Category: اجتماعي

(8) ولايات سودانية تحت وطأة (حمى الضنك).. كيف استجابت السلطات؟

منذ عدة أسابيع والحمى النزفية (حمى الضنك) تضرب ولاية شمال كردفان، قبل أن ينتقل المرض سريعاً إلى 7 ولايات أخرى، وذلك في ظل تعتيم رسمي ونظام صحي متهالك، يعاني من تبعاته ملايين السودانيين.

يصف عضو لجنة مقاومة منطقة طيبة جنوب بـ(ولاية شمال كردفان)، خطاب إدريس، الوضع الصحي، بالخطير، ويقول “في حيّنا فقط توجد 21 حالة إصابة مسجلة بحمى الضنك و4 حالات وفاة خلال الأسبوعين الماضيين، وهناك وفيات أخرى في أحياء مجاورة”. 

ويضيف إدريس لـ(بيم ريبورتس):“نعمل كمتطوعين لجمع التبرعات وشراء الاحتياجات اللازمة لرعاية المرضى المصابين في منازلهم ونقوم بتوفير الكوادر الطبية، ومعظمهم من طلاب وطالبات كليات الطب، نسبة لاكتظاظ المستشفيات والضغط الكبير والمتواصل على الطواقم الطبية فيها”.

وحمى الضنك، هي عدوى فيروسية تنتقل عبر الدم الملوث، حيث  تعمل إناث البعوض من نوع (الزاعجة المصرية)، على نقل المرض عبر لدغ شخص مصاب بالمرض وآخر غير مصاب، ويمكن أن تنقل هذه البعوضة حميات أخرى مثل (الشيكونغونيا) و(الحمى الصفراء)، وتنتشر هذه الحمى في المناخات المدارية وشبه المدارية. تسبب حمى الضنك، اعتلالات خطيرة قد تؤدي لوفاة المريض.  بالرغم من عدم وجود علاج محدد لها، إلا أن الإبكار في الكشف عنها وتلقي الرعاية الصحية المناسبة يقلل من معدلات الوفيات الناجمة عنها.

في 6 نوفمبر الحالي، كشف تقرير صادر عن الإدارة العامة للطوارئ الصحية التابعة لوزارة الصحة، عن تأثر 8 ولايات سودانية بحمى الضنك؛ وهي: (شمال كردفان، غرب كردفان، شمال دارفور، جنوب دارفور، غرب دارفور، البحر الأحمر، النيل الأبيض، وكسلا).

الأبيض.. تجاهل الاستغاثة

في الـ 21 من أكتوبر الماضي، بدأ نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي بمدينة الأبيض، في تداول معلومات عن انتشار حمى غريبة تصاحبها آلام مفاصل، بعدها بأيام، انطلق وسم (الأبيض تنزف)  والذي تحول إلى فضاء واسع لمشاركة عشرات القصص والصور التي تحكي تفاصيل الكارثة الصحية التي تعاني منها المدينة، وواقع النظام الصحي المتهالك في مواجهة الوباء الفتاك، حيث تنتشر الحمى في كل المنازل وتكتظ المستشفيات بالمرضى، فيما تحولت السيارات إلى وحدات علاجية. 

وقبل أن تستجيب السلطات المعنية للسيطرة على الوضع الصحي بالبلاد، كان مواطنو مدينة الأبيض الذين اعتبروا أن ما يحدث تعتيم رسمي، قد أخذوا على عاتقهم تكوين مبادرات ولجان قامت بأدوار مختلفة لمجابهة المرض. حيث تعمل المبادرات بالتكامل مع الكوادر الصحية في الأبيض وشباب الأحياء وكل من بيده تقديم مساعدة سواء بالرش أو المتابعة الصحية للمرضى، علاوة على التوعية الصحية وسط سكان المدينة وتثقيفهم حول الوباء وطرق التعامل معه.

تعتمد الوقاية من حمى الضنك ومكافحة انتشارها على اتخاذ تدابير فعالة لمكافحة نواقلها. بالنسبة للسودان، فإن حمى الضنك فيروس قديم ومن الوارد تجدد انتشاره في الفترة التي تعقب الخريف، حيث أن المياه الراكدة التي تعقب أمطار فصل الخريف تزيد من انتشار البعوض الناقل لفيروس حمى الضنك، ما يجدد إمكانية انتشار الفيروس سنوياً عقب فصل الخريف. 

حول الوضع بولاية شمال كردفان، يعود إدريس ويضيف قائلاً: “في الأسبوعين الماضيين كانت مدينة الأبيض تعاني ظروفاً صعبة، يوجد تكدس بالمستشفيات ونقص حاد في الإمدادات الطبية الأساسية للمرضى، خاطبنا المحلية بشأن احتياجاتنا لتوفير ناموسيات وطلمبات رش ومحاليل وريدية للمراكز الصحية، وكان الرد من المدير التنفيذي للوحدة، أن وزارة الصحة لم ترد حتى الآن”.

لكن، ثمة فرق كبير بين ما رواه مواطنو مدينة الأبيض، التي شهدت أكبر موجة انتشار للمرض حتى الآن، ورواية السلطات، وذلك يبدو واضحاً حسب مقاطع فيديو وصور بثها نشطاء على وسائل التواصل الاجتماعي على الانترنت، عن أوضاع المستشفيات وصفوف المحاليل الوريدية وعدد الوفيات المتزايدة يوماً بعد يوم.

ويشير أحدث تقرير في 19 نوفمبر لوزارة الصحة والتنمية الاجتماعية في ولاية شمال كردفان، عن وفاة 5 أشخاص متأثرين بحمى الضنك منذ بداية انتشار المرض، كما سجلت 14 حالة اشتباه جديدة ليرتفع العدد التراكمي للحالات إلى 613 حالة، مع وجود 3 حالات بمركز للعزل.

من جهتها علقت لجنة أطباء السودان المركزية على انتشار حمى الضنك في مدينة الأبيض، وأشارت إلى أن الولاية تعاني من “وضع خطير”، حسب معدل الإصابات والوفيات المتزايد بالمدينة. 

وأضافت في بيان “تشير كل الدلائل اننا أمام كارثة صحية فأغلب مستشفيات المدينة ما زالت تكتظ بالمرضى وبعضهم قد لا يجد حتى مكاناً لتلقي العلاج”.

وتابع البيان، أن المنومين بالمنازل عددهم أضعاف من يصلون إلى المستشفيات والمراكز الصحية”. 

استجابة حكومية:

 بعد مرور أكثر من 3 أسابيع على معاناة أهالي ولاية شمال كردفان وشمال دارفور وبقية الولايات المتضررة بالجائحة، أعلنت وزارة الصحة تزايد أعداد المصابين بحمى الضنك لترتفع خلال عدة أيام إلى آلاف الحالات.

يقول وزير الصحة الاتحادي بسلطة الأمر الواقع، هيثم محمد إبراهيم : “كنا نتوقع منذ بداية الخريف كثافة نواقل الأمراض، كان يوجد تحسب بالإسناد لهذه الولايات بتدريب الكادر الطبي وإرسال الإمدادات لمعظم هذه الولايات”.

وأشار إبراهيم، إلى أن الحالات المسجلة لدى وزارة الصحة تقدر بـ 2400 حالة، وأن وزارة الصحة تقدر العدد الفعلي للحالات بأكثر من 12 ألف حالة ولكن معظمها ليست بتلك الخطورة، إذ انها لا تستدعي إلا رعاية صحية منزلية.

كما أشار إلى أن الوزارة قد هيأت الوضع قبل انتشار الجائحة بالعمل على عدة محاور رئيسية منها الرش و التوعية الصحية و تدعيم المراكز الصحية.

لكن، حديث الوزير عن التحوطات والاستعدادات المسبقة للتعاطي مع مثل هذه الحميات، يكذبه الواقع وخريطة انتشار المرض وانتقاله لولايات عديدة يوماً بعد يوم.  

الجائحة في شمال دارفور:

سجلت ولاية شمال دارفور، غربي البلاد، حسب آخر تقرير لوزارة الصحة بالولاية، 315 حالة مؤكدة معملياً حتى 14 نوفمبر الحالي بجانب حالة وفاة واحدة لطفل من منطقة “أمراحيك” التابعة لريفي مدينة الفاشر. كما أشار  التقرير الذي تم عرضه خلال اجتماع للجنة الفنية للطوارئ الصحية بالولاية، إلى استمرار أنشطة مكافحة النواقل من خلال الرش وتفتيش المنازل، بالإضافة لاستمرار أنشطة التوعية الصحية بالولاية.

لم يقتصر تأخر استجابة الجهات الرسمية لانتشار الحمى على ولاية شمال كردفان، حيث يعاني مواطنو ولاية شمال دارفور من ذات المشكلة، وتعتبر الولايتان هما الأكثر تضرراً من انتشار حمى الضنك حتى الآن، حسب الإحصاءات الرسمية وغير الرسمية.

يسرد المواطن إبراهيم البشير، أحد سكان مدينة الفاشر قصة عائلته مع المرض لـ(بيم ريبورتس)، حيث أصيبت بهفي  ابنته أواخر أكتوبر الماضي.

“أصيبت ابنتي الأولى بحمى الضنك قبل إعلان الجهات الرسمية انتشار المرض، وعندما ذهبنا إلى المستشفى طلبوا منّا تحليلاً معملياً، تم تشخيص مرضها بالملاريا.. وصف الطبيب  محاليل وريدية وبندول فقط، لم يصف لنا أقراص الملاريا (الكوارتم) واستمر الوضع لأكثر من أسبوع حتى مطلع نوفمبر عندما أعلنت السلطات انتشار المرض”، يوضح إبراهيم.

الحميات في السودان

لا تعتبر هذه الجائحة هي الأولى بالسودان، فقد عانت البلاد بمختلف ولاياتها في الأعوام الأخيرة من انتشار حميات عديدة، بينها حمى الضنك بنسب متباينة في مدن مختلفة.

يشير مكتب تنسيق الشؤون الانسانية بالأمم المتحدة في آخر تحديث إنساني لشهر أكتوبر الماضي، الى إن النمط المتزايد للحميات في السودان سنوياً يعد من الهموم الرئيسية لشركاء القطاع الصحي الذين يقدمون الدعم لوزارة الصحة الاتحادية لتجاوز هذه الأزمة.

لعبت الجهود الشعبية دورا محوريا في مجابهة الكارثة الصحية الحالية بولايات السودان، و اخذت على عاتقها مسؤولية العمل وفق ما يتطلبه محاربة الوباء و تسليط الضوء على الوضع الجاري.

ومع ذلك، يبدو أن السودان سيعاني مراراً وتكراراً عقب كل فصل خريف في السنوات المقبلة، وذلك بالنظر إلى الأزمة السياسية والاقتصادية التي يعاني منها، بالإضافة إلى سياسات سلطة الأمر الواقع التي ترتكز موازنتها على الصرف الأمني وتمويل الصرف على الوظائف الحكومية العليا. في الوقت الذي تتجاهل فيه القطاعات الحيوية مثل القطاع الصحي الذي يعاني من هشاشة تكاد تعصف به في خضم الأوبئة والحميات التي ما انفكت تضرب البلاد في السنوات الأخيرة، دون أن يقود ذلك إلى محاولة إصلاح القطاع الذي يرزح تحت وطأة الإهمال والتجاهل.

كيف أظهرت نتيجة امتحانات الشهادة السودانية عوامل تفوق التعليم الخاص على الحكومي؟

إنها لا تبتسم مطلقاً”، هذا كان فحوى تعليق متداول على وسائل التواصل الاجتماعي، على ردة فعل ظهور أولى الشهادة السودانية للعام الحالي، أمنية موسى، بمنصات الإعلام المختلفة، والتي أحرزت نسبة 98% من مدرسة  الفتح الخاصة بالعاصمة الخرطوم. 

أيضاً، مثّل إحراز الجندي بالقوات المسلحة محمد إبراهيم، الذي جلس للامتحانات من ولاية جنوب دارفور غربي البلاد، لنسبة 91.4% ردود أفعال واسعة. بالإضافة للاحتفال بالطلاب المتفوقين وتقديم التهاني لهم على وسائل التواصل الاجتماعي وتكريم بعض المدارس لطلابها واهدائهم سيارات في بعض الحالات. 

مثّلت كل هذه الحالات الاحتفالية، الشكل الأبرز للتعاطي مع نتيجة امتحانات الشهادة السودانية التي أعلنتها وزارة التربية والتعليم في التاسع والعشرين من سبتمبر الماضي، في مؤتمرها الصحفي السنوي، لكنها لم تول الاهتمام الكافي للوجه الآخر لتفاصيل الامتحانات التي جلس لها هذا العام خمسمائة وعشرة ألف وتسعمائة وثمانية وثلاثين (510938) طالباً وطالبة في كل المساقات من داخل السودان.

وجلس للامتحانات من المدارس الحكومية (المساق الأكاديمي) 175915 طالباً وطالبة، نجح منهم 123718، بينما جلس في المدارس الخاصة 150194 طالباً وطالبة وكان عدد الناجحين 110706. فيما كانت النسب العامة للنجاح في جميع المساقات كالتالي: المساق الأكاديمي (68.4%)، المساق الحرفي (87.9%) والمساق الفني (60.3%) وشهادة القرآن الكريم (92.4%).

وأظهرت تفاصيل النتيجة، تحقيق المدارس الخاصة نسبة بلغت 73.7% متفوقة بذلك على المدارس الحكومية التي حققت نسبة نجاح 70.3%، وهو أمر تكرر خلال الأعوام السابقة، وفقاً لمختصين تحدثوا لـ(بيم ريبورتس) وكان عدد المدارس الحكومية التي أحرز طلابها درجات ضمن الـ 116 الأوائل 20 مدرسة (46 طالباً وطالبة)، بينما عدد المدارس الخاصة 33 مدرسة (70 طالب وطالبة).

“سياسات التعليم التي تتخذها الدولة تسببت في انهيار التعليم الحكومي وتحويله لسلعة من بعض الفئات التي استثمرت فشل الدولة”. يقول الأستاذ بالمرحلة الثانوية أحمد مختار ضو البيت لـ(بيم ريبورتس).

ويضيف ضو البيت: الأسباب الرئيسية لتفوق التعليم الخاص على التعليم الحكومي تتمثل في إهمال التعليم الحكومي عموماً، ونقص المعلمين والمعينات والوسائل التعليمية، وتردي البيئة المدرسية، وتضاعف عدد المدارس الخاصة 3 مرات خلال 15 عاماً”، وتابع قائلاً “اليوم التعليم الخاص يشكل 75% في ولاية الخرطوم، بينما مدارس الحكومة لم تزد، فمن الطبيعي أن يظهر ذلك في تفوق المدارس الخاصة على الحكومية”.

طلاب غير مرئيين

في كل عام وما إن يتم إعلان نتيجة الشهادة السودانية، حتى يكون التركيز على الطلاب والطالبات الذين أحرزوا درجات عالية، واحتلوا قائمة المائة الأوائل، تثميناً لنجاحهم، في حين لا يقدم المؤتمر أي إحصاءات عن الطلاب والطالبات الذين لم ينجحوا، والأسباب المتعلقة بجودة التعليم المقدمة.

وحتى عندما تأتي سيرة الطلاب من الأماكن الأقل نمواً، تأتي كحديث عن حالات تفوق فردي، مثلما حدث في نتيجة 2017م مع أول الشهادة السودانية بولاية شمال دارفور، عصام محمدين، وكيف كان يقطع مسافة 6 كيلومترات يومياً للذهاب إلى المدرسة، لكن ذلك لا يقابله الحديث عن أوضاع بقية الطلاب والأسر الأخرى في مخيمات النزوح المختلفة، والصعوبات التي تواجه وجود خيار يسمح لهم بالالتحاق بنفس المدرسة التي تبعد 6 كيلومترات. 

وفي هذا العام كان أول الشهادة في المساق النسوي، هبة الله عوض محمد، من معهد الأمل للصم بولاية الخرطوم، دون التطرق لما يواجهه الصم من صعوبات كبيرة في ارتياد المدارس العامة، وذلك بسبب صعوبة الإدماج، وعدم توفر البيئة المدرسية اللازمة لاستقبالهم.

موت في سبيل التعلم

“خلال هذا العام، توفي خمسة من طلاب من مخيم كلمة للنازحين، والذين كان من المفترض أن يجلسوا لامتحانات الشهادة السودانية، إثر انهيار بئر عليهم أثناء عملهم في صُنع الطوب من أجل توفير احتياجاتهم الدراسية” بهذه الكلمات الممتلئة بالحزن يصف المتحدث الرسمي باسم منسقية النازحين واللاجئين آدم رجال الوضع التعليمي داخل مخيمات النازحين بإقليم بدارفور.

يضيف رجال، “على مر السنوات والوضع التعليمي يزداد سوءاً. هناك العديد من التحديات والظروف القاسية التي يواجهها آلاف الجالسين لامتحانات الشهادة السودانية سنوياً في دارفور بشكل عام وفي مخيمات النزوح واللجوء على وجه الخصوص”.

يصبح هذا الجانب غير مرئي مع إعلان نتيجة امتحانات الشهادة السودانية في كل عام، حيث تقيم وزارة التربية والتعليم مؤتمرها الصحفي، وتبين خلاله تفاصيل نتيجة شهادة الثانوية العامة وأسماء الطلاب الأوائل في المساقات المختلفة على مستوى الولايات السودانية دون أن تناول أسباب هذه النسب والفوارق والتناقضات التي تحيط بها.

ما يعانيه الطلاب والطالبات في المناطق الأقل نمواً، أو تلك المتأثرة بالحرب ينعكس وتظهر نتائجه في العملية التعليمية برمتها، بما في ذلك المعاناة في سبيل الحصول على التعليم نفسه، والطريق الطويل في سبيل الوصول لمراكز الامتحانات عبر قطع مئات الكيلومترات. وخلال العام الماضي على سبيل المثال، لقي 7 طلاب مصرعهم فيما أصيب 12 آخرين إثر انقلاب وسيلة النقل التي كانت تقلهم من شرق جبل مرة إلى مدينة نيالا للجلوس لامتحانات الشهادة السودانية.

حرمان من التعليم

أصدرت يونسيف تقريراً في 12 سبتمبر الماضي، أوردت فيه أن هناك ضرورة عاجلة لاتخاذ تدابير عاجلة فيما يتعلق بموضوع التعليم في السودان، حيث يواجه 6.9 مليون طفل خارج المدرسة و 12 مليونًا يواجهون اضطرابات في التعلم. وقالت يونسيف: “واحد من كل ثلاثة أطفال في سن الدراسة، لا يذهبون إلى المدرسة في السودان، و 12 مليون آخرين سيتوقفون عن الدراسة، بسبب نقص المعلمين والبنية التحتية الكافية، والبيئة التعليمية التي تمكنهم من الوصول إلى إمكاناتهم الكاملة”.

ودرجت وزارة التربية في مؤتمرها الصحفي السنوي لإعلان النتيجة، على الإعلان عن تاريخ الامتحانات للسنة المقبلة، دون أن تُبين أوضاع المدارس من ناحية بنى تحتية وتأهيل، أو توفر الأساتذة والكتاب المدرسي، مضافاً إلى ذلك انهيار عشرات المدارس سنوياً في موسم الخريف. فعلى سبيل المثال فقط، تأثرت 95 مدرسة من المراحل المختلفة في منطقة المناقل (جنوب الجزيرة).

وبينما تظهر الدولة بكثافة في إعلان موعد النتيجة بكل تفاصيله، في الوقت نفسه لا تبدِ اهتماماً كافياً، بالسياق الكلي الذي تجري في ظله العملية التعليمية.

وكان وزير التربية والتعليم في فترة الحكومة الانتقالية الأولى، والخبير التربوي، محمد الأمين التوم، قدم خططاً بناءة لإعادة إصلاح قطاع التعليم الحكومي، بما يضمن تحسينه و وصوله للفئات الأكثر فقراً وحرماناً في البلاد، غير أنه أبعد من الحكومة الانتقالية الثانية بحجة الفحص الأمني، قبل أن يكمل انقلاب 25 أكتوبر الإجهاز على مشروعه في تطوير التعليم الحكومي.

كيف يكافح الكتاب السودانيين الشباب لتجاوز عقبات النشر وتكاليفه الباهظة؟

أية السماني

أية السماني

“أول رواية لي نُشرت مجانًـا لأنها فازت بمسابقة تقيمها إحدى دور النشر العربية المعروفة. السبب الأساسي الذي دفعني لتقديم روايتي؛ هو أن الأعمال الفائزة تطبع وتنشر وتسوق ويُشارك بها في المعارض العربية على نفقة الدار”، يصف الكاتب مصطفى خالد 24 عاماً، أولى تجاربه في النشر.

“كانت تجربة جديدة ومدهشة، أن تجد عملك قد وصل إلى اليمن شرقًا والمغرب شمالاً وأنت في بيتك لم يكلفك الأمر سوى نقرة إرسالٍ بالبريد الإلكتروني”، يضيف خالد لـ(بيم ريبورتس). 

صعوبة النشر داخل البلاد، مثّلت الدافع الأساسي لخالد في تجريب نشر روايته (غول سليمة) خارج السودان، حيث تعكس تجربته في النشر، التحديات والصعوبات التي تواجه الكتاب السودانيين الشباب ومعاناتهم في نشر أعمالهم وإيصالها إلى القراء. 

لا تختلف تجربة الكاتب والروائي أيمن هاشم، في النشر، عن تجربة زميله مصطفى خالد كثيراً.

يقول هاشم لـ( بيم ريبورتس): “هناك مشكلة في التعامل مع التجارب الكتابية الحديثة، حيث لا يتم التعامل معها بجدية. مضيفاً “لدي تجربة مع عدد من دور النشر الخارجية، فقبل مشاركة مجموعتي القصصية في منحة آفاق، أرسلتها لعدد من دور النشر السودانية، ولم تلق الاهتمام الكافي منها.. كان الرد أنها لا تصلح للنشر، لكن عند مشاركتي بنفس المجموعة في منحة آفاق تحصلت على منحة لنشرها”.

حركة النشر تاريخياً

بدأت حركة دور النشر في البلاد في عشرينيات القرن الماضي، وكانت البداية بنشر عدد قليل من الأعمال الأدبية، واستمرت كحركة محدودة، إلى أن أزدهرت في حقبة السبعينات، حيث أسست الدار السودانية للكتب بالخرطوم، ودار نشر جامعة الخرطوم وغيرها من الدور الكبيرة. لكن السمة الرئيسية لصناعة الكتاب في السودان، غلب عليها الركود وعدم الاستقرار، بسبب تقلب أوضاع البلاد الاقتصادية والسياسية.

ومع مرور مائة عام على ابتدار حركة النشر والطباعة في البلاد، إلا أنها، ما تزال محدودة الحجم، حيث لا يتجاوز عدد دور النشر العشرات، وهي في الغالب دور تجارية واستثمارية خاصة.

تكاليف باهظة

العامل الاقتصادي للنشر يمثل العائق الأبرز أمام الكتاب عامةً والكتاب الشباب بشكل خاص.

تقول الكاتبة والقاصة رهام حبيب لـ(بيم ريبورتس ): “شاركني أحد أصدقائي تكلفة إصدار كتابه عبر دار نشر سودانية حديثة النشأة، وقد قاربت الألف دولار. أي أعلى من رواتب ثلاثة أشهر مجتمعة للسواد الأعظم من السودانيين، وربما تزيد عن الثلاثة أشهر للكتّاب”. 

وأثر الجانب الاقتصادي على النشر، أصبح عاملاً مضاعفاً، في ظل التدهور الذي تعيشه البلاد وطال أثره كل القطاعات، بما في ذلك مجال صناعة الكتاب والنشر، حيث يتمثل في ارتفاع الرسوم الجمركية على مستلزمات وخامات صناعة الكتب (مثل الورق والأحبار).

إعاقة المشاريع الأدبية

أزمة صناعة الكتاب والنشر عامةً في السودان ألقت بظلالها على أسعار الكتب، وبالتالي اضطر قراء كثر إلى العزوف عن شراء الكتب الورقية، واللجوء إلى خيارات قراءة بديلة.

يقول الكاتب والروائي حمور زيادة لـ (بيم ريبورتس ): “إذا لم يجد الكاتب جمهوراً فذلك قد يجهض مشروعه الأدبي كله. لماذا يتكلف عناء خلق عالم روائي إن لم يكن هناك من سيطلّع عليه؟، ربما يكتفي بكتابة مسودات أحياناً، أو الحكي الشفاهي، أو الكتابة على مواقع التواصل والمدونات. لكن لا أظن ذلك يرضي نزعة الفن داخل الكاتب. لذلك، فإن صعوبة النشر في السودان تعيق مشاريع أدبية كثيرة”. 

وجزء من أزمة صناعة الكتاب، ما بعد طباعة الكتاب، تتمثل في مرحلة التسويق للكتاب وتقديمه للجمهور، حيث يقف غياب التسويق والتعريف بالكتاب حاجزاً أمام وصوله إلى جمهور أوسع من القراء.

ومع ذلك، يظل التحدي الأكبر بالنسبة للكتاب الشباب، هو عملية النشر نفسها، يقول الكاتب وقاص الصادق لـ(بيم ريبورتس): “إنه لا توجد فرص للنشر المجاني، ومن الصعب على الشباب تحمل تكلفة النشر شخصياً. مضيفاً “وإذا وجدت فرص للنشر المجاني فهي بسيطة وغير ناجحة في مراحلها المتقدمة، حيث لا توجد استراتيجيات واضحة لتوزيع الكتاب وتسويقه وبيعه، وفي الغالب يتكفل الكاتب بهذه المسائل، مما يخل بجودة العملية ويدخل الكاتب في تفاصيل لا علاقة له بها”.

توزيع الكتاب

ضيق منافذ التوزيع وتركز وجود الناشرين بشكل كبير في العاصمة الخرطوم، بالإضافة إلى قلة منافذ التوزيع بالولايات، وعدم القدرة على توزيع الكتب خارج السودان والمشاركة في المعارض العالمية، يضع المزيد من العقبات أمام الكتاب في حال تمكنوا من نشر كتبهم بالأساس.

“إن عُسر عملية النشر في السودان معضلة قديمة وشائكة”، يعود الكاتب مصطفى خالد ويقول.

ويعزو خالد الأسباب، إلى قلة الدور الحكومية التي تموّل الطباعة وتسوّق للإبداع السوداني محليًا وإقليميًا، بجانب التكاليف الباهظة للدور التجارية، المنصرفات الضريبية والجمركية لحركة الكتب. ويرى خالد، أن معظم الكتب المنشورة محلياً والتي وجدت رواجاً لا يتجاوز صداها الخرطوم.

رقابة على الكتب

إلى جانب هذه الأزمات، يعاني الكُتاب عامةً، والكٌتاب الشباب بشكل خاص من الرقابة على أعمالهم.

وقبل الثورة، درجت أمانة حماية حق المؤلف والحقوق المجاورة والمصنفات الأدبية والفنية، على تشكيل لجان لتقييم الأعمال المقدمة للنشر لإجازتها، ما مثل شكلاً من أشكال تقييد حرية الكتابة والنشر أمام الكتاب، حيث قامت بحظر العديد من الكتب والروايات.

لكن بعد تشكيل الحكومة الانتقالية في عام 2019م، أعلن أمين عام أمانة حق المؤلف والحقوق المجاورة، حاتم الياس، فك حظر جميع تلك الأعمال.

وعادةً ما تستند لجان التقييم على معايير فضفاضة، في حكمها النهائي على النصوص المقدمة إليها وتتعلق في الغالب بتناول مواضيع الدين والسياسة، وكثيراً ما وصفت تلك الأعمال بأنها تخل بالقيم الدينية أو الآداب العامة، لتدفع هذه الأحكام القيمية على النصوص عدداً من الكتاب الشباب للتوجه إلى دور نشر خارج البلاد بحثاً عن نشر تجاربهم الكتابية، خارج الأطر التي تضعها المصنفات ودور النشر في السودان.

أيضاً، يواجه الكتاب السودانيون مشكلة قرصنة الكتب في ظل عدم فعالية القوانين التي تحمي حقوق النشر والتي غالباً ما تنتهك عن طريق طباعة الكتب بصورة غير قانونية الأمر الذي ينتهي بكساد الكتب. تدفع كل هذه العراقيل الكتاب إلى النشر خارج السودان، في محاولة لتجنب هذه العملية غير المأمونة.

بينما وجد مصطفى خالد وأيمن هاشم، الفرصة لنشر أعمالهم خارج البلاد، لا يزال عشرات الكتاب ربما يقرأون مسودات كتبهم لأنفسهم وأصدقائهم المقربين، دون أن يكونوا قادرين على نشرها بسبب التكاليف الباهظة للنشر والعقبات التي تضعها تلك الدور على الكٌتاب الشباب، حيث تسعى في معظم الأحيان، إلى نشر أعمال لكتاب معروفين، عوضاً عن الانفتاح على تجارب كتابية جديدة.

هل تشكل (دورات الصيدلة الوظيفية) خطراً على حياة السودانيين ؟

أية السماني

أية السماني

عشرات الحكايا والقصص يتداولها السودانيون في لقاءاتهم لوقائع تدور أحداثها بالعديد من الصيدليات، حول صرف أدوية ومستحضرات طبية بخلاف التي كتبها الطبيب المُعالج لطالب العلاج في ورقة وصفة الدواء (الروشتة)، وكل قصة تكاد تقود  إلى كارثة صحية أو تنهي حياة إنسان، بسبب استخدام دواء خاطئ.

وخلال الأسابيع الماضية، كتب أحد مستخدمي موقع فيسبوك، شهادة شخصية حول صرف مستحضر طبي خاطئ لطفل عمره خمسة أشهر، وقال انه كان يحمل روشتة لحليب خاص بالرضع (فري لاكتوز) إلا أن الصيدلي قدم له زجاجة مشروب دوائي، وقال له يجب على المريض تناول ثلاثة ملاعق كل مساء.

فتحت هذه القصة، الباب واسعاً أمام العشرات من المتضررين من صرف أدوية خاطئة، ودفعتهم لسرد العديد من القصص المماثلة، اتفق أغلبهم على مراجعة أكثر من صيدلية عند شراء الدواء او المستحضر الطبي المطلوب، وعدم الوثوق بأول دواء يصرفه الصيدلي.

تنتهي أغلب تلك الحكايات بالاتفاق على أن السبب المباشر في ذلك هو أن أغلب أصحاب الصيدليات يفضلون توظيف خريجي دورات الصيدلة الوظيفية، من حملة شهادات الثلاثة أشهر.

ودورات الصيدلة الوظيفية هي دورات تقام بمراكز تدريب، تعمل بموجب ترخيص من قبل الإدارة العامة للتدريب، و تتراوح مدة الكورس بين شهر الى ثلاثة أشهر، وهي متاحة للجميع من حاملي الشهادات الثانوية، والجامعية، و ليست حصرا على طلاب التخصصات الطبية.

بالرغم من أن الشهادات التي يحصل عليها المتدرب من هذه الدورات لا تخوله لمزاولة مهنة الصيدلة الا أنها انتشرت مؤخراً بصورة ملحوظة و ازداد عدد الراغبين في الانضمام إليها ، يعزى ذلك للتجاوزات التي يرتكبها ملاك الصيدليات بتوظيف حاملي شهادات دورات الصيدلة الوظيفية كصيادلة أو مساعدي صيادلة.

ومن المتعارف عليه بموجب القوانين السارية بالبلاد، أن مزاولة مهنة الصيدلة، تقتضي الحصول على رخصة من المجلس الطبي السوداني و لا يحق لأي شخص ممارسة المهنة دون أن يكون مسجلاً بسجل المجلس الطبي.

وفي هذا السياق، تقول الطبيبة الصيدلانية، شذى صلاح الدين، لــ(بيم ريبورتس)، “لقد مررت بكثير من  الاخطاء الفادحة و التي غالبا ما يتضح بعدها أن الموظف في الصيدلية ليس صيدلياً يحمل رخصة صيدلي و لكنه يحمل شهادة الثلاث أشهر، لأن أصحاب الصيدليات يفضلون توظيف حاملي شهادات تلك الكورسات لعدة أسباب تعود جميعها لتقديمهم العامل المادي و الاستثماري على بقية العوامل، ومنها أن حاملي شهادات تلك الكورسات يقبلون برواتب زهيدة مقارنة برواتب الصيادلة، و أنهم اكثر جرأة من الصيادلة في صرف الادوية مما يسهل عملية البيع و يجعلها تمر بسلاسة، لان الصيدلي يطرح كثير من الأسئلة ويتأنى في صرف الأدوية الاعتيادية كالمضادات الحيوية و غيرها، و أنه يضع في الحسبان جميع العوامل كعمر المريض وحالته الصحية، أو إذا كان يتلقى علاج آخر الى جانب العلاج المطلوب ذلك لمعرفة الصيدلي بجدية المسألة و إدراكه لخطورة التجاوزات الطفيفة التي قد تسبب مشاكل صحية يمكن أن تؤدي إلى وفاة الشخص”.

وتعزي شذى هذه المشكلة لانعدام الرقابة و تهاون الجهات المسؤولة، و على حد قولها: “أن الادارة العامة للصيدلة ليست صارمة بخصوص الصيدليات إذ أنها تجري جولات ميدانية في أوقات محددة خلال العام بغرض المتابعة و غالبا ما يتدخل جانب المحسوبية والوساطة في تفعيل العقوبات إذا تم الإخلال بأحد القوانين المتعلقة بالصيدليات مثل توظيف شخص لا يحمل رخصة صيدلي من المجلس الطبي السوداني”.

وتشير شذى، الى أن الغرامة التي تفرضها الجهات المسؤولة زهيدة جدا و أن أصحاب الصيدليات يفضلونها مقارنة براتب الصيدلي.

وفيما يتعلق بالتأهيل المطلوب لمزاولة مهنة الصيدلة، فتبدو مدة الثلاثة أشهر – التي يتلقى فيها موظفي الصيدليات الكورس التدريبي – غير منطقية إذا قورنت بالفترة التي يقضيها طالب بكالوريوس الصيدلة بالجامعات، والتي تتراوح بين 4 – 5 سنوات، ومن ثم الحصول على رخصة مزاولة المهنة، أو ثلاث سنوات لطلاب دبلوم الصيدلة، وبعدها الحصول على رخصة مساعد صيدلي و التي بدورها تشير للمسؤولية العظيمة التي تقع على عاتق الصيدلي و مدى خطورة وأهمية موقعه الذي يجعله المسؤول الأول عن الممارسات الدوائية الآمنة حيث يعتمد الصيدلي على معرفته بالعلاجات المصنعة وآثارها الجانبية المحتملة التي قد تسبب مشاكل صحية للمريض بالاضافة لدوره الأساسي في تعزيز الصحة العامة ورفع الوعي المجتمعي بشأنها.

لكن الصيدليات اليوم تحكي واقعا مختلفا في تجاوز صارخ للقوانين التي تقوم عليها مهنة الصيدلة، و كغيرهم من المهنيين يحتاج الصيادلة لقوانين و تشريعات تنظم وتحافظ على مهنة الصيدلة و تحول دون المساس بمصداقية ومهنية الصيدلي.

وفي هذا الصدد يعمل العديد من الصيادلة على نشر الوعي بخطورة هذه الظاهرة ومحاربتها و الحد منها بكل الطرق الممكنة لما فيها من تهديد للمهنة و حياة الأشخاص .   

يقول رئيس فرعية الخرطوم بالهيئة النقابية لصيادلة المجتمع، هاني نبق، لــ(بيم ريبورتس) : “أن فرعيات الهيئة النقابية تعمل جاهدة لمحاربة الكورسات التي تتيح للأشخاص العمل كصيادلة بعد 3 أشهر فقط من التدريب، و في جهودنا لمجابهة هذه الازمة توجهنا لعدة جهات منها المجلس الطبي السوداني و المجلس القومي للأدوية والسموم حيث طالبنا بزيادة الغرامة المفروضة على التجاوزات، و تشديد الرقابة عليها و قد تلقينا الكثير من الوعود حول هذه القضية، طالبنا الادارة العامة للتدريب بايقاف هذه الكورسات بصفتها غير قانونية و لا تجيز لأي أحد أن يعمل كصيدلي او مساعد صيدلي”.

وأشار نبق الى ان النقابة تعزي هذه المشكلة لانعدام الرقابة و الإفلات من العقاب، حيث ان العقوبات قد تصل الى حد سحب الرخصة ولكن تلك القوانين لم تطبق على ارض الواقع، بالاضافة الى ان الاشخاص الذين يحملون شهادات هذه الكورسات غالبا ما يقبلون برواتب أقل بكثير من تلك التي يحصل عليها الصيادلة المسجلين، معتبراً هذا الأمر “تهاوناً من ملاك الصيدليات و مشكلة حقيقية”، وأكد أن “النقابة ماضية في جهودها نحو انهاء هذه الظاهرة تماما و انقاذ مهنة الصيدلة”.

وفي إطار خطوات النقابة لمحاربة هذه الظاهرة ناقش ممثلي فرعيات الهيئة النقابية لصيادلة المجتمع في اجتماع مع المجلس القومي للأدوية والسموم القضايا المتعلقة بمهنة الصيدلة ، وقد طالب ممثلي النقابة المجلس بـ“اتخاذ إجراءات حاسمة بخصوص كورسات الصيدلة المهنية و اكدو على ضرورة فرض الرقابة بشأنها”، و رد المجلس بالتأكيد على التنسيق و التعاون المشترك بشأن القضايا المتعلقة بمهنة الصيدلة و على اهمية عقد اجتماعات دورية لمتابعة سير العمل على تلك القضايا.

خطوات كثيرة تقودها عدة جهات مرتبطة بمهنة الصيدلة للتقليل من المخاطر الناجمة عن كورسات الصيدلة الوظيفية، التي باتت تشكل معاناة إضافية للسودانيين، فما من يوم يمر إلا وتسمع قصة جديدة عن صرف دواء خاطئ ضاعف من مصاب شخص مريض، وعلى الرغم من تصاعد هذه المأساة إلا أن مراكز التدريب التي تقيم كورسات الصيدلة الوظيفية ما زالت تروج لها، والجهات المسؤولة عن تنظيم مهنة الصيدلة لا تلقي بالاً لكل هذه المشكلات.

السينما السودانية .. كيف يسهم ماضيها العريق في استشراف آفاق جديدة بعد الثورة ؟

“نَعْتّز بهذا الوليد، ليس لأنه وصل إلى المستوى الذي نصبو إليه، ولكن لأنه اللبِنة الأولى في بناء نهضة سينمائية حقيقية في سوداننا الحبيب” بهذه الكلمات علّق المخرج السوداني إبراهيم ملاسي، خلال بداية تصوير أول فيلم روائي سوداني في العام 1962م، موضحاً محاولتهم الرائدة في هذا الضرب الجديد للفن السينمائي في السودان، ومستشرفاً أفقاً تجريبياً لصناعة السينما.

بدايات مبكرة

تمتلك السينما في السودان تاريخاً ضارباً في القدم، وهو يتفرع إلى قسمين؛ الأول يتعلق ببداية فعل المشاهدة ودُور العرض، والآخر يعود إلى بداية صناعة أفلام سودانية. وتعود جذور السينما في السودان إلى بدايات القرن العشرين؛ بعد سنوات قليلة من اختراع السينما. حيث شهد السودان أول عرض سينمائي في مدينة الأبيض (شمال كردفان) أثناء زيارة اللورد كتشنر للسودان في 1911م واحتفالاً بمناسبة وصول خطوط السكة حديد إلى المدينة، وكان فيلماً قصيراً وصامتاً.

وبعد عامين، حوالي عام 1913م، شهدت مدينة أمدرمان عروضاً لأول مرة، كان يجلس المشاهدون خلف مقهي “الخواجة لويزو” للفرجة على السينماتوغراف (مشاهد ومناظر وصور للتسلية) وهي تعرض على قطعة قماش. لتتسع تلك المساحات لاحقاً، قبل دخول العشرينيات، وتتيح للمشاهدين الأفلام عن طريق السينما الجواله في المدارس والساحات العامة، وفي نهاية العشرينيات أسست دارين لعروض السينما في الخرطوم؛  سينما الجيش (والتي عرفت بالنيل الأزرق لاحقاً) وسينما اسكيتنج رنج (والتي صارت كلوزيوم). أما تاريخ صناعة الأفلام في السودان فهو متأخر عن تاريخ المشاهدة.

أين تسهر هذا المساء؟

شهدت فترة السبعينات توالي تجارب الأفلام الروائية، وتمكنت من إحداث نقلة من نمط الفيلم الوثائقي السائد حينها منذ بداية الأربعينيات، وحظيت أفلام تلك الفترة بتقدير وإشادة عاليين، فيلم (تاجوج 1977م) من إخراج جاد الله جبارة، والذي حاز على جوائز في تسعة مهرجانات دولية وإقليمية، فيما حصل فيلم “الضريح” للمخرج الطيب مهدي على ذهبية مهرجان القاهرة للأفلام القصيرة 1972م، لتنتهي حقبة السبعينيات  بفيلم (ولكن الأرض تدور) للمخرج سليمان محمد إبراهيم، والذي حصل ذهبية مهرجان موسكو 1979م.

كما شهدت تلك الفترة نمواً في عدد دور العرض، حيث بلغت 60 داراً في عام 1970، وبنهاية السبعينات بلغت دور العرض 67 وكان عدد الأفلام التي عرضت في السودان 243 فيلماً حتى عام 1978م. وكانت إعلانات عروض الأفلام تحتل مساحات مقدرة من الصحف.

التسعينيات، نفق مظلم

كان استيلاء حكومة الإنقاذ على السلطة في انقلاب 1989م وما عُرف بـ(المشروع الحضاري) بمثابة نصلاً حاداً انغرس في جسد كل الفنون، وتضررت السينما تضرراً بالغاً، حيث تهدم كل أرثها الذي بدأ نموه منذ سنوات بعيدة. أغلقت كل دور السينما، وعرضت كعقارات للبيع، وما لم يبع صار ذكرى أليمة.  لم تسلم دور العرض ولا الإنتاج السينمائي الذي كان مهمشاً بصورة ممنهجة، ومراقباً من قبل الدولة. بل أن أرشيف السينما تعرض للتلف والفقدان نتيجة سوء التخزين والحرارة، علاوة على الأفلام السودانية التي كانت محفوظة ضمن أرشيف شركات أوروبية، أعادتها للسودان لعدم التزامه بدفع مستحقات إيجار حفظها.

طرق ومؤسسات بديلة

بالرغم من العتمة التي شهدتها السينما في السودان خلال العقود الماضية، والتضييق على كل أفق ممكن لها من قبل حكومة الإنقاذ إلا أن الفاعلين فيها لم يرفعوا الراية البيضاء، بل قاتلوا في سبيل اجتراح طرق ومؤسسات ومبادرات بديلة، على أمل المساهمة في نفض الغبار عن أجنحة السينما حتى تحلق من جديد،  وواحدة من هذه المؤسسات هي (سودان فيلم فاكتوري) والتي انطلقت في نسختها الأولى في العام 2010م وقدمت إضافات نوعية في مجال دعم السينما من تدريب وتعلم، حيث استضافت مدربين من دول مختلفة لإثراء الخبرة التراكمية عند الشباب في السودان. وفي إفادته لـ (بيم ريبورتس) يقول مؤسس ومدير سودان فيلم فاكتوري، طلال عفيفي، حول هذه التجربة: “أسست وأطلقت سودان فيلم فاكتوري أول مهرجان سينما في السودان، وهو فعالية سنوية مدتها أسبوع في يناير من كل عام، حيث تعرض عشرات الأفلام العالمية الجديدة في أماكن مختلفة، على خلفية من ورش العمل، وتقديم المشهد السينمائي برمته للجمهور السوداني من المهتمين والهواة والمحترفين”.

بالإضافة إلى كل ذلك فإن لسودان فيلم فاكتوري إسهامات مقدرة في مجال رفد السينما السودانية بعدد من الأفلام، التي شاركت في محافل عالمية من مهرجانات دولية وإقليمية حول العالم.

السينما بعد الثورة

مع بدايات ثورة ديسمبر 2018م كانت هناك ثورة أخرى تشهدها السينما في السودان، حيث وجهت أفلام (ستموت في العشرين)، و(الحديث عن الأشجار)، و(خرطوم أوفسايد) أنظار العالم إلى السينما السودانية والامكانيات الخصبة التي تنطوي عليها، وأيقظت السينما من سبات عميق. حصدت هذه الثلاثة أفلام جوائز مهرجانات عالمية عديدة. وكان الفيلم الوثائقي (الحديث عن الأشجار) للمخرج صهيب عبد الباري، يناقش الأحلام والآمال التي تشكّلت عند أبطال الفيلم، وعودتهم إلى السودان، بعد سنوات من الدراسة بالخارج، وحلمهم بتأسيس سينما سودانية، ليؤسسوا جماعة الفيلم السوداني في 1989م لكن هذا الحلم راح أدراج الرياح بسبب قرار الإنقاذ إغلاق جميع دور العرض في البلاد.

يتتبع هذا الفيلم الحياة الفنية لأربعة مخرجين من وسعيهم لإعادة إحياء دور العرض التي أغلقت منذ عقدين ونصف من الزمان، وهو لمحة فنية للمصاعب والتحديات التي تواجهها السينما السودانية ككل.

لكن مؤسس ومدير سودان فيلم فاكتوري، طلال عفيفي، يوضح في إفادته لـ (بيم ريبورتس) أن: “واقع ما بعد الثورة كان موسوماً بانعدام الرؤية والتخطيط تجاه الثقافة والآداب والفنون، كما أن هناك ظروف وعوامل مثل الإعتصام وفض الإعتصام و جائحة الكورونا والضعف الاقتصادي ساهمت في ألا تكون حركة الأشياء مثل المتوقع عند معظم الناس”.

ويرى عفيفي، أن واقع السينما السودانية اليوم: “يحتاج إلى الكثير حتى يكون مرضياً، لكن ثمة تفاؤل ما”.

تحديات مستمرة

كان عدد من السينمائيين يحلمون بضرورة وجود سياسات ثقافية جديدة، تولي هذا القطاع الاهتمام والدعم الذي يدفع مسيرة السينما التي توقفت لسنواتٍ طويلة، بعد أن كانت تتلمس خطواتها الأولى. فكل النجاح الذي يشهده قطاع السينما في السودان يأتي نتيجة جهود واجتهادات فردية، حيث يتجه الكثير من صناع الأفلام لتمويل أفلامهم من المنح وشركات الإنتاج الخارجية، في ظل صعوبات للنهوض بهذا القطاع داخلياً.

علاوة على كل ما سبق، فإن غياب قطاع السينما كتخصص في أغلب مؤسسات التعليم العالي يشكل عثرة في مسار تطور السينما كصناعة، وينعكس هذا الأمر في ضعف الحركة النقدية والتي هي أساساً لتطور أي فن من الفنون.

ويوضح عفيفي في إفادته لـ (بيم ريبورتس) أن السينما السودانية تحتاج إلى “إنشاء معاهد ومدارس سينما لأنها أمر حيوي، كما أن إصلاح التعليم وإدماج الفنون فيه منذ البداية بشكل فاعل أمور لا يمكن تجاوزها في التأسيس لصناعة السينما، علاوة على ضخ الأموال واقتطاع الممكن من الميزانيات لدعم التعليم وتمويل الإنتاج السينمائي والبنى التحتية، وإعادة كتابة القوانين بشكل صديق للإنتاج مسألة مهمة وتبني سياسات ثقافية تحتضن النمو نحو صناعات ثقافية”.

يبعث الازدهار الذي تشهده السينما السودانية، الأمل في نفوس روادها والمهتمين بها، ويؤكد الامكانيات الكبيرة للسينما، لكنه يظل نشاط من أجسام ومبادرات تعمل في ظروف اقتصادية وسياسية صعبة، يستحيل أن نقول معها أن لدى السودان “صناعة سينما”، بالمفهوم المتعارف عليه لصناعة السينما، لافتقاد هذا القطاع اهتمام الدولة.

لكن التاريخ العريق للسينما السودانية في عقودها السابقة، والظروف والتعقيدات التي صاحبتها، ينطوي على قدرة كبيرة لبعثها من جديد، في ظل المجهودات الكبيرة التي يطلع بها عدد كبير من المهتمين والفاعلين في سبيل خلق واقع جديد للسينما السودانية.

خارطة تفاعلية للخسائر التي خلفتها السيول والفيضانات في السودان خلال العام الحالي

اجتاحت السيول والفيضانات (16) ولاية بالسودان من  أصل (18) ولاية، هذا الموسم، وخلفت خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات.

يحاول فريق (بيم ريبورتس) في هذا الرسم البياني التفاعلي، تسليط الضوء على الأضرار الناجمة عن هذه الكارثة الطبيعية، منذ بدء موسم الأمطار وحتى تاريخ اليوم.

وعادةً ما يبدأ موسم الأمطار في السودان، في شهر يونيو ويستمر حتى سبتمبر، مع ملاحظة أن ذروة هطول الأمطار والفيضانات هي بين شهري أغسطس وسبتمبر.

اضغط على الرسم التفاعلي أدناه لتصفية البيانات العامة حسب الولاية، التاريخ، عدد المنازل المدمرة أو المتضررة.

لإلغاء خاصية التصنيف (Filter)، اضغط مرتين على الجزء المختار، أو اضغط Reset أسفل الرسم البياني.

كيف تسببت فيضانات السودان بخسائر كارثية في الأرواح والممتلكات؟

استيقظ سكان مدينة المناقل، في صبيحة 16 أغسطس الجاري، على واقع لم يألفوه من قبل، إذ اجتاحت سيول مفاجئة المدينة ومحيطها، ودفعت بسكانها إلى العراء.

لم تشهد مدينة المناقل، في التاريخ القريب، سيول بهذه الكيفية. “سألنا كبار السن في المنطقة هل مَرّ عليهم مثل هذا السيل، هناك من يقول قبل 80 سنة، وآخرون يقولون 60 سنة. لكنني طوال حياتي (48 سنة) لم أر مثل هذا السيل”، يقول محمد عبد الله، أحد سكان منطقة (الكرميت) بمحلية المناقل، ولاية الجزيرة.

والمناقل ليست وحدها في مواجهة هذه المأساة، فعلى امتداد البلاد استيقظت مدن وقرى عديدة، لتجد نفسها خارج خارطة اليابسة، وقد تحولت مساحاتها إلى نهر جرف كل شئ.

فقد اجتاحت السيول والفيضانات 15 ولاية من بين ولايات السودان، البالغ عددها 18 ولاية، وتسببت في مقتل 99 شخصاً وخلفت 93 إصابة حتى يوم أمس، الأحد 29 أغسطس. وبلغ عدد المتأثرين والمتضررين من الأمطار والفيضانات نحو 226.179 شخصاً منذ مايو وحتى تاريخ اليوم. ويبدأ موسم الأمطار في السودان في شهر يونيو ويستمر عادةً حتى سبتمبر، وتكون ذروة هطول الأمطار والفيضانات ما بين شهري أغسطس وسبتمبر.

وبحسب تقرير صادر عن الأمم المتحدة، يوم أمس، الأحد 29 أغسطس، فإن أكثر الولايات تضرراً هي القضارف (45,270 نسمة) وسط دارفور (39,448) وجنوب دارفور (30,677) والنيل الأبيض (26,592) وكسلا (25,890) ونهر النيل (15,722) وغرب دارفور (15,504). كما تأثرت ولايات أخرى بدرجات متفاوتة وهي: غرب كردفان (5,855)، وجنوب كردفان (5,765)، وشمال كردفان (4,410)، وشرق دارفور (3,650)، وسنار (3,164)، والجزيرة (2,250)، والخرطوم (1,296)، وشمال دارفور (686).

الكارثة الإنسانية في مدينة المناقل، لم تحدث من قبل، فمنذ تأسيس مشروع الجزيرة في العام 1925، كانت قنوات المشروع تشكل حماية للمدينة. “في الماضي، كانت الأمطار الغزيرة تتسبب في القليل من السيول، التي ربما تستمر ليوم أو أثنين ثم تجف المياه، دون حدوث أي أضرار. لكن هذه المرة، استمر تدفق المياه لنحو خمسة عشر يوماً ولم يتوقف جريان الماء بعد” – هكذا يقول محمد عبد الله، في إفادته لـ (بيم ريبورتس) عن السيل الذي ضرب منطقة المناقل بولاية الجزيرة.

وكانت القنوات والترع، خلال السنوات الماضية، تشكل شبكة حماية قوية ضد السيول والفيضانات القادمة من مناطق بعيدة، لكنها لم تصمد هذا العام. حيث تدفقت المياه خارج قنوات الري وخرجت عن السيطرة، وانهارت السدود الترابية. لتجتاح المياه قرى المناقل، وتحولها لجزر سابحة وسط الماء، مما اضطر السكان إلى هجرتها بالكامل إلى مناطق أخرى نشداناً لسلامتهم.

وفي الفترة ما بين 16 إلى 19 أغسطس الحالي، تسببت السيول في نزوح ما يزيد عن الـ 2,500 شخص وهم يشكلون 17 قرية ضمن محلية المناقل، بالإضافة إلى الكنابي التابعة لها. ويقيم النازحون حالياً في أربعة مدارس حكومية واستاد رياضي للناشئين.

وشرقاً، امتد تأثير السيول والفيضانات ليجتاح ولاية كسلا، شرقي السودان، إذ ارتقت أرواح سبعة أشخاص، أمس الأحد، في أحدث موجة فيضانات لنهر القاش، وشهد النهر ارتفاعاً في مناسيب المياه خلال الأربعين يوماً الأخيرة نتيجة لتدفق أمطار غزيرة من الهضاب الأرترية. وبالإضافة إلى الخسائر في الأرواح فإن هناك أكثر من 36 قرية تحاصرها المياه ولا يمكن الوصول إليها بحسب لجنة الطوارئ المحلية بكسلا. وشهدت الولاية انهيار أكثر من 4 آلاف منزل جراء السيول.

وتنذر كارثة السيول والفيضانات الحالية بأزمة كبيرة ، في جميع أنحاء البلاد، فيما يتعلق بانتشار الأمراض وانعدام الأمن الغذائي، ويأتي القلق من انهيار 2500 مرحاض واختلاط مخلفاتها مع المياه الجارية، الأمر الذي يشكل خطراً يفاقم من تفشي الأمراض، ومن جهة أخرى فإن المرافق التي تقدم الخدمات الصحية لم تسلم من الانهيار، حيث تهدم  500 مرفق صحي.

ويزداد هذا الخطر في ولاية نهر النيل، شمالي السودان، حيث جرفت السيول مخلفات التعدين المليئة بالزئبق والسيانيد (مواد كيميائية ضارة تستخدم في عمليات التعدين) إلى مجاري المياه، مما يهدد بكارثة بيئية كبيرة، خاصة وأن هذه المواد الكيميائية لا تذوب في المياه، ولها مخاطر صحية كبيرة على الجهاز التنفسي والكثير من الأمراض.

ومع هذه الأوضاع المأساوية فمن المتوقع أن يتأثر حوالي 460,000 شخص بالفيضانات خلال هذا العام، وهو رقم مرتفع للغاية مقارنة مع الأعوام الماضية، والتي كان عدد المتأثرين فيها 314,500 شخص (عام 2021)، ومتوسط 388,600 شخص ما بين أعوام 2017 إلى 2021.

ما هو منهج (تاج الحافظين) الذي اعتمدته وزارة التربية والتعليم السودانية؟

كانت مهمة إعداد المناهج في السودان موكلة بشكل كامل لمعهد التربية ببخت الرضا، بولاية النيل الأبيض، والذي أنشئ في عام 1934م، تحت اسم (معهد التربية بخت الرضا، لتدريب المعلمين وإعداد المناهج)، وعمل كمؤسسة متخصصة في إعداد المناهج التربوية وتأهيل المعلمين، والذي حُوّل لاحقاً إلى جامعة بخت الرضا.

اعتمد المعهد على تشكّيل لجان متخصصة لإعداد أيّ منهج للمدارس، وكل منهج يجب أن يلبي شرط رئيسي وهو ملائمته لكل البيئات السودانية بتعدّدها الجغرافي والعرقي والثقافي، مع تجريب كلّ مقرر دراسي لمدّة لا تقلّ عن عامَين اثنَين قبل إلزام المدارس بالعمل به.

ظل هذا النظام متواتراً، حتى مطلع التسعينيات، حين عمدت حكومة النظام البائد (الإنقاذ 1989-2019)، تغيير كل شئ في حياة السودانيين، وتبنت توجه ايديولوجي هدفه (إعادة صياغة الإنسان السوداني)- كما كان يدعي ذلك النظام.

كانت مناهج التعليم أول ضحايا سياسات (نظام الانقاذ) حيث عمد النظام إلى إعداد مناهج لخدمة توجهه الأيديولوجي، واستبعد كل المواد التي قد تهدد بقائه، وأدخل مواد اخرى كالتربية العسكرية. 

وطالما ارتبط تغيير المناهج في السودان بتغيير الأنظمة السياسية، وخلال فترة الحكومة الانتقالية (2019- 2021) تصاعد الجدل حول المناهج الموروثة من العهد البائد ومحاولات تغييرها. كان آخر عمل مرتبط بتغيير المناهج الدراسية ما شهدته الفترة الانتقالية خلال فترة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، والتي أوكلت للمركز القومي للمناهج والبحث التربوي برئاسة عمر القراي، أثار عمل المنهج الكثير من الجدل، على إثره أصدر حمدوك قراراً بإيقاف عملية تغيير المناهج. 

انفتح النقاش حول المناهج -مرة أخرى- خلال الأسبوع الماضي، ولكن هذه المرة ليس بسبب تغيير المناهج، إنما على خلفية إعلان وزير التربية والتعليم المكلف، محمود سر الختم الحوري، اعتماد نظام تعليم (تاج الحافظين) كنظام تعليم ديني في مختلف ولايات السودان. وقال الوزير خلال ورشة أقيمت بوزارة التربية والتعليم، لمناقشة (منهج تاج الحافظين)، أن مدراء التعليم بالولايات تلقوا تنويراً لتأسيس مدارس متخصصة بتدريس منهج تاج الحافظين بجميع الولايات.

ما هو منهج تاج الحافظين؟ ولماذا ثار الجدل حوله؟

منهج تاج الحافظين هو نظام تعليم ديني بدأ في العام 2012م، حيث يمزج ما بين تعليم القرآن في الخلاوي والتعليم الأكاديمي المدرسي. وبحسب الوصف الذي يضعه القائمون على المنهج، فإنه: “نظام تربوي يخضع لوزارة التربية والتعليم مقسم لعدة مستويات، الرياض: جزء عم وتبارك ونور البيان، بإضافة اللغة الإنجليزية والرياضيات (التربية الإسلامية). ثم الابتدائي يحفظ كتاب الله في الصف الرابع، واجادة بقية المواد، ثم يتفرغ التلميذ لبقية المواد الاكاديمية كاملة، ليمتحن الابتدائي قبل أقرانه بعام كامل.. يلي المتوسط يراجع ما درس ثم يمتحن بعد عامين فقط… اخيراَ الثانوي يدرس الفصلين الأول والثاني كل فصل سبعة أشهر، ليجلس الطالب لامتحان الشهادة مختصرا لعام كامل”. ويُلاحظ أنه وفقاً لهذا المنهج فإن الطالب يدخل الجامعة في عمر ما بين 13 إلى 15 سنة.

اُعلن عن منهج تاج الحافظين، رسمياً في أبريل 2013م، حين قررت وزيرة التربية والتعليم -وقتها- سعاد عبد الرازق تحويل 25% من مدارس المرحلة التعليمية في الأساس إلى مدارس قرآنية، وتبنيها منهج تاج الحافظين الدراسي.

أثار إعلان الوزيرة حينها موجة كبيرة من الجدل داخل الأوساط الفاعلة في التربية والسياسات التربوية وكانت أوجه النقاش حول المنهج وإجازته، وما يحاول التوصل إليه.

منهج تاج الحافظين في الميزان التربوي

كثيراً ما ينتقد التربويون المناهج التي تعتمد على (الحفظ والتسميع)، ومن هذا الباب لاقى منهج تاج الحافظين الكثير من الانتقاد من خبراء متخصصون في التربية، وفي هذا الخصوص يقول الخبير التربوي البروفيسور محمد الأمين التوم، وزير التربية والتعليم السابق، في إفادة لـ(بيم ريبورتس)، حول قرار تعميم تدريس منهج تاج الحافظين: “لقد أكتفى الشعب السوداني من المتاجرة بالدين طوال الثلاثين عاماً الماضية، وواحدة من كوارث الإنقاذ تتمثل في تدميرها للعملية التعليمية”، ووصف التوم تعميم منهج تاج الحافظين بـ “الكارثة”.

وأضاف، في حديثه لـ(بيم ريبورتس) : “لا يمكن أن يعتمد منهج دراسي على تحفيظ الأطفال، سواء القرآن أو غيره”.

يُذكر أن التوم كان من المنادين بضرورة تغيير المناهج، حيث يرى أن الانتقال من نظام استبدادي إلى نظام ديمقراطي يتطلب تغيير جذري لنظام التعليم، ليتواءم مع المجتمع المنشود، كما أن الوضع المعرفي المتفجر في العالم ومهارات القرن والنظام التعليمي يجب أن يزود بها الطالب.

تاريخ المدارس القرآنية في السودان

ترجع فكرة إدخال المدارس القرآنية (المزج ما بين الخلوة والتعليم الأكاديمي) ضمن النظام التعليمي الرسمي في السودان إلى عبد الجليل النذير الكارورى، الأمين العام لجمعية الإصلاح والمواساة، وعضو المكتب السياسي لحزب المؤتمر الوطني المحلول. إذ كانت تهدف الفكرة إلى استيعاب خريجي (الخلاوي) في الخدمة المدنية، وذلك للتسويق للمدرسة القرآنية التي كانت لا تجد القبول وسط سكان المناطق الحضرية، الذين تجاوزوا تعليم الخلوة التقليدية إلى التعليم الحديث.

ومنح التصديق الأول من قبل وزارة التربية والتعليم (بموجب لائحة التعليم التجريبي) لقيام أول مدرسة قرآنية في العام 1991م، وكانت باسم “الرخا القرآنية” بمحلية أم بدة، وارتفع عدد المدارس القرآنية في عهد نظام الإنقاذ البائد، حيث بلغ عددها 28 مدرسة في أنحاء السودان المختلفة في العام 2003م. وأصدر الرئيس المخلوع عمر البشير، قراراً بتعميم نظام المدارس القرآنية ليصبح عددها ثلاث مدارس في كل محلية.

وفي التسعينات أسست إدارة التعليم الديني، والتي كانت في بدايتها قسم مسؤول عن التنسيق، وبعد ذلك أصبحت إدارة عامة بعد توصيات مؤتمر التعليم العام في عام 2012م.

وبلغ عدد المدارس التي يدرس فيها منهج تاج الحافظين 320 مدرسة في العام 2019م. بالإضافة إلى أكاديمية تاج الحافظين، وهي أكاديمية جامعية بالخرطوم (المعمورة مربع 84)، وتدور اتهامات بالفساد حول العقار المشيدة عليه، والتهم موجهة ضد أحد أمناء الأكاديمية ورئيس مفوضية الإيرادات المالية أحمد علي الفششوية.

منذ عقود ومسألة المناهج الدراسية في السودان تشغل حيزاً من النقاشات المثارة في الفضاء العام، ومع وجود اتفاق مشترك على ضرورة إصلاح المناهج ومضامينها وطرق تدريسها، واتباع الطرق المنهجية الحديثة في التربية. فإن ما يحدث واقعياً في السودان هو توظيف العملية التعليمية برمتها في صراعات أيديولوجية دون مراعاة احتياجات الدارسين، في حين أن إصلاح المناهج وإخراجها من تقليديتها التي تعتمد على الكم وليس الكيف يمثل تهديداً حقيقياً لمستقبل الأجيال القادمة.

ما دور الحركة التعاونية في تحسين حياة الأسر السودانية؟

“الحركة التعاونية هي؛ مجموعة الجمعيات والاتحادات والمؤسسات التي ينشئها و يديرها أعضاؤها وفقاً لمبادئ التعاون ونظمه لتحقيق أهدافهم الاقتصادية والاجتماعية، بجانب أنها حركة شعبية شورية تؤدي نشاطها في تكامل ووحدة وفقاً لسياسة الدولة ونهجها ومواثيقها”، هكذا يُعرف قانون التعاون لعام 1999م، الحركة التعاونية، مشيراً لدورها المهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية وترسيخ قيم التكافل ومبادئ الديمقراطية في المجتمع.

وتعود جذور الحركة التعاونية في السودان، إلى أواخر عشرينات القرن الماضي، وكان أول تمظهر منظم لها بظهور جمعيات التسليف الزراعي بدلتا طوكر شرقي البلاد، سبقت تكوين أول جمعية تعاونية بمبادرة شعبية في عام 1937م سميت بالشركة التعاونية. ثم اتخذت الحركة شكلها القانوني في عام 1948م بعد تقديم مذكرة لحكومة الاحتلال البريطانية، تعلن عن صدور أول قانون للتعاون والذي اكتمل في عام 1952م. (1)

ومع ذلك، شهدت حركة التعاونيات تقلبات كثيرة مع اختلاف الأنظمة الحاكمة في البلاد، لكن مثلت حقبة نظام مايو 1969م فترة ازدهار الحركة التعاونية، حيث اعتمدت الدولة على التعاونيات في الإصلاح الزراعي، وحولت عدد من المصانع المؤممة للحركة، وساهم ذلك في مضاعفة عدد التعاونيات إلى 9 أضعاف مما كانت عليه في الفترة بين عامي 1954م – 1955م، وتواصل العدد في الارتفاع حتى بلغ 10 آلاف منظمة تعاونية في 2007م. (1)

وتعتبر التعاونيات، إحدى وسائل تخفيف الأزمات الاقتصادية وتحسين المستوى المعيشي للأعضاء المنتسبين إليها، وذلك عن طريق زيادة دخلهم الحقيقي بمختلف الوسائل الإنتاجية والتسويقية الاقتصادية. ويكمن سبب فاعلية التعاونيات، في تحقيق ذلك، هو أن الهدف النهائي لها ليس تحقيق الربح، بل تعتبر وسيلة لتحرير أعضائها من السيطرة الاجتماعية والاستغلال الاقتصادي اللذين يتمتع بهما المسيطرون على المواقع الاستراتيجية في المجتمع.

في الدول النامية، يتعدى دور التعاونيات البعد الاقتصادي الذي يتمثل في توفير فرص العمل والمعيشة ومصادر الدخل، حيث تمثل التعاونيات مؤسسات ترتكز على  رأس المال البشري وتساعد في تعزيز العدالة والمساواة الاجتماعية. كما أنها مؤسسات ديمقراطية يديرها الأعضاء، مما يعزز من دورها الريادي في المجتمعات لتحقيق التنمية المستدامة.

وبالعودة إلى الحركة التعاونية في البلاد، شكلت حقبة النظام البائد (نظام الإنقاذ) 1989م – 2019م، ضربة كبيرة لها، بعدما توقف نشاط المنافذ التعاونية المخصصة لتوزيع حصص السلع المدعومة، مصحوبة بسياسات الخصخصة صاحبه تحول اهتمام الدولة إلى القطاع الخاص، وتنامي تدخل الجهات الحكومية المعنية بالتعاون في شؤون التعاونيات، مما أفقدها استقلاليتها وذاتيها، كما شهدت أيضاً توسع بنك التنمية التعاوني الإسلامي، على حساب حساب أصول الجمعيات التعاونية ودورها في الريف والحضر، خاصة الجمعيات الإنتاجية والحرفية والزراعية. (1)

الحركة التعاونية بعد الثورة

لكن، بعد ثورة ديسمبر في عام 2018م، حاولت الحكومة الانتقالية، التي شكلت في أعقاب إطاحة نظام الرئيس المخلوع عمر البشير، في أبريل 2019م، إعادة الحركة التعاونية للواجهة حيث عملت وزارة التجارة والصناعة على العودة للجمعيات التعاونية للحد من ارتفاع السلع والخدمات، حيث عرضت رؤيتها في تكوين جمعيات تعاونية بمواصفات ومقاييس عالمية تعتمد على الموارد الذاتية. (1)

بعد تعيينه مستشاراً للتعاون وشؤون التعاونيات في وزارة الصناعة والتجارة الاتحادية في الحكومة الانتقالية الأولى. صرح الخبير الفاتح العتيبي في ذلك الوقت، أن رؤية الوزارة تتمثل في “تكوين جمعيات سودانية أصيلة بمواصفات ومقاييس تعاونية عالمية، تعتمد على الموارد الذاتية بناءً على قانون التعاون ولكن في إطار مفهوم ومبادئ والقيم التعاونية العالمية وذلك بالدخول للمنظومة العالمية للاستفادة من الميز والحقوق العالمية”.

وأوضح العتيبي أن الوزارة تعمل على توسيع المشاركة الشعبية من كل قطاعات المجتمع في تنفيذ رؤية الوزارة، كما ستعمل الجهات الإدارية المختصة على التثقيف والتوعية لهذه القطاعات. مضيفاً أن الحكومة قامت بحل الاتحادات التعاونية التي أنشأتها الحكومة السابقة لتغولها على الاتحادات التعاونية المنتخبة، وتم تعيين لجان تسييرية لإعادة هيكلة الاتحادات والاستعداد لانتخابات صحيحة تأتي بقيادة تعاونية منتخبة، كما تم حل مجلس إدارة المركز القومي للتنمية والتدريب التعاوني، وتعيين إدارة جديدة مصحوبة بلجنة تسييرية تعمل على إعادة هيكلة إدارة التعاون وترفيعها لوكالة للتعاون باختيار كفاءات.
وأشار العتيبي، إلى أن الطريق لتحقيق هذه الرؤية ملئ بالمصاعب، حيث تمثل المفاهيم الخاطئة التي يتم على أساسها تكوين التعاوينات أحد المشكال وتطلب عدم تمرير الجهات المسؤولة لهذه الأخطاء، عليه قامت الوزارة في ذلك الوقت بإصدار قرار يغضي بإيقاف تكوين الجمعيات التعاونية قبل ستة أشهر وبعدها أصدر قراراً لاحقاً بإلغائه وفتح المجال لتكوينها على الأسس والضوابط الصحيحة التي وضعتها الوزارة.

أنواع الجمعيات التعاونية

تنقسم الجمعيات التعاونية للأنواع الآتية

  1. الجمعيات التعاونية متعددة الأغراض، وهي: التي تباشر جميع فروع النشاط الاقتصادي والاجتماعي.
  2. الجمعيات التعاونية الاستهلاكية، وهي: التي تعمل على البيع بالتجزئة، للسلع الاستهلاكية التي تشتريها أو التي قد تقوم بإنتاجِها بنفسها أو بالتعاون مع الجمعيات التعاونية الأخرى.
  3. الجمعيات التعاونية الزِراعية الإنتاجية، وهي: التي تنشأ للقيام بإنتاج السلع الزِراعية وتخزينها وتحويلها وتسويقها، وكذلك مد الأعضاء عن طريق البيع أو الإيجار بما يحتاجونه من أدوات زراعية للمساعدة على زيادة الإنتاج الزراعي، سواء كانت هذه الأدوات من صنع الجمعية أو من صنع الغير.
  4. الجمعيات التعاونية المهنية، وقصد بها: تلك الجمعيات التي يكونها صغار أو متوسطو الحال، من المنتخبين المشتغلين بمهنة معينة، بقصد خفض نفقات إنتاجهم، وتحسين ظروف بيع منتجاتهم.
  5. الجمعيات التعاونية للخدمات، وهي: التي تقدم لأعضائها خدمات بطريقة تعاونية، كجمعيات الإسكان التعاونية والجمعيات التعاونية المدرسية والجمعيات التعاونية للنقل والمواصلات وجمعيات الكهرباء التعاونية، وغيرِها من الجمعيات.
  6. البنوك التعاونية والفدراليات التعاونية الخاصة بالتمويل والادخار والتسليف والاقراض وهي: التي يكنها الاعضاء من اجل تقديم كافة الخدمات المتعلقة بالتمويل والادخار والتسليف والاقراض.

أسباب اضمحلالها في فترة حكم الإنقاذ البائد

  • توجه الدولة 

واجهت التعاونيات في ظل النظام البائد، عقبات تمثل أكبرها في توجه الدولة المناهض للتعاونيات، وانعكس هذا التوجه في إصدار التشريعات المناهضة للتنمية التعاونية (قانون الضرائب، قانون الجمارك، الرسوم المختلفة، …) وإلغاء الإعفاءات والمزايا المتعلقة بالتعاونيات. بالإضافة إلى ذلك، وضعت هذه التشريعات العديد من القيود علي التعاونيات مما أثر في استقلاليتها وحريتها. كذلك، واجهت التعاونيات أزمة أخرى تمثلت في مصادرة ممتلكاتها وأصولها، بدايةً من المركز القومي لتدريب التعاونيات وحتى مقار ومخازن الجمعيات من دون تقديم تعويض، كما تجاهلت الدولة رغبات التعاونيين في إصدار التشريعات المناسبة والتي تضمن العلاقة بين التعاونيات وأجهزة الدولة. 

أيضاً، استمرت الهمينة الحكومية على المؤسسات التعاونيية وسيطرتها على الهيئات الحكومية وتوجيه امورها دون أن تقوم بأي حركة جادة في سبيل تحسين أوضاعها حتى سقوط النظام. 

  • ثقافة التعاونيات

من ناحية أخرى، مثلت الثقافة التعاونية الرسمية والشعبية، أحد معوقات التطور التعاوني، حيث يسود التصور الخاطئ عن التعاون والخلط بينها وبين أجهزة الدولة في أذهان متخذي القرار في قمة أجهزة الدولة، والموظفين، والجماهير، وحتى بعض القيادات التعاونية. وقد ساهم الإعلام الرسمي في مرحلة من المراحل في ترسيخ هذه الأفكار، الأمر الذي أدى إلى ضعف الثقة في الفكرة التعاوني وفي المنظمات التعاونية. 

  • الهيكل التنظيمي

عانت أيضاً الحركة التعاونية من مشكلات أخرى، مثل حالة الجمود التي ضربت الكثير من الهياكل التنظيمية والإدارية للتعاونيات، بحيث أصبحت مختلة وغير متوازنة، بالإضافة لعدم وجود أي نظم إحصائية أو قواعد بيانات يُعتمد عليها في إدارة وتخطيط قطاع التعاونيات. كذلك، ساهم ضعف الهياكل الإدارية في إضعاف أنشطة التدريب والتثقيف التعاوني وأصبحت شكلية في معظم الأحيان، كما تزايدت الأعباء المالية من نفقات جارية واستثمارية بسبب غياب المصادر التمويلية المناسبة التي تواجه التعاونيات مع تقلص حجم مواردها وإلغاء معظم المزايا التي كانت تتمتع بها. 

  • الضعف العام

رغم تاريخها القديم في البلاد، إلا أن التعاونيات لم تكن منيعة ضد الضعف والترهل الذي أصاب الكثير من القطاعات في النظام البائد، وصاحب هذا الترهل ضعف في الإنتاجية وسيطرة البيروقراطية والفساد وتغليب المصالح الفردية على المصلحة العامة. وقد أدت هذه الظروف مجتمعة على عزوف الأعضاء عن المشاركة في الأنشطة التعاونية بشكل اختياري، وفقدانهم الثقة في التعاونيات كمنظومة والقدرة على إصلاحها، وقد تمدد هذا العزوف إلى المواطنين بمستوياتهم المختلفة، حيث أصبحوا يترددون في اختيار التعاونيات كبديل لمواجهة مشاكلهم المختلفة وإيجاد الحلول لها عبر التعاونيات.  

  • التغيرات في السياسة الاقتصادية

ومن ناحية السياسات الحكومية، مثل تغير توجه السياسيات الاقتصادية للدولة بالأخض الزراعية منها على التعاونيات، حيث تغير توجهها نحو تسيير سياسة التحرير غير المتوازنة للقطاع التعاوني، واعتماد آليات السوق الحر في توجيه الموارد، مما أدى إلى تغيير البيئة الاقتصادية التي كانت تعمل فيه التعاونيات. كما واجهت التعاونيات مجموعة من التغييرات الإضافية نتيجة إلغاء الدعم وكثير من الامتيازات، تحرير سعر الفائدة، والتحرير النسبي لسعر الصرف وغيرها من الإجراءات التي دفعتها لإعادة النظر في أساليب عملها واستراتيجياتها حتى تستطيع الاستمرار، الأمر الذي أثر في أداء التعاونيات في مختلف القطاعات.

مع تاريخها المتأرجح صعوداً وهبوطاً، حسب الأنظمة السياسية الحاكمة، وجه انقلاب 25 أكتوبر الماضي، ضربة جديدة للحركة التعاونية، بعدما بدأت الحكومة الانتقالية خطوات في إعادة الحياة إليها.

كيف يدمر التنقيب عن الذهب حياة الإنسان والبيئة بجنوب كردفان؟

أٌقيم في العاشر من أبريل الماضي بمدينة “كادقلي” مؤتمر التعدين الأول بولاية جنوب كردفان، والذي نظمته الشركة السودانية للموارد المعدنية (الحكومية) بمشاركة بعض مكونات الإدارات الأهلية. لكن أجسامَ مهنية ونقابية متعددة، بينها اللجنة العليا لمناصرة البيئة، بالإضافة للجان المقاومة في محليات الولاية المختلفة قاطعت المؤتمر.

وارتفع صدى الأصوات المعارضة بعد نهاية المؤتمر وتقديم توصياته، والتي كان من ضمنها قرار والي جنوب كردفان، موسى جبر محمود، القاضي باستئناف عمل شركات التعدين بالولاية بعد نحو عامين على توقيفها بقرار من رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك في أكتوبر 2019م.

وجاء قرار حمدوك بإيقاف عمل تلك الشركات في أعقاب الحراك الشعبي والنقابي الذي طالب بإبعادها بسبب استخدامها مواد الزئبق والسيانيد -وهي مواد ضارة بالبيئة- في عمليات التعدين، دون الالتزام والتقيد بضوابط وإجراءات السلامة والاشتراطات البيئية والصحية.

آثار بيئية متفاقمة وغياب المحاسبة

في منتصف مايو الماضي، وبعد أقل من شهرين على مؤتمر التعدين، ضُبطت مصانع تعمل في معالجة مخلفات التعدين عن الذهب (الكرتة) داخل مدينة أبو جبيهة بولاية جنوب كردفان. وحسب اللجنة الوطنية لمناصرة البيئة، فإن فحوصات معملية أجريت بمعمل استاك بالخرطوم أثبتت وجود مواد السيانيد والزئبق وحمض الكبريتيك، وهي مواد عالية السمية وتشكل ضرراً على صحة الإنسان والبيئة، وهو الأمر الذي  أثار المخاوف بحدوث تلوث بيئي في مدينة أبو جبيهة، خاصة مع بداية موسم هطول الأمطار.

وتعيد مخالفة اشتراطات التعدين الشكاوى المستمرة لناشطين بيئيين ولجان مستقلة من الآثار البيئية والصحية المدمرة لتنقيب الذهب على حياة المواطنين المحليين في جنوب كردفان، حيث تشير العديد من التقارير لظهور أمراض جلدية ونفوق أعداد من الماشية جراء استخدام مادتي الزئبق والسيانيد في مناطق التعدين، وحالات إجهاض متعددة لنساء حوامل وتشوهات وسط الأطفال حديثي الولادة، علاوة على تلوث مصادر مياه الشرب والمياه الجوفية وتجريف التربة مما تسبب في تدمير الأراضي الزراعية.

وتنسحب الآثار القاتلة والمدمرة لعمليات تعدين الذهب بولاية جنوب كردفان على مناطق التعدين بأنحاء البلاد المختلفة، دون أن تقابلها إجراءات جدية من السلطات المختصة تضمن سلامة الإنسان والبيئة المحيطة به. وفي ظل عدم تلبية الحكومة لاشتراطات التعدين المعروفة، لم يبق أمام المواطنين المتضررين ونشطاء البيئة سوى مناهضة هذه العمليات سلمياً.

توترات مستمرة ومواجهات

والتوتر بين المجتمعات المحلية وشركات ومصانع التعدين في ولاية جنوب كردفان مستمر منذ سنوات، ويتمحور بصورة أساسية حول؛ وجود الشركات والمصانع ومعالجتها للـ(الكرتة).

والكرتة هي الحجارة المتبقية بعد استخراج الذهب عن طريق المعدنين التقليديين واستخدام الشركات لمواد ضارة بالبيئة. 

وأثناء مؤتمر التعدين الأول الذي أقيم في كادقلي شهدت قرية كابوس (شرق محلية رشاد) اشتباكات بين المواطنين وإحدى شركات التعدين التي قدمت للعمل في المنطقة، ووقعت الاشتباكات إثر رفض المجتمعات المحلية عمل الشركة ومطالبتهم بوجود إجراءات سلامة حتى لا تؤثر عملية التعدين على البيئة.

بدء عمليات تعدين الذهب في ولاية جنوب كردفان ليست قديمة حيث كان يمارس التعدين الأهلي بمستويات قليلة في مناطق: تلودي ورشاد والليري وأبو جبيهة. لكن هذا النشاط شهد تفجراً كبيراً في العام 2012م، عقب انقسام السودان في العام 2011م وخروج النفط من قائمة الموارد الأساسية التي تعتمد عليها الحكومة في ميزانيتها، ليتجه التركيز على مورد الذهب كتعويض عن خروج النفط.

عقب تلك الفترة أُدخِلت الآلات الثقيلة والمواد الكيميائية في استخدامات التعدين، وانتشرت شركات ومصانع التعدين عن الذهب في محليات الولاية المختلفة. ومع غياب الاشتراطات البيئية وإجراءات السلامة التي تحدد مناطق استخدام هذه المواد ومقدار استخدامها، فإن قضية آثار التعدين على البيئية في ولاية جنوب كردفان قد شهدت تطوراً كبيراً خلال السنوات الماضية، في كل من مناطق (الترتر) و(بلولة) ومحلية التضامن، وأبو جبيهة، ورشاد، وتلودي وكالوقي، وهي مناطق تقع في الجزء الشرقي من ولاية جنوب كردفان (الجبال الشرقية).

مقاومة ومواجهات مستمرة

صاحب انتشار مساحات التعدين في جنوب كردفان، وزيادة نشاط التعدين الأهلي والمنظم من قبل الشركات والمصانع، دخول الآليات الثقيلة والمواد الكيميائية في عمليات التعدين، والتي شكلت خطراً كبيراً على العاملين في قطاع التعدين والمجتمعات المحلية المتاخمة لآبار ومناجم التعدين. ليثير ذلك الأمر الرعب وسط المجتمعات المحلية، ويجعلها تخوض حراكاً شعبياً للمطالبة بمنع استخدام المواد الكيميائية (الزئبق والسيانيد) في عمليات التعدين، خاصة أن استخدامها لا يخضع لضوابط تراعي البيئة. 

وشهد الحراك ضد عمليات التعدين التي لا تلبي اشتراطات البيئة والسلامة تصاعداً مستمراً بلغ ذروته في العام 2017م، حيث أحرق مواطنو مدينة كالقوي في مارس 2017م مصنع (التقولا) والآليات التابعة للمصنع، وجاء الحريق بعد المهلة التي منحها المواطنون لإدارة المصنع لإغلاقه وترحيله من المنطقة.

لم يكن هذا التصعيد هو الأخير المناهض لشركات ومصانع التعدين عن الذهب بولاية جنوب كردفان، بل امتد إلى محليات أخرى، فبعد سقوط نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، في أبريل 2019م، انفتح الأفق أمام مواطني جنوب كردفان للضغط على الحكومة الانتقالية بضرورة اتخاذ تدابير جديدة فيما يتعلق بالشركات والمصانع، وانتظم مواطنو تلودي في اعتصام استمر لأكثر من شهر، احتجاجاً على عمل شركات التعدين.

ومن تلودي انتقل الحراك الشعبي إلى محلية أبو جبيهة هذه المرة، لتنضم لقائمة الاعتصامات التي شهدتها ولاية جنوب كردفان، وكان مطلب إنهاء عمل شركات التعدين من المطالب الأساسية للاعتصام الذي انتظم المنطقة في يوليو 2020م.

ولا تتعلق قضية التعدين عن الذهب في جنوب كردفان والآثار البيئية المترتبة عليها بإخراج الشركات والمصانع فقط، بل في إعادة النظر لكل هذه العملية والسياسات الحاكمة لها ودخول المواد الكيميائية المستخدمة في التعدين من زئبق وسيانيد ومراقبة طرق استخدام هذه المواد في التعدين الأهلي كذلك.