Tag: حميدتي

شبكة جديدة من الحسابات المزيفة لترويج محتوى صفحة (حميدتي) في (فيسبوك)

في هذا التقرير، نعرض شبكة جديدة من الحسابات المزيفة حديثة النشأة، مرتبطة بصفحة قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو. قبل الخوض في تفاصيل الشبكة، يجدر بنا الإشارة إلى أن (مرصد بيم) قد نشر تقريرين من قَبل عن شبكات تروج لأنشطة الدعم السريع في موقعي (تويتر) و(فيسبوك)، مستخدمين أسلوب (السلوك الزائف المنسق).

سلوك زائف منسق:

كما ذكرنا في تقارير سابقة، فقد عرَّفت شركة (ميتا) المالكة لـ (فيسبوك) السلوك الزائف المنسق على أنه: “سلوك يحوي جهودًا منسقة للتلاعب بالنقاش العام، لتحقيق هدف إستراتيجي، عبر حسابات زائفة”.

 

تركز (ميتا) في محاربتها للتلاعب بالمحتوى، على السلوك، لا على المحتوى نفسه. وذلك لأن المحتوى من الممكن أن يكون حقيقيًا، ولكن طريقة نشره والتفاعل معه يمكن أن تؤثر على النقاش العام، مِن ثَّمَ فمن الممكن أن يكون ذا أثر حقيقي على مجريات الأحداث على الأرض.

شبكة جديدة:

وجدنا في (مرصد بيم) شبكة حديثة التكوين، تتفاعل بطريقة منسقة مع منشورات صفحة (Mohamed Hamdan Daglo – محمد حمدان دقلو)، وهي الصفحة الرسمية والموثقة لقائد الدعم السريع. تتبع هذه الشبكة الطريقة التي ذكرناها في تقرير سابق، بخصوص شبكة تتلاعب بالتفاعل مع منشورات صفحة (قوات الدعم السريع – Rapid Support Forces)، بطريقة منسقة؛ بغرض زيادة معدل التفاعل مع المنشور، وبالتالي زيادة معدل وصول الصفحة لأكبر عدد ممكن من المستخدمين.

إقرأ المزيد: كيف تعمل شبكة (حسابات مزيفة) على التلاعب بالتفاعلات الخاصة بمحتوى (الدعم السريع) في موقع فيسبوك؟

الصور أدناه تعرض تفاعل الحسابات مع منشور من صفحة محمد حمدان دقلو، مهنئًا فيه دولة قطر باستضافة نهائيات كأس العالم لكرة القدم الجارية حاليًا.

ملامح الشبكة:

تشترك حسابات الشبكة في المعلومات التالية:

  • جميع الحسابات أنشئت شهر أكتوبر المنصرم، وغالبية الحسابات أنشئت في يومي 20 و21 من الشهر نفسه.
  •  تستخدم الحسابات صور سيدات، وفي الغالب تكون لصور سيدات محجبات. 
  • غيرت غالبية الحسابات صورها الشخصية يومي 26 و31 أكتوبر 2022م.
  • لا تنشر هذه الحسابات أي محتوى على حائطها الشخصي، ولا تتفاعل مع أي تعليق على صورها الشخصية.
  • على الرغم من عدم نشرها لأي محتوى، تتلقى هذه الحسابات تفاعلًا من حسابات بعينها، وكأنما ثمة جهة ما تود التفاعل معها بغرض زيادة وصوليتها، أو لغرض آخر.

بعض الحسابات التي تتفاعل مع حسابات الشبكة ذات مسمى مصري، مثل “يوسف الصعيدي” و”أحمد المصري“.

الصورتان أعلاه توضحان تعليق حساب (يوسف الصعيدي) مع حسابين ضمن الشبكة.

الصورتان أعلاه توضحان تعليق حساب (احمد المصري)، مع حسابين ضمن الشبكة.

بعض الحسابات المنضوية ضمن الشبكة:

م

الحساب

الرابط

1

Maka Azmi

الرابط

2

Fadwa Aziz

الرابط

3

Mysm Bashir

الرابط

4

Mayar Eadil

الرابط

5

Balsam Barakat

الرابط

6

Sawsan Mansur

الرابط

7

Fayiza Masar

الرابط

8

Ashraqa Alghali

الرابط

9

Wafaq Dia

الرابط

10

Nidal Eabdalnaasir

الرابط

11

Sulafa Murtadaa

الرابط

12

Ludun Twfiq

الرابط

13

Rinad Eazaldiyn

الرابط

14

Aliya Suleiman

الرابط

15

Aisha Saadoon

الرابط

16

Abeer Zain

الرابط

17

Dima Samir

الرابط

18

Maysoon Khatir

الرابط

19

Jumana Rawoo

الرابط

ما أسباب إقامة (حميدتي) في إقليم دارفور؟

للمرة الأولى منذ دخوله النادي السياسي، عقب الإطاحة بنظام الرئيس المخلوع، عمر البشير في أبريل 2019م، عبر منصب نائب رئيس المجلس العسكري المحلول، ولاحقاً كعضو لمجلس السيادة الانتقالي في أغسطس من نفس العام، أعلن قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) عن تغيير مقر إقامته من الخرطوم، إلى إقليم دارفور غربي البلاد.

في الثامن عشر من يونيو الماضي، وصل حميدتي إلى مدينة الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور، قبل أن ينخرط في إجراء -ما أسماها- “مصالحات مجتمعية”، بعد دورات من العنف الدموي خلّف مئات القتلى وتسبب في نزوح الآلاف وحرق المنازل ودمار المزارع.

أعلن حميدتي وقتها، أنه سيبقى في دارفور لمدة 3 شهور، ولكن بعد نحو 3 أسابيع، عاد إلى العاصمة الخرطوم، حيث بقي عدة أيام، قبل أن يعود مرة أخرى في يوليو الماضي.

عاد حميدتي إلى الخرطوم، عقب أيام من بيان أصدره القائد العام للجيش، عبد الفتاح البرهان، أعلن فيه خروج المؤسسة العسكرية من العملية التفاوضية، وتشكيل مجلس أعلى للقوات المسلحة. وهو الأمر الذي أكده حميدتي في بيان منفصل لاحقاً، مثلما أعلن تأييده سابقاً في كلمة متلفزة لانقلاب 25 أكتوبر الماضي الذي نفذه البرهان.
بينما كان حميدتي يقود ما سماها بالمصالحات بين المجموعات السكانية في ولاية غرب دارفور، زار كل من ولايتي شمال و وسط دارفور، أثناء وجوده في شمال دارفور، زار إحدى قواعده العسكرية بمنطقة (الزرق)، حيث أدلى بتصريحات مثيرة حول امتلاكه سلاح مدرعات.

خلال وجوده في دارفور، بين يونيو وأغسطس، أدلى حميدتي بالعديد من التصريحات والبيانات حول التطورات السياسية الجارية في البلاد، كما زار جمهورية تشاد في خضم توترات حدودية بين البلدين، حيث وصل إلى أنجمينا في أعقاب زيارتها من قبل وزير الدفاع السوداني ياسين إبراهيم ياسين، وحاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي.

وصل حميدتي إلى أنجمينا أيضاً، بعد أيام من زيارة وزير الدفاع التشادي إلى الخرطوم ولقائه القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، و عقدهما مباحثات حول تنشيط القوات المشتركة السودانية ـ التشادية بعد انتقال قيادتها إلى السودان.

وتأتي الزيارات السودانية ـ التشادية المتبادلة، في خضم أزمة بين أنجمينا وحميدتي، بعدما أنشأت في الأشهر الماضية، مجموعة من قوات الدعم السريع بوابة، بالقرب من معسكر خزان “كارياري” للاجئين في الحدود السودانية ـ التشادية، حيث درجوا على مضايقة المواطنين السودانيين والتشاديين الذين يعملون في التجارة والتعدين الأهلي، لذلك تم اعتقالهم من قبل الجيش التشادي وتحفظ عليهم في السجون.
ورغم أن بعض النافذين بذلوا جهوداً لعلاج المشكلة بين حميدتي والحكومة التشادية لإطلاق سراحهم لكن جهودهم ومساعيهم فشلت ما أدى لتوسط حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي بحكم علاقته بالحكومة التشادية. ومن بين تداعيات محاولة طي الخلاف، جاءت زيارة وزير الدفاع التشادي للخرطوم بالمقابل زيارة حميدتي لتشاد، على أمل رأب الصدع بينه والحكومة التشادية.
أيضاً تأتي زيارة وزير الدفاع التشادي، في خضم شكوى ضد حميدتي بادعاء أنه يدعم المعارضة التشادية.
غير أن حميدتي قال خلال عودته إلى الخرطوم في العاشر من أغسطس الحالي، حول زيارته إلى أنجمينا إنه أجرى خلالها مباحثات مع الجانب التشادي، حول أهمية تأمين الحدود المشتركة بين البلدين. مضيفاً أنه “تم التأكيد على ضرورة تمكين القوات المشتركة السودانية -التشادية من الاضطلاع بدورها لحماية وتأمين الحدود ومنع تسلل المتفلتين عبر الحدود”.
في زيارته الأولى إلى دارفور، رافق حميدتي، كلاً: من عضوي مجلس السيادة الذي أعاد تشكيله البرهان في الحادي عشر من نوفمبر الماضي، الهادي إدريس والطاهر حجر، كانا يظهران برفقته، لكن حميدتي ظل المتحدث الرئيسي في كل تلك الفعاليات.
ومع أن حميدتي، بدا منخرطاً في قضايا إقليم دارفور، أظهر في مقابلة مع قناة (بي بي سي ـ العربية)، في الأول من أغسطس الحالي، انتقادات مبطنة لرئيسه البرهان حول سوء الوضع السياسي والاقتصادي ما بعد انقلاب 25 أكتوبر.
“الإجراءات التي قام بها المكون العسكري في أكتوبر الماضي فشلت تماماً لأسباب لن أفصح عنها الآن”، يقول حميدتي في المقابلة. مضيفاً “الأوضاع الاقتصادية والأمنية باتت أسوأ مما كانت عليه قبل الإجراءات”. وأكد حميدتي في تصريحاته التي فهمت على أنها انتقادات للبرهان، أنه زاهد في السلطة ولن يترشح لأي منصب، مشيراً إلى أن قادة السلطة العسكرية جادون في قضية الانسحاب من العملية السياسية والتفرغ للمهام الأمنية.

في مقابلته، مضى حميدتي للحديث حول الجيش الموحد، قائلاً إنه لا مانع لديه في دمج قوات الدعم السريع، في الجيش في إطار تشكيل جيش قومي ومهني.
وأضاف: “حققنا الكثير من الإنجازات في غرب دارفور على مستوى توفير الأمن والمصالحات القبلية اتصالاتنا ما زالت مستمرة مع قوى الحرية والتغيير وخلافاتنا معهم حول كيفية إدارة البلاد”. لكن، المتحدث باسم منسقية النازحين واللاجئين، آدم رجال، أحصى عشرات القتلى الذين قتلوا بالرصاص أثناء إقامة حميدتي بدارفور، بالإضافة إلى مقتل نحو 20 شخصاً على الحدود السودانية ـ التشادية.
ومع أن حميدتي ذهب إلى دارفور تحت لافتة تحقيق المصالحات بين المكونات الاجتماعية المتقاتلة، إلا أن ذلك لم يكن سوى تغطية لأهداف أخرى غير معلنة، كانت على رأس أجندة زيارته إلى إقليم دارفور. مع استمرار التظاهرات المناهضة للحكم العسكري، وسقوط قتلى برصاص القوات الأمنية، وبقاء الأزمة السياسية من دون حل يلوح في الأفق، قرر حميدتي المغادرة إلى دارفور للابتعاد مما يحدث في الخرطوم، ولقطع الطريق أمام أي توافق بين قوى الحرية والتغيير والسلطة العسكرية، كذلك كان الهدف إبعاد عضوي مجلس السيادة الذي شكله البرهان، الطاهر حجر والهادي إدريس المنضوين في تحالف مع الحرية والتغيير.

لكن، الهدف المباشر لإقامته في دارفور، كان تقديم نفسه كزعيم سياسي على مستوى السودان عامةً ودارفور على وجه الخصوص، حيث نصحه مستشاروه بأن الطريق لترشحه في أي انتخابات محتملة يبدأ من تبني توحيد القيادة الدارفورية تحت زعامته.
“لدى الدعم السريع، تنسيقيات داخل جميع مكونات دارفور تعمل على استقطاب الدعم السياسي له وتحسين صورته في الإقليم الذي اكتوى بنار الحرب”، يقول مصدر مطلع على زيارة حميدتي إلى دارفور لـ(بيم ريبورتس).
“ربما تكون زيارته إلى إقليم دارفور لها علاقة بالترتيب لانتخابات قادمة ومحاولة خلق حاضنة سياسية واجتماعية” يقول المتحدث الرسمي باسم حركة جيش تحرير السودان، بقيادة عبد الواحد النور.

ويضيف محمد عبد الرحمن الناير لـ(بيم ريبورتس) “إن زيارة حميدتي ومجموعته إلى دارفور، وما يتحدثون عنه حول عقد مُصالحات بين القبائل، للأسف انهم يقرأون من نفس كتاب البشير”. مثل هذه المعالجات لن تحقق الهدف المنشود بهذه الطريقة. فالأزمة في الخرطوم وليس في دارفور، فالحكومة عبر أجهزتها الأمنية هي من تؤجج النيران والحروب القبلية وتسلح المجموعات العرقية”.

ورأى الناير أنه لا بد أن تكون هنالك حكومة جادة وغير منحازة تقوم بواجبها في جمع السلاح من أيدي المواطنين، وتطرد المستوطنين في أراضي المواطنين، وأن يكون هناك سلام دائم وعادل ومستدام، وتعاد هيكلة كافة مؤسسات الدولة وفق أسس جديدة. مشيراً إلى أن هذا الأمر لا يتأتى إلا بعد انتصار الثورة وإسقاط الإنقلاب، وتكوين حكومة انتقالية مدنية تعبر عن الشعب السوداني وثورته الظافرة.

وقال: “ما قام به حميدتي ومجموعته هو تبديد للموارد وأموال الدولة، ولا يعالج الازمة، فهو ذات المنهج الذي اتبعه النظام البائد وعقد عشرات المؤتمرات المماثلة، وظلت الأزمة ماثلة والنزيف مستمر”.
خلال عودته إلى الخرطوم يوم الأربعاء الماضي، أطلق حميدتي اتهامات جديدة على جهات ـ لم يسمها ـ قال إن لديها مخططات خبيثة تستهدف تماسك النسيج الاجتماعي، مضيفاً “نحن مدركون لهذه المخططات وسنكشف عن من يقف وراءها”.

سواء أن بقى حميدتي في اقليم دارفور لثلاثة أشهر أم لا، تظل تحركاته بالإقليم المنكوب، تحت لافتة المصالحات، هي تحركات أبعد ما تكون عن تلك اللافتة المرفوعة في وجه وسائل الإعلام، لكنها ذات أهداف أخرى من بينها البحث عن قاعدة شعبية أو حاضنة اجتماعية تساهم في تحقيق طموحاته السياسية عبر شراء أصوات الناخبين في أي انتخابات مقبلة.

كيف تحولت الوثيقة الدستورية إلى توازن حرج على حافة التحول الديمقراطي والانقلاب العسكري؟

في الذكرى الثالثة لتوقيع الوثيقة الدستورية، بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري الانتقالي المحلول، والتي كان من المؤمل أن تمهد الطريق إلى تحول ديمقراطي ينتهي بانتخابات عامة في يوليو المقبل. بدلاً من ذلك، انزلق السودان إلى حافة المجهول عقب انقلاب 25 أكتوبر الماضي الذي أطاح بالحكومة الانتقالية.

كان مشهد نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي المحلول، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وهو يقف إلى جانب عضو تجمع المهنيين، أحمد ربيع، ملوحاً بالوثيقة الدستورية من أسفل إلى أعلى (معكوسة) والتي كانا قد وقعاها للتو، وسط حضور دولي وإقليمي رفيع المستوى، في يوم السبت السابع عشر من أغسطس 2019م، يلخص وقائع ما هو آتٍ بشكل مسبق.

لكن، رغم تلك الصورة المقلوبة، والتي ربما حملت إشارات لمستقبل سيء ينتظر الفترة الانتقالية، يومها كانت الخرطوم تنتظر قطاراً ثانياً من عطبرة، للاحتفال بتوقيع الوثيقة الدستورية. فيما كان الأمل أعتى من كل السقوف هناك في مكان التوقيع بـ(قاعة الصداقة) المطلة على شارع النيل، وآلاف السودانيين يرقصون فرحاً على أنغام انتصار الثورة، غير مصدقين لطيهم نحو 3 عقود من حكم نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير.

جنوب قاعة الصداقة، في محطة السكك الحديدية الرئيسية التاريخية بقلب العاصمة الخرطوم، استقبل عشرات الآلاف قطار عطبرة، قبل أن تتوجه الحشود شرقاً هذه المرة إلى ساحة الحرية بشارع أفريقيا (المطار) لإكمال الاحتفالات، في يوم لم يكن السودانيون يتوقعون أنه قد يأتي، في خضم قبضة حديدية عُمِّدت بالدم وامتدت لنحو ثلاثين عاماً. وسبب آخر، كان قد جعل الأمل بعيداً، بلا أفق، فض اعتصام القيادة العامة الدموي، بواسطة المجلس العسكري الانتقالي المحلول، في الثالث من يونيو 2019م، أي قبل شهرين ونصف الشهر فقط من توقيع الوثيقة الدستورية.

تلك العوامل الخطرة، والكامنة بالانفجار، ذابت في فصول من الأمل انتابت مشاعر السودانيين، وهم يفتحون صفحة جديدة من كتاب ثورة ديسمبر 2018م. رغم ما انطوت عليه  الوثيقة الدستورية من عيوب، إلا أنها كانت حدثاً فريداً، في تاريخ الفترات الانتقالية التي أعقبت الثورات المدنية في البلاد.

بعد ثورة أكتوبر 1964م، وانتفاضة مارس/أبريل 1985م اللتين أطاحتا بنظامي الجنرالين إبراهيم عبود وجعفر نميري على التوالي، مرت الفترتان الانتقالتيان بدون إطار دستوري جديد.

أيضاً، انطوت الوثيقة الدستورية على حدث جديد كليةً، في تاريخ الثورات السودانية، وهي نصها على تشكيل مجلس تشريعي انتقالي.

بتوقيع الوثيقة الدستورية التي كانت امتداداً للاتفاق السياسي، وضع معارضو نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، وقادة التفاوض، مع لجنته الأمنية التي عزلته من السلطة على إثر أشهر من الاحتجاجات ضد حكمه، عبر الوثيقة الدستورية، المزيد من الصعوبات أمام المجلس العسكري. 

بعد عملية تفاوضية بدأت في أبريل 2019م، وانقطعت في يونيو، وعاودت في يوليو من نفس العام، تشكلت هياكل الحكومة الانتقالية وفق إطار دستوري لقي اعتراف العالم.

لكن، ريثما انتصر المعارضون سابقاً، وقادة الحكومة الانتقالية الجدد، وتمكنوا من فرض نموذجهم للانتقال على قادة المجلس العسكري الانتقالي المحلول، بدأ الأخيرون، جولاتهم، لإفراغ الانتقال من محتواه، كانت الجولة الأخيرة في انقلاب 25 أكتوبر الماضي.

نصّت الوثيقة الدستورية، على تشكيل المجلس التشريعي خلال 90 يوماً، على أن يُستعاض عنه بمجلس تشريعي مؤقت يتمثل في (اجتماع مشترك لمجلسي السيادة والوزراء) لإجازة القوانين وسن التشريعات.

غير أنه مرّت 25 شهراً، عمر الفترة الانتقالية حتى الانقلاب، ولم يتم تشكيل المجلس التشريعي، في كل مرة كان التأجيل يُعزى لأسباب مختلفة، لكن السبب الرئيس الذي عطّل قيامه، هو مطالب الحركات المسلحة بتأجيل قيامه إلى حين توقيعها اتفاق سلام مع الحكومة الانتقالية.

بينما يتجادل المدنيون فيما بينهم، والمكون العسكري وقتها من جهة أخرى، حول نسب حصصهم في المجلس التشريعي الانتقالي، أتى اتفاق سلام جوبا الموقع في 3 أكتوبر 2020م، بأخبار غير سعيدة بالنسبة للوثيقة الدستورية، عندما تمت إضافة المادتين 79 و 80 وإنشاء مجلس شركاء الفترة الانتقالية، في مخالفة صريحة للدستور.

أيضاً التعديلات التي أجريت على الوثيقة الدستورية ونشرت في الجريدة الرسمية، كانت مخالفة لآلية تعديل الوثيقة الدستورية التي نصت؛ على أن أي تعديل يُجرى عليها، يجب أن يتم بموافقة أكثر من ثلثي أعضاء المجلس التشريعي الانتقالي.

كان خرق الدستور، بمثابة إعلان مبكر لعدم قيام المجلس التشريعي من ناحية، وبمثابة اتساع الفتق على الراتق، وبداية تداعي حاكمية الفترة الانتقالية المبنية على الوثيقة الدستورية.

يُعتقد بأن من أكبر عيوب الوثيقة الدستورية، تقنينها لوجود الدعم السريع من دون تأكيد على إنهاء استقلاليته عن القوات المسلحة.

وفي هذا السياق، مثلت العادة السودانية الراسخة في عدم احترام الدستور، أكبر ضربة للوثيقة الدستورية.

ومع ذلك، نجحت الوثيقة الدستورية في إعطاء سلطات واسعة لرئيس مجلس الوزراء، كما ساوت بين المدنيين والعسكريين في مجلس السيادة الانتقالي، وكانت جيدة كفاية، لولا تنازل مسؤولو الحكومة الانتقالية عن سلطاتهم في أحيان كثيرة دون أن يكونوا مضطرين لفعل ذلك.

في الثالث من فبراير 2020م، وصل رئيس مجلس السيادة الانتقالي، عبدالفتاح البرهان، إلى مدينة عنتبي اليوغندية في زيارة سرية إلتقى خلالها برئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، بنيامين نتنياهو، وهو الأمر الذي فجّر الخلافات بين المكونين المدني والعسكري، حول إدارة العلاقات الخارجية، بسبب أن الوثيقة الدستورية نصت على أنها ضمن سلطات الحكومة المدنية.

جاء لقاء البرهان السري بنتنياهو، بعد نحو 6 أشهر من تشكيل السلطة الانتقالية، إلا أنه مثل أساساً جوهرياً لخروقات توالت على الوثيقة الدستورية.

من جانب آخر، لم تكن المشكلة في أوقات كثيرة في الوثيقة الدستورية نفسها، بل كانت المشكلة متعلقة بعدم تنفيذ بنودها وإنشاء المؤسسات التي نصت عليها.

ومع ذلك، ظلت الوثيقة الدستورية، تقوم بدور فاعل في تثبيت أركان الحكومة الانتقالية، في العام الثاني من عمر الفترة الانتقالية رغم تصاعد وتيرة الخلافات بين المدنيين والعسكريين، حول ملفات عديدة. وصلت الخلافات ذروتها في الحادي والعشرين من سبتمبر الماضي، في أعقاب محاولة انقلاب عسكري بالعاصمة الخرطوم.

تبادل رئاسة مجلس السيادة الانتقالي بين المدنيين والعسكريين، مثّل الخيط الرفيع في الوثيقة الدستورية، الذي يفصل بين استكمال عملية التحول الديمقراطي أو وقوع انقلاب عسكري يقطع الطريق أمامها وهو ما حدث بالفعل في الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي.

بعد انقلاب 25 أكتوبر، جمد البرهان عدداً من نصوص الوثيقة الدستورية على رأسها نص الشراكة مع قوى الحرية والتغيير.

بعد مرور نحو 10 أشهر على انقلاب 25 أكتوبر الماضي، تغيرت الكثير من الأمور، فرغم حملات القمع والتنكيل بالمتظاهرين السلميين والمعارضين لسلطة الأمر الواقع عامة، إلا أن النظام الحاكم فشل في شرعنة وجوده، في ظل تركيبته المتباينة الأهداف.

وسط ضغوط من واشنطن والرياض جلس المكون العسكري مع قوى الحرية والتغيير لمرتين، في يونيو الماضي، على أمل إيجاد حل سياسي. لكن، تلك الاجتماعات لم تُسفر عن جديد، فبينما عقدت قوى الحرية والتغيير ورشة لتقييم تجربتها في الحكم، أعلنت المؤسسة العسكرية خروجها من العملية التفاوضية والسياسية.

لكن واشنطن، عادت وجددت في الذكرى الثالثة لتوقيع الوثيقة الدستورية بمطلوبات التحول الديمقراطي.

وقالت السفارة الأميركية بالخرطوم “نُشجع، في الذكرى الثالثة لتوقيع الوثيقة الدستورية، كل الملتزمين بالتحول الديمقراطي للمضي في حوار شامل. وما ستكون عليه الحكومة القادمة، هو شأن يقرره السودانيون، وقد كانوا واضحين في ذلك: يجب أن تكون حكومة بقيادة مدنية وتوفر العادلة والرخاء والسلام.”

وعلى الرغم من تشجيع واشنطن للأطراف السودانية للحوار، تجسد تباعد الشقة بين طرفي الوثيقة الدستورية السابقيَن، في انخراط قوى الحرية والتغيير، في كتابة إعلان دستوري جديد، ورعاية البرهان من جانبه ما أطلق عليها (مبادرة نداء أهل السودان)، التي تبنت ضمن توصياتها، العودة لدستور السودان الانتقالي لسنة 2005م، فيما شدد الإعلان الدستوري الجديد لقوى الحرية والتغيير الذي أطلعت (بيم يبورتس) على مسودته على سيطرة الحكومة المدنية بشكل كامل على إدارة الأجهزة الأمنية، ومراجعة اتفاق سلام جوبا بموافقة أطرافه.

بين يومي 8-10 أغسطس الحالي، عقدت نقابة المحامين السودانيين، ورشة عمل حول الإطار الدستوري الانتقالي خرجت بثماني توصيات؛ تمثلت إجمالاً في: الإطار المفاهيمي للدستور الانتقالي، مهام الفترة الانتقالية ومدتها، مؤسسات السلطة الانتقالية ومن يشكلها، توصيات السلام، الحقوق والحريات العامة، العدالة والأجهزة العدلية، العلاقات المدنية العسكرية والإصلاح الأمني والعسكري والحوار الدستوري. 

بطبيعة الحال، لم تخرج ورشة الإطار الدستوري، أو الإعلان الدستوري لقوى الحرية والتغيير، عن المبادئ العامة للوثيقة الدستورية، لكن يكمن الفرق، في استصحابها للأخطاء السابقة المتعلقة بالعلاقة مع المكون العسكري، كما أنها تنفتح هذه المرة على قوى سياسية مختلفة المشرب، لكنها تتفق على ضرورة إنهاء الانقلاب العسكري وإبعاد الجيش من السياسة.

تمر اليوم الذكرى الثالثة لتوقيع الوثيقة الدستورية، وسط أوضاع سياسية غاية في التعقيد، أعقبت انقلاب 25 أكتوبر الماضي، وأحلام تبدو عصية التحقق في قيام سلطة مدنية ديمقراطية، على الأقل في الوقت المنظور.

عندما تتحول الكلمات إلى رصاص.. كيف يساهم خطاب الكراهية في تأجيج النزاعات الأهلية بالسودان؟

بهذه الكلمات تحدث القائد العام للجيش السوداني ، ورأس الدولة بحكم الأمر الواقع، عبد الفتاح البرهان، أمام مجموعة من السكان في مسقط رأسه بولاية نهر النيل شمالي البلاد، في يوليو الماضي.

حديث البرهان، يأتي في خضم أحداث عنف أهلي واجتماعي تشهده البلاد منذ عدة أشهر، يمثل الانحياز للجهة أو العرق، أحد أهم عوامل اندلاعه، فيما تُجسد أحداث العنف الأهلي بإقليم النيل الأزرق جنوب شرقي السودان، آخر تجلياته.

البرهان ليس، المسؤول الوحيد في سلطة الأمر الواقع الذي يدلي بأحاديث مرتبطة بخطاب الكراهية، فقد سبقه مسؤولون آخرون في إبداء إشارات وانحيازات جهوية ومناطقية، بينهم قائد ثاني الدعم السريع عبد الرحيم دقلو، عندما تحدث بشكل جهوي عن العاصمة السودانية الخرطوم.

على الرغم من عدم وجود تعريف في القانون الدولي لمفهوم خطاب الكراهية، وما يثيره توصيف ما يمكن اعتباره بالكراهية من جدل وخلاف، يُشار إلى سياق خطاب الكراهية في مفهوم الأمم المتحدة على أنه أي نوع من التواصل، الشفهي أو الكتابي أو السلوكي، الذي يهاجم أو يستخدم لغة ازدرائية أو تمييزية، بالإشارة إلى شخص أو مجموعة على أساس الهوية.

 وبعبارة أخرى، على أساس الدين أو الانتماء الإثني أو الجنسية أو العرق ما يستمد جذوره من اللون أو الأصل أو نوع الجنس أو أحد العوامل الأخرى المحددة للهوية. وهذا الخطاب كثيراً ما يثيرّ مشاعر التعصب والكراهية التي يغذيها في الوقت نفسه، ويمكن في بعض السياقات أن ينطوي على  الإذلال ويؤدي إلى الانقسامات، وهذا ما ينطبق على حديث البرهان.

عندما تصبح كلمات القادة السياسيين والمجتمعيين مهداً لخطاب الكراهية، سرعان ما تدفع المجتمعات المحلية الثمن من دماء أبنائها، قبل أن يدعي المسؤولون مرةً أخرى أنهم يعملون على حل النزاعات الدموية التي أشعلوها هم أنفسهم.   

ومع تمكن ملايين السودانيين في السنوات الأخيرة من امتلاك هواتف ذكية متصلة بشبكة الانترنت، أصبحوا هدفاً لوسائل الإعلام الاحترافية الموجودة على شبكة الانترنت والمنظومات السياسية، بالإضافة للجهات الحكومية. فضلاً عن أنهم أصبحوا عُرضة لشبكات أجنبية ومحلية، درجت على تقديم محتوى زائف ومضلل، بالإضافة إلى وجود محتوى آخر يحض على الكراهية ويعمل على خلق المشكلات في أوساط المجتمعات المحلية.

اندلعت ثورة ديسمبر عام 2018م، في أوج صعود عدد مستخدمي الإنترنت في السودان، وهو الأمر الذي وضع نظام الرئيس المخلوع عمر البشير، في تحدي مواجهة الإعلام الجديد على وسائل التواصل الاجتماعي الذي كان ينشط في نقل أخبار الحراك الشعبي.

ولمواجهة ذلك الأمر، بدأ النظام البائد في إيقاف عدد من تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي على رأسها فيسبوك، وسرعان ما ابتدر استراتيجية جديدة، تمثلت في إطلاق حملات مضادة مناوئة للثورة ترتكز على المعلومات المضللة والزائفة. لكن كل ذلك، لم ينجح في إيقاف الحراك الشعبي، ليبدأ الدخول في مرحلة جديدة تمثلت في نشر خطاب الكراهية بين السودانيين.

تصاعد خطاب الكراهية في وسائل الإعلام الجديد بتدبير من سلطة النظام البائد، في محاولاتها تحجيم وتأطير الحراك الشعبي المناهض للحكومة بتصويره كحراك جهوي تارة، أو بتصويره كحراك علماني تارة أخرى.

في ظل فشل النظام البائد في السيطرة على التظاهرات، أفاق السودانيون في أحد أيام الثورة، على خبر اعتقال طلاب بجامعة سنار بحجة أنهم يتبعون لحركة جيش تحرير السودان بقيادة عبدالواحد نور التي كانت تقاتل النظام البائد في إقليم دارفور، وأنهم ينوون القيام بعمليات إجرامية، وفقاً لما نشره التلفزيون الرسمي حينها.

لاحقاً، ورغم ادعاءات الحكومة وقتها، حول نية المعتقلين ارتكاب جرائم  جنائية، إلا أن ذلك الأمر تحول إلى خطاب كراهية ضد طلاب دارفور عامةً، وخصوصاً الأذرع الطلابية للحركات المسلحة بالجامعات السودانية، باعتبار أنهم عملاء لإسرائيل وجهات أجنبية، حيث ألقى تشويه سمعة أولئك الطلاب الذين قُتل أحدهم برصاص قوات الأمن في الخرطوم بحري، بظلال سلبية على وضع البلاد، حيث كان الغرض منه وضع الجميع في حالات استقطاب جهوي وعرقي لإفشال الحراك الشعبي.

وبينما درج المسؤولون الحكوميون سواء في فترة الحكومة الانتقالية، أو في أعقاب انقلاب 25 أكتوبر، في الحديث عن أن خطاب الكراهية يُفاقم المشكلات في بلد خرج لتوه من حروب أهلية امتدت لنحو عقدين في نسختها الحديثة، إلا أنهم بالمقابل كانوا في حالات جزءاً من هذا الخطاب، سواء كان في شكل انحيازات جهوية أو إثنية.

بجانب أنهم لم يعملوا على تجاوز العقبة الرئيسية المتمثلة في طرح دولة قائمة على المواطنة، والتي تضمن الحقوق لكل السكان على أساس متساوٍ، في بلد يواجه بشكل مستمر شبح الانقسامات العرقية. 

وتُعد قضية الهوية والنزاع على ملكية الأرض والجهوية والمناطقية، أحد أبرز عوامل تأجيج خطاب الكراهية، والذي تُغذيه من ناحية أخرى عدم وجود سياسات من الدولة لمعالجته كجذر رئيس للصراع في البلاد. 

في أحداث عنف أهلي واجتماعي عديدة شهدتها البلاد منذ عام 2019م، مثل أحداث بورتسودان، كسلا الجنينة وغرب كردفان وإقليم النيل الأزرق أخيراً، مثّل خطاب الكراهية وقوداً لتلك النزاعات الدموية، سواء كان ذلك على منصات مواقع التواصل الاجتماعي أو في شكل خطابات سياسية للقادة المحليين أو السياسيين.

ومع ذلك، لم يكن من الهين تصور أن يكون القائد العام للقوات المسلحة، ورأس الدولة الحالي بحكم الأمر الواقع، عبد الفتاح البرهان، أحد صنّاع خطاب الكراهية في البلاد.

ومثّلت كلمات البرهان الذي كان يتحدث إلى مجموعة من السكان في مسقط رأسه بولاية نهر النيل شمالي البلاد، في يوليو الماضي، ذروة خطاب الكراهية، عندما تحدث على أساس جهوي بالكامل، رغم تعارض ذلك مع منصبه كقائد للجيش السوداني. أيضاً أدخلت كلماته الرأي العام في حالة من الاستقطاب الحاد وهو الأمر الذي يساهم في تأجيج خطاب الكراهية ومفاقمة النزاعات في البلاد.

لا تكف سلطة الأمر الواقع في السودان، عن الدعوة لإيقاف خطاب الكراهية، ومع ذلك، عندما يتحدث قادتها، فإنهم يثيرون الكراهية في أي اتجاه.

خلال مناسبة إطلاق سراح الزعيم الأهلي، موسى هلال، قبل عدة أشهر، أطلق قائد ثاني الدعم السريع، عبد الرحيم دقلو كلمات أثارت الرأي العام السوداني، عندما تحدث بشكل جهوي حاد في موضوع كان يتعلق بالعاصمة الخرطوم.

بينما تسيل دماء السودانيين من وقت لآخر وتبتعد الشقة بينهم بسبب خطاب الكراهية، لا يزال نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي من أنحاء البلاد المختلفة، يؤججون الصراع بتبنيهم لمزاعم ورؤى عنصرية لا تستند على أي أساس منطقي.

كما يتغذى خطاب الكراهية في البلاد باستغلال بعض الخطابات السياسية، حيث يُعد الحديث عن سكان أصليين وآخرين وافدين، من بين العوامل التي يتم استخدامها في تأجيج خطاب الكراهية، وهو من بين الأسباب الرئيسية التي تؤدي إلى اندلاع أعمال عنف.

لا يقف خطاب الكراهية في البلاد والذي يزيد من حدة التوترات المجتمعية، عند عتبة السكان المدنيين، بل استشرى حتى في أوساط القوات العسكرية، في حالات عديدة كان سبباً في تفاقم أحداث العنف، بسبب الحياد أو الانحياز أو الانحياز المضاد.

ومنذ عقود يعاني السودان من حروب أهلية أفرزت صراعات متشابكة ليس أقلها تحول مشكلات عادية إلى اقتتال دامٍ، خاصة مع انتشار السلاح لدى المواطنين، وبطء استجابة قوات الأمن.

كشف وكيل أول وزارة الإعلام والثقافة السابق، رشيد سعيد، عن اعتزام الحكومة الانتقالية مخاطبة دولتي تركيا وتونس حول وجود بعض المواقع الالكترونية التي تُدار من أراضيها وتعمل على تفكيك النسيج الاجتماعي بالبلاد، مشيرا إلى أنه سيتم اتخاذ إجراءات قانونية تجاه الشركات التي تنشر محتوى يثير الكراهية.

وقال سعيد، إن الحكومة ستتخذ خطوات قانونية بشأن الشركات التي تنشر هذا المحتوى الذي يثير الكراهية، مشيرا إلى أن بعض الصفحات في مواقع التواصل الاجتماعي ضارة وأحيانا لا يُعرف من يقف خلفها.

فيما أوضح مستشار رئيس الوزراء السابق للسلام جمعة كندة، في تصريحات سابقة، أن خطاب الكراهية والخطاب السياسي غير المنضبط هو أسلوب يتم توظيفه من خلال تضخيم الحقيقة أو إظهار الشائعة كحقيقة أو التشكيك فيها. 

وقال كندة، إن خطاب معظم القادة السياسيين تحريضي إقصائي، منوها إلى أن الهدف من هذا النوع من الخطابات ديني وسياسي واجتماعي وغيره. مضيفاً “أن ذلك النوع من الخطاب يؤدي الى العنف، لذلك لا بد من خصائص ومعايير متفق عليها”. 

“المشكلة ليست في تنامي خطاب الكراهية في الفترة الأخيرة، لكن توجد ثقافة التعايش معه، وبالتالي يوجد شبه إجماع بأن هذا الخطاب أصبح أكثر بروزاً بعد اتفاق جوبا وكان يجب أن يحدث العكس”، يقول كندة.

يضيف كندة “إن النزاعات العنيفة التي شهدها السودان لسنوات طويلة أدت الى تنميط المجموعات السياسية والاجتماعية وأعطت صورة سالبة للآخر تغذي خطاب الكراهية”.

 وتابع “من أسباب ظهور خطاب الكراهية هو الوعي غير المرشد، كما أن المناهج محملة بخطاب الكراهية وبالتالي وجود جيل مستعد لتبني هذا الخطاب. بالإضافة إلى الانفجار المعلوماتي، وتراجع الشعور بالانتماء الوطني وتزايد الاعتزاز بالقوميات المحلية والإقليمية”،  وقال “فشلنا في تقديم برنامج يجمع السودانيين حول الوطنية”.

في خضم صراع سياسي حول الديمقراطية والدولة المدنية من جهة، ومحاولة عسكرة الدولة والحياة السياسية واستعادة النظام البائد بوجوه جديدة منذ انقلاب 25 أكتوبر الماضي، ووجود اتفاق سلام هش، وغياب فصائل مسلحة رئيسية عن المشهد السياسي، صعد خطاب الكراهية إلى ذروته، حيث يتم استخدامه بكثافة لتحقيق مكاسب سياسية، الأمر الذي يزيد من مخاطر تفاقم النزاعات، في بلد ظل يرزح تحت حروب أهلية وانقسامات اجتماعية طيلة تاريخه الحديث.

كيف يحاول العسكر احتواء الإدارات الأهلية وتوظيفها لخدمة أجندتهم السياسية؟

لم يكن رفض مجلس شورى الأمرأر بشرق السودان، لسيارات أهداها لهم قائد الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، قبل عدة أسابيع، سوى مؤشر جديد، لمحاولات قديمة معلنة من المجلس العسكري الانتقالي وحميدتي على وجه الخصوص، لاستمالة الإدارات الأهلية والعمل معها، منذ الإطاحة بالرئيس المخلوع، عمر البشير، عبر ثورة شعبية في أبريل 2019 م. 

وتكثفت هذه المحاولات، لتحويل الإدارات الأهلية، إلى حاضنة سياسية للمجلس العسكري، عقب فض اعتصام القيادة العامة بالمقار الرئيسية للجيش السوداني في العاصمة الخرطوم ومدن أخرى، في 3 يونيو 2019 م. ومع انقلاب 25 أكتوبر الماضي، عادت المحاولات الحثيثة مرة أخرى، للاحتماء بالإدارات الأهلية، لتثبيت السلطة العسكرية من ناحية، واستبقائها نشطة كحاضنة سياسية، للاستعانة بها في أية انتخابات محتملة.   

ويحاول المجلس العسكري، ممثلاً في القائد العام للجيش، عبد الفتاح البرهان، وقائد الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي) من الجانب الآخر، فيما يشبه عملية تنافسية، تثبيت وجودهما في السلطة، وفتح نافذة لمستقبل سياسي من خلال احتواء الإدارات الأهلية وتوظيفها في خدمة أجنداتهما السياسية.

مساومة في الحقوق

وفي هذا الإطار، التقى البرهان، يوم الثلاثاء الماضي، ضمن لقاءات مستمرة، وفداً من الإدارة الأهلية قادم من ولاية جنوب دارفور، والذي أشاد خلال لقائه بهم، بما وصفها بــ”الأدوار المتعاظمة التي ظلت تضطلع بها الإدارات الأهلية في بسط السلم والأمن المجتمعي ونشر ثقافة السلام”. 

وفي بلدٍ تعاني أريافه انعداماً للخدمات، يظل الحديث عن التنمية مدخلاً أساسياً، لاختراق الإدارات الأهلية بتقديم وعود تنموية. حيث أكد البرهان، أثناء استقباله، لإدارات أهلية قادمة من محلية عد الفرسان بولاية جنوب دارفور، على “ضرورة توفير الخدمات الضرورية لكافة الولايات والمحليات وتحسين معاش الناس”. 

ومع عجز الدولة المستمر، عن حماية مجتمعات الريف وحل مشاكلها التنموية والخدمية، دعا البرهان، لأهمية، ما وصفها بــ“وحدة الصف والتماسك المجتمعي وضرورة نبذ العنف والتفرقة، بما يضمن استتباب الأمن والاستقرار وتحقيق التنمية المستدامة”. 

فيما قال ناظر عموم بني هلبة، التوم الهادي عيسى دبكة، إن الوفد جاء ليؤكد دعمهم لعملية الحوار الجامع من أجل تحقيق “تطلعات” الشعب السوداني، داعياً الأحزاب والقوى السياسية لما وصفها بتغليب المصلحة الوطنية وتحكيم صوت العقل وإعلاء روح التسامح من أجل تحقيق السلام والحرية والعدالة المنشودة.

محاولات حميدتي لصناعة قاعدة شعبية

ومنذ انقلاب 25 أكتوبر الماضي، أصبح المجلس العسكري، وخصوصاً حميدتي يعمل بشكل علني، فيما يبدو أنها، محاولات لخلق قاعدة انتخابية شعبية، بالتحالف مع الإدارات الأهلية للانتخابات المحتمل قيامها في العام المقبل، من طرف واحد. 

في مارس الماضي، زار حميدتي ولاية البحر الأحمر لمدة 5 أيام، كان طابع الزيارة الأساسي؛ هو عقد لقاءات مع قادة الإدارات الأهلية، بجانب زيارات للموانئ وإصدار قرارات بشأنها، أيضاً تحدث عن مشكلة المياه في مدينة بورتسودان، حيث قدم وعوداً بحلها، مقدماً نفسه في صورة رجل دولة يسعى لحل قضايا شعبه.

خلال زيارته إلى بورتسودان، وبعدها، نشطت حملات ترويجية على وسائل الإعلام التقليدية والحديثة، تشيد بقراراته وكونه قادر على حل مشاكل شرق السودان المستعصية، والتي يتحالف مع أطرافها المتناقضة جنباً إلى جنب.

أجندة قديمة في قوارير جديدة!

عمل حميدتي المستميت مع الإدارات الأهلية، لجعلها حاضنة سياسية واجتماعية، على حساب الأحزاب السياسية المدنية وتجمع المهنيين السودانيين ولجان المقاومة، بدأ بعد أيام من فض اعتصام القيادة العامة بالخرطوم. ففي يونيو 2019م، تم تجميع عدد كبير من الإدارات الأهلية من أنحاء البلاد المختلفة بمعرض بري، شرقي العاصمة السودانية الخرطوم، لتفويض المجلس العسكري الانتقالي الذي استولى على السلطة، لتشكيل حكومة تكنوقراط.

ونشر الموقع الإلكتروني للقصر الجمهوري، في يوم 18 يونيو 2019م، خبراً عن تفويض الإدارات الأهلية في عموم السودان، المجلس العسكري الانتقالي، بتشكيل حكومة تكنوقراط من الكفاءات السودانية لإدارة الفترة الانتقالية.

وجاء إعلان الإدارات الأهلية، بتفويض المجلس العسكري الانتقالي، في البيان الختامي لملتقى الإدارات الأهلية في عموم السودان، بالخرطوم والذي أشار الخبر، إلى حضور أكثر من (٧) آلاف من قيادات الإدارة الأهلية من كل أنحاء البلاد.

وقال حميدتي، خلال مخاطبته ختام الملتقى، إن البلاد تحتاج في الوقت الراهن إلى الإسراع في تكوين حكومة من الكفاءات السودانية إلى حين قيام انتخابات حرة ونزيهة في “أقرب وقت”.  

وأضاف “أن هذا اليوم هو يوم نصر، لأنه جمع الإدارات الأهلية التي تضم كل مكونات الشعب السوداني” على حد قوله. متابعاً: “الإدارات الأهلية تمثل برلمان السودان ومجالسه التشريعية في ظل غياب البرلمان المنتخب”، مطالباً قيادات الإدارة الاهلية بالعمل جنباً إلى جنب مع المجلس العسكري في “هذه المرحلة”، باعتبارهم “أصحاب إرث راسخ” في تقديم الحلول للقضايا من خلال الأعراف السودانية التي أصبحت مُعترف بها عالمياً، وفق قوله.

من جهتها، أشادت الإدارات الأهلية في البيان الختامي للملتقى بدور القوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى، في دعم الثورة وانحيازها للشعب، وفوضت المجلس العسكري الانتقالي لتشكيل الحكومة الانتقالية والإسراع بقيام انتخابات تفضي إلى حكومة منتخبة، فضلاً عن اتخاذ كافة القرارات التي تفضي لاستقرار البلاد.

ودعت الإدارات الأهلية، في بيانها الختامي، إلى “الشروع الفوري” في مفاوضات سلام مع الحركات المسلحة لتحقيق الاستقرار بالبلاد. وسلمت الإدارات الأهلية بالبلاد في ختام الملتقى، حميدتي، ما سمتها وثيقة عهد وميثاق، أكدت فيها وقوفها مع المجلس العسكري.

كيان سياسي

في تلك الفترة التي تلت فض اعتصام القيادة العامة، بدأ المجلس العسكري الانتقالي، توجهاً واضحاً في محاولة تشكيل كيان سياسي، يعمل من خلاله على إدارة الدولة وشؤون الحكم بعد تباطؤه في تسليم السلطة للمدنيين. حيث تم الإعلان عن حزب جديد تحت مسمى “الحزب الأهلي السوداني”، بمباركة حميدتي الذي عبر عن ترحيبه بالكيان الجديد، وأنه يعوّل في المستقبل على رجالات الإدارة الأهلية والطرق الصوفية في تحقيق الأمن والاستقرار بالسودان.

مشهد قاتم بالشرق من صنع حميدتي

بالعودة إلى رفض مجلس شورى الأمرار، السيارات التي أهداها لهم (حميدتي)، ندد المجلس بالخطوة. وقال في بيان، “إن هذه السيارات ليست مكرمة وإنما اساءة بالغة لنا ولا يمكن تقبلها”. مضيفاً “هذا المسلك مرفوض بالنسبة لنا وإساءة بالغة لا يمكن تقبلها، وهذه ليست مكرمة يمكن تقبلها وإنما تدنيس لدماء شهداء البجا”.

ويعتقد ناشط في قضايا شرق السودان تحدث لـ(بيم ريبورتس)، أن حميدتي، يحاول من خلال نفوذه مع قادة أطراف الإقليم الرئيسية أن يوازن وجوده في السلطة، لكن هذا الأمر يشكل خطراً كبيراً إذا ما شعر بأن وجوده في السلطة المركزية بات محل شكوك، إذ بإشارة منه يمكن أن يشعل الشرق. 

ورغم أن قضية شرق السودان، واضحة المعالم، يقول الناشط، إلا أن حميدتي لا يريد حلها لاستخدامها كورقة سياسية يحافظ بها على موقعه في أي تسوية مقبلة. 

بيان مجلس شورى الأمرأر بشرق السودان

وقال في هذه الحالة، يمكن أن يُشكل خطراً كبيراً على الشرق، باعتبار علاقاته الوثيقة مع الأطراف المتناقضة والوعود التي قدمها للجميع، لحل مشاكل الإقليم، إذ يتعامل معه الجميع ليس بصفته الشخصية ولكن كممثل للدولة.  

أيضاً يسيطر حميدتي على تنظيمات كانت موالية للنظام البائد بولاية البحر الأحمر، مثل مؤتمر البجا بقيادة موسى محمد أحمد، كذلك يسيطر على ما يسمى بتجمع المهنيين (المركز العام)، في ولاية البحر الأحمر.

أبعاد جيوسياسية وإقليمية تتفاعل في أزمة الشرق، حيث منح مجلس السيادة، الرئيس الإرتري، أسياس أفورقي، الضوء الأخضر، للتعاطي مع قادة الإقليم، حيث ينشط في محاولة ترك كلمته في الأزمة.

تاريخ الإدارة الأهلية

وتعود نشأة الإدارة الأهلية إلى عهد السلطنات السودانية القديمة، وارتبطت بتاريخ نشأة مملكة الفونج ومملكة التنجر ومملكة الفور، حسب بعض المؤرخين.

وعقب إطاحتها بالحكم التركي – المصري، في عام 1885م، استصحبت الدولة المهدية، التكوين القبلي الذي يمثل روح الإدارة الأهلية، وعملت على تكريس ذلك النظام وأسبغت على زعماء الإدارات الأهلية الألقاب والرتب وأصبحوا أمراء.

ليأتي بعدهم البريطانيون، عقب احتلالهم البلاد في عام 1898م ويستمروا في ذلك النمط الإداري، في حكمهم للسودان، بل عملوا على تهجينه وتطويره مع ما يتماشى ورغبتهم في إحكام قبضتهم على البلاد، فعملوا على تعزيز دور قادة الإدارات الأهلية  بالترهيب والترغيب والرشاوى ومنحهم الامتيازات وشكلوا عاملاً مشاركا في إدارة البلاد.

بعد إجلاء الاستعمار البريطاني في عام 1956م دخلت الإدارة الأهلية مرحلة جديدة في نموها، إذ انقسمت كياناتها بين القوى الحزبية الطائفية وشكلت ذلك النسيج الضارب الجذور في خلايا الدولة السودانية.

غير أن الإدارات الأهلية، تاريخياً، ظلت ترى الدعوة للديمقراطية والحداثة خطراً يهدد امتيازاتها التاريخية المادية والمعنوية الموروثة، وبالتالي أصبحت ذلك الحليف الطبيعي لأنظمة الاستبداد، حيث تبدي تخوفها من كل نزعة نحو المستقبل والتغيير، خاصة التحديث في هيكل الدولة القديمة المتوارث.

توظيف في الحروب الأهلية

وشهدت عقود النظام البائد الثلاثة في الحكم، تمدد نسيج الإدارة الأهلية في جهاز الدولة وعصره الذهبي، ولم يقم المجلس العسكري الحالي، سوى بإعادة إحيائه مجدداً. أيضاً وظف النظام البائد، الإدارات الأهلية ضمن الحروب الأهلية، حيث عمل مع قياداتها لمده بالمتطوعين للقتال ومساندة الجيش، قبل أن تتحول إلى شيء أشبه بالعمليات التجارية، حيث كانت تتم عبر مقاولات مباشرة، بين بعض شيوخ الإدارات الأهلية وبين مسؤولي نظام الإنقاذ المخلوع، حيث يتلقوا عوائد مالية نظير كل شخص يتم إرساله إلى مناطق العمليات العسكرية. أيضاً كانوا يتلقوا أموالاً وامتيازات أخرى نظير تجميع حشود مصنوعة لاستقبال مسؤولي نظام الإنقاذ المخلوع.

لكن هذه العمليات، عملت من جانب آخر على تفكيك النسيج الاجتماعي، من خلال عمليات استنفار المجموعات للانخراط في الحروب. وتمثل بعض الإدارات الأهلية، امتداداً للنظام البائد، ويتم استخدامها حالياً من قبل المجلس العسكري، لخلق حالة من الاضطرابات والتناقضات السياسية والاجتماعية، في مشهد البلاد القاتم.

كيف تدفع إغراءات المال آلاف الجنود السودانيين لسباق المشاركة في دمار اليمن السعيد؟

سباق المشاركة

خلال أكثر من عام بقليل قضاها كمستشار عسكري على الحدود السعودية ـ اليمنية، أكمل العقيد بالجيش السوداني، (أ.أ)، والذي أنهى مهمته ضمن اللواء الثامن، قبل عدة أسابيع فقط، بناء منزل فخم من عدة طوابق في إحدى ضواحي العاصمة السودانية الخرطوم، بتكلفة بلغت ملايين الجنيهات، ما كان ليستطيع فعل ذلك، بناء على راتبه الرسمي.

العقيد (أ.أ)، ليس العسكري الوحيد الذي مثّلت له حرب اليمن، مصدراً مالياً كبيراً لتحسين وضعه الاقتصادي بما في ذلك إنشاء استثمارات صغيرة ومتوسطة، تبدو بعيدة المنال في الظروف العادية.

بينما بات حديث ضابط الصف الفني بقوات الدفاع الجوي السودانية، (م.أ) منذ عودته من حرب اليمن قبل عدة أشهر، مركزاً حول شراء عقار أو قطعة أرض، بما يعادل نحو 15 مليون جنيه سوداني، وإنشاء بعض المشروعات الصغيرة، كحصاد لعام قضاه في الحدود السعودية ـ اليمنية.

لا يعتقد (م.أ)، أنه، كان يعمل كمرتزق يقول “نحن مجرد فنيين ونقيم في القواعد العسكرية”.

بعد عام، و6 أشهر فقط قضياه في اليمن كل على حدة، تمكن الجنديان الشقيقان (م . ع)، من شراء قطعتي أرض بأمدرمان وسيارة نقل عام وركشة، وباتا حديث سكان الحي، من خلال رحلة ثرائهما السريع، أو على الأقل تحسين أوضاعهما بطريقة غير متاحة للآخرين.

أولئك الذين حققوا أحلامهم بالمشاركة في حرب اليمن لجني المال، ينتظر آلاف العسكريين السودانيين دورهم في الذهاب إلى أرض الأحلام (اليمن)، لاختبار كيف تحولك أشهر قليلة من عسكري يتقاضي ما لا يتجاوز عشرات الآلاف من الجنيهات السودانية في الشهر، إلى شخص تداعبه أياديه ملايين الجنيهات.

منذ ما يقارب العام سافر كل من العسكريين بقوات الدفاع الجوي (م.ش) و(ك.ع)، ضمن 600 عسكري آخر إلى مدينة الجنينة غربي البلاد للعمل هناك، على وعد أن يتم اختيارهما للسفر إلى اليمن بنهاية مهمتها التي قاربت على الانتهاء.

لكن أحداث العنف التي تشهدها ولاية غرب دارفور منذ يوم الجمعة قبل الماضي، ربما تمدد مهمتهما هناك، يقولان سنذهب إلى اليمن إذا بقينا أحياء.

أيضاً ينتظر المئات من قوات الدفاع الجوي الموجودون في منطقة الفشقة بولاية القضارف جنوب شرقي البلاد، دورهم في الذهاب إلى اليمن، لكن، مع بداية إعادة انتشار الجيش السوداني في الفشقة في نوفمبر 2020م، قتل العديدون بينهم، دون أن يروا اليمن.

جاءت مشاركة السودان في حرب اليمن، في عام 2015م، كتحالف عربي بقيادة المملكة العربية السعودية لاستعادة الشرعية في اليمن، لكن الدوافع والأهداف مبهمة.

عدد القوات والوحدات العسكرية

ومنذ ذلك الوقت تشارك كل الوحدات العسكرية السودانية، على رأسها المشاة، وبعض الوحدات تشارك بأطقم فنية، مثل المدرعات والمهندسين والدفاع الجوي وسلاح الإشارة، وكل فئات الجيش المشاركة عبارة عن مستشارين فنيين ومهنيين.

أيضاً استقطبت حرب اليمن عدداً من الرياضيين العسكريين، مثل لاعب نادي الهلال والمنتخب الوطني السابق، أبوبكر الشريف، حيث يشارك في اللواء 11. بجانب بطل السودان السابق في ألعاب القوى، إسماعيل أحمد إسماعيل، أيضاً يوجد ضمن اللواء 11.

وآلية الاختيار كانت تتم حسب سنوات الخدمة ونموذج العمليات، كلما كان لديك سنوات خدمة وخبرة طويلة تكون فرص المشاركة أكبر. لكن حالياً، بدأ يتم إبعاد كبار السن بجانب صغار السن، وأولئك المصابين بمرض الكبد الوبائي بطبيعة الحال. أيضاً، يضع بعض كبار الضباط أياديهم من خلال، التحكم في قائمة المشاركين عبر المال مقابل إتاحة فرصة المشاركة، في حرب اليمن لمدة عام، حيث يمنح الجنود وضباط الصف 13 ألف ريال شهرياً، بجانب قيمة للدولة غير معروفة.

وتتم المشاركة من اللواء الأول حتى العاشر، والآن تم تعديل الاتفاق المالي، بداية من اللواء الـ11، ولا تعرف القيمة بعد، لأنهم سافروا فقط الشهر قبل الماضي.

ويبلغ العدد الكلي للواء 5 آلاف جندي، بجانب ما تعرف بـ(كتائب اليمن)، وهي تضم العسكريين من كبار السن، وأولئك الذين يتم اختيارهم عبر الواسطة، ويكونوا موجودين في أماكن آمنة نسبياً، بجانب أن فترتهم 6 أشهر.

يوجد على مدار العام لواءين من الجيش السوداني في السعودية، حالياً يوجد اللواء العاشر والحادي عشر الذي لديه عقد جديد بقيمة أعلى، بينما يوجد ما يقدر بنحو 5 آلاف عسكري من الدعم السريع، غالبيتهم داخل الأراضي اليمنية، ومدة بقائهم 6 أشهر ويتم تغييرهم مرتين في العام.

حالياً يتم إعداد اللواء الـ12، لتغيير اللواء العاشر، بعد عدة أشهر، بينما سيتم تغيير اللواء 11 باللواء 13 في مارس 2023م.

شركات الجيش

مع امتلاك الجيش السوداني، لمئات الشركات التي تُقدر أصولها بمليارات الدولارات، لا يستطيع غالبية أفراده تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة، وسرت موجة غضب في أوساطهم بعد مضاعفة رواتب قوات الشرطة منذ الشهر الماضي، دون أن تشملهم زيادة الرواتب.

الأحاديث والمعلومات التي تحصلت عليها (بيم ريبورتس)، من عدد من العسكريين، توضح أن الحرب في اليمن، لا تمثل بالنسبة لهم سوى مورد اقتصادي لتحسين أوضاعهم الاقتصادية، لا يأتي فيها ذكر لأية أسباب أخرى تدعو للمشاركة فيها.

أسير سابق

“قضيت أكثر من عام في اليمن إلى أن تم أسري. لن أذهب إلى هناك مرة أخرى لأي سبب كان”، يقول المساعد في الاستخبارات (ع.ع)، وهو يمتلك حالياً حافلة مواصلات يقدر سعرها بحوالي 10 ملايين جنيه سوداني.

هروب بعد العودة من اليمن

"أولادكم الذين قمنا بتجنيدهم في الدعم السريع، يذهبون إلى اليمن ويأتون، للتو صرفوا شيك بمبلغ مليارات و400 ألف جنيه، الواحد يمشي يشتري موتر ويشتري بندقية ويشتري لي شال ويخلي الدعم السريع.. نحن يا جماعة في سنة واحدة في 8 ألف فاتوا خلونا"

يقول أحد ضباط الدعم السريع، في مخاطبة منشورة على الإنترنت قبل عدة أشهر.

أصوات رافضة للحرب

ورغم هذه الموجة الحماسية للمشاركة في حرب اليمن المستمرة منذ اكثر من سبع سنوات، إلا أن ضباطاً وجنوداً كثر يرفضون المشاركة فيها، بل ويرفضون مبدأ مشاركة الجيش السوداني في الحرب وما ترتب عليها.

الموقف المعارض للحرب داخل الجيش، يتفق مع مواقف القوى السياسية المدنية التي كانت تعارض نظام الرئيس المخلوع عمر البشير. أيضاً يتفق مع موقف الحكومة الانتقالية السابقة، حيث دعا رئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك، إلى حل سياسي للأزمة اليمنية.

بداية الحرب

في عام 2015م، أعلنت المملكة العربية السعودية، بدء عملية عسكرية في اليمن ضد المتمردين الحوثيين، تحت مسمى عاصفة الحزم بمشاركة 10 دول بينها السودان، وهي كانت بمثابة فرصة ذهبية لنظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، لتمويل اقتصاد البلاد الذي كان يعاني من تبعات انفصال جنوب السودان في 9 يوليو 2011م.  

لكن بعد أكثر من 7 سنوات على انضمامها إلى جانب المملكة العربية السعودية في حربها ضد اليمن تحت مسمى تحالف استعادة الشرعية، بدا أن مشاركة القوات المسلحة السودانية تركت آثاراً عميقة على سمعتها بالدرجة الأولى، بجانب تبعات سياسية عالية وقعت على السودان جراء المشاركة في هذه الحرب. فضلاً عن مقتل وجرح وأسر مئات العسكريين، حسب إحصائيات سودانية، لكن اليمنيين يتحدثون عن آلاف القتلى من القوات السودانية.

ومنذ بدء انضمامها إلى التحالف العربي بقيادة السعودية، ثار الجدل، وما يزال، وسط السودانيين، حول مدى مشروعية وأخلاقية مشاركة القوات السودانية، باعتبار أن عملها الأساسي حماية الشعب والتراب الوطني. 

وغداة انضمامه إلى (عاصفة الحزم)، قال الجيش السوداني في بيان، إن هذه المشاركة تأتي “من منطلق المسؤولية الإسلامية لحماية أرض الحرمين الشريفين والدين والعقيدة”.

في مارس 2015م، أعلن الناطق باسم الجيش السوداني وقتها، الصوارمي خالد سعد، مشاركة السودان في “عاصفة الحزم” رسمياً، لدعم قوات التحالف بقيادة السعودية في حربها ضد الحوثيين باليمن، وفي أكتوبر من نفس العام، أعلن الرئيس المخلوع، عمر البشير، وصول أول دفعة من الجيش إلى اليمن، وقال إن عددها لا يتجاوز لواء واحد من المشاة.

حمدوك يدعو للحل السياسي

عقب أشهر من إسقاط نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، في أبريل 2019م، أعلن رئيس الوزراء السوداني السابق، عبد الله حمدوك،  في ديسمبر من نفس العام، أن عدد القوات السودانية العاملة في اليمن هو 5 آلاف.

وقال حمدوك في تصريحات صحفية وقتها، إن بلاده بدأت سحب قواتها من اليمن تدريجيا، كاشفاُ أن العدد تقلص من 15 ألف جندي إلى 5 آلاف جندي.

وأكد حمدوك، أن الصراع في اليمن “لا يمكن حله عسكرياً.. ويجب إيجاد حل سياسي”، وقال للصحفيين إنه لم تُجر مناقشات حول سحب القوات السودانية من اليمن أثناء زيارته لواشنطن”.

وتعمل القوات السودانية في إطار تحالف تقوده السعودية تدخل في اليمن عام 2015 لمواجهة جماعة الحوثي التي تسيطر على العاصمة صنعاء.

ومنذ إعلان الإمارات الماضي تقليص وجودها العسكري في اليمن ثم سحبها لقواتها من ميناء عدن جنوبي البلاد، بدأ انخفاض عدد القوات السودانية المشاركة في اليمن خصوصاً مليشيا الدعم السريع.

سبع سنوات من الحرب

وحرب اليمن التي يشارك فيها الجيش السوداني منذ أكثر من 7 سنوات، أودت بحياة عشرات الآلاف من الأشخاص ودفعت الملايين إلى شفا مجاعة.

وكان قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، قد أعلن أن عدد القوات السودانية التي تشارك في حرب اليمن بلغ ثلاثين ألف جندي، معظمهم من قوات الدعم السريع.

تجنيد الأطفال

وكانت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، كشفت في تحقيق صحفي لها، أن 40% من الجنود أطفال يتم تدريبهم في مناطق على الحدود مع السعودية، وقالت الصحيفة الأميركية، إن أعمار الأطفال المجندين بين 14-17.  

واتخذ الرئيس المخلوع، عمر البشير، قرار المشاركة في حرب اليمن عام 2015م، بدعوى أن أمن “الحرمين الشريفين” خط أحمر، وأن ما تقوم به بلاده واجب مقدس وأخلاقي على حد تعبيره.

قادة عسكريين لعبوا دوراً رئيسياً في حرب اليمن

ومن القادة العسكريين السودانيين الذين كان لهم دور رئيسي في حرب اليمن، رئيس أركان الجيش السابق، عماد مصطفى عدوي، الذي زار قاعدة العند عام 2016م، وقائد القوات البرية السابق عبد الفتاح البرهان، الذي أشرف على القوات السودانية في اليمن بالتنسيق مع قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي).

انتشار القوات السودانية

وتنتشر القوات السودانية تحديداً في تعز والحديدة ولحج وحجة وصعدة وقد شارك أفرادها في جميع عمليات التحالف تقريبا في جنوب اليمن.

وفي سبتمبر  2018م، اعترف قائد قوات الدعم السريع، بمقتل 412 جنديا سودانيا، بينهم 14 ضابطا، بينما قدر مصدر حكومي حينها عدد الذين قتلوا من الجيش السوداني في حرب اليمن بنحو 850 عسكرياً.

قتلى جدد في اليمن

وفي مارس الماضي، أعلنت جماعة أنصار الله الحوثية اليمنية، مقتل أكثر من 80 سودانيا و15 جنديا سعوديا في عملية عسكرية بمدينة حرض الحدودية. وأفاد مصدر عسكري لقناة “لمسيرة” التابعة للحوثيين، بأنهم قاموا بتطهير عشرات المواقع والقرى غرب مدينة حرض خلال العملية الواسعة على مواقع التحالف العربي.

وصرح المصدر العسكري بأن “العملية العسكرية استمرت غرب حرض يومين كاملين سيطر المجاهدون خلالها على مساحة تقدر بـ 54 كم مربع”.

وأكد المصدر العسكري مصرع وإصابة أكثر من 500 عنصر من المقاتلين من الجنسيتين السودانية والسعودية، موضحا أنهم استحوذوا على عتاد عسكري كبير منه مدرعات ودبابات وأطقم عسكرية وأسلحة ثقيلة ومتوسطة خلال العملية غرب حرض.

وبعد أكثر من سبع سنوات من الحرب في اليمن، خلفت عشرات آلاف الضحايا والجرحى والمشردين داخلياً وخارجياً، وسط ظروف إنسانية بالغة السوء يعيش فيها ملايين اليمنيين، من دون أن تلوح بارقة أمل في وقف الحرب، رغم أن المملكة العربية أعلنت إيقاف العمليات العسكرية في شهر رمضان الماضي.

ما مشروعية وأهداف إنشاء مفوضية خاصة بأراضي الدعم السريع؟

ضمن رحلة محاولة شرعنتها المثيرة للجدل، منذ إجازة قانونها في عام 2017م في عهد البرلمان المحلول، على أن تكون جزءاً من الجيش في (الطوارئ والحرب)، وفقاً لنص المادة (5)، وفي حال قرر (الرئيس) دمجها في وزارة الدفاع يسقط القانون.

مروراً بتعديل في قانونها، أجراه رئيس المجلس العسكري الانتقالي، عبد الفتاح البرهان، في عام 2019م، الذي قضى بإلغاء المادة (5) آنفة الذكر، وصولاً إلى وضعيتها في الوثيقة الدستورية، وليس انتهاء باستقلالها الاقتصادي والسياسي، تمضي قوات الدعم السريع قدماً، خلال 5 سنوات فقط، في محاولة الانفصال عن أجهزة الدولة عامة، والقوات المسلحة بصفة خاصة.

في الثامن من أبريل الحالي، نُشرت وثائقَ، تشير إلى إصدار قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، قراراً، قضى بإنشاء مفوضية خاصة بأراضي وعقارات الدعم السريع.

ويفتح القرار غير المسبوق، والذي أثار، وما يزال، جدلاً في الأوساط السياسية والقانونية، باب التساؤلات، حول مشروعية إنشاء مفوضية لأراضي وعقارات الدعم السريع بقرار صادر من قائد هذه القوات.

وتمتد التساؤلات، إلى الهدف من الخطوة، بالإضافة إلى الآلية والكيفية التي حددتها الوثيقة الدستورية لإنشاء المفوضيات، وما الجهات والشخصيات الاعتبارية التي منحت سلطة إنشائها.

وحدد القرار، سلطة المفوضية، بالإطلاع على الوثائق الضرورية التي تعينها في عملها، وتكوين مجموعات عمل مساعدة والاستعانة بمن تراه مناسباً لإنجاز مهامها والتوقيع على جميع المستندات والأوراق الثبوتية الخاصة بعمل المفوضية.

كما حدد القرار مهام واختصاصات المفوضية؛ وهي حصر وتصنيف الأراضي والعقارات التابعة لقوات الدعم السريع والحصول على تصديقات أراضٍ جديدة بجميع الولايات ومراجعة كل الأراضي والعقارات التابعة للدعم السريع بجميع الولايات والعمل على إكمال عملية تسجيلها باسم الدعم السريع والتأكد من أرقام الأراضي والعقارات بكشوفات مكاتب التسجيلات بجميع الولايات، واتخاذ الإجراءات اللازمة لتوفيق الأوضاع القانونية لجميع الأراضي والعقارات التابعة لقوات الدعم السريع بجميع الولايات، والحصول على تصديقات أراضٍ سكنية لمنسوبي قوات الدعم السريع من الضباط وضباط الصف والجنود بجميع ولايات السودان.

ورغم مرور نحو أسبوعين على تسريب وثائق قرار إنشاء مفوضية أراضي وعقارات الدعم السريع، لم تعلق أي من الجهات الثلاث المعنية بالقضية (الدعم السريع، وزارة الحكم الاتحادي، إدارة الأراضي) بشكل رسمي حتى الآن، فيما تتسارع المخاوف وسط الرأي العام السوداني، من استمرار هذا النمط غير المسبوق في التغول على السلطات.

تقصى فريق البحث في (بيم ريبورتس)، حول الوثائق وتأكد من صحتها، ووجد أن قرار إنشاء مفوضية أراضي الدعم السريع يهدف بشكل أساسي لتأكيد السيطرة القانونية على مقار هيئة العمليات المحلولة التي استولى عليها، وكذلك مقار كانت تتبع لجهاز المخابرات العامة، مثل المقر الرئيس للدعم السريع بالخرطوم، بجانب بعض مقار حزب المؤتمر الوطني المحلول، وبعض الأراضي والعقارات التي استردتها لجنة إزالة التمكين.

أيضاً من ضمن الأراضي التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع بالخرطوم، وتسعى لتقنينها عبر المفوضية، الحديقة الدولية، والتي كانت مقراً مؤقتاً لقوات حركة جيش تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي.

كما أن الهدف الأساسي في المرحلة الحالية، من إنشاء مفوضية أراض عقارات الدعم السريع، هو إيجاد تمويل إضافي من العقارات والأصول، للصرف على أنشطة الدعم السريع المتنامية، بعد انخفاض المصادر الأخرى، وأيضاً لزيادة تمكينها الاقتصادي.

وكان القرار، قد حدد مهام واختصاصات المفوضية:

  • حصر وتصنيف الأراضي والعقارات التابعة لقوات الدعم السريع.
  • الحصول على تصديقات أراضٍ جديدة بجميع الولايات.
  • مراجعة كل الأراضي والعقارات التابعة للدعم السريع بجميع الولايات والعمل على إكمال عملية تسجيلها باسم الدعم السريع.

"دستورياً، فإن إنشاء المفوضيات ليس من اختصاص الجيش أو الدعم السريع، وإنما هي سلطات ممنوحة للجهاز التنفيذي برئاسة مجلس الوزراء، وقد حددت الوثيقة الدستورية حصراً سبع مفوضيات كل منها تحت مرؤوسية رئيس الوزراء، وبكل تأكيد، ليس من ضمنها ما سمي بمفوضية أراضي الدعم السريع".

يقول الخبير القانوني والناشط الحقوقي، عبد الباسط الحاج.

ويضيف الحاج لـ(بيم ريبورتس): “وفق قانون القوات المسلحة والعرف الثابت لديها، فإن توفيق أوضاع منسوبي الجيش بكل وحداته يتم تحت بند الأوامر المستديمة الخاصة بتوفير الخدمات الضرورية لضباط وضباط صف وجنود القوات المسلحة، وهذا ما درج العمل به تاريخياً، بما في ذلك إدارة المؤسسات الاقتصادية التابعة للجيش والتي تكون تحت إدارة وزير الداخلية وإشراف القائد الأعلى بحسب قانون القوات المسلحة لسنة 2007”.

وتابع الحاج “حسب الوثيقة الدستورية التي تعطلت عقب الإنقلاب فإن مجلس السيادة يعين أربع مفوضيات بالتشاور مع مجلس الوزراء. ومن جانب آخر، فإن رئيس الوزراء له حق تعيين رئيس وأعضاء لثماني مفوضيات أخرى مستقلة وفق نص المادة 39، ومن ضمن هذه المفوضيات مفوضية الأراضي، ويجب أن تكون مستقله تماماً ويحدد رئيس الوزراء مهامها وصلاحياتها”، مضيفاً “وبالتالي ما نشر عن تكوين مفوضية خاصة بأراضي الدعم السريع، هو قرار باطل وفاقد للشرعية والمشروعية وخرق كبير لمهام واختصاصات الحكومة التنفيذية الغائبة”. 

وحسب الحاج، تنشأ المفوضيات عند الحاجة لها، بقرار من رئيس الوزراء، ويسمي رئيس الوزراء وفق الوثيقة الدستورية، رئيس وأعضاء المفوضية ويحدد صلاحياتها واختصاصاتها بكل تأكيد.

وحول تداعيات هذا القرار وإمكانية مفاقمته لنزاع الأرض في دارفور بشكل خاص، يقول الحاج

"هذا القرار بطبيعته كارثي ويسبب الكثير من الإشكالات لأنه بكل بساطة يعتبر قرار احتلالي يجيز بطريقة غير مشروعة لقوات مليشيا الدعم السريع حيازة عدد لا يحصى من المواقع و العقارات والأراضي دون تخصيص وفي كل السودان، ما يؤكد أن نفوذ هذه المليشيات مستمر في التغلغل داخل مؤسسات الدولة لتصبح موازية للمؤسسة الرسمية للدولة".

يقول الخبير القانوني والناشط الحقوقي، عبد الباسط الحاج.

ورأى الحاج، أن حالة دارفور لا تتحمل مثل هذه القرارات، لأن دارفور بها إشكال رئيسي وهو وجود من وصفهم بـالمستوطنين الجدد المقيمين على أراضي النازحين والمهجرين داخلياً، وهذا يعني، والحديث للحاج، أن تنفيذ مثل هذه القرارات لا يعد سوى مشروعاً استيطانياً جديداً يسعى قائد هذه المليشيات الاستحواذ على أكبر مساحة من الأراضي والتمكين اقتصاديا على حساب النازحين في المعسكرات والمشردين داخلياً.

تأسيس إشكالي للدعم السريع

مع اندلاع حرب دارفور في عام 2003م، استعان النظام البائد، في قتال الحركات المسلحة، بمليشيات ذات طابع قبلي، على رأسها مليشيا الجنجويد، التي ضمها إلى قوات حرس الحدود، ولاحقاً تم تتبيعها إلى جهاز الأمن والمخابرات، لتصبح في نهاية المطاف نواة للدعم السريع.

ومنذ إجازة قانونها في السابع عشر من يناير 2017م، بدا أن قانون قوات الدعم السريع إشكالي، من حيث الجهة التي تتبع لها القوات وما إذا كانت ستصبح قوات موازية للجيش.

وكان البرلمان المحلول، قد مرر مشروع قانون الدعم السريع، في عرضه النهائي بالأغلبية، حيث جوز لـ(رئيس الجمهورية) في أي وقت دمج قوات الدعم السريع مع القوات المسلحة، وألغى تكليف وزير الدفاع بشأن التوصية بتعيين القائد العام للدعم السريع وحصرها في الرئيس وحده.

وانتقد نواب وقتها، قانون الدعم السريع، الذي شهد إجازته القائد العام لقوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، بجانب 20 ضابطاً من قواته، حيث رأوا أن بنود المشروع تعطي مدلولاً على أن هذه القوات تشكل قوة رابعة، لأنها لا تخضع لوزير الدفاع خضوعاً كاملاً. 

أيضاً وصف نواب آخرون، مشروع القانون بغير الواضح، بخاصة فيما يتعلق بتبعية هذه القوات لوزارة الدفاع، وما إذا كانت تتبع للجيش أم لا.

وكان رئيس المجلس العسكري الانتقالي السابق ووزير الدفاع وقتها، عوض بن عوف، قد قال خلال المداولات، إن تبعية قوات الدعم السريع لرئيس الجمهورية، ليست بالحالة الشاذة، فهي مثلها مثل الدفاع الشعبي والخدمة الوطنية، إذ لهما قانونان منفصلان ويتبعان للرئيس.

وأضاف: “لا توجد مشكلة طالما تعمل وفق المنظومة العسكرية في حالة الحرب والطوارئ”، لافتاً إلى أن 22 مادة من مجموع 25 مادة مستقاة من قانون القوات المسلحة.

لاحقاً، وصّفت الوثيقة الدستورية التي تم توقيعها بين المدنيين والعسكريين في 17 أغسطس 2019م، الدعم السريع من ضمن القوات النظامية، لكن تلك القوات سرعان ما نمت وأصبحت الآن شبه قوات موازية للجيش، بعدما توسعت في مقارها في أنحاء البلاد المختلفة، كما ورثت مقار كانت تتبع لأجهزة عسكرية في عهد النظام البائد.

كما تمتلك الدعم السريع استثمارات وشركات خاصة وعلاقات دولية منفصلة، بالإضافة إلى أن قائدها ونائبه أخوين. أيضاً انشأت قطاعات في كل ولايات السودان، ووحدتي استخبارات وطب خاصة بها، وبعد انقلاب 25 أكتوبر، تمددت في أجهزة الدولة المختلفة، وصار قائدها يقوم بأدوار رئيس الوزراء، وأخيراً أصدر قراراً بإنشاء مفوضية أراضي الدعم السريع المخالف للوثيقة الدستورية، فيما يبدو أنها مرحلة أخيرة لاستقلال قواته تماماً عن الجيش، لتصبح فقط في غضون 5 أعوام، جيشاً موازياً، وهو الأمر الذي يقطع الطريق أمام دمجها في القوات المسلحة، أو يجعل تكلفته باهظة على الأقل، في ظل تقارير مقلقة عن تنامي الخلافات بين الجيش وقوات الدعم السريع. 

على خطى (البشير).. كيف يحاول (حميدتي) تأمين بقائه في السلطة عبر بوابة موسكو؟

“من حق روسيا الدفاع عن شعوبها ومواطنيها وفقاً للقانون والدستور” يقول نائب رئيس مجلس السيادة في السودان، وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، غداة وصوله إلى العاصمة الروسية موسكو، في ليل الثالث والعشرين من فبراير الماضي، قبيل ساعات معدودة من غزو الأخيرة لأوكرانيا.

ولا يبدو أن حميدتي، في هذا السياق مضى بعيداً، عن تصورات الرئيس المخلوع، عمر البشير، مهندس التدخل الروسي في البلاد، في طلب حماية موسكو لبقائه في السلطة.

خلال لقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بمدينة سوتشي في نوفمبر 2017م، أبلغ البشير بوتين، إن بلاده بحاجة إلى حماية من العدوان الأميركي. وقال موجهاً حديثه إليه: “الأميركان نجحوا في تقسيم السودان لدولتين وساعين لمزيد من التقسيم”، مضيفاً “ونحن نحتاج كسودان لحماية من العدوان الأميركي علينا”.

في ديسمبر 2019م، نشرت الجريدة الرسمية الروسية نص اتفاقية بين السودان وروسيا حول إقامة قاعدة تموين وصيانة للبحرية الروسية على ساحل البحر الأحمر، بهدف ما وصف بتعزيز السلام والأمن في المنطقة، كما نص الاتفاق على أن القاعدة لا تستهدف أطرافاً أخرى حسب  ما ورد في مقدمتها، على أن يحصل السودان مقابل ذلك على أسلحة ومعدات عسكرية من روسيا، حسب الاتفاقية التي وقعها الرئيس الروسي بوتين في نوفمبر من العام 2020.

أتى طلب البشير الحماية ، بعد وقت بسيط من رفع الولايات المتحدة الأمريكية العقوبات الاقتصادية على البلاد.

وسريعاً استطاع الروس، تحويل طلب الحماية ذلك، إلى قرارات فاعلة، فبدأ الحديث عن اتفاق لإنشاء قاعدة عسكرية لموسكو على البحر الأحمر، أيضاً تمكنوا من تحويل السودان، إلى بوابة نحو جمهورية أفريقيا الوسطى المجاورة، ومنها إلى أفريقيا جنوب الصحراء وغرب أفريقيا.

وفي هذا السياق، رعت الخرطوم، بإيعاز من موسكو محادثات سلام بين أطراف أفريقيا الوسطى، مكّنها هذا الأمر رويداً رويداً من أن تكون لاعباً أساسياً في ذلك البلد الفقير و الغني بالمعادن والثروات الطبيعية في الوقت نفسه. 

لم يمر وقت طويل، بين بدء تعاون موسكو مع نظام البشير، حتى واجه الأخير ثورة شعبية أطاحت بنظام حكمه في أبريل 2019م، رغم محاولات موسكو الحثيثة وقتها لإنقاذ حليفها من السقوط. عندما أيقنت موسكو أن نظام البشير ساقط لا محالة، سرعان ما عقدت اتفاقاً مع المجلس العسكري الانتقالي الذي خلفه، يتعلق أيضاً بالقاعدة البحرية.

تحت وقع الضغوط الروسية، كانت استجابة المجلس العسكري الانتقالي حتمية، مرةً بسبب هشاشته السياسية، ومرة أخرى بسبب ضعف خبرته السياسية. 

نجحت روسيا في مايو 2019م في التوقيع على اتفاقية المركز اللوجيستي على البحر الأحمر، مع المجلس العسكري الانتقالي والذي صادق عليه في يوليو من العام نفسه. بالمقابل، دعمت روسيا المجلس العسكري الانتقالي، في تعطيل إقرار مشروع قرار بمجلس الأمن الدولي، يُدين قتل الحكومة العسكرية السودانية للمدنيين في يونيو 2019م، بالتزامن مع أحداث فض اعتصام القيادة العامة.

ويعتقد أن موسكو وظفت رغبة الجيش السوداني في تعزيز قدراته الدفاعية، ورغبته في الحصول على أسلحة ومعدات عسكرية مجانية من موسكو، بجانب تعزيز أسطوله البحري، وتوفير الدعم والحماية في المنصات الأممية في تحقيق مكاسب استراتيجية لروسيا متعلقة باستخدام السودان كبوابة للتوسع الروسي في القارة وفي استغلال الموارد والسيطرة عليها.

ووفقاً لمعهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي، فإن الأسلحة الروسية تشكل في الواقع الغالبية بالنسبة لواردات الأسلحة السودانية بنسبة 87 %، إذ أن روسيا هي المورد الرئيسي للأسلحة إلى السودان، بينما  8 %  فقط من الأسلحة السودانية، هي أسلحة صينية.

وفي الفترة بين عامي 2015 ـ 2019، استورد السودان أسلحة من روسيا بقيمة 125 مليون دولار، حسب معهد ستوكهولم لأبحاث السلام.

تاريخ العلاقات بين الخرطوم وموسكو

عند استقلال السودان في عام 1956، كان الاتحاد السوفيتي من أوائل الدول التي اعترفت باستقلاله، وعقب انهيار الاتحاد السوفيتي، أعلن السودان في ديسمبر 1991م، اعترافه بجمهورية روسيا الاتحادية.

مرّت العلاقات بين البلدين بحالات متباينة عسكرياً، سياسياً واقتصادياً، فمع انقلاب جعفر نميري في مايو 1969م، بدأ الجيش السوداني التوجه نحو التسليح الشرقي، (السوفيتي)، لكن بعد انقلاب 19 يوليو 1971، ساءت العلاقة بين الخرطوم وموسكو، بسبب إعدام نميري بعض القادة الشيوعيين.

بالعودة إلى فترة حكم المجلس العسكري الانتقالي أبريل ـ أغسطس 2019م، وانقلاب 25 أكتوبر 2021م، مرّت الكثير من التحولات العميقة في سياسة البلاد الخارجية تجاه القوى الغربية، لكن وتحت الظل، تمكنت موسكو من تعزيز وتمتين علاقتها مع المؤسسة العسكرية المتمثلة في الجيش السوداني، بالإضافة إلى علاقة أخرى جديدة تمكنت من بنائها مع قوات الدعم السريع، فيما بدا امتداداً لسياستها مع حليفها السابق، البشير.

في غضون نحو 3 سنوات، استطاعت موسكو، ودون أن يلحظ الكثيرون ذلك، في التمدد على طول البلاد وعرضها، في التنقيب عن الذهب والمعادن الأخرى شمالاً شرقاً وغرباً، تمكنت أيضاً من إنشاء قاعدة عسكرية في منطقة أم دافوق على حدود السودان وأفريقيا الوسطى، في وقت بات هدفها الرئيسي المتمثل في إنشاء قاعدة عسكرية على البحر الأحمر قريباً على ما يبدو، تفسره تصريحات حميدتي الموافقة ضمنياً على إنشاء القاعدة.

وعقب عودته من موسكو في يوم الأربعاء 2 مارس، قال حميدتي في تصريحات صحفية، إنه لا يمانع من إنشاء قاعدة عسكرية على البحر سواء لروسيا أو غيرها.

مؤتمر صحفي لحميدتي عقب عودته من روسيا

لم يأتِ ذهاب حميدتي إلى موسكو، في خضم أزمة عالمية، جعلت العاصمة الروسية مركزاً للعنات القوى الغربية، سوى كونه مضي في التحالف القائم على مصالح ضيقة مشتركة بين الجانبين، بينما يستفيد من تدريب شركة (فاغنر) المقربة للكرملين لقواته، وأيضاً تقديم عناصرها استشارات إعلامية وسياسية له، بجانب تأمين أسلحة روسية وحماية سياسية، في مساعيه لتمديد نفوذه المالي، السياسي والعسكري. مقابل، استفادة الروس في تهريب الذهب وفتح الطريق أمامهم لزيادة تأثير موسكو على أفريقيا، بعد رعايتها عدة انقلابات هنا، بجانب الهدف الرئيسي المتمثل في إنشاء قاعدة عسكرية في مدينة بورتسودان.

يقول مصدر عسكري رفيع لـ(بيم ريبورتس)، إن إنشاء قاعدة عسكرية على البحر الأحمر محل شكوك، نسبة لأن الاتفاق مجمد، والحاجة الملحة لموافقة الدول المتشاطئة، ورفض القوى الغربية المؤكد لهذا الأمر.  

لكن يوم الثلاثاء 15 فبراير، وصل حميدتي إلى مدينة بورتسودان، فيما بدا أن الزيارة لها صلة بالقاعدة البحرية وميناء بورتسودان، وهو كان قد قال في معرض تبريره لإنشاء قاعدة عسكرية، إن مثل هكذا أمر يعود بالفائدة على المجتمعات المحلية.

وبالعودة إلى تداعيات زيارته إلى موسكو، وبعد أقل من أسبوع على عودته، تم الإعلان عن وصول 20 ألف طن من القمح الروسي، إلى ميناء بورتسودان، في إطار ما سّمته وكالة الأنباء السودانية ـ سونا، المنحة الروسية للشعب السوداني. 

وكان حميدتي وصل إلى العاصمة الروسية موسكو، بالتزامن مع بدء الأخيرة حربها ضد أوكرانيا، وقال وقتها في تصريحات صحفية، إن روسيا لديها الحق في الدفاع عن شعوبها ومواطنيها وفقاً للقانون والدستور على حد تعبيره.

جدول الأعمال المعلن

التقى حميدتي خلال زيارته التي امتدت أسبوعاً، عدداً من المسؤولين الروس، بينهم وزير الخارجية، ونائب رئيس الوزراء، ونائب رئيس مجلس الأمن، ونائب وزير المالية، ونائب وزير الدفاع، بالإضافة إلى زيارته للجامعة الروسية الحكومية للعلوم الإنسانية.

أثارت الزيارة علامات استفهام عديدة داخلياً وخارجياً، بسبب توقيتها المتزامن مع الغزو الروسي لأوكرانيا، ومرةً أخرى، بسبب المخاوف والاعتراضات على الدور الذي تلعبه موسكو في البلاد، المرتبط بدعم المكون العسكري، خصوصاً مع قائد قوات الدعم السريع، ونهب الموارد المحلية، وفي هذا السياق، اتهمت قوى الحرية والتغيير، موسكو بنهب موارد البلاد ودعم الانقلاب العسكري، قبل أن تدين الغزو الروسي لأوكرانيا، بالإضافة إلى انتقادها لتوقيت الزيارة.

حميدتي ووزير الخارجية الروسي(لافروف)

ورغم أن جدول أعمال الزيارة، شهد لقاءات مع مسؤولين عسكريين وأمنيين روس، إلا أن حميدتي اكتفى فقط، باصطحاب وزراء القطاع الاقتصادي، دوناً عن مسؤولين أمنيين وعسكريين سودانيين، وهو الأمر الذي كان لافتاً وأثار العديد من التساؤلات.

رافق حميدتي في زيارته إلى موسكو التي بدأها يوم الأربعاء 23 فبراير وأنهاها يوم الأربعاء 2 مارس، كل من: وزير المالية، جبريل إبراهيم، و وزير المعادن، محمد بشير أبو نمو، ووزير الزراعة، بالإضافة إلى وكيل وزارة الخارجية. وجلهم ممثلين لأطراف اتفاق سلام جوبا. 

تفتح زيارة حميدتي إلى موسكو، والتي وصفت بالرسمية، تساؤلات حول علاقات السودان وروسيا، في ظل الوضع العالمي الراهن بعد الحرب الأوكرانية، وحول تمدد الدعم السريع على حساب القوات المسلحة، خصوصاً وأن العلاقات العسكرية بين البلدين والتي تمتد على مدى عقود، كان يسيطر عليها الجيش، ليصبح السؤال المهم؛ هل تسهم زيارة حميدتي، في قلب هذه المعادلة لصالح قوات الدعم السريع، خاصة وأنه أبدى استعداده لتحقيق رغبة موسكو في إنشاء قاعدة عسكرية بحرية على البحر الأحمر.

تأثيرات إقليمية

أيضاً تثور التساؤلات، حول تأثير الزيارة على البلاد، بالتزامن مع حرب قسّمت العالم إلى معسكرين، معسكر واشنطن والغرب، ومعسكر روسيا وحلفائها. كذلك، تمتد تأثيرات زيارة حميدتي، إلى علاقة البلاد مع دول الإقليم، وفي هذا السياق، قالت كل من القاهرة والرياض، في بيان مشترك عقب زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى المملكة العربية السعودية، يوم الثلاثاء 8 مارس الماضي، أن الجانبين، أكدا على أهمية ضمان أمن البحر الأحمر، باعتباره ركيزة أساسية في حركة التجارة الإقليمية والدولية.

وأوضح البيان، أن هذا الأمر يتطلب تضافر جهود الدول المتشاطئة، لضمان حرية وأمن الملاحة في البحر الأحمر.

تباين مواقف بين البرهان وحميدتي

بينما يمضي (حميدتي) قدماً في الاستجابة للطب الروسي بإنشاء قاعدة بحرية عسكرية على البحر الأحمر، وفقاً لتصريحاته الأخيرة، يبدو أن البرهان من جانبه، يتشارك القلق مع كل من القاهرة والرياض حول أمن البحر الأحمر.

بعد أقل من أسبوع على البيان السعودي المصري، الذي شدد على أهمية ضمان أمن البحر الأحمر وصل رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، إلى الرياض، لإجراء مباحثات مع الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده محمد بن سلمان، في الوقت الذي ذكر فيه بيان لمجلس السيادة، إن مباحثات البرهان وبن سلمان، أمنت على ضرورة التنسيق والتعاون في مجال أمن البحر الأحمر والتعاون في المجال العسكري.

ولاحقاً في 28 مارس الماضي، أصدر البرهان، مرسوماً دستورياً، قضى بأيلولة إختصاصات الإشراف على المناطق البحرية و الجرف البحري إلى وزير الدفاع.

ونص المرسوم على تعيين وزير الدفاع، وزيراً مختصاً بتنفيذ قانون المناطق البحرية والجرف القاري السوداني لسنة 2018م.

كما نصّ المرسوم الدستوري على أن “تؤول جميع السلطات الخاصة بتنفيذ قانون المناطق البحرية والجرف القاري لسنة 2021م لوزير الدفاع من المفوضية القومية للحدود”.

وحسب خبراء، فإن المرسوم الدستوري، يعني أن ساحل السودان الشرقي على البحر الأحمر أصبح شأناً يهم الأمن القومي والنواحي الأمنية والعسكرية. 

ويختص قانون المناطق البحرية والجرف السوداني بالسيادة على المياه الداخلية، المياه الإقليمية، خط الأساس لقياس البحر الإقليمي. كما يختص القانون بالسلطة في اتخاذ إجراءات في البحر الإقليمي تجاه السفن الأجنبية وممارسة السلطة في فرض الرقابة في منطقة أعالي البحار، إلى جانب مسائل أخرى.

تداعيات سياسية داخلية

وكان حميدتي قال في تصريحات صحفية بمطار الخرطوم الدولي، عقب عودته من موسكو، يوم 2 مارس، إنه لا يوجد ما يمنع إنشاء قاعدة عسكرية على البحر الأحمر سواء كانت روسية أو غيرها.

ما نزال فقط ضمن تداعيات زيارة حميدتي المحلية، فعقب تصريحاته عشية وصوله إلى موسكو، التي بدا فيها داعماً لروسيا في حربها على أوكرانيا، سارعت وزارة الخارجية، لمحاولة تخفيف حدتها، قبل أن يُصدر مجلس السيادة بياناً قال فيه إنه يدعو إلى حل سياسي ودبلوماسي للأزمة. توالت ردود الأفعال المحلية، حيث وصفت الحركة الشعبية ـ شمال بزعامة عبد العزيز الحلو، زيارة حميدتي إلى موسكو، بأنها “تجسد التهريج الدبلوماسي”.

وقال نائب رئيس الحركة، جوزيف توكا، فى تصريح رسمى لموقع الحركة الشعبية على الانترنت، يوم الأحد 27 فبراير الماضي، إن “زيارة حميدتى إلى موسكو ليست مجرد سوء تقدير سياسي، وإنما خطوة جسدت الغباء السياسى والتهريج الدبلوماسي لحكومة الإنقلاب”.

جوزيف توكا نائب رئيس الحركة الشعبية

وأضاف توكا إن “زيارة حميدتي إلى العاصمة الروسية موسكو من حيث التوقيت، تزامنت مع بداية اجتياح الجيش الروسي لأوكرانيا، ويبدو أن حميدتى قد ورط حكومته بتأييد ما تقوم به روسيا، بحجة أن لروسيا الحق فى الدفاع عن حدودها وسيادة أراضيها”. 

ورأى توكا، أن هذا “الموقف المتهور غير مقبول أخلاقياً،  كما لا يتسق مع مراعاة توازن القوى على الأرض، وحميدتي غير مؤهل للقفز من لعبة المحاور التي ورط فيها البلاد للإقدام على هذه اللعبة الخطيرة في حلبة الكبار ليجلب على السودان سخط العالم ووعيد أمريكا وحلفائها”.

وحسب توكا، فإن طلب حميدتي الدعم العسكري والتعاون الاستخباراتي من روسيا للقضاء على الحركة الشعبية، يقف دليلا على أن الزيارة مدفوعة بأجندة حربية، خاصة وأن الإنقلابيين يخططون لشن الحرب ضد الجيش الشعبي في جبال النوبة والنيل الأزرق، وهو ما تؤكده التحركات والتعزيزات العسكرية على الأرض. 

وتابع “يبدو أنهم يتوهمون إمكانية إجتياح الإقليمين وسحق قوات الجيش الشعبى والقضاء على الحركة الشعبية حتى يتسنى لهم توطين الإنقلاب وفرضه كأمر واقع”. 

وأوضح توكا قائلاً، أن “زيارة حميدتي لموسكو، أكدت أن الموقف السياسي للطغمة العسكرية الحاكمة لا علاقة له بمصالح السودان، وهو لا يعدو كونه سلعة تباع وتشترى في مزاد العمالة والارتزاق السياسى لمن يدفع أكثر”. 

ودعا توكا، المجتمع الدولي إلى تصنيف قوات الدعم السريع سيئة السمعة والتاريخ كجماعة إرهابية، وليس بعيداً عن هذا، أكد رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب الأمريكي، السيناتور غريغوري ميكس، إن إرسال السودان وفداً إلى روسيا، وهي تشن غزواً ضد أوكرانيا يبعث برسالة لا يمكن إنكارها إلى العالم مفادها؛ أن المجلس العسكري السوداني ليس لديه مصلحة في دعم الديمقراطية أو المبادئ الأساسية للسيادة. وقال في تغريدة نشرت يوم 24 فبراير الماضي “نحن نراقب”.

في يوم الجمعة 25 فبراير، انتقد رئيس (حزب الأمة)، مبارك الفاضل، وهو أحد الشخصيات السياسية المؤيدة لانقلاب 25 أكتوبر الزيارة. وقال “لا شك أن زيارة حميدتي والوفد المرافق له إلى موسكو في هذا التوقيت المتزامن مع المواجهة الغربية مع روسيا تعتبر قفزة في الظلام”. وأضاف في حسابه على موقع تويتر “مشاركة وفد وزاري له في هذه الزيارة يورط معه قيادة القوات المسلحة السودانية التي تسعى للتحالف مع الغرب.. روسيا ليست في وضع يمكنها تقديم دعم اقتصادي للسودان”.

ولأن الزيارة لم تشمل قادة عسكريين وأمنيين، تثور التساؤلات ما إذا كانت زيارة حميدتي إلى موسكو تمثل الدعم السريع، أم كل مكونات المجلس العسكري، وهل ينظر أي من الجانبين إلى علاقة السودان بروسيا والغرب بشكل مختلف، بالنظر إلى تاريخ العلاقات العسكرية بين السودان وروسيا الذي قادته القوات المسلحة منذ عقود.

سيدي اوشكور

كيف قاومت بورتسودان محاولة (حميدتي) صياغة مشهد جديد للشرق؟

وسط احتجاجات قادتها تنسيقيات لجان المقاومة عمت المدينة رفضاً لزيارته، وصل قائد الدعم السريع، محمد حمدان دقلو حميدتي، يوم الثلاثاء الماضي، إلى مدينة بورتسودان، عاصمة ولاية البحر الأحمر شرقي البلاد.

رغم إعلانه أن زيارته إلى بورتسودان، تقتصر على تطوير الموانئ، إلا أن جدول برنامجه حفل باجتماعات مكثفة مع زعماء الإدارات الأهلية، في الوقت الذي تتزايد فيه المخاوف من أنه قد يتخذ قرارات تتعلق بالموانئ البحرية وربما المضي قدماً فيما صرح به في وقت سابق، مطلع الشهر الحالي، عن إنشاء قاعدة عسكرية روسية على البحر الأحمر، ما يجعل زيارته محل تساؤلات وسط الرأي العام السوداني.

واستبقت تنسيقات لجان مقاومة بورتسودان زيارة حميدتي، بالإعلان عن قيام تظاهرات وإغلاق الطرقات، ورأت في بيان وقتها، أن الزيارة تهدف إلى خصخصة وبيع موانئ الولاية.

لكن عقب وصوله إلى مطار بورتسودان، ذكر حميدتي في تصريحات صحفية، إنه جاء ليقف على قضايا ومشاكل الميناء، والسعي لحلها. بينما يقول أحد الناشطين في قضايا الشرق لـ(بيم ريبورتس)، إن “شبح بيع وخصخصة الموانئ لم يبارح الأذهان منذ عهد النظام المخلوع”.

وأشار إلى أن “موضوع الموانئ أحد الأجندة الرئيسة لزيارته، لكن لا يوجد جديد في هذا الأمر، فيما يلي مخاوف الخصخصة والبيع، بالإضافة إلى أنها باتت تعاني من تدهور كبير، بسبب الإغلاق والانقلاب”.

Port Sudan Container Terminal (Sudan)

إغلاق الشرق

في خضم توترات سياسية، كانت تعصف بالفترة الانتقالية، بدأ في 17 سبتمبر الماضي، أنصار الناظر العشائري محمد الأمين سيد ترك، في إغلاق شرق البلاد، بما فيها الموانئ لاحقاً، والتي لم يُعاد فتحها إلا بعد انقلاب 25 أكتوبر الماضي.

وتسببت أزمة إغلاق الشرق، فضلاً عن أنها مهّدت للانقلاب، في خسائر مالية واقتصادية فادحة، طالت جميع القطاعات، بالإضافة إلى خسارة ميناء بورتسودان لسمعته التجارية.

ورغم أن تلك الاحتجاجات كانت تُحظى بتأييد ودعم المكون العسكري في الحكومة الإنتقالية، وتسببت في تدهور عمل الموانئ والاقتصاد عموماً في البلاد، إلا أن حميدتي ألقى باللائمة في تدهور الموانئ، ضمن زيارته إلى بورتسودان، باللائمة على الحكومة الانتقالية السابقة، التي كانت قد بدأت مشروعات طموحة في تحسينها.  

وتثير زيارة حميدتي إلى المدينة الساحلية، المخاوف، بخاصة أنها عقب تصريحات مثيرة للجدل أدلى بها في مطار الخرطوم الدولي، بعد عودته من موسكو في الثاني من مارس الحالي، أشار فيها إلى أنه لا يُمانع في إنشاء قاعدة عسكرية روسية، أو غيرها من البلدان، وهو الأمر الذي أثار حفيظة الرأي العام، بينما التزمت القوات المسلحة الصمت إزاء تصريحاته.

وفي الوقت الذي كانت الموانئ والاجتماعات مع القادة العشائريين بنداً رئيسياً، ضمن برنامج زيارته إلى بورتسودان التي امتدت لخمسة أيام، لم يزر قاعدة فلامنجو البحرية حسب متابعات (بيم ريبورتس).

في جولته على الموانئ، زار حميدتي الميناء الجنوبي (ميناء الحاويات)، و الميناء الشمالي (ميناء السيارات والبضائع الصب (الحبوب)، وميناء الخير للمشتقات البترولية، وميناء بشائر وميناء عثمان دقنة. أيضاً قال إنه وجه باستئناف العمل في ميناء هيدوب لصادر الماشية. كذلك افتتح حميدتي أكاديمية السودان البحرية، وهي في الأصل تتبع لهيئة الموانئ البحرية.

كما التقى حميدتي بالإدارات الأهلية لمكونات الشرق كل على حدة، فيما بدا كأحد البرامج الرئيسية لزيارته، وقال أصدرنا قرارات بشأن الحدود بين القبائل والنظارات، وسننفذ كل مطالبكم، ولكن لابد من المساعدة في تطوير منطقتكم بإزالة التناحر والخلافات.. وعودنا حقيقية وليست سياسية، وكل إنسان ياخذ حقه الأدبي، خاصة وأن السودان كله حواكير، ولكن ينبغي أن يعيش الناس فيها مع بعض، وذلك إذا أردنا تطوير دولتنا”.

لكن زيارة حميدتي إلى بورتسودان، التي بدت من نواحي عدة، تحصيل حاصل، ومحاولة لخلق قاعدة انتخابية وسط الإدارات الأهلية، واجهت رفضاً شرساً من مجتمعات الشرق، ليس في حدود قضايا الإقليم، وإنما في إطار أكثر قومية، وفق ما يقول ناشطون في قضايا الشرق لـ(بيم ريبورتس).

هتافات قومية في مواجهة مساعي التقسيمات الإثنية

“السلطة سلطة شعب.. والثورة ثورة شعب.. والعسكر للثكنات والجنجويد ينحل”، هكذا هتف عضو لجنة المقاومة آدم أبو بكر في وجه حميدتي، خلال مخاطبته لإحدى المكونات المجتمعية بمدينة بورتسودان. في نشاط آخر له مع مكون آخر، كان على (حميدتي) الاستماع لنفس الهتاف، لكن هذه المرة من عضو المقاومة سيدي أوشكور.

وقال أبو بكر لـ(بيم ريبورتس)، إنه برصد الأحداث والوقائع منذ فض اعتصام القيادة العامة بالخرطوم في يونيو 2019 م، فإن المجلس العسكري بشكل عام يشكل خطراً على البلاد.

“دافعي للهتاف ضد حميدتي، كان يتمثل في أن (جيش حميدتي)، كمنظومة ذات وضع مختل فإنها تشكل خطر كبير جداً، وأيضاً للوقوف أمام محاولته بالتغلغل الاجتماعي، وهذا الأمر لديه مآلات خطيرة، خاصة وأنه ظل يكسب مؤيدين”، يوضح أبو بكر في إفادته لـ(بيم ريبورتس).

وأكد أبو بكر ، أن هتافاته جاءت أيضاً رفضاً لتكريم (حميدتي)، وتساءل “لماذا يكرم؟ ماذا قدم؟ كما أنه لا يجب أن يكون مقبولاً، وسط أجيال الثورة، أن يتم التعامل مع المسؤولين وفقاً لهذه الطريقة، يجب أن نتخلى عن تلك الثقافة القديمة.. ما يربطنا بالمسؤولين فقط، الحقوق والواجبات”. 

“ما قمت به كان مغامرة، لكنني كنت مؤمن تماماً أن صمتنا سيكون على حساب مجتمعاتنا.. لاحقاً، فتح هذا الأمر نقاشاً ومثل بؤرة للوعي بالقضايا والحقوق.. دافعت عن فكرتي بعدم استحقاقه التكريم، وبدأ الناس بالفعل يفكرون في جدوى تكريمه، بدأوا ينظرون بواقعية إلى تكريم الرجل الثاني في الدولة، دون أن يُقدم لهم شيئاً، وهي في الأصل حقوقهم، على أنه كان عملاً بلا جدوى”، يضيف أبو بكر.

ورأى أنهم كانوا حريصين على توثيق تلك اللحظة بالاتفاق مع زميله سعد الدين، لإيضاح الصورة الحقيقة، مشيراً إلى أنهم لو كانوا صمتوا لكانت نتيجة مخاطباته ستكون أسوأ على المجتمعات، لكننا قاومناه.

خطاب الأرض

“(خطاب الأرض) موجود في شرق السودان، إلا أنه لا يوجد صراع في هذه المسألة”، يقول أبوبكر حول خطوة تقسيم الحدود الإدارية بين المجموعات الإثنية في شرق السودان، مضيفاً “لكنه يهدف من ذلك ـ حميدتي ـ  إلى تقسيم المجتمعات والتركيز على التناقضات، وهي  لعبة سياسية قديمة”.

وحذر أبو بكر من عواقب محتملة لهذه العملية، مؤكداً أنه أيضاً يسعى ويهدف لخلق حواضن للانتخابات، بجانب التجنيد والانفتاح على المناطق الغنية بالمعادن، مثل منطقة (أوسيف) التي زارها،

غير أنه  أشار إلى أن  لجان المقاومة هي الجسم الوحيد الذي يجد إجماعاً ويمكن أن يساهم في توحيد مجتمعات الشرق.

زيارة (حميدتي) إلى بورتسودان، والتي امتدت لخمسة أيام، تأتي تكملة لتحركاته أخيراً في ملف الشرق، حسبما يعتقد مراقبون. 

“بعد الانقلاب، وقبل شهرين تحديداً، بدأ حميدتي يعيد النظر في مسار الشرق”، يقول الناشط في قضايا الشرق، عثمان محمد صالح، لافتاً إلى أن الأطراف المتصارعة في الشرق “مجموعة المسار ومجموعة ترك” الاثنان وقفوا مع الانقلاب، والانقلاب يريد أن يكافئهم على ذلك.

وأشار صالح في حديث لـ(بيم ريبورتس)، إلى أن حميدتي عقد اجتماعات مطولة، أفضت إلى اتفاق برعاية مجلس السيادة، تم بموجبه تشكيل عدد من اللجان بينها لجنة لإنفاذ (القلد)، موضحاً أن اللجنة مكونة من الطرفين: (المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة) “مجموعة ترك”، والمجلس الأعلى للإدارات الأهلية  فيه نُظّار آخرين. 

ويعتقد صالح، أن الحديث عن مراجعة الحدود، أو ترسيم الحدود بين المجموعات الإثنية (القبائل)، هي محاولة لإيجاد حواكير رسمية، رغم أنها موجودة عرفاً منذ أزمان قديمة، مشيراً إلى أن هذا الأمر يعكس أزمة كبيرة وعلى الدولة أن تنتبه، خاصة وأن حميدتي يحاول استنساخ صناعة أزمة الحواكير، التي فجرت الصراع الدامي والمرير في دارفور.

ويوضح صالح، أن قضية الشرق تم استخدامها كمخلب قط لإفشال الفترة الانتقالية، وقال “عملياً نحن أمام واقع مأزوم، اتفاق سلام أجج الصراع الاجتماعي، وتنامي خطاب الكراهية في الإقليم، بجانب أن السلطة منحازة لطرف دون الآخرين”.

مغادرة شركات الملاحة

 وفيما يتعلق بالموانئ، يقول صالح، إن الموانئ واحدة من المشاكل الكبيرة، ويجب اعتبارها والتعامل معها كقضية قومية، تسبب الانقلاب بجانب الإغلاق، في مشاكل أكثر تعقيداً، بجانب المشاكل والعيوب الفنية.

وحول تصريحات حميدتي بأنه وجه بعمل الموانئ لـ24 ساعة، قال إنه بالأساس توجد 3 ورديات، في وقت غادر وكلاء لشركات ملاحة الدولية الميناء.

“حميدتي فشل في أن يلتقي أي قوى سياسية ولا يمكن وصف زيارته، بأنها زيارة سياسية، لم يلتقي المجتمع المدني، وانحصرت لقاءاته مع قيادات الإدارة الأهلية، وهي تتعلق بنظرته ربما للانتخابات”، يشير صالح.

مهددات للنسيج الاجتماعي

“في ما يتعلق بترسيم الحدود ، ذكر أولاً في (القلد) في أعقاب الاقتتال الأهلي الذي شهدته بورتسودان في 2020م، كما ذكر أيضا فيما عُرف بمقررات سنكات”، يقول الناشط في قضايا الشرق، خالد محمد نور.

ويضيف لـ(بيم ريبورتس): “برأيي أن هذه الخطوة خطيرة جداً وتهدد النسيج الاجتماعي لشرق السودان، وهي سابقة خطيرة” مشيراً إلى أن كل المجموعات المتصارعة والتي أججت الفتن القبلية هي الآن داعمة للانقلاب.

ورأى نور أن، إضافة ترسيم الحدود الإدارية بين الولايات، لم يعد عندها معنى الآن، مشيراً إلى أن الخطوات بدأت تأخذ خط رجعة، مشيراً إلى أن خط حميدتي، هو العمل مع الإدارات الأهلية التقليدية، ضمن عمل انتخابي.

وقال “بالرغم من أنه تم تكريمه من عدة جهات، لكنه لم يتحرك سياسياً. ورغم ضعف تحركاته السياسية، إلا أنه بالمقابل المجتمع المدني ضعيف جداً حالياً”، مضيفاً “لكن لجان المقاومة تعمل وتمتد بشكل مؤثر وهي قادرة على الاضطلاع بدور مهم، والجميع يراهن عليها في هذا السياق”. 

وفيما يتعلق بنفي حميدتي المشدد للخصخصة، وأنهم يسعون فقط للتطوير، قال نور إن الشواهد تكذب حديثه ـ من ضمنها حوار صحفي لوالي البحر الأحمر يعضّد فيه الاتجاه للخصخصة .

وأضاف “نفيه للخصخصة برأيي هو ذر للرماد في العيون وردة فعل لتحركات العمال ولجان المقاومة”.

خمسة أيام قضاها (حميدتي) في بورتسودان ـ حسب ما أعلن، لإعادة صياغة مشهد الشرق، الذي يتحكم فيه من جهتين؛ مرةً من خلال مسار الشرق في اتفاق سلام جوبا، ومرةً أخرى من خلال القادة العشائريين الموالين له، لكن صوت الاحتجاجات كان عالياً ويحاصره أينما ولىّ وجهه حتى وهو بين مؤيديه، لتستحيل زيارته في نهاية المطاف، إلى كلمات نافية تحاول تبرير أهداف الزيارة على أنها، لا تخفي شيئاً ورائها. 

بعد اتهامات (حميدتي).. من المتسبب في إيقاف الدعم والمساعدات الدولية؟

اتهم نائب رئيس مجلس السيادة في السودان، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، ـ أشخاص لم يسمهم ـ قال إنهم تسببوا في إيقاف منح مالية من السعودية والإمارات بقيمة مليارين ونصف المليار دولار، من أجل الوصول للسلطة، في إشارة إلى الحكومة الانتقالية السابقة.

وأضاف حميدتي، في تصريحات صحفية يوم الأحد الماضي، أن أولئك الأشخاص، الذين لم يسمهم، الآن أوقفوا منح صندوق النقد الدولي، في سياق حديثه الذي بدا مرتبكاً وغير مرتب.

وجاءت تصريحات حميدتي، عقب اجتماع “اللجنة الاقتصادية العليا” التي يرأسها، وفي خضم أزمة اقتصادية عاصفة تعيشها البلاد منذ انقلاب 25 أكتوبر الماضي.

وعقب أيام من إسقاط نظام الرئيس المخلوع عمر البشير، في أبريل عام 2019م، أعلنت السعودية والإمارات عن تقديم دعم مالي قيمته 3 مليارات دولار للسودان. 

وقالت وكالة الأنباء السعودية وقتها، إن البلدين سيقومان بتقديم حزمة مشتركة من المساعدات لجمهورية السودان، يصل إجمالي مبالغها إلى ثلاثة مليارات دولار.

وأضافت الوكالة السعودية الرسمية، أن المنحة تشمل “500 مليون دولار مقدمة من البلدين كوديعة في البنك المركزي لتقوية مركزه المالي، وتخفيف الضغوط على الجنيه السوداني، وتحقيق مزيد من الاستقرار في سعر الصرف.

وتابعت “كما سيتم صرف باقي المبلغ لتلبية الاحتياجات الملحة “للشعب السوداني الشقيق” تشمل الغذاء والدواء والمشتقات النفطية”.

وفي مارس عام 2021م، أعلنت وكالة الأنباء السودانية، أن المملكة العربية السعودية، أودعت مبلغ 750 مليون دولار لدى البنك المركزي في الخرطوم، خلال زيارة رئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك للرياض، مشيرة إلى 500 مليون دولار من هذا المبلغ ستخصص لشراء القمح والدواء، وذلك في إطار حزمة مساعدات اقتصادية أُعلنت للمرة الأولى في 2019م.

وإبان استيلاء المجلس العسكري الانتقالي، على السلطة في البلاد بين أبريل وأغسطس عام 2019م، أعلن عن استلام وديعة بمبلغ 500 مليون دولار.

وحسب ما تم الإعلان عنه رسمياً، فقد استلم السودان بالفعل مليار ومئتي وخمسين مليون دولار من المنحة السعودية الإماراتية، 500 مليون منها أودعت في البنك المركزي، في فترة حكم المجلس العسكري أبريل ـ أغسطس 2019، و750 تسلمتها الحكومة الانتقالية بقيادة رئيس الوزراء السابق، من المملكة العربية السعودية.

أما فيما يتعلق بمنح صندوق النقد الدولي، فقد أوقف تعاونه مع البلاد، عقب انقلاب 25 أكتوبر الماضي بيومين.

وفي سبتمبر الماضي، زار رئيس البنك الدولي، ديفيد مالباس، السودان للمرة الأولى، لرئيس هذه المؤسسة الدولية المالية منذ 40 عاماً. 

وقال مالباس وقتها، إن الحكومة الانتقالية قامت بإصلاحات، وصفها بالشجاعة.

ورعى البنك الدولي، ضمن حزمة إصلاحات للتشوهات الاقتصادية، بالاتفاق مع الحكومة الانتقالية، برنامج دعم الأسر الفقيرة (ثمرات)، بمعدل 5 دولارات للفرد، البرنامج أيضاً توقف عقب الانقلاب، والذي كان من المفترض أن يُقدم 500 مليون دولار إضافية.

وعقب انقلاب 25 أكتوبر، جمّد كل من صندوق النقد والبنك الدوليين نشاطهما ومساعدتهما للسودان، كما جمدت الولايات المتحدة منحة بـ750 مليون دولار.

خسر السودان أيضاً حوالي 2 مليار دولار من البنك الدولي ومؤسسة التنمية الدولية لدعم 9 قطاعات، بينها الصحة والكهرباء، بالإضافة لمليار دولار دعم إضافي من البنك وصندوق النقد الدوليين، كان من المنتظر استلامها في نهاية العام الماضي.

وأيضاً توقفت عقب الانقلاب، عملية إعفاء 40 مليار دولار من ديون السودان الخارجية الذي كان من المنتظر أن تكتمل في بدايات العام الحالي.

علاوة على ذلك، فقد أوقفت الولايات المتحدة منحة قمح للبلاد تُقدر بـ 1.2 مليون طن قمح، أستلم منها 250 ألف طن قبل الانقلاب.

وكانت وزارة العدل السودانية، في عهد الوزير نصر الدين عبد البارئ،  أكدت أنه بموجب قانون (الحصانة السيادية) للسودان الذي أقره الكونغرس، فإن البلاد ستحصل على مساعدات مباشرة وغير مباشرة بمبلغ 1,1 مليار دولار أميركي. 

أيضاً علق عبد البارئ، على مسألة توقف المساعدات الدولية، في حسابه الرسمي على موقع تويتر فيما بدا أنه رد على تصريحات حميدتي.

وبالعودة إلى تصريحات حميدتي، ففضلاً عن أنه لم يوضح مزاعمه حول أولئك الأشخاص الذين اتهمهم بإيقاف المنحة (السعودية الإماراتية)، فإنه تعمد عدم ذكر استلام المجلس العسكري الانتقالي لـ500 مليون دولار كوديعة إماراتية، وإيداع السعودية مبلغ 750 مليون دولار خلال زيارة حمدوك إلى الرياض في مارس عام 2021م.

وبالنظر إلى حجم المنح والمساعدات التي توقفت عقب انقلاب 25 أكتوبر (مليارات الدولارات) بما فيها مساعدات وبرامج صندوق النقد والبنك الدوليين، فإن اتهامه للبعض بأنهم تسببوا في وقف عملياته، ليس صحيحاً، بينما في الحقيقة تقع المسؤولية المباشرة على قادة الانقلاب بمن فيهم هو نفسه.