للسكن مع أقاربه، إلا أن الحرب في نيالا أفقدته عمله كتاجر مواشي ومنزله وكل ما يملك وهو المعيل الوحيد لبناته وزوجته.

5 مدارس لإيواء النازحين في الضعين

«لدينا 5 مدارس لإيواء النازحين، والعدد الكلي للنازحين بولاية شمال دارفور حتى آخر إحصائية نهاية أغسطس 83 ألف نازح»، يقول آدم عثمان نجيب المتطوع لـ «بيم ريبورتس»، مضيفًا: «الغرفة قامت بعلاج ما يزيد عن  أكثر من خمسة آلاف نازح بينها حالات تم تحويلها لمستشفيات ربك ومدني وكوستي، فيما هناك عمليات جراحية تمت لنازحين بمستشفى الضعين».

وأشار نجيب إلى أن الغرفة تعمل بجهد الخيرين من سكان الضعين ولديها صندوق خيري وأطلقت حملة أسمتها «كلنا أهل» يتم عبرها عمل سلات غذاء توزع على النازحين.

وبعد دخول الحرب شهرها السابع يعيش النازحون في ولايتي شرق وشمال دارفور الذين فروا إلى مدن يجهلون تفاصيلها بحثًا عن الآمن، حالة من الترقب الحذر مع التطورات الأمنية الأخيرة، إذ أن ويلات الحرب التي تركوها خلفهم لاحقتهم إلى مناطق النزوح.

ومع سيطرة الدعم السريع على نيالا والجنينة وزالنجي لم يبق في دارفور كلها سوى أمل محدود بالمنطقتين.

تقارير بيم

تقرير: «715» حالة اختفاء قسري منذ اندلاع الحرب في السودان

الخرطوم، 22 أكتوبر 2023 – قالت المجموعة السودانية للاختفاء القسري، إنها رصدت 715 حالة اختفاء قسري منذ اندلاع الحرب وحتى منتصف أكتوبر الجاري، في ولايات السودان التي تدور فيها عمليات عسكرية.

وتضمن تقرير «المجموعة السودانية للاختفاء القسري» والذي أطلقت عليه اسم: «مثلث برمودا، المدن التي تدور في رحاها الحرب»، تفاصيل تصنيف مدن وجنس المختفين والشهور التي تم فيها الاختفاء.

وصنّفت المجموعة المختفين حسب النوع إلى 666 من الذكور منذ بداية الحرب بينهم 16 قاصرًا ، و49 من الإناث بينهم قاصرتين.

وذكر التقرير، أن هنالك 309 مختفين قسريًا من مدينة الخرطوم، و156 من مدينة أم درمان و130 من مدينة بحري و3 أشخاص من مدينة الأبيض وإثنين من الفاشر و3 من نيالا وشخص واحد في كل من الجنينة وزالنجي.

وقالت إن 110 مختفين قسريًا لم يحدد مكان فقدهم بشكل دقيق رغم اختفائهم داخل نطاق ولايات الحرب.

ومن حيث الشهور، أوضح التقرير، أن شهر أبريل وحده شهد اختفاء 124 شخصًا ومايو 141 شخصًا، بينما يونيو 49 ويوليو 44 وأغسطس 35 وسبتمبر 22، فيما اختفى 4 خلال شهر أكتوبر الجاري.

وأضاف التقرير، أن 296 مختفيًا لم يحدد تاريخ اختفائهم بشكل دقيق رغم اختفائهم خلال الفترة الزمنية للتقرير.

وذكر التقرير، أنه رصد 9 حالات لأصحاب اضطرابات نفسية من المختفين، مشيرًا إلى أن التقرير عصارة تواصل مع مصادر موثوقة وعدد من ذوي الضحايا ومقابلات مع أشخاص تم اطلاق سراحهم بعد اختطافهم.

تقييد بلاغات بولاية الجزيرة

وتأسف التقرير على عدم وجود ممارسة فعالة في القانون السوداني للحد من جريمة الاختفاء القسري، رغم توقيع السودان على الاتفاقية الدولية لحماية الأشخاص من الاختفاء القسري في العام 2021، مشيرة إلى أن وكلاء النيابة يكتفون بتدوين بلاغات تحت المادة 47 إجراءات ثم إصدار نشرة جنائية.

كما أشارت إلى توقف عمل النيابات وأقسام الشرطة وحتى المحاكم في المدن التي شملها التقرير، بالإضافة إلى تحول مقارها إلى ثكنات عسكرية وأماكن احتجاز، وذكرت أن أول بلاغ تحت المادة 186 الفقرة (ن) التي تنص على الإختفاء القسري كان بتاريخ 27 يوليو الماضي.

وفي 31 أغسطس الماضي الذي صادف اليوم العالمي للاختفاء القسري، كشفت المجموعة في تصريحات لـ«بيم ريبورتس» عن تقييدها بلاغات بنيابة ولاية الجزيرة وفقًا لنص المادة 32 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991 في حالات المختفيين قسريًا من ولاية الخرطوم عبر تقديم طلب للنيابة العامة وتدوينهم 446 بلاغ بمدينة ود مدني، علاوة على بلاغات في ولايات أخرى.

قرارات مضطربة للوزارة.. الحرب تمزق مستقبل مئات الآلاف من طلبة الجامعات السودانية

الخرطوم، 8 أكتوبر 2023 - كان الطالب بكلية القانون جامعة الخرطوم المستوى الثالث، محمد بابكر، «22 عامًا»، مثل مئات الآلاف من طلبة الجامعات في السودان، يكافح لأجل إكمال دراسته، ومن ثم الولوج إلى عتبة المستقبل.    

غير أن أحلامه، إن لم تتبخر، فهي على الأقل تعلقت إلى أجل غير مسمى، صباح الخامس عشر من أبريل الماضي. ومع ذلك، يجسد بابكر معاناة مئات الآلاف من الطلبة الجامعيين في السودان، بعد توقف مسيرتهم الأكاديمية لحوالي ستة أشهر. 

تحدث بابكر الذي فرّ من الحرب بالخرطوم إلى شمالي البلاد، لـ«بيم ريبورتس» من تحت جذوع أشجار النخيل في بلدته بعد نهاية يوم مضن من حصاد التمور، قائلًا: «قطعت شوطًا كبيرًا في دراستي الجامعية.. المستقبل مجهول.. ولا ندري متى ستنتهي الحرب».

هذا التشاؤم المفرط الذي يحسه بابكر اليوم، لا يقارن بتفاؤله قبيل كابوس الحرب والذي تغيّر بعده كل شيء، لكنه مع ذلك صار يفكر هو زملائه عن حلول ربما لا تتحقق. يقول بابكر: «أصبحنا نفكر بشكل جاد في البحث عن منح دراسية ممولة، على الرغم من رغبتنا المتجذرة في تكملة تعليمنا في السودان».

 ومع ذلك، هذا الحل قد لا يكون مجديًا، يقول بابكر: «اندلاع الحرب بشكل مفاجيء صاحبه بالضرورة عشوائية في رحلة الفرار من الخرطوم، حيث لم يتمكن غالبية الطلبة من اصطحاب الأوراق والمستندات المهمة، الأمر الذي جعل من إكمال التعليم بالخارج أمرًا معقدًا».

فقدان الأمل، هو ألم مشترك يتقاسمه طلبة الجامعات السودانية، تقول الطالبة بكلية الطب كلية ود مدني للعلوم الطبية والتكنولوجيا، وفاء الهميم، لـ«بيم ريبورتس»، إنها فقدت الأمل في عيش حياة أكاديمية أو عملية مستقرة في السودان».

يتمثل فقدان الأمل في الأرقام الكبيرة لعدد الجامعات السودانية وطلابها الذين يقتربون من المليون، في ما يبلغ عدد مؤسسات التعليم العالي في السودان حوالي «155» مؤسسة تتنوع بين القطاع الحكومي والخاص، حيث يحوز القطاع الحكومي منها على «39» جامعة، والقطاع الخاص على «116» مؤسسة سواء جامعات أو كليات، بينما يبلغ العدد التقريبي لطلاب التعليم العالي في السودان «720» ألف طالباً وطالبة. 

مستقبل مجهول ورؤية ضبابية

في الرابع عشر من أغسطس من الماضي، أصدر وزير التعليم العالي والبحث العلمي المكلف، محمد حسن دهب، قرارًا بإيقاف الدراسة في كافة الجامعات ومؤسسات التعليم العالي الحكومية والخاصة إلى أجل غير مسمى، على أن ينظر فيه في منتصف أكتوبر، بحسب قرار مجلس الوزراء.

وجاءت حيثيات قرار التعليم، بناء على قرار مجلس الوزراء والذي برره لظروف الحرب التي اضطرت مجموعات كبيرة من المواطنين للنزوح من العاصمة إلى الولايات مما خلف واقعًا قضى باستخدام المقار التابعة لصندوق دعم الطلاب كمقار للإيواء. بالإضافة إلى اللجوء خارج السودان وظروف موسم الخريف مما ينتج عنه صعوبة التنقل بين الولايات، فضلاً عن عدم استقرار التيار الكهربائي وشبكات الاتصالات.

مبنى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي- المصدر: مواقع التواصل الأجتماعي

في الثامن والعشرين من أغسطس الماضي أعلنت وزارة التعليم العالي عن تعرض «104» من مؤسسات التعليم العالي الحكومية والخاصة للتخريب نتيجة للحرب الدائرة ، بما فيها المراكز البحثية والصندوق القومي لرعاية الطلاب إلى جانب رئاسة الوزارة التي تضررت باشتعال النيران في عدد من طوابقها.

ووفقاً لتقرير وزارة التعليم ، فإن جميع الجامعات الحكومية بالخرطوم تضررت من دمار الحرب، بالإضافة إلى «6» جامعات حكومية وكليات جامعية خاصة بالولايات ، فضلًا عن استهداف لممتلكات ومساكن أعضاء هيئة التدريس والعاملين في مناطق كثيرة من العاصمة وبعض الولايات.

محاولة إيجاد الحلول

حول التصور القاتم لمستقبل التعليم العالي في إطار نيران الحرب التي تحرق في البلاد، بدأت العديد من الجامعات الحكومية والخاصة، تفعيل بعض الحلول التي يمكن أن تكون مجدية منها، التعليم الالكتروني، أو حتى إكمال العملية التعليمية خارج السودان كحل تبنته بعض المؤسسات الخاصة، مثل جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا، والجامعة الوطنية .

في أجواء عدم اليقين هذه، يعود بابكر ويقول: «قدمت كليتنا مقترح التعليم الالكتروني الذي يتضمن أيضًا حفظ الحقوق الأكاديمية لغير القادرين على الانتظام من خلاله، معظم الجامعات لها المقدرة أن تفعّل هذا النمط من التعليم، وبالفعل بعض الجامعات بدأت في التطبيق». مضيفًا «كنا نتمنى من وزارة التعليم العالي تذليل المصاعب للطلاب، لكن برفضها للمقترح أتذكر مقولة رائجة، أن الوزارة تجد المشاكل للحلول».

العقبات في كل مكان

بالانتقال إلى مدينة ود مدني وسط السودان، لا تزال العقبات نفسها، حيث استأنفت فعليًا إدارة كلية ود مدني للعلوم والتكنولوجيا عمل المؤسسة عبر التعليم الالكتروني كحل للأزمة الراهنة، بعدما فنّدت إدارة الكلية كل البنود التي استند عليها قرار الوزارة في خطاب مكتوب، حيث أكدت أن أسباب توقيف الدراسة لا تنطبق عليها. 

وقالت إدارة الكلية «الوزارة تحدثت عن صعوبة المواصلات الأمر الذي قابلته الكلية بتعهدها توفير وسائل المواصلات للطلاب على نفقتها الخاصة. أما عن حاجة الوزارة لمرافق السكن الجامعي لاستخدامها في تسكين النازحين، أكدت إدارة الكلية أن جميع طلابها يسكنون في مرافق خاصة بهم وعلى نفقتهم». لكن في نهاية المطاف، كل إجابات كلية ود مدني قابلتها الوزارة بالرفض.

عقوبات صارمة من الوزارة

في العاشر من سبتمبر الماضي، أصدر وزير التعليم العالي المكلف، محمد دهب، قرارًا تحت مسمى «عقوبات عدم تنفيذ قرار إيقاف الدراسة» يحوي جزاءات صارمة تطبق على الجامعات التي خالفت قرار إيقاف الدراسة -الصادر في أغسطس- بمواصلتها للعملية التعليمية داخل أو خارج السودان. وشملت العقوبات المقررة، عدم اعتماد وتوثيق الدراسة أو أي نشاط أكاديمي بعد صدور القرار، وعدم إجازة أي برامج جديدة على مستوى الدبلوم والبكالوريوس أو الدراسات العليا لعام دراسي كامل، بالإضافة إلى تجميد القبول لمستوى الدبلوم والبكالوريوس والدراسات العليا للعام الدراسي «2023-2024».

وفي هذا السياق، تقول الطالبة بكلية ود مدني وفاء الهميم «إننا نتوقع توقف الدراسة عن طريق الانترنت في أي لحظة ؛ نظرًا للعقوبات التي فرضتها وزارة التعليم العالي مؤخرًا».

طلبة أجانب في قلب المعاناة

«وطأة الحرب القاسية دفعت بي وبأسرتي ضمن آلاف الأسر شمالًا نحو العاصمة المصرية القاهرة» تقول الطالبة بجامعة الخرطوم من الجمهورية العربية السورية آمال ياسر لـ«بيم ريبورتس»، مضيفة «أخاف أن تتوقف حياتي الجامعية لسنوات طويلة أو تنتهي.. أخاف أن أخسر دراستي وتخصصًا أمضيت فيه ثلاث سنوات من عمري». 

«شقيقتي ليست بمنأى عن مآسي التعليم العالي في ظل الحرب، فقد انفجرت الحرب وهي في الفصل الدراسي الأخير والذي كان من المقرر استئنافه إلكترونيًا، لكن بعد قرار الوزارة الأخير تبدد حلمهم بالتخرج، وها هي الآن تبدأ الدراسة في مجال مختلف عن الطب في إحدى جامعات القاهرة، لتخسر بذلك 6 سنوات من التعب والجهد المتواصل»، تقول ياسر.

توجيه وزاري باستئناف الدراسة في «الولايات الآمنة»

في السابع من أكتوبر الجاري، أصدر الوزير المكلف بتسيير مهام رئيس مجلس الوزراء توجيهًا بفتح المدارس والجامعات في الولايات التي «تتيح الظروف الأمنية فيها ذلك» ، على أن يتم في تاريخ لا يتجاوز نهاية شهر أكتوبر الجاري.

«أغرب القرارات في تاريخ السودان»، هكذا وصف الكاتب الصحفي معاوية الجاك القرار الوزاري، وتساءل: «هل يعلم مجلس الوزراء أن المدارس والداخليات الخاصة بالجامعات أصبحت دورًا لإيواء النازحين والفارين من جحيم الحرب بالخرطوم؟، أين يذهب هؤلاء بعد فتح الجامعات والمدارس». وأضاف الجاك:«هناك عشرات الآلاف من الطلاب خارج السودان مع أسرهم، ولا يمتلكون مقرًا بالولايات يأويهم حال تم فتح الجامعات.. مئات الأساتذة بالجامعات والمدارس خارج السودان.. باختصار لا يوجد مسوغ منطقي واحد لاتخاذ هذا القرار الغريب».

مصدر الصورة: الموقع الألكتروني ل سوداني نت

واقع معقد

في خضم الحرب المستمرة والقرارات الوزارية الصارمة التي تتجاوز الحلول المقدمة من المؤسسات التعليمية، يعيش طلاب التعليم العالي في السودان واقعًا معقّدًا. 

ومع ذلك، تبدو ملامح الحل فيه ممكنة، بحسب خبراء، بمسايرة واقع الحرب واتخاذ العديد من التدابير البديلة مثل التعليم الالكتروني، مع ضمان الحفاظ على الحقوق الأكاديمية لغير المستطيعين الالتحاق بهذا النمط، أو ربما على الجميع، انتظار الحرب حتى تضع أوزارها، وهو ما يمثل انتظارًا للمجهول.

تقارير بيم 

زراعة الأمل.. كيف يقاوم السودانيون الحرب؟

بدلاً من الشكوى وندب حظّها، رغم ويلات الحرب، اختارت عنايات محكر التي نزحت إلى ولاية النيل الأبيض وسط السودان، أن تقضي وقت إقامتها هناك – والتي قد تطول – في الزراعة المنزلية، مستغِلّة بذلك اتّساع مساحة المنازل هناك، والتي لا تُقارن بمنازل الخرطوم الضيّقة، الخرطوم التي ضاقت بساكنيها؛ فلفظتهم في اتّجاهات متفرّقة بعنف بالغ.

الباحثة عنايات وزملاء لها كانوا قد شاركوا في المؤتمر العالمي للتكنولوجيا الملائمة في نسخته العاشرة الذي أقيم في الخرطوم بورقة علميّة اختيرت كواحدة من أفضل الأوراق في المؤتمر في فئة التغيّر المناخي.

 

بعدما أجبرتها الحرب الدائرة في الخرطوم منذ منتصف أبريل الماضي للنزوح مع عائلتها إلى ولاية النيل الأبيض، قامت بتحويل خبرتها العلميّة إلى تجربة الزراعة المنزليّة وإنتاج الغاز الحيوي بكميّات محدودة. وتقول عنايات، إنّه بإمكانها تخيّل مشروع ناجح جدّاً قادر على توفير كميّات أكبر من الخضراوات ومن الغاز المنزلي؛ لأنّه بات لديها الآن الخبرة العمليّة.

مبادرة بيتنا أخضر

تقوم المبادرة منذ إطلاقها قبل ثلاثة أعوام على نشر المعرفة الزراعيّة وتشجيع الزراعة المنزليّة بتقديم أمثلة واقعيّة لتحويل المساحات المنزليّة غير الشاغرة لإنتاج الخضراوات وتحقيق الاكتفاء الذاتي لكثير من الأُسر.

 

كما تقوم المبادرة بتوزيع البذور والشتول المجانيّة وتقديم الدورات التدريبية.

شبح الجوع

تجاوزت الحرب بين الجيش السوداني وقوّات الدعم السريع شهرها الثالث مخلّفة مئات القتلى وآلاف المصابين بحسب آخر تحديثات نقابة أطباء السودان.

كما تسبّبت الحرب في نزوح أكثر من مليوني شخص داخليّاً وعبور أكثر من 560 ألف شخص إلى البلدان المجاورة، بحسب إفادة مكتب الأمم المتّحدة لتنسيق الشؤون الإنسانيّة.

ليس ذلك فحسب، فقد تعطّلت أوجه الخدمة المدنيّة كالمدارس والجامعات وجميع المؤسسات الحكوميّة في المناطق الأكثر تأثّراً، في ولاية الخرطوم وولايات دارفور. ولم يحصل المواطنون في القطاعات الحكوميّة على رواتبهم لثلاثة أشهر، وتُرك السودانيون ليُلاقوا مصيرهم وتدبّر شؤونهم دون مساعدة، إلّا تلك المساعدات التي يتردّد صداها فقط في قنوات الإعلام الخارجي، ودون أيّ دعم من الدولة التي رفعت يدها كليّاً عن تحمّل مسؤوليتها أمام مواطنيها في كلّ من دارفور والخرطوم بشكل خاص.

وتتوقّع منظّمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتّحدة “فاو” تصاعد انعدام الأمن الغذائي الحادّ بسبب الحرب الحاليّة في السودان.

لذلك اتّجه العديد من السودانيين إلى خيار الزراعة ليحقّقوا كفايتهم من الطعام، خاصّة بعد الارتفاع الكبير لأسعار السلع الغذائيّة وندرتها في السوق بعد الحرب. بل إنّ بعضهم قام بإنتاج الفحم منزليّاً كبديل لغاز الطهي غير المتوفّر أصلاً.

يقول الكاتب آصف بيات، بأن أفراد المجتمع يمكنهم إحداث تغيير، بصفتهم فاعلين غير سياسيين، على مستوى قاعدي، فقط من خلال تدبّر شؤون حياتهم اليوميّة و ابتكار الأساليب التي تمكّنهم من النجاة في الظروف الصعبة.

وهذا ما يفعله السودانيّون العاديّون اليوم؛ حيث يقاومون الحرب بهدوء وبدون حمل بنادق أو الانخراط في القتال، بل بالانخراط في الحياة.

خرق الهدنة الإنسانية يمنع السودانيين من التقاط أنفاسهم والحرب تدخل يومها الخامس

أنعش اتفاق هدنة إنسانية لمدة 24 ساعة، كان قد عقد بين الأطراف المتقاتلة في السودان، بوساطة أمريكية، الآمال بالتقاط الملايين أنفاسهم، لكن سرعان ما تم خرقه، فيما تصاعدت وتيرة العنف بشدة، في وقت دخلت الحرب يومها الخامس.

ومع تصاعد حدة المواجهات العسكرية، أطلقت وزارة الصحة السودانية، نداءُ عاجلاً لإخلاء مستشفى فضيل بوسط الخرطوم، بعدما تعرض لقصف بالأسلحة الثقيلة. وقالت الوزارة، إن المستشفى الذي يعج بالمرضى تعرض لقصف بالأسلحة الثقيلة مما أدى لثقب في الغاز المركزي وصهاريج المياه الرئيسية المخصصة لمرضى غسيل الكلى.

كما أفاد شهود عيان بوجود اشتبكات عنيفة في أنحاء متفرقة من مدن العاصمة.

ولفترة محدودة يوم الثلاثاء، تمكن بعض المواطنين من التنقل والسفر على عجالة. كذلك، بعد مرور 4 أيام تمكن نحو 89 شخصاً  كانوا في محتجز قسري بمباني جامعة الخرطوم معظمهم طلبة وبينهم موظفون وأساتذة من الخروج مساء الثلاثاء والوصول الى أماكن أقل خطرا في مدينة الخرطوم.

من جهتها، أعلنت لجنة أطباء السودان المركزية يوم الثلاثاء، ارتفاع عدد قتلى المواجهات المسلحة وسط المدنيين والعسكريين إلى 144 والإصابات إلى 1409، وهي إحصائية تشمل الذين تمكنوا من الوصول إلى المستشفيات فقط.

وتعيش عدد من مستشفيات العاصمة أوضاعا مأساوية بسبب انقطاع التيار الكهربائي والمعينات الطبية فيما تعرضت بعضها للقصف والاعتداءات، مثل مستشفى ابن سيناء في العمارات ومستشفى بشائر.

في وقت حذرت فيه وزارة الصحة، من أن المرافق الصحية في ولاية الخرطوم أصبحت على حافة الإغلاق، داعية إلى إيجاد حل مستدام لنقص إمدادات الطاقة وأكياس الدم.

كما طالبت اللجنه التمهيدية لنقابة أطباء السودان بتوفير مسارات آمنة لإجلاء أطباء قالت إنهم ما زالوا يعملون منذ اليوم الأول للمواجهات وتبديل الخدمة مع آخرين، وأوضحت أن المستشفيات مازالت تعاني نقصاً حاداً في المعدات الطبيه والمستلزمات الصحية.

وكانت إحدى شركات البترول، قد أعلنت توفير جازولين مجانا للطواريء لكل المستشفيات، أما هيئة مياة ولاية الخرطوم أصدرت بيانا بعدم قدرة موظفيها على إصلاح الأعطال في شبكات المياه.

تطورات ميدانية وسياسية

مع الساعات الأولى لصباح يوم الثلاثاء، عادت أصوات القصف الجوي في مناطق: “الرياض وأحياء شرق وجنوب الخرطوم، وحول القصر الرئاسي وشارع المطار وفي مدينة بحري شمال الخرطوم تعرض سوق بحري  لحريق ضخم تمدد حتى الكنيسة الإنجيلية”.

قبل أن تبدأ الولايات المتحدة برد فعل حاسم حيال ما يجري في البلاد، بعدما أجرى وزير الخارجية الأمريكي، انتوني بلينكين، محادثتين منفصلتين مع كلاً من قائدي الجيش والدعم السريع، حيث ناقش معهما وقف إطلاق النار لمدة 24 ساعة، بينما وافق قائد الجيش عبد الفتاح البرهان والجنرال شمس الدين الكباشي، على الهدنة الإنسانية، أشار الجيش في بيان إلى عدم علمه بأي تنسيق مع الوسطاء والمجتمع الدولي بشأن الهدنة.

ولاحقاً، تراجع  الجيش على لسان الكباشي معلناً التزامه بالهدنة ابتداء من الساعة السادسة مساء اليوم ولمدة 24 ساعة. غير أن هدنة سابقة طالب بها المبعوث الأممي في السودان فولكر بيرتس أمس الأول لم يلتزم بها الطرفان في الـ3 ساعات المحددة. كما فشل اتفاق الهدنة الجديد.

ترحيب لم يكتمل بالهدنة الإنسانية

بعد إعلان الأطراف عن اتفاق الهدنة، سرعان ما رحبت 16 جهة نقابية في تنسيقية التحالف النقابي بينها نقابة الصحفيين السودانيين ودعت الجيش للعدول عن موقفه وقبولها، لكن بحكم الأمر الواقع فقد خرقت الهدنة تماماً، بعد وقت وجيز من سريانها.

أيضاً، عبرت 42 كتلة مدنية من أحزاب وتنسيقيات لجان المقاومة عن مناهضتها للحرب ودعت للإيقاف الفوري لصوت البنادق وعدم قبول نتائجها مهما كانت.

وكشفت عن اعتزامها الاتفاق على آلية مشتركة لمتابعة التطورات وتنسيق المواقف ودعت بقية القوى المدنية لأخذ زمام المباردة والتوحد لإدانة الحرب، وحملت أطراف الحرب المسؤولية عن أي انتهاك لحقوق الإنسان.

في السياق، أعلنت قوى الحرية والتغيير ترحيبها بالبيان الصادر من القوى السياسية والمدنية والمهنية، وأشارت إلى  تواصلها مع الآلية الثلاثية والرباعية لدعم المبادرة.

وأضافت في بيان لها اليوم: “تواصلنا مع قيادة القوات المسلحة وقوات الدعم السريع حاثين إياهم على قبول مقترح هدنة الـ24 ساعة”، مشيرة إلى استمرار النقاش حول أحكام هذه الهدنة وآلياتها.

ودعت الحرية والتغيير إلى التصدي لفلول النظام البائد الذين ينشرون خطابات تأجيج الحرب وإشعالها رغبة في العودة إلى السلطة وشددت على ضرورة عزلها.

وضع السلاح والعودة للحوار

التقى عدد من الفاعلين السياسيين و موقعون على الاتفاق الإطاري ورؤساء حركات مسلحة عبر لقاء إسفيري نظمته الآلية الثلاثية تبادل فيه الحضور النقاشات حول الأحداث الجارية في السودان.

وأفضى اللقاء الى عدة نقاط أهمها دعوة طرفي الصراع الى وضع السلاح والعودة للحوار، كما وجه الموقعون دعوة لمكونات السودان السياسية والمدنية والاجتماعية لنبذ الخطابات التي تؤجج العنف، والعمل المشترك من أجل وقف الحرب فوراً.

كما ثمن الموقعون مبادرة الآلية الثلاثية والولايات المتحدة الأمريكية في التوصل لهدنة لأغراض إنسانية.

أطفال السودان… ظروف مميتة وحرمان من التعليم، كيف تتسع الهوة كلما دلفنا إلى الريف؟

تعطي حالة تسمم عشرات التلميذات والتلاميذ في أقصى إقليم النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد مثالاً واضحاً ومتكرراَ للفوارق التنموية، كلما خرجت من العاصمة السودانية الخرطوم، ويممت وجهك إلى أي إقليم آخر ناءٍ، أو حتى قريب، مثل الجزيرة أو نهر النيل. 

مثال تسمم أكثر من 50 تلميذة وتلميذ في قرية سمسور بمحافظة باو (إقليم النيل الأزرق) في الثالث عشر من مارس الماضي، نتيجة تناولهم عقار طبي وصف لهم خطأً، ونقلهم على إثره إلى مستشفى الدمازين، يحدث مراراً وتكراراً حتى في أطراف العاصمة التي فر إليها الملايين من جحيم الحروب والفقر.

وحادثة سمسور التي كادت تودي بحياة عشرات الأطفال، ليست حادثة معزولة يتجلى فيها سوء الاهتمام بما يحدث داخل المؤسسات التعليمية بخاصة المدارس، وإنما تمتد القضية إلى بنية التعليم في مناطق وأرياف السودان المختلفة والتي ترتبط في الأساس بغياب الدولة عن الوفاء بالتزاماتها تجاه مواطنيها.

غياب الدولة المنهجي في أطراف البلاد كان قد تجسد بشكل واضح في حادثة وفاة 24 طفلاً في أغسطس من عام 2018 في منطقة المناصير بولاية نهر النيل شمالي السودان، بعدما غرقت المركب المتهالكة التي كانت تقلهم إلى المدرسة. حيث أنهم في العادة يقطعون المسافة سيراً على الأقدام، ولكن مع دخول فصل الخريف اضطروا لاستخدام القوارب نسبة للفيضانات التي غمرت المنطقة. وغرباً، نشهد بصورة تكاد تكون سنوية،  تعرض الطلاب في مراحل مختلفة وخاصة الشهادة السودانية في دارفور لحوادث سير تودي بحياتهم، وهم في طريقهم إلى مراكز الامتحانات بعواصم الإقليم، وتسببت آخر تلك الحوادث في وفاة 7 طلاب فيما تعرض 12 آخرين لجروح جراء انقلاب الحافلة التي كانت تقلهم.

أوضاع قاسية

أوضاع التعليم والأطفال خاصةً، تصل إلى ذروة الخطر، فبحسب تقرير لمنظمة (اليونيسيف) في سبتمبر 2022، فإن هناك ما يقدر بحوالي 6.9 مليون طفل وطفلة من هم خارج الحقل التعليمي في السودان، أي ما يعادل وجود طفل من ضمن كل ثلاثة أطفال في سن الدراسة لا يتلقون تعليماً مدرسياً. ويشير التقرير إلى أن دراسة 12 مليون طفل ستتعرض للانقطاع، نسبة للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يعيشها السودان، والتي ستتسبب في نقص المعلمين وتدهور البنية التحتية للتعليم.

فوارق تنموية… فوارق تعليمية

 

 تتمظهر هذه الفوارق الجوهرية والتأثيرات البنيوية بصورة أكبر وأعنف في أطراف وأرياف السودان التي تشهد نزاعات أو تهميش اقتصادي وفوارق تنموية. فضلاً عن إهمال الدولة، دمرت الحروبات المتواترة غالبية المؤسسات والمنشآت التعليمية، كما شردت الملايين من مناطقهم الأصلية إلى مخيمات نزوح ومدن جديدة لا توفر لهم أدنى مقومات الحياة اليومية، مما يضطر آلاف الأسر للانخراط  كلياً في السعي إلى توفير متطلبات الحياة اليومية من طعامٍ ومياه. 

وفي ظل هذه الظروف القاسية، سواء في أطراف الخرطوم أو أقاليم أخرى مثل شرق السودان، حيث تضطر عائلات كثيرة في المناطق النائية والفقيرة هناك، لإرسال أبنائها لجلب مياه الشرب بدلاً عن إرسالهم إلى المدارس، إذ تستغرق في العادة هذه الرحلة ما بين 4 إلى 10 ساعات يومياً، في حال استقلال الحمير والإبل. حيث في هذه الحال، في ظل سعي مستمر لتوفير أساسيات الحياة، يصبح تحقيق التعليم نوعاً من الاستحالة.

آثار مدمرة

لا يقتصر ما يحدثه غياب التعليم، في أرياف ومناطق السودان المهمشة بصورة خاصة، على حرمان الأطفال من حقهم الدستوري والإنساني وزيادة نسبة الأطفال غير المتعلمين فحسب، بل تمتد آثاره لتشمل تعرض الأطفال للاستغلال والانتهاك في أماكن العمل التي يضطرون للالتحاق بها، علاوة على تعزيز الفوارق التنموية بين المدينة والريف عبر الخلل في معادلة التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وإعادة خلق دائرة مفرغة من الحروب والفقر.

الحرب والفقر

وتدهور التعليم، خارج الخرطوم عامةً وفي أطراف السودان خاصةً، له صلة وثيقة بما تعيشه تلك المجتمعات تحت وطأة الحروب والفقر المدقع. وفق دراسة (اليونيسيف) يتمركز جل الأطفال المحرومين من التعليم في إقليم دارفور الذي يعاني من تبعات حرب أهلية وصراعات قبلية، الأمر الذي تسبب في نزوح الملايين واستيطانهم في مخيمات النزوح داخل السودان، واللجوء إلى دول أخرى. ومع فقد الكثير من الأسر لوسائل وأدوات كسب رزقهم، إضافة إلى أفراد أسرهم المعيلين، فإن الأطفال أنفسهم دخلوا ضمن سلسلة لا متناهية من العمل وامتهان مهن هامشية وشاقة، سعياً لتوفير لقمة العيش.

وفي المناطق التي لا تشهد حروباً أو نزاعات، لكنها مهمشة تنموياً، مثل شرق السودان، فإن غالبية سكانه يرزحون تحت طائلة الفقر المدقع، وسط انهيار كامل لقطاع الخدمات، مما يجعل السكان موزعين على مناطق نائية، لا توفر أدنى فرصة لتوفير مساحة للتفكير في التعليم كضرورة.

تعليم الرحل

في ظل سياسات حكومية غير مكترثة كثيراً تجاه التعليم العادل، فإن القضية تكاد تمس كل الشرائح المختلفة في السودان، ومن ضمنهم الرحل، الذين يمثلون شريحة كبيرة من السكان. فبحسب تعداد العام 2008، بلغت نسبتهم 1.7% من جملة السكان، ولهم دور اقتصادي كبير ضمن الناتج القومي في السودان، والذي بلغ في العام 2007 حوالي 15.4%. لكن برغم ذلك، فإن الرحل يعانون من صعوبات جمة في مسائل التعليم، نسبة لطبيعة أنشطتهم الحياتية القائمة على الترحال وعدم مقدرة الدولة في الإيفاء بالالتزام اتجاههم.

غياب الدولة

يتجسد غياب الدولة في تدني الموازنة السنوية المخصصة للتعليم وعدم استعداد في كل المجالات من تهيئة بيئة مدرسية وإعداد معلمين بل حتى ايجاد مدارس بديلة لتلك التي دمرتها الحروب في أقاليم: جنوب كردفان، النيل الأزرق ودارفور.

وفي خضم هذه المأساة، أصبح السودان يحمل أعلى نسبة للأطفال خارج التعليم في منطقة الشرق الأوسط، وهي ما تعادل ثلث نسبة العدد الإجمالي من الأطفال. كما أن التحدي الماثل لا يكمن فقط في إلحاق هؤلاء الأطفال بالتعليم، ولكن في توفير مساحات لمواصلة رحلتهم، حيث يتسرب معظم الأطفال من المدارس قبل إكمال المرحلة الابتدائية. ومع ذلك، نجد غياب دور الدولة وتقشفها في الصرف على التعليم، قد ازداد بعد انقسام السودان، ليتحول التعليم لمجال استثمار وسلعة غالية وغير متاحة لعامة السودانيين، الأمر الذي تضاعف برفع الدولة يدها بشكل شبه كامل عن التعليم، خاصة في الريف ومناطق النزاع والحروب والضعف التنموي، ليصير الحصول على التعليم  نشاط تحفه المخاطر القاتلة، في ظل بنية تحتية متهالكة وفقر بنيوي يحيط بالأطفال ويرسم مستقبلاً ضبابي لمصائرهم.

سياسات حكومية غير عادلة.. كيف أسهمت المبادرات الطبية في مساعدة السودانيين وسط انهيار المنظومة الصحية؟

منذ عدة سنوات، واختصاصي أمراض قلب الأطفال، باسط البشير، يحمل أدوات وأجهزة فحصه، متجولاً في أرجاء البلاد شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، في سعيٍ حثيث للتخفيف على آباء وأمهات صعوبة علاج أطفالهم، في ظل نظام صحي منهار، وخدماتٍ تزداد سوءاً كلما ابتعدت الجغرافيا من العاصمة. فينظم البشير عيادات الفحص المجانية، ويقدم الوصفات العلاجية، ويجري عملياتٍ جراحية، كل ذلك مع المراكز الصحية المحلية وشبكات التأمين الصحي.

وتأتي المبادرات المشتغلة على تيسير الخدمات الصحية، من أفراد وأجسام مجتمع مدني، في الأساس لتغطية عجز الدولة وعدم اهتمامها بالقطاعات الخدمية، وضعف صرفها عليها. هذه الوضعية الإشكالية، التي لطالما كانت مستمرة منذ الاستعمار البريطاني، حيث يتمركز تقديم الخدمات الصحية على المناطق الحضرية، ويستهدف في الأساس طبقة الموظفين. ومع ذلك، تقدم الفترات التي أعقبت استقلال البلاد مزيدا من الفهم للمتغيرات التي طرأت على القطاع الصحي.

تاريخ الخدمات الصحية

كانت فترة ما بعد الاستقلال امتداداً لهيكلة دولة وخدمة مدنية شكلها البريطانيون، ولم يكن القطاع الطبي استثناءً، حيث استمرت في تقديم الخدمات بنفس منوال التباين بين المناطق الحضرية والريفية. لكن هذه الوضعية تغيَرت في النصف الأول من حكم الرئيس المخلوع، جعفر نميري 1969-1985، حيث برز الاهتمام بتطوير الخدمات الصحية المقدمة في الريف، وانتشرت مرافق متنوعة، وانتظمت الزائرات الصحيات والقابلات الريفيات، ومشرفي البيئة وغيرهم في سبيل تقديم ما يعرف بالرعاية الطبية الأولية.

بداية التضعضع

لم تستمر الجهود المبذولة في تطوير القطاع الصحي طويلاً، إذ سرعان ما شهدت تراجعاً في النصف الأخير من السبعينيات، إثر تغيير سياسات الدولة، وتبني نميري سياسات يمينية، أدت إلى انسحاب الدولة من تمويل قطاع الخدمات الصحية، ومحاربة النقابات المدافعة عن العمال، الأمر الذي تسبب في نقص الكادر البشري، علاوة على تدهور المرافق الصحية، وبالتالي توفر الخدمات ونموها.

تجفيف المرافق الصحية

استمر تدهور الخدمات الصحية، ومع استيلاء نظام الإنقاذ على السلطة، فإنه عمد إلى اتخاذ إجراءات سياسية، بهدف السيطرة على المؤسسات الطبية المختلفة، الأمر الذي ظهر جلياً في تعيينات الموالين له، لكن برغم ذلك عمل نظام الإنقاذ على تطبيق خطته العشرية (1992-2002) والتي اعتمدت في الأساس على توصيات سمنار الإنقاذ الصحي في العام 1990، وأدخلت مفاهيم كان قد روج لها البنك الدولي لتطبيقها في الدول النامية، مثل مشاركة المواطن في تكلفة الخدمات وإدخال التأمين الصحي.

 لكن وسط سياسات حكومة الإنقاذ وعنفها الإيديولوجي، سرعان ما تمددت الحرب إلى إقليم دارفور في العام 2003 لتعيد الدولة زيادة مواردها المصروفة على القطاع الأمني، في حربها جنوباً وغرباً. لتشهد السنوات اللاحقة تدهوراً مريعاً في الخدمات الصحية، والذي وصل ذروته، إبان انقسام السودان إلى دولتين، في العام 2011، وتراجع موارد السودان الذي فقد دخله القومي من النفط، دون وجود بدائل أخرى تعتمد عليها الدولة. لتقوم برفع يدها من القطاع الصحي بشكل شبه كامل، بل عجلت بانهيار قطاع الخدمات عن طريق سياسات تجفيف المستشفيات والمرافق الصحية. 

تجفيف المستشفيات العامة

جفف مستشفى الخرطوم التعليمي والشعب والحوادث بمستشفى جعفر بن عوف للأطفال في الخرطوم، وتحول القطاع الصحي إلى سوق كبير بدخول قطاع المستشفيات الخاصة، التي تتطلب قدرات مالية هائلة من المواطنين في سبيل الحصول على الرعاية الصحية. كما تم تحرير أسعار الأدوية ضمن سياسات رفع الدعم في العام 2016، ليتحول نهار المرضى وذويهم إلى ليل ملئه الكوابيس، في ظل ظروف طاحنة تعبث بهم يومياً بشكل متوحش.

مبادرات مختلفة

في ظل ما كان يشهده السودان من تضعضع على جميع المستويات، إلا أن ذلك خلق حالة تضامنية على مستوياته القاعدية، بين الفاعلين والمبادرين أفراداً وجماعات، في سبيل التقليل على المواطنين من حدة ما يسببه تدهور قطاع الخدمات الصحية من مآس، فنجد أن مبادرة شارع الحوادث قد انطلقت في العام 2012 بحملاتٍ، كان هدفها في البداية هو التبرع بالدم من أجل الأطفال، لتتوسع بعدها إلى مبادرة لجمع دعم مادي من أجل مساعدة المرضى لعمل الفحوصات وشراء الأدوية وإجراء العمليات، ووجدت المبادرة استجابة كبيرة من القطاعات المختلفة في السودان، لتتحول لمبادرة تتواجد في كل ولاية من ولايات السودان. إلا أن مبادرة شارع الحوادث لم تظل حبيسة المساعدات فقط، حيث أنها افتتحت غرفة للعناية المركزة بمستشفى أمدرمان للأطفال 2015.

ما بعد الثورة

ساهمت الضائقة المعيشية بشكل كبير في اندلاع ثورة ديسمبر 2018، وكان السودانيون يستشرفون مستقبلاً مغايراً لحياة كريمة، من تعليمٍ وصحة. وعملت الأجسام المختلفة، في القطاع الصحي، من صيادلة وأطباء، على إبراز المشاكل التي يواجهها هذا القطاع الحيوي. لكن مع تعثر حكومة الفترة الانتقالية وتوجهها المستند على سياسات البنك الدولي وتحرير الخدمات، ولاحقاً مع المصاعب السياسية التي واجهتها، فإن الأوضاع لم تبرح مكانها.

 

وظهر تهالك النظام الصحي في السودان بشكل سافر خلال جائحة كورونا، حيث أن  الحكومة الانتقالية ورثت نظام منهار في الأساس، لم يكن يصرف سوى 6% من الموازنة العامة على القطاع الصحي، وداخلياً كان يعاني من صراعات في الاحتكار والسيطرة على المرافق الصحية واستيراد الأدوية.

لم تلق الأوضاع السيئة بظلالها على المواطنين فقط، بل إن العاملين في الحقل الطبي أنفسهم يعيشون أوضاعاً مأساوية، بسبب العمل في مستشفيات تفتقر إلى أدنى المقومات المطلوبة لتقديم الخدمات، علاوة على ضعف الرواتب وطول ساعات العمل. 

 

ونجد أنه على اختلاف الحكومات المتعاقبة في السودان، فإن التعامل الجاد مع الأجندة المتعلقة بالحقوق والرعاية الصحية للمواطنين والمواطنات لطالما كان غائباً  عن مخيال الساسة، وفي حالة حضوره كان يزج به في معارك من أجل التكسب السياسي. هذه الوضعية التي خلقت نظاماً صحياً متهالكاً، ولا يتوافق مع الزيادة السكانية والتوزيع الجغرافي في البلاد. 

وتجدر الإشارة إلى أن الصرف على القطاع الصحي هو الأكثر تدنياً في ميزانية الدولة السودانية منذ عقود، وفي وسط كل هذا الاضطراب والحيرة، برزت المبادرات الصحية والطبية، من أفراد ومجموعات مختلفة، منها ما يبذله الطبيب باسط البشير ومبادرات شارع الحوادث في الولايات المختلفة، وغيرها من عشرات المبادرات، في سبيل  سد الفجوة الكبيرة ما بين نظام متهالك، واحتياجات شعب يرزح تحت الفقر والعوز، ويواجه معاركاً يومية، من أجل الاستشفاء والحصول على أبسط أنواع الرعاية الصحية.

(107) أعوام على تأسيس دار الوثائق.. هل تنقذ (الرقمنة) ما تبقى من أرشيف السودان المهمل؟

في منعطف جانبي هادئ متفرع من شارع السيد عبد الرحمن بوسط العاصمة السودانية الخرطوم، لكنه ليس بعيداً عن صخب السلطة ممثلاً في (القيادة العامة للجيش) شرقاً، والقصر الرئاسي شمالاً، يقع مبنى دار الوثائق الذي يحتضن أرشيف وتاريخ البلاد الحديث بكل تقلباته منذ العام 1916

وتعد دار الوثائق السودانية من أقدم المؤسسات التي تعمل على حفظ الوثائق والأرشيف في المنطقة الأفريقية والعربية، فهي تحل في المرتبة الثانية بعد نظيرتها المصرية. 

مثّل “حفظ الأوراق المالية والمستندات التي تخص الحكومة الاستعمارية”، الهدف الرئيسي لإنشاء دار الوثائق من قبل البريطانيين. لكنها اليوم وبعد مرور 107 أعوام على تأسيسها، تغص بنحو 50 مليون وثيقة تتضمن نحو مائتي مجموعة وثائقية مع مجموعة أخرى من الخرائط والمخطوطات والكتب، بالإضافة إلى وثائق نادرة تغطي بيانات محلية وأخرى خارجية.

الأرشفة والسلطة

مع أن الاطلاع على الوثائق التاريخية والحفاظ عليها، حق من حقوق المواطنين، لاسيما الباحثين، إلا أن التوجهات السياسية الشمولية لعدد من الحكومات السودانية المتعاقبة ظلت متحكمة في ما هو متاح لتوثيقه والاطلاع عليه، حيث حدت سياساتها في نهاية المطاف من الوصول لأرشيف البلاد الضخم. والمثال الأكثر وضوحاً في هذا السياق، هو القرار الجمهوري الذي أصدره الرئيس المخلوع، عمر البشير، في العام 2007، بتعيين السياسي كبشور كوكو، وهو أحد الموالين لنظام الإنقاذ، أميناً عاماً لدار الوثائق، رغم أنه غير متخصص، والاستغناء عن أمينها المتخصص، علي صالح كرار، بنقله إلى جامعة النيلين.

كان القرار سياسياً بامتياز، واستند على موازنات داخل حزب المؤتمر الوطني المحلول، الذي سعى منذ استيلائه على السلطة في عام 1989، على السيطرة واختراق كل مؤسسات الدولة. الأمر الذي تكرر مرة أخرى، في يناير 2019، بتعيين ضياء الدين محمد عبد القادر، بديلاً لكبشور. حيث لم يكن لضياء أي خبرة في عمل الدار، بل انحصرت خبرته العملية في مشروع سد مروي وعدد من المؤسسات التابعة لنظام الإنقاذ. لتستمر دوامة التلاعب، بتاريخ السودان الموثق، بتعيين  ضباط من الجيش والشرطة في إدارة دار الوثائق القومية.

إهمال يقود إلى الفاجعة

لم تكن التعيينات السياسية هي التحدي الأوحد في تطور العمل في دار الوثائق وحسب، بل الإهمال الذي عرّض المحفوظات لأخطار الضياع والتلف. كما تعرضت الدار لعملية سرقة منظمة في مارس 2021، أسفرت عن فقدان جهازي حاسوب يحتويان على معلومات نادرة ومهمة تتعلق بملف (طوبوغرافيا السودان) وعلاقتها بالإنتاج الزراعي في السودان. بالإضافة إلى ملف محاكمات ثورة 1924 (اللواء الأبيض) بقيادة علي عبد اللطيف والأسر التي تعاملت مع الاستعمار، ومواقع المياه الجوفية خاصة في إقليمي كردفان ودارفور.

إضراب عن العمل

أدى تراكم الإهمال الحكومي في دار الوثائق وتردي بيئة العمل إلى إضراب منسوبيها من موظفين وعمال عن العمل في أكتوبر 2022، وكانت أبرز مطالب ذلك الإضراب الذي تجاوز الثلاثة أشهر، تحسين الأجور، حيث كانت تتراوح ما بين 10 – 70 ألف جنيه للشهر، علاوة على ظروف العمل السيئة والتي تمثل عائقاً أمام تطور العمل وأدائه في أحسن وجه.

محاولات مغايرة

مع تصاعد التقنية والأدوات والوسائل التي أتاحتها، فإن ما كانت تعول عليه السلطة، في كونها المصدر الوحيد للتوثيق، شهد هزات عنيفة، وذلك ببروز مؤسسات بتوجهات مغايرة، تعمل على خلق أرشيف لا تحده اشتراطات ورقابة السلطة، ويتبع وسائل تعتمد على رقمنة المواد من مختلف المجموعات العامة والخاصة.

ذاكرة السودان

ولدت فكرة مشروع “ذاكرة السودان” في العام 2013، لكنه تخلق في أرض الواقع وبدأ عمله في العام 2018، والذي تمثل في رقمنة الوثائق والمخطوطات القديمة والصور والأفلام والكتب النادرة والوثائق ومن ثم إتاحتها عبر الإنترنت، عبر بناء شراكات مختلفة مع مؤسسات وأفراد، ومن ضمنهم الجمعية السودانية لتوثيق المعرفة” (سوداك)، إلى جانب 500 مساهم بين باحث ومترجِم ومصوّر فوتوغرافي، وغيرهم من المتطوّعين أو الموظّفين السودانيين والأجانب.

درّب مشروع ذاكرة السودان أكثر من 20 موظفاً بدار الوثائق القوميّة بينهم متخصصين في تكنولوجيا المعلومات والمحفوظات، حيث قام ذلك الفريق بمسح أكثر من 30.000 وثيقة، وذلك بغرض إتاحتها للجمهور عبر الإنترنت.

يقوم مشروع (ذاكرة السودان) بدعم من المجلس الثقافي البريطاني بالسودان عبر صندوق حماية الثقافة، ويهدف المشروع إلى حفظ التراث الثقافي السوداني الثري وجعله متاحا للوصول عالميا. يقوم المشروع برقمنة العديد من المواد. سيتم اختيار المحتويات حسب تصنيف موضوعاتها مثال لذلك: الأزياء والملابس السودانية – الممارسات الثقافية السودانية – الفنون الأدائية – الموسيقى – اللغات – الأساطير والخرافات – الآثار القديمة – التاريخ الحديث والأحداث. 

كما يهدف مشروع “ذاكرة السودان” لحماية الموروث والممتلكات الثقافية السودانية المهددة بالتلف أو الضياع ويسعى من خلال ذلك لربط ودمج السودانيين أكثر بثقافتهم واطلاع العالم الخارجي على مدى ثراء وبداعة التراث الثقافي السوداني المتنوع. 

للتاريخ ارتباط وثيق بتشكيل الذاكرة الجمعية للشعوب، وكيف نقرأ الماضي في سبيل استشراف المستقبل، الأمر الذي يضع ضرورة كبرى للاهتمام بالأرشفة، والحفاظ على الدولة وتراثها التاريخي، وأرشيفها، وهو تاريخ مهم للأجيال القادمة. ومع التغيرات السياسية والاجتماعية التي يشهدها السودان خلال السنوات الخمس الأخيرة، واندلاع ثورة ديسمبر وما يرتبط بها من أحداث كثيرة، فإن دور التوثيق والأرشفة لهذه الأحداث هو مهمة جليلة يجب الإطلاع بها على أكمل وجه.

تتضافر مع المجتمع أحياناً.. كيف تترصد السلطة فضاءات الفنون بالرقابة والتعدي المستمر؟

يمثل (جالوص جاليري)، وهو أحد بيوت العرض الفنية بوسط العاصمة السودانية الخرطوم، مساحة مشرعة ومفتوحة لكل مهتم أو مهتمة بالفنون التشكيلية وما يرتبط بها من فعاليات ثقافية.

 ولم يكن الدخول إليه يتطلب جهداً، سوى بعض الخطوات، نسبة لبابه المفتوح على مصراعيه، للدرجة التي تنتفي فيها الحدود بينه  والشارع العام.

لكن هذا الوضع لم يكتب له الاستمرار، إذ تغيّر بالكامل بعد حادثة الاعتداء على المعرض، مساء 15 يناير الماضي، حينما اقتحمت (جالوص) مجموعة متذرعة بالأسلحة البيضاء، وتزيد عن الـ30 شخصاً ، واعتدت على الموجودين آنذاك، علاوة على تخريب الأعمال الفنية وسرقة معدات موسيقية تخص المؤسسة.

صَدمت الحادثة القائمين على أمر جالوص، والمهتمين بالشأن الثقافي، وأثرت على المساحة نفسها. لتقود هذه التطورات عنيفة الطابع، إلى  إعادة وضع اعتبارات تأمينية احترازية للمساحة التي كانت مشرعة الأبواب، تمثلت في إغلاق باب المؤسسة والتأكد من هوية الزائرين قبل السماح لهم بالدخول.

حوادث أقدم

برغم معاودة (جالوص) لمزاولة نشاطاته، والتي كان آخرها معرض الفنانة، آية بابكر،  “مسارات السراب”. إلا أن الحادثة أعادت للأذهان ما تتعرض له المساحات الفنية والفنانين والفاعلين الثقافيين من انتهاكات وتعدٍ من قبل السلطة العسكرية والاجتماعية، وتداخلها في أحيان كثيرة منذ لحظة الثورة في 2018. 

فهناك عدداً من الحوادث التي شهدتها الأعوام الثلاث السابقة، أبرزها ما تعرضت له مجموعة (فيد للفنون)، في أغسطس 2020، من اعتداء من قبل بعض سكان حي الزهور وبعدها استكمل الاعتداء أوجهه بتعرضهم للحكم بالسجن لمدة شهرين من قبل الشرطة.

الفنون والمجتمع

تجدر الإشارة إلى أن ما تتعرض إليه الفنون المختلفة من تعدٍ وهجمات ليس محصوراً على السلطة الرسمية (السياسية في الدولة) بل هو ممتد إلى مساحات اجتماعية أخرى. فخلال ثورة ديسمبر، وبالرغم من الاحتفاء بذكرى استشهاد الثوار ومحاولة تخليدهم، نجد أن فعالية النصب التذكاري للشهيد عبد العظيم أبو بكر، في المكان الذي ارتقت فيه روحه، بشارع الأربعين، أمدرمان، قوبلت برفض كبير من قبل بعض سكان حي العباسية.

لم تكن هذه الحادثة الوحيدة، ففي مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، تعرض النصب التذكاري الذي يرمز لشهداء مجزرة الأبيض، والمعبّر عنه بطفل يحمل حقيبة مدرسية ويُلوح بعلامة النصر، وأنجزه مجموعة من الفنانين التشكيليين، تعرض للتحطيم وجز رأسه من قبل مجهولين في سبتمبر 2021. ومع ذلك، أعاد الفنانون ترميمه مرة أخرى، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لحماية التمثال، الذي كان منتصباً في ساحة الحرية،  من الاعتداءات و التعرض للتدمير مرة أخرى. 

بعد الانقلاب

بجانب تشكيله خطراً على كل النشاطات، والذي لم يسلم منه الحقل الفني كذلك، فإن انقلاب 25 أكتوبر 2021، شكل خطراً داهماً على الفنون ومساحات الحركة المختلفة؛ إذ تعرض فنانون للاعتقال، وتعرضت معارض فنية للاقتحام والمصادرة. 

فالانقلاب الذي بدأ منذ يومه الأول بالحد من فضاء الحركة والتواصل عبر قطع شبكة الإنترنت والإتصالات، استمّر بعد ذلك في نهجه القمعي، فيما يخص الفنون.

لتقتحم قوة عسكرية، فجر 14 فبراير 2022،  الاستديو الخاص بالفنان، مازن حامد، وتعتقله هو والمغني الرئيسي لفرقة أصوات المدينة، حينها، محمد حامد. الاعتقال الذي جاء كمحاولة لتقييد ما يقدمه مازن من أغنيات تدعو إلى الحرية، وتعري السلطة العسكرية الحاكمة. 

استمر التعدي على الفنانين بإلغاء جهاز المخابرات لحفل الفنان محمد عبد الجليل، والذي كان من المقرر إقامته في 25 يونيو 2022، دون إبداء أي أسباب لهذا القرار. 

إيغال في التعدي

في أبريل من نفس العام، 2022، أقدمت قوة من الاستخبارات العسكرية على اعتقال فنان الجداريات أحمد الصادق (ميدو) والذي كان يدير حينها مشروع “فن قيد التطور” وهو مشروع يهتم بتعليم الفنانين الهواة أساسيات الرسم. تعرض ميدو لانتهاكات في محبسه الذي مكث فيه 55 يوماً.

لم تقتصر القصة على هذا، فبعد خروج (ميدو) من محبسه، شرع في تنظيم معرض فني، في أكتوبر 2022، حمل عنوان (معرض ميدو 55 يوماً) والذي تناول فيه تجربته في الاعتقال، علاوة على مواصلته في التوثيق للأحداث الثورية. لكن هذا المعرض أيضاً لم يسلم من أعين السلطة، حيث اقتحمت قوة ملثمة بزي مدني وما يزيد عن 10 سيارات المعرض المقام بالمعمل المدني، الخرطوم واعتقلت (المنسق المالي بالمعمل المدني) علم الدين إسماعيل مصطفى، ومجموعة أخرى من الفنانين، وزائري المعرض، بل حتى أن اللوحات تعرضت للاعتقال.

لماذا الفنون؟

لطالما حاربت السلطات الشمولية الفنون عبر تاريخ السودان، هذه المحاربة التي وصلت أوجها في سنوات نظام الإنقاذ، وما يحمله من مشروع عمل على تضييق المساحات الفنية والثقافية المتاحة. 

 

وبرغم ذلك عمل السودانيين والسودانيات؛ من مثقفين وفنانين على اختراق مساحات جديدة، عبر وسائل المقاومة الثقافية، و تحايلوا على شروط الدولة وسياساتها، عبر مبادرات فردية وجماعية، من أجل خلق فضاء ثقافي. على سبيل المثال (جماعة عمل) والتي نظمت معرض (مفروش) في ساحة أتنيه العامة بوسط الخرطوم، وتحايلت على رقابة السلطة بقدر المستطاع، من أجل توفير الكتب، وغيرها من الجماعات والانشطة الأخرى.

 

ومع ثورة ديسمبر، فإن البركان الذي كان يتخلق بالداخل عبر سنوات طوال، وجد مساحته للانفجار، واحتلال مساحات جديدة، لم تكن مطروقة.

 

بدأ استخدام الفن في البداية كوظيفة للتواصل والإعلان عن المواكب، وفي ظل قبضة أمنية، انتشرت الجداريات والكتابة على الجدران، ومن هنا بدأت الفنون التشكيلية خاصة، تشهد تصاعدها، والذي بلغ ذورته في اعتصام القيادة. لذا نجد أن أول فعل قامت به القوات العسكرية بعد فض الاعتصام، هو مسح الجداريات من جدران وحوائط محيط القيادة العامة.

 

ما أحدثته ثورة ديسمبر، فيما يخص الفنون، هو الانتصار لها، وفتح آفاق ومساحات جديدة، لطالما كانت مغلقة خلال سنوات نظام الإنقاذ الطويلة.  والذي عمل على التضييق على الفنون والثقافية، وتحجيمها بما يتوافق مع مشروعه الأيديولوجي، الأمر الذي أثر على كيفية تعاطي المجتمع مع الفنون، وجعل السلطة الاجتماعية في أحيان كثيرة تتضافر مع السلطة السياسية في عملية التهجم والاعتداء على المساحات الفنية. والآن، في ظل عسكرة كاملة للدولة، بعد انقلاب 25 أكتوبر، مع ذلك فإن الفنون ظلت في حالة مقاومة دائمة خلقت بها ثورة داخل ثورة، في رحلة تصديها لممارسات السلطة التي تعمل على وأدها.

هوية مفقودة.. كيف تتداعى مدينة الخرطوم تحت وطأة فشل سياسات التخطيط الحضري للحكومات المتعاقبة؟ 

أية السماني

أية السماني

“لا قرية تبدو بداوتها ولا بندر”، ينطبق إلى حد كبير قول الشاعر توفيق جبريل، على هوية وطابع العاصمة السودانية الخرطوم. وهي المدينة التي ظلت تعاني من غياب التخطيط الحضري الفعّال على مدى سنوات الحكم الوطني.

إذ ما تزال آثار سوء الإدارة للحكومات الوطنية المتعاقبة، شاخصة للعيان فيها حتى اليوم. بناء على تداعيات ونتائج السياسات الفاشلة لكل حكومة على حدة، مروراً بنقاط التحول الفكرية والتاريخية، تكون الشكل الحضري لمدينة الخرطوم، آخذاً في الاعتبار جميع المظاهر الحضرية من نشاطات سياسية وروابط اجتماعية ومظاهر العمران والخدمات.

ومع أن أنظمة سياسية مختلفة بأيدلوجيات وسياسات متباينة عن بعضها البعض، تولت مقاليد الحكم في السودان، إلا أن الغالبية العظمى منها اشتركت في فشل سياسات التخطيط، وكان لابد أن يترتب على ذلك نتائج وخيمة تقاسيها المدينة، والسودان عامةً حتى هذا اليوم. 

الحكم التركي

بعد مرور بضعة سنين على إخضاع معظم مناطق السودان تحت سيطرة الاستعمار التركي- المصري (1821-1885م)، بدأت مدينة الخرطوم في السير نحو شكل حضري حديث تمظهر في عمرانها المتسارع، حيث اتسعت بشكل متسارع ونمط محدد. فتم تشييد جامع خورشيد الذي يعرف اليوم بجامع أرباب العقائد. وشيد خورشيد بك ثكنات الجهادية، كل ذلك أصبح دافعاً لأهالي المدينة لتشييد المنازل، حيث قدمت المساعدات بتوفير معدات البناء. تلون الطابع الطاغي على المدينة آنذاك بالطوب الأحمر الذي كان يصنع بمنطقة سوبا وينقل إلى الخرطوم.

كما تمت إضافة منشآت جديدة، وبني قصر الحكمدار ومبنى مديرية الخرطوم القديمة والمطبعة ومحكمة العموم و الأجزخانة. يصف المؤرخ محمد إبراهيم أبو سليم في كتابه “تاريخ الخرطوم”، الخرطوم في ذلك الوقت قائلا: “جمعت مدينة الخرطوم بين جمال الموقع الطبيعي ومحاسن النظام المدني والرونق الحضري”.

المهدية

لم يحفل الحكم التركي – المصري كثيراً بمدينة بأمدرمان، فظلت خالية إلا من بعض سكانها القدامى حتى اندلاع الثورة المهدية. بعد تحرير الأنصار مدينة الخرطوم، أمر المهدي سكانها بإخلائها والانتقال لحي أمدرمان الصغير وقتها، بعد وفاته توسعت أمدرمان في عهد خليفته عبد الله التعايشي، حيث حلت منازل الطين والطوب الأحمر محل المنازل المبنية بالقش، وشيدت مباني عدة مثل بيت المال والسجن وبيت الأمانة، نهاية بقبة المهدي والسور حول المدينة.

الحكم الثنائي

كانت مدينة الخرطوم منذ بداية الاستعمار الثنائي الانجليزي – المصري (1898-1955) محط اهتمام  بالنسبة للإداريين المستعمرين، وكانت خياراً مثاليا يدعم التوجه الاقتصادي لذلك النظام.

إذ شهدت نموا سريعا ومكثفا وخططت لتصبح مدينة ذات طابع أوروبي يقيم فيها ضباط المستعمرين والطبقات العليا من القوميات الأخرى، لتصبح الخرطوم مدينة سياسية وتجارية وإدارية في ذات الوقت. وفي العام 1909 وصلت السكة الحديد إليها مما أتاح فرص عمل في مدينة جديدة وهي الخرطوم بحري، حيث أصبحت معقل المخازن الحكومية والورش والمنطقة الصناعية. 

فيما ظلت أمدرمان تتميز بطابع محلي واحتفظت بخصائصها التي سبقت الاستعمار. ليجاري الاستعمار مأربه، كان لزاما أن يضع خططا جادة نحو التنمية بتطوير تشريعات وخطط للزراعة والصناعة والتعليم والاتصالات، وكان لكل ذلك عاقبة مهددة للتنمية وهي الاهتمام بمناطق جغرافية بعينها دون الأخرى، ما انعكس سلبا على استقرار السودان وكان عاملا في مشكلة جنوب السودان فيما بعد.

القومية السودانية

على مدى سنوات تبلور الشعور القومي، وتطورت القومية السودانية ملقية بآثارها على طابع المدينة الحضري، حيث أقيمت الصوالين الأدبية والفعاليات الاجتماعية وقد تأثرت الى حد ما بطابع انجليزي بحكم الأمر الواقع. وبعد استقلال السودان تولى السودانيون حكم بلادهم. 

ويمكن القول إن السياسيين السودانيين كانوا أكثر تقديرا للمؤسسات البرلمانية والإدارية، وبالرغم من ضعف التجربة البرلمانية في ذلك الوقت بسبب حداثة التجربة السياسية، إلا أن البرلمان كان يمثل رمزا للتحرر والنضج السياسي.

لاحقاً، تجلت تداعيات وضع خطط للتوسع في التعليم والاقتصاد وقطاع المواصلات. ولتحقيق ذلك، احتاجت حكومة السودان إلى مساعدات خارجية اقتصادية وتقنية، وكانت تلك أولى بوادر العلاقات السودانية الأمريكية، حيث بدأت المحادثات بين البلدين وصادق البرلمان على اتفاقية تقدم بموجبها الولايات المتحدة التسهيلات والمساعدات لحكومة السودان فيما يلي قطاع المواصلات.

 وبينما كان السودان يقاسي عدة أزمات، صدر أول قانون في مجال التخطيط العمراني في عام 1957م ليصب في ترقية وضبط وتخطيط المدن والقرى. حدد القانون مسؤوليات التخطيط على المستويين المركزي والإقليمي، وأصبح بموجب ذلك القانون وزير الحكومة المحلية مسؤولاً عن تخطيط القرى والمدن ويملك السلطة لإقامة لجنة استشارية فنية للتخطيط.

لاحقاً، عدل القانون بحيث اشتمل على موجهات ثابتة إدارية وفنية بشأن مشاريع التخطيط العمراني. احتفظت الخرطوم في ذلك الوقت بشئ من كل حقبة، وتوسعت بشكل كاف، لتشمل كل ذلك التنوع في وعاء واحد يسوقها بخطى بطيئة نحو فقدان هويتها الأصلية.

الخرطوم الشمولية

بدأت مدينة الخرطوم، تستأنف تطور شكلها الحضري، مع كل سلطة جديدة في السودان، وكان العامل المشترك بين كل ذلك هو إهمال استدامة مشاريع وسياسات التخطيط الحضرية، علاوة على حصرها بمناطق دون أخرى في جميع أنحاء البلاد.

في فترة حكم الرئيس المخلوع، إبراهيم عبود، ظهرت بوادر للعناية بقطاع التخطيط وكانت تمثل أملا جديدا للمدينة، حيث صدر قانون تخطيط المدن والقرى لعام 1961م، وكانت سمته الرئيسية أنه منح الحكومة سلطة انتزاع الأراضي للمصلحة العامة، وتكونت لجان مستديمة وفنية متخصصة بالمجالات ذات الصلة بالتخطيط. وفي عام 1962م، وضعت “الخطة العشرية للتنمية الشاملة”؛ وهي أحد أنواع التخطيط الشامل وتعنى بخدمة جميع القطاعات، وجاء تصميمها على خلفية أن السودان يمتلك عائد محلي ضعيف ومستويات منخفضة من الإدخار والتنمية، لا سيما وأن السودان في ذلك الوقت اعتمد بشكل كامل على محصول القطن وحده. 

وقد وضعت شروط وأهداف لتلك الخطة، كان أبرزها التصديق على الخريطة الموجهة والقوانين المتعلقة بها لضمان استعمالات الأرض، وعمل خرائط مفصلة على المستوى المحلي لمدة خمس سنوات وبدء برنامج خاص في المدى الوسيط لتنفيذ الخطة. 

بطبيعة الحال، واجهت خطط نظام عبود عدة مشاكل وحوت بداخلها آفات أدت إلى فشل محتوم. 

ومع ذلك، لم يمر وقت طويل حتى استولى، الرئيس المخلوع، جعفر نميري، على مقاليد الحكم في البلاد، وقد كانت له محاولات أخرى بهذا الصدد، حيث بدأ خطة جديدة للتنمية حددت بسقف زمني يقدر ب 6 سنوات. بينها خطة موجهة للعاصمة الخرطوم وشمل البرنامج العمل على التخطيط الحضري وتجميل العاصمة القومية.

واقترحت الخطة توفير السكن لـ5.1 مليون شخص وتوفير مساحات شاسعة بنقل مطار الخرطوم والثكنات العسكرية، لكن الخطة لم تسر كما ينبغي وتعثر العمل بها لاحقاً، ووصلت أزمة السكن ذروتها حيث انتشر (السكن الاضطراري)، كما تدهورت الخدمات بشكل ملحوظ في فترة وجيزة.

سقط نظام نميري، وجاءت الحقبة الديمقراطية الثالثة، والتي سرعان ما أطاح بها انقلاب 30 يونيو 1989م، والذي تمددت في عهده مدينة الخرطوم دون أي تخطيط حضري واضح المعالم. 

وفي محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أجاز المجلس التشريعي ومجلس الوزراء في عهد النظام المخلوع، في عام 2009 المخطط الهيكلي الاستراتيجي لولاية الخرطوم والذي تم إعداده بواسطة شركة مفيت الايطالية. تعتبر هذه الخطة هي الخامسة لولاية الخرطوم بعد خطة ماكلين 1912، دوكسيادس 1959، مفيت 1975 ودوكسيادس وعبدالمنعم مصطفى 1991. رغم أن هذه الخطط نفذت بنسبة ضعيفة، باستثناء خطة ماكلين التي نفذت بنسبة 100%. 

واقترحت الخطة نقل الوزارات والمباني الحكومية من مركز الخرطوم، وتحويل مواقعها لمناطق سياحية وترفيهية. وفيما يخص مسألة الإسكان لم يشمل المخطط على مقترحات واضحة حول الإسكان قليل التكلفة والذي يعتبر الهم الأساسي للغالبية العظمى نسبة لتدني مستويات دخل الفرد بالسودان. كما لم يتطرق المخطط لقضية السكن غير الرسمي بالرغم من أن التقرير المقدم للمخطط أشار لفئة النازحين والنساء والأطفال على أنهم مجموعات مستهدفة.

بعد سقوط النظام المخلوع في عام 2019م، و تشكيل الحكومة الانتقالية في السودان التقى والي الخرطوم بمسؤولي وزارة التخطيط العمراني، وطالب بتقرير مفصل يتضمن إنجازات الخطة والمعوقات التي واجهتها، والذي يعتبر اعتمادا ضمنيا للمخطط الذي لاقى جدلا واسعا حول مدى فعاليته لعملية التحول الحضري في المدينة.

تمظهر عجز الأنظمة السابقة في تطوير سياسات تخطيط تصب في مصلحة النهوض بالمدينة وبيئتها الحضرية. وتشير تجارب تلك الحكومات إلى الفشل الذريع في الوصول لصيغة تلبي احتياجات التنوع الحضري بين مدن السودان، وكان لكل ذلك الأثر البالغ في خلق تشوهات بالتخطيط الحضري لمدينة الخرطوم.

معضلات حضرية

ترتب على فشل سياسات التخطيط نتائج أدت إلى التدني في مستوى التنمية والتباطؤ في تغيير الشكل الحضري، ما يعني جميع مظاهر الدولة الحضرية من نشاطاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، علاوة على تطور العمران و قطاع الخدمات كافة. 

تواجه الخرطوم مشكلة الإسكان منذ عقود، إلا أن المشكلة تزداد عمقا عام تلو الآخر. وتقف الآن مدينة الخرطوم في مواجهة معدلات مستمرة الارتفاع في زيادة السكن، إثر النزوح من الأرياف لأسباب مختلفة كانعدام الأمن والتأخر التنموي الكبير مقارنة بمدينة الخرطوم، وهو نتيجة متوقعة لتجاهل الحكومات المتعاقبة قضايا السلام والتنمية والعدالة الاجتماعية.

كما يواجه التخطيط والشكل الحضري مسألة الفقر التي لطالما لازمت السودان، ونتج عنها ظاهرة “السكن الاضطراري”، وهي ظاهرة تفرض نفسها لتلبي متطلبات الفقر في السودان. كما أنها نتيجة مباشرة لفشل خطط الإسكان على مدى السنوات السابقة. بالإضافة للارتفاع الجنوني في أسعار العقارات والأراضي ومواد البناء مقارنة بمستوى الدخل المعيشي في السودان.

كل تلك المشاكل، كانت عاملا رئيسيا في خلق تلك التشوهات، لم تأت تلك العوامل دفعة واحدة، بل تدرجت بين الحقب المختلفة و زاد من حدتها الانهيارات الاقتصادية والسياسية التي يعاني منها السودان بفعل الحكومات المتعاقبة التي تجاهلت الأمر أو كانت سببا في تعميق الأزمة.