Category: سياسي

الخرطوم تتحول لمحطة دبلوماسية ساخنة على مقياس الأزمات الداخلية و(الجيوسياسية) 

في محيط محدود بالعاصمة السودانية الخرطوم، لا يتجاوز عدة كيلومترات، بدايةً من المطار، ومروراً ببيت الضيافة وصولاً إلى القصر الرئاسي شمالاً ووزارة الخارجية وقاعة الصداقة غرباً. تغص العاصمة السودانية، بضيوفها الدبلوماسيين رفيعي المستوى، القادمين من عواصم صناعة القرار العالمية، حاملين أجندتهم المتصارعة، في بلد غارق في الأزمات الداخلية والجيوسياسية. 

 

يبحث هؤلاء الضيوف، المنتمين إلى معسكرين نقيضين، والذين بدأوا في التوافد إلى الخرطوم منذ أمس الأول الثلاثاء. بالنسبة للمبعوثين الغربيين، النقاش مع الأطراف السودانية، حول العملية السياسية والاتفاق الإطاري، واللجان الوزارية المشتركة والتجارة وقضايا إقليمية بالنسبة لموسكو، حسب ما أعلن رسمياً.

 

ورغم البرودة النسبية التي تتمتع بها مدينة الخرطوم منذ عدة أيام، إلا أنها لا تعكس مدى اشتعال الحالة السياسية واختناقها بالانغلاق ومخاوف الصدامات، وتارة بعبوات الغاز المسيل للدموع. 

 

تطورات ما بعد 25 أكتوبر

لا تعيش الخرطوم، التي تجري فيها مباحثات، مبعوثو كل من: الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، النرويج، فرنسا، ألمانيا والاتحاد الأوروبي من جهة. ووزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف من جهة أخرى، صراعاتها التقليدية منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021م، فحسب. 

إنما هي اليوم، تحت وطأة أزمات داخلية مركبة مدنية – مدنية وبين القوى العسكرية. بجانب صراعات جيوسياسية تمتد غرباً إلى تشاد وأفريقيا الوسطى، ومنها إلى عمق الساحل الأفريقي. بينما تمتد في الجنوب الشرقي إلى إثيوبيا وفي الشمال الشرقي إلى مصر، والمملكة العربية السعودية. ومن البحر الأحمر يتفرع صراعها إلى دولتي إسرائيل والإمارات.

إذ سبقت زيارة مبعوثي الغرب وموسكو، وصول رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد إلى الخرطوم، بالتزامن مع تنظيم القاهرة ورشة لبعض الأطراف السودانية. فضلاً عن استقبال الخرطوم لوزير الخارجية الإسرائيلي، إيلي كوهين. بالاضافة إلى توترات أمنية في الحدود، بين السودان، تشاد وأفريقيا الوسطى. 

بالنسبة للأزمة الداخلية المركبة، فهي قد وصلت إلى مرحلة الدمج. دمج الأزمة كلها في أزمة أكبر، يأمل المسؤولون الغربيون الموجودون في الخرطوم، في أن يمنعوا انفجارها، أو على الأقل إبطال مفعولها، وإن كان لأشهر معدودات، ضمن أجندة أخرى مقلقة يحملونها في ملفاتهم، تتعلق بالضيف الآخر القادم من موسكو، حسب ما علمت (بيم ريبورتس) من مصادر رسمية وسياسية مطلعة. 

مخاوف من الوجود الروسي

يتعمق الوجود الروسي في الحدود بين السودان، أفريقيا الوسطى وتشاد، وهي مخاوف أساسية يطرحها المسؤولون الأوروبيون على القادة العسكريين المنقسمين على الموقف، حتى لو كان ذلك بشكل تاكتيكي. 

الأوروبيون والأمريكيون، يطلبون بشكل واضح طرد شركة فاغنر العسكرية الروسية من البلاد وتحجيم نفوذ موسكو إلى أبعد حد، نقلوا هذا الأمر إلى العسكريين بشكل واضح، حسب ما أكدت مصادر سياسية مطلعة لـ(بيم ريبورتس).

في المقابل، وبالرغم من أن وزير الخارجية الروسي الذي وصل فجر الخميس، أجرى مباحثات مع نظيره السوداني، علي الصادق ولاحقاً قادة حكومة الأمر الواقع، إلا أن مصدراً مسؤولاً بوزارة الخارجية أبلغ (بيم ريبورتس)، أن ملف الزيارة وترتيباتها بحوزة القصر الجمهوري.

زيارة متزامنة

لماذا يتزامن وجود المسؤولين الغربيين في الخرطوم مع وزير الخارجية الروسي، وما علاقة ذلك بزيارة وزير الخارجية الإسرائيلي للبلاد الأسبوع الماضي؟.

يعتقد المحلل السياسي، الحاج حمد، أن “التناقض الثانوي” بين إسرائيل والولايات المتحدة قد انفجر بسبب الاتفاق الإطاري. ويقول “واشنطن صممت ودعمت الاتفاق الإطاري واصطفت كل القوى الدولية خلفه”، مضيفاً “رغم أنه لا يبعد العسكريين من السياسة لكنه يخفض من دورهم”.

 

ويرى حمد، أن إسرائيل وحكومتها اليمينية المتطرفة، حركت الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وسرعان ما زار وزير الخارجية الأمريكي القاهرة وألجم تحرك مصر. ويتابع “بالطبع لا يمكن أن تلغي الزيارة، لذا نفضت يدها من مجموعة دعم الانقلاب واضطر وزير خارجية إسرائيل لمقابلة البرهان ليؤكد أن مجموعة التطبيع ستستمر”. 

 

“حضور المبعوثين لمنع العسكر من الارتداد عن الاتفاق الإطاري”، كان هو رد واشنطن، يوضح حمد.

 

ورأى حمد، أن تأثير زيارة المبعوثين الغربيين، يتمثل في تأكيد الموقف الأمريكي تجاه الاتفاق الإطاري وإبعاد التأثير السالب لإسرائيل. وبالتالي تضييق فرص مناصري العسكر في الإشتراك، ولذا لعب البرهان ورقة التطبيع مرة أخرى، بالإضافة إلى تصريح زميله شمس الدين الكباشي.

 

“في ظل هذه المعمعة لم يتردد الروس في الوجود في الخرطوم ليقولوا إن لديهم مصالح اقتصادية وجيوسياسية في السودان، وعبره في المنطقة”، يوضح المحلل السياسي.

أجندة الزيارة الروسية

بعد منتصف ليل الخميس بدقائق حطت طائرة وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف بمطار الخرطوم في زيارته الأولى للبلاد منذ عام 2014م، حيث كان في استقباله نظيره بحكومة الأمر الواقع علي الصادق.

 

“في إطار جولة يقوم بها في عدد من الدول الأفريقية والعربية لبحث علاقات روسيا مع هذه البلدان، إضافة إلى مناقشة القضايا الدولية ذات الاهتمام المشترك”. هكذا، حرصت وكالة السودان للأنباء ـ سونا، باهتمام بالغ، على تأكيد أن زيارة المسؤول الروسي الرفيع بجانب السودان تشمل دولاً أخرى وبنفس الأجندة.

 

في تصريح لـ(سونا)، سبق الزيارة، أعرب وزير الخارجية بحكومة الأمر الواقع، عن سعادته باستقبال نظيره الروسي، قبل أن يقول بلغة دبلوماسية منمقة “إن روسيا دولة صديقة تقليدية للسودان”.

 وأشار إلى أن الخرطوم وموسكو تربطهما علاقات قوية وراسخة ومتطورة، تقوم على الاحترام المتبادل والمساواة، كما تجمعهما الرغبة في تطوير هذه العلاقات. وتدعم هذه العلاقات، حسب الصادق، آليات قائمة متفق عليها بين الطرفين تتمثل في اللجنة الوزارية المشتركة ولجنة التشاور السياسي بين البلدين واللقاءات الثنائية على مستوى الرؤساء والوزراء وكبار المسؤولين والخبراء. إضافة إلى منبر المنتدى الروسي العربي الذي يهتم بتطوير علاقات روسيا مع الدول العربية.

 

لكن الصادق يفتح أجندة الزيارة الحساسة بدبلوماسية غاية في الحذر، عندما قال “إننا قدمنا للجانب الروسي شرحاً حول سير العملية السياسية في البلاد والجهود المبذولة لتحقيق التقارب الوطني وصولاً إلى تكوين حكومة مدنية تواصل مسيرة الانتقال وتقود البلاد إلى الانتخابات”.

 

لا شيء حساس آخر إذاً، يمضي الوزير إلى القضايا الروتينية، مضيفاً “الجانبان ناقشا العلاقات الثنائية، خاصة مخرجات اجتماعات اللجنة الوزارية المشتركة التي انعقدت في النصف الثاني من العام الماضي. إضافة الى مجالات التعاون المشترك بين البلدين متمثلة في توليد الطاقة من مياه الخزانات والأبحاث الجيولوجية والتعدين والنفط، إلى جانب القضايا الدولية التي تهم البلدين”.

 

في المقابل، ذكرت وزارة الخارجية الروسية، أن لافروف وصل إلى السودان في زيارة عمل، لإجراء مباحثات مع قائد الجيش عبد الفتاح البرهان. بالإضافة إلى قائد الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي) ونظيره علي الصادق. 

 

وتتركز المباحثات بين الخرطوم وموسكو، حسب الخارجية الروسية، حول ما وصفتها بالجوانب الرئيسية من التعاون السوداني – الروسي المتعدد الأوجه. بالإضافة إلى القضايا الدولية والإقليمية الملحة، مع التركيز على ضرورة إيجاد حلول سياسية ودبلوماسية للأزمات في الشرق الأوسط والقارة الأفريقية”.

 

وتشمل أجندة الزيارة كذلك، حسب الخارجية الروسية، تركيز الاهتمام بشكل خاص على التحضير للقمة الروسية الأفريقية الثانية، التي من المقرر أن تعقد في مدينة سان بطرسبورغ في يوليو المقبل.

 

غير أن الخارجية السودانية ذكرت، أن وزير الخارجية الروسي سيجري مباحثات مع نظيره علي الصادق تتناول القضايا الثنائية والإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، كما سيلتقي ضمن برنامج الزيارة عددا من المسؤولين بالدولة، دون أن تسميهم.

اتفاقيات معلقة

خلال لقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بمدينة سوتشي في نوفمبر 2017م، أبلغ الرئيس المخلوع، عمر البشير الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إن بلاده بحاجة إلى حماية من العدوان الأميركي.

 وقال موجهاً حديثه إليه: “الأميركان نجحوا في تقسيم السودان لدولتين وساعين لمزيد من التقسيم”، مضيفاً “ونحن نحتاج كسودان لحماية من العدوان الأميركي علينا”. 

هكذا دشن البشير، حقبة جديدة معقدة من العلاقات بين الخرطوم وموسكو، واصل قادة المجلس العسكري بعده الانخراط فيها، وما تزال عواقب هذه العلاقة تلقي بظلالها على بوابة البلاد الساحلية شرقاً، وأقصى غربها على الحدود مع تشاد وأفريقيا الوسطى. 

في ديسمبر 2019م، نشرت الجريدة الرسمية الروسية نص اتفاقية بين السودان وروسيا حول إقامة قاعدة تموين وصيانة للبحرية الروسية على ساحل البحر الأحمر، بهدف ما وصف بتعزيز السلام والأمن في المنطقة. كما نص الاتفاق على أن القاعدة لا تستهدف أطرافاً أخرى حسب ما ورد في مقدمتها، على أن يحصل السودان مقابل ذلك على أسلحة ومعدات عسكرية من روسيا، حسب الاتفاقية التي وقعها بوتين في نوفمبر من العام 2020م.

من طلب إلى قرارات

سرعان ما استطاع الروس، تحويل طلب الحماية ذلك، إلى قرارات فاعلة، فبدأ الحديث عن اتفاق لإنشاء قاعدة عسكرية لموسكو على البحر الأحمر. أيضاً تمكنوا من تحويل السودان، إلى بوابة نحو جمهورية أفريقيا الوسطى المجاورة، ومنها إلى غرب ووسط أفريقيا. 

وفي هذا السياق، رعت الخرطوم، بإيعاز من موسكو محادثات سلام بين أطراف أفريقيا الوسطى، مكّنها هذا الأمر رويداً رويداً من أن تكون لاعباً أساسياً في ذلك البلد الفقير و الغني بالمعادن والثروات الطبيعية في الوقت نفسه. 

لم يمر وقت طويل، بين بدء تعاون موسكو مع نظام البشير، حتى واجه الأخير ثورة شعبية أطاحت بنظام حكمه في أبريل 2019م، رغم محاولات موسكو الحثيثة وقتها لإنقاذ حليفها من السقوط. 

ما بعد البشير

عندما أيقنت موسكو أن نظام البشير ساقط لا محالة، سرعان ما عقدت اتفاقاً مع المجلس العسكري الانتقالي الذي خلفه، يتعلق أيضاً بالقاعدة البحرية. لتأتي، تحت وقع الضغوط الروسية، استجابة المجلس العسكري الانتقالي الحتمية، مرةً بسبب هشاشته السياسية، ومرة أخرى بسبب ضعف خبرته السياسية. 

 

نجحت روسيا في مايو 2019 م في التوقيع على اتفاقية المركز اللوجيستي على البحر الأحمر، مع المجلس العسكري الانتقالي والذي صادق عليه في يوليو من العام نفسه. بالمقابل، دعمت روسيا المجلس العسكري الانتقالي، في تعطيل إقرار مشروع قرار بمجلس الأمن الدولي، يُدين قتل الحكومة العسكرية السودانية للمدنيين في يونيو 2019م، بالتزامن مع أحداث فض اعتصام القيادة العامة.

 

ويعتقد أن موسكو وظفت رغبة الجيش السوداني في تعزيز قدراته الدفاعية، ورغبته في الحصول على أسلحة ومعدات عسكرية مجانية من موسكو، بجانب تعزيز أسطوله البحري، وتوفير الدعم والحماية في المنصات الأممية في تحقيق مكاسب استراتيجية لروسيا متعلقة باستخدام السودان كبوابة للتوسع الروسي في القارة وفي استغلال الموارد والسيطرة عليها.

أجندة الزيارة الغربية

  • التمدد الروسي في أفريقيا عبر بوابة السودان، أثار مخاوف الغرب، خصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية، حيث استمرت في محاولاتها الحثيثة طيلة الفترة الانتقالية، وما بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021م، لإبعاد شبح الوجود الروسي عن الخرطوم.

فاقم الغزو الروسي لأوكرانيا، في فبراير الماضي، الصراع بين موسكو والعواصم الغربية، وأصبحت أفريقيا عامةً ساحة له وبشكل خاص السودان، وهي من الدواعي الرئيسية لخوض معركة دبلوماسية ساخنة في الخرطوم على مقياس الأزمات الداخلية والجيوسياسية.

“من الرائع أن أكون مع الاتحاد الأوروبي، ألمانيا، فرنسا، النرويج والولايات المتحدة الأمريكية في هذه الزيارة إلى السودان”، كتب المبعوث البريطاني الخاص للسودان وجنوب السودان، روبرت فيرويدز، في تغريدة على حسابه بموقع تويتر صباح الأربعاء من العاصمة الخرطوم.
يوضح المسؤول الغربي الرفيع الغرض من زيارة الخرطوم بقوله “نحن مُتحدون خلف الاتفاق الإطاري. بالإضافة إلى الجهود الجارية لتوسيع المُشاركة وتأمين اتفاق نهائي سريعاً لتشكيل حكومة بقيادة مدنية”.


في صباح الخرطوم الشتوي الملتهب، على عدة جوانب، مليونية بوسط الخرطوم ومنطقة الديم، وصدى ملاسنات جنرالات المجلس العسكري، وترقب وصول ضيف موسكو، انعقد بقاعة الصداقة، اجتماع رؤساء وممثلي القوى الموقعة على الاتفاق الإطاري مع المبعوثين الدوليين الزائرين للبلاد.

وشملت أجندة الاجتماع، حسب بيان، الاطلاع على مجريات العملية السياسية في مرحلتها النهائية، حيث عرضت القوى الموقعة على الاتفاق الإطاري تصورها للخطوات القادمة وأهم التحديات وكيفية تلافيها لضمان الوصول لاتفاق سياسي نهائي في أسرع فرصة ممكنة.

في المقابل، جدد المبعوثون الغربيون تشديدهم و دعمهم للاتفاق الإطاري الموقع في الخامس من ديسمبر الماضي، باعتباره الأساس الوحيد للوصول إلى توقيع اتفاق نهائي تتشكل بموجبه حكومة مدنية ذات مصداقية تضطلع بمهام إدارة الفترة الانتقالية.

أيضاً، أكد المبعوثون على تقديم الدعم للشعب السوداني لتحقيق أهدافه وتطلعاته في الانتقال الديمقراطي والتحول المدني، واستئناف برامج التعاون الاقتصادي عقب تشكيل الحكومة المدنية على أساس العملية السياسية الجارية.

في المقابل، لم يتم إثارة الأجندة المقلقة المتعلقة بالضيف الروسي في البيان، لكنها كانت حاضرة في النقاشات، حسب ما أوضحت المصادر السياسية لـ(بيم ريبورتس).

بدوره، حاول وزير الخارجية بحكومة الأمر الواقع، علي الصادق، توضيح أجندة زيارة المبعوثين الغربيين التي تستغرق عدة أيام وجدول لقاءاتهم الذي يتضمن الاجتماع معه هو نفسه، بجانب قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، وقائد الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي). بالإضافة إلى لقاء الأحزاب المنضوية في “الحوار الجاري” الآن في البلاد.

بالنسبة للبرهان، فقد أكد للمسؤولين الغربيين الذين استقبلهم ببيت الضيافة بحضور (حميدتي)، التزامه بالاتفاق الإطاري والعمل مع جميع الأطراف وإقناع الممانعين للتوصل لاتفاق نهائي شامل، يمهد الطريق لحكومة انتقالية بقيادة مدنية تقود البلاد لانتخابات حرة ونزيهة، مجدداً التزام المؤسسة العسكرية بالخروج من العملية السياسية وإجراء الإصلاحات المطلوبة بالأجهزة الأمنية.

من جهتها، ذكرت وزارة الخارجية، أن المبعوثين الغربيين تحدثوا عن أهمية السودان في المنطقة وضرورة استعادة النظام الديمقراطي والحكم المدني والآمال التي تعقدها هذه الدول على السودان في محاربة الإرهاب وتحقيق الاستقرار في الساحل والصحراء والقرن الأفريقي. فيما قال الوزير، خلال استقباله الوفد الغربي، يوم الأربعاء، إن الزيارة تأتي فى إطار دعم الجهود الجارية للتوصل إلى اتفاق نهائي بين الفرقاء السياسيين وتشكيل حكومة مدنية واستعادة الانتقال الديمقراطي.

لا يبدو حديث الوزير بعيداً عن ما تتوقعه القوى السياسية الموقعة على الاتفاق الإطاري.
يقول القيادي بقوى الحرية والتغيير، خالد عمر، في أعقاب لقاء وفد الدبلوماسيين الغربيين إن “الزيارة سيكون لها أثر إيجابي على الإسراع بمعالجة التحديات الاقتصادية والأمنية والسياسية التي تواجهها البلاد”.
وأكد عمر، على دعم الوفد للمسار الذي خطه الاتفاق الإطاري والحكومة المدنية التي تتأسس بناءً عليه، ومع ذلك خلت كلماته من التطرق والتعليق على زيارة وزير الخارجية الروسي.

مراقبون ومحللون للاشتباك الدبلوماسي في الخرطوم بين القوى الغربية وموسكو يتحدثون عن ملفات ساخنة ينتظر أن تكون على الطاولة مع الأطراف السودانية.

“قد تعكس زيارة لافروف، أحد أبرز مساعدي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الأهمية الاستثنائية والمكانة المميزة، التي أصبح يتمتع بها السودان، بما في ذلك وقوعه بين قطبي الرحى”، يقول المحلل السياسييقول المحلل السياسي، عبد الله رزق.

ويشير رزق إلى أن الزيارة تأتي والسودان في أسوأ حالاته بسبب افتقاره للإدارة الحكومية الفاعلة. ورأى أن هذا الأمر” ربما كان حافزاً للتكالب الدولي الجاري من أجل التأثير على تطور الوضع الداخلي للبلاد، وإعادة تشكيله”.

ويعتقد رزق أنه بالنسبة لملف القضايا الإقليمية، فتتصدره الأوضاع المأزومة في تشاد وأفريقيا الوسطى، وعلاقة السودان بأزمات البلدين الجارين. وأيضاً، قد يكون في جدول الأعمال موقف السودان الرسمي من الحرب في أوكرانيا ضمن ملف القضايا الدولية.
بينما قد يشمل الجدول، في ملف القضايا الثنائية الإشارة لقضية علاقة السودان بشركة فاغنر الأمنية وقضية تصدير وتهريب الذهب لروسيا، والتوسط لإطلاق سراح الروس الثلاث الذين تم القبض عليهم مؤخرا في عطبرة بتهمة الشروع في تهريب ذهب. بجانب قضية القاعدة العسكرية على البحر الأحمر في إطار مشروع اتفاق أمني أوسع.

وحسب رزق، فإن جولة لافروف يمكن النظر لها كرد على جولة بلينكن، في سياق التنافس على كسب التأييد واشتداد حدة الاستقطاب والاستقطاب المضاد حول الموقف من الحرب في أوكرانيا.

كما يمكن بالمثل، والحديث لرزق، التقرير بأن زيارة ستة من المبعوثين الغربيين للخرطوم، والتي تم الإعلان عنها على مفاجئ جاء تزامنها مع زيارة لافروف في السودان عن قصد.

وفي خضم هذه الزيارات والأقدام الدبلوماسية المتتابعة في الخرطوم، والتي تتزامن مع التطورات السياسية الراهنة في البلاد، تطرح اهتمامات الغرب بالعملية السياسية في السودان، وصراع المصالح الواضح، تساؤلات عن تأثير هذا الصراع على ما ستشهده البلاد الفترة المقبلة وتبعاته على الوضع الأمني والاقتصادي والسياسي. أما محلياً وفي مسار منفصل عن حكومة الأمر الواقع وقادة التحول الحالي ظل الشارع رافعا راياته الرافضة لأي تغيير لا يلبي تطلعاته متحديا قوة السلاح، ومتجاوزاً لتأثير دول الإقليم وسلطة القوى العظمى.

ترقد على كومة من النفايات.. الفساد وعجز الدولة يحولان الخرطوم إلى مدينة تتنفس قبحاً

أصبح التعايش مع النفايات في العاصمة السودانية الخرطوم، أمراً لا مفر منه، في المدينة التي تحتضن شوارعها المتهالكة وأسواقها وأحيائها السكنية، آلاف الأطنان من مخلفاتها.

لا يقتصر غرق الخرطوم في كومة من الأوساخ والبيئة الملوثة على المخلفات العادية، بل يمتد إلى النفايات الطبية، التي تبقى لأيام في المكبات بالقرب من المستشفيات، انضم إلى هذا الجو الخانق، الغاز المسيل للدموع، كمخلفات وتلوث إضافي.

وأصبحت الروائح الكريهة، المنبعثة من هذه النفايات، بالإضافة إلى انفجار الصرف الصحي المستمر، خاصة في وسط الخرطوم، جزءاً من مدينة يطلق عليها اسم العاصمة جزافاً.

في خضم هذا الوضع المزري، ومع غياب دور الدولة في التعامل مع مخلفات النفايات، فقد أصبح كل شارعٍ وفسحة مكباً للنفايات، وأضحت الخرطوم عاصمة تحفها مخلفات القمامة من كل جانب، وبات أمراً معتاداً، أن تقف سيارة وينزل سائقها ويضع أكياساً من القمامة، على قارعة الطريق، وهو أمر يمكن أن تشاهده أكثر من مرةٍ في اليوم، في أماكن عديدة.

David Jensen, UNEP

أزمة قديمة متجددة

رغم تنامي أزمة النفايات أخيراً في مدينة الخرطوم بمحلياتها السبع، إلا أنها ليست جديدة كلياً، فالعاصمة ظلت تحت وطأة هذه الأزمة منذ حوالي 23 عاماً، ولكنها خلال السنوات الأخيرة تفاقمت بشكل كبير.

ويأتي على رأس الأسباب التي أدت إلى استمرار الأزمة؛ زيادة نسبة النفايات التي تخلفها مدينة الخرطوم يومياً، لتصبح 7 آلاف طن يومياً خلال العام 2022م، مقارنة بـ 3 آلاف طن خلال العام 2016م، أي بنسبة زيادة تفوق الضعف خلال 6 سنوات. 

كانت مسؤولية التخلص ومعالجة النفايات في الخرطوم تقع على عاتق المحليات، حيث تمول هذه العملية من عوائد إيراداتها، في وقت لم تكن هناك رسوم مفروضة على المواطنين. وخلال حقبتي الثمانينات والتسعينات، ومع زيادة عدد سكان الخرطوم، علاوة على تغّير نمط الحياة ونوعية الاستهلاك، شهدت نسبة مخلفات النفايات زيادة كبيرة، وهو ما قابلته المحليات بفرض رسوم على المواطنين مقابل نقل النفايات.

وظّفت المحليات تلك الرسوم، والتي كان يتم تحصيلها بصورة منفصلة عن إيرادات المحلية الأخرى، في توفير الآليات ودفع استحقاقات العمال. وهو جزء من سياسات الخصخصة التي طبقها النظام المخلوع في بداية التسعينات، والتي شملت خفض الصرف على المؤسسات الخدمية من صحة وتعليم.

خصخصة وفساد

لم يكن قطاع النفايات استثناء من الخصخصة التي طالت القطاعات الخدمية في عهد النظام المخلوع، حيث خصخصت الحكومة شركة الخرطوم للنظافة، وهي شركة تمتلكتها ولاية الخرطوم، وكانت تمتلك أكثر من 500 عربة نقل نفايات، وحرقة بمدينة أمدرمان، بالإضافة إلى ثلاثة مدافن.

 ومع انتظام عمل الشركة وتحقيقها لإيرادات مالية كبيرة من عملها، فإن الأمر لفت النظر إليها بغرض الاستيلاء عليها. حيث وضعت العراقيل أمام الشركة، الأمر الذي أدى إلى تدهورها وتراجع أدائها بنسبة 25%. ليتم خصخصتها في العام 2012م، واستبدالها بـ12 شركة خاصة، امتلكها أفراد موالون للنظام المخلوع.

وفي ظل غياب أي رؤية استراتيجية لإدارة تلك الشركات، والتي مثلت جيوباً للفساد، كانت النتيجة فشلها الكامل في إدارة ملف النفايات، بسبب ضعف إمكانياتها وعدم خبرتها في عمل النفايات، بالإضافة إلى الصراع الذي اندلع بين النافذين الذين كانوا يمتلكون تلك الشركات، حول رسوم تجميع و نقل النفايات بالولاية.

وفي وقت لاحق، نقلت الحكومة، مسؤولية إدارة ملف النفايات من المحليات إلى رئاسة الولاية، عبر تكوين هيئات من حكومة الولاية تعمل رفقة المحليات. فكان ميلاد مشروع نظافة ولاية الخرطوم الإسعافي، في العام 2001م. لكنه لم يحقق المرجو منه، في ظل فشل إداري وفساد مالي صاحب المشروع، علاوة على توقف الدعم المالي من حكومة الولاية. وعقب فشل المشروع، أقدمت الحكومة على تشكيل هيئة نظافة ولاية الخرطوم للاضطلاع بنفس المهام، وتبعت إداراتها إلى المجلس الأعلى للبيئة والترقية الحضرية.

مبادرات آنية

مع استمرار الفشل الحكومي وتردي الأوضاع البيئية خلال السنوات الماضية، أطلق عدد من المبادرات الشعبية والمنظمة في الخرطوم، بهدف العمل على الإصلاح البيئي، والتي شملت على حملات نظافة للأحياء السكنية والأسواق، بالإضافة إلى معالجة مخلفات النفايات المختلفة. لكن، افتقدت تلك الجهود بعد النظر، وكانت جهوداً آنية ولم تنجح في التعاطي مع المشكلة في بعدها الكلي، والذي يتعلق بضرورة وجود سياسات واضحة تعالج جذر المشكلة. 

حراك عمال النظافة

لسنوات، ظل عمال النظافة يعملون تحت أوضاع غاية في الصعوبة، بدءاً من ظروف عملهم القاسية، وليس انتهاءً  بضعف الرواتب وعدم إدراجهم ضمن التراتبية الوظيفة في الدولة. ومع حراك العمال في القطاعات المختلفة إثر ثورة ديسمبر، انتظم عمال النظافة في حراك مطلبي، بدأ في ديسمبر 2020م واستمر لثلاث أيام، وكانت أبرز مطالبه زيادة الرواتب والتي كانت 3 ألف جنيه حينها.

وفي ظل استمرار تجاهل مطالبهم، عاود عمال النظافة في محلية الخرطوم الإضراب عن العمل مجدداً في سبتمبر 2022م، وذلك احتجاجاً على ضعف الرواتب، حيث يتقاضى العامل فقط 20 ألف جنيه في الشهر، في وقت يشهد في السودان ضائقة اقتصادية ومعيشية تزاد يوماً إثر يوم. لكن الروتب لم تكن هي السبب الأبرز في إضراب العمال، بل هناك مطالب بتوفير ظروف عمل تراعي لسلامتهم، علاوة إلى إدخالهم في مظلة التأمين الصحي والضمان الاجتماعي.

وعود قديمة

وفي أكتوبر من العام الماضي، صرّح مدير عام هيئة نظافة ولاية الخرطوم، عماد الدين خضر، أن التردي في خدمات النظافة هو نتيجة لخروج عدد من آليات النظافة من الخدمة، وأن ولاية الخرطوم تحتاج الى 534 عربة نفايات، في حين أنها تتوفر على 267 عربة فقط، أي بنسبة عجز 50%.

مع النمو السكاني في العاصمة الخرطوم، بعد الهجرات الكبيرة من الأقاليم والولايات الأخرى، بسبب الحروب الأهلية والتنمية غير المتوازنة وانعدام الخدمات في الريف والجفاف والتصحر في عام 1984، علاوة على التغيّر في نمط الحياة الحديثة، فإن كل هذه الظروف أدت إلى تزايد سكان الخرطوم، والذي بدوره أدى إلى تزايد وتنوع كبير في طبيعة المخلفات والافرازات . 

وفي الجانب المقابل، فإن غياب دور الدولة وسياساتها في التعامل مع ملف النفايات، فاقم حجم المشكلة، وذلك لعدم وجود سياسات وخطط تستند على إحصاءات علمية بمقدورها التصدي للتحديات الماثلة.

أصبحت الخرطوم اليوم، مدينة لا تُطاق، والتي كانت قد عرفت النظافة والتجميل في حقب محدودة، بعد ذلك تراوحت درجة اتساخها ونظافتها على حسب الظروف السياسية، وفاعلية أجهزة الدولة المعنية، واستناداً على عدد سكانها. 

ما يزيد تعقيد أزمة النفايات بمدينة الخرطوم، حالة الفراغ السياسي والإداري المتنامية، وزيادة عدد السكان بشكل مهول، وانعدام الرؤية لمعالجة آثارها التي تمتد إلى صحة المواطنين، بالإضافة إلى التشوه البصري، والتعايش مع القبح جنباً إلى جنب.

مؤتمر لتجديد عمله.. كيف أصبح «تفكيك التمكين» قضية مركزية في أجندة الثورة السودانية؟

أية السماني

أية السماني

"لقد ساد المؤتمر أجواء من النقاش البناء والحوار الديمقراطي والروح الوطنية والرغبة الأكيدة في بناء عقد اجتماعي جديد وإرساء دعائم الحكم الديمقراطي القائم على مبادئ الحوكمة الرشيدة والتنمية المتوازنة ومدخلها تفكيك التمكين ومحاربة الفساد وتعزيز الشفافية"، يقول الناطق الرسمي باسم (العملية السياسية)، خالد عمر.

وجاء حديث عمر خلال كلمته بـ(مؤتمر خارطة طريق تجديد عملية تفكيك نظام الـ30 من يونيو)، الذي عقد بين يومي 9-11 يناير الحالي، بمشاركة خبراء سودانيين وأجانب، حيث من المنتظر أن تُضمن توصياته في الاتفاق النهائي، حسبما أعلن منظموه.

إذ، ما تزال قضية تفكيك تمكين نظام الثلاثين من يونيو 1989م، حتى بعد مرور 4 أعوام على إسقاطه، وأكثر من عام على انقلاب 25 أكتوبر 2021م، تشكل أولوية بالنسبة للفاعلين السياسيين السودانيين، رغم تجميدها من قبل القائد العام للجيش، عبد الفتاح البرهان، غداة الانقلاب.

ولعبت اللجنة، خلال فترة الحكومة الانتقالية السابقة، دوراً بارزاً، في تفكيك تمكين حزب المؤتمر الوطني المحلول وواجهاته، حيث نجحت في استرداد أصول وأموال تقدر بمليارات الدولارات، وفق ما أعلنت.

وظلت قضية تفكيك (نظام الحزب الواحد)، تحتل حيزاً كبيراً في مواثيق المعارضة السودانية، خلال حقبة حكم النظام المخلوع، ومع وصولها إلى السلطة في 2019م، عقب إطاحته، سرعان ما ضمنتها في الوثيقة الدستورية التي حكمت الفترة الانتقالية.

في المقابل، أوضح انقضاض البرهان، على لجنة إزالة التمكين، عقب انقلابه، مركزية اللجنة، ضمن مؤسسات الحكومة الانتقالية السابقة، قبل أن يزج بقادتها في السجون، تحت تهم عديدة.

وشيئاً فشيئاً، مع مرور أيام انقلاب 25 أكتوبر 2021م، بدأ النظام المخلوع، في استعادة واجهاته ومؤسساته والأصول المالية التي كانت لجنة إزالة التمكين قد استردتها.

ومع تصدع قوة انقلاب 25 أكتوبر، تحت الضغط الجماهيري، وبدئه مفاوضات مع قوى الحرية والتغيير، ووصولهم إلى محطة الاتفاق الإطاري في الخامس من ديسمبر الماضي، أجلت قضية تفكيك التمكين، ضمن 5 قضايا أخرى إلى حين الوصول إلى الاتفاق النهائي.

ومنذ استيلائه على السلطة عبر انقلاب عسكري في 30 يونيو 1989م، تمكن النظام المخلوع في جميع أجهزة الدولة العسكرية والمدنية، بالإضافة إلى إنشائه مئات الواجهات والشركات التي كانت تعمل لتحقيق مصالحه خارج إطار الدولة المؤسسي. كما شمل تمكين النظام المخلوع، فصل مئات الآلاف من موظفي الخدمة المدنية والعسكريين، وإبدالهم بموظفين موالين له.

ميلاد اللجنة

في ديسمبر 2019م، وفي أعقاب تشكيل الحكومة الانتقالية، أجيز القانون الخاص بتفكيك تمكين نظام الـ30 من يونيو، وقضى القانون المجاز بحل حزب المؤتمر الوطني وحجز والأموال والأصول التابعة له لتتم إعادتها لصالح الخزينة العامة، قبل أن يتم تكوين اللجنة، برئاسة عضو مجلس السيادة الانتقالي، ياسر العطا، لتنفيذ المهام التي ينص عليها القانون.

باشرت اللجنة عملها وسط قبول شعبي كبير، وأصدرت عدداً من القرارات بمصادرة أموال وأصول وواجهات من أفراد النظام المخلوع وموالين له. كما حجزت على حسابات مالية تعود لعدد من رموزه وفصلت عددا من الموظفين بالخدمة المدنية، قالت اللجنة إن تعيينهم تم على أساس ولائهم وانتمائهم للنظام السابق، وليس على أساس الكفاءة.

أيضاً، طالت إجراءات الفصل موظفين بمناصب رفيعة من قضاة وسفراء. لكن مع ذلك، لم تمس اللجنة الموالين للنظام السابق بالقوات العسكرية، حيث تركت مهمة فحصهم وقرار فصلهم لتتم من داخل المؤسسة العسكرية، وفق ما تراه يصب في مصلحة “الإصلاح العسكري المنشود”.

عوائق مبكرة

أظهر المكون العسكري، انزعاجاً واضحاً، من عمل لجنة تفكيك التمكين، وتمظهر ذلك، في استقالة رئيسها، ياسر العطا، بشكل مفاجئ لم يوضح فيها الأسباب، إلا أنه أشار إلى أخطاء  قال إنها صاحبت عمل اللجنة دون أن يفصلها.

ومع ذلك، لم يتوقف عمل اللجنة، وتواصلت مؤتمراتها التي كانت تبث على القنوات الرسمية، واستمرت في إصدار القرارات بفصل أشخاص واسترداد شركات ومصانع وأراض، في وقت كان الهجوم على اللجنة وطريقة عملها، يتنامى يوماً بعد يوم.

لاحقاً، بدأت الآراء تتباين، حول لجنة تفكيك التمكين، من داخل الحكومة الانتقالية بشقيها المدني والعسكري، حيث كان لوزير المالية، جبريل إبراهيم، رأي مناهض، عندما قال “إن جمع سلطات النيابة والشرطة والقضاء والاستئناف والأمن في يد لجنة التفكيك، سلطة مطلقة تقود إلى فساد مطلق”، على حد تعبيره.

بينما كانت لجنة التمكين ترد بإصدار مزيد من القرارات، وكانت ترى أن عمل اللجنة مهدد بـ“كثير من المتربصين”، مشيرة إلى أن العداء نحوها متوقع من أفراد النظام السابق و”الدولة العميقة”.

في هذا السياق، يقول الرئيس المناوب السابق، للجنة إزالة التمكين في الفترة الانتقالية، محمد الفكي، لـ(بيم ريبورتس):

"لم تنجز اللجنة كثير من الملفات ونتج ذلك عن المقاومة من مناطق قوى متفرقة في الحكومة الانتقالية السابقة، ومكنت هذه التقاطعات الدولة القديمة الموجودة في مفاصل السلطة من المراوغة وإيقاف عمل اللجنة وتأخيرها والدخول معها في مواجهات صغيرة".

وأضاف الفكي: “بدأت الخلافات في الظهور على السطح، في الوقت الذي استمرت فيه اللجنة في ممارسة عملها بشكل طبيعي وهي تواجه أزمات سياسية ومالية عدة، كان لها الأثر الجلي على أداء وعمل اللجنة”. وحسب الفكي، فقد كان للميزانية المخصصة للجنة الأثر العظيم في اختيار الموظفين بها، ومدى كفاءتهم لتأدية مهام اللجنة، وقال:

"كان لدى اللجنة 200 موظف بميزانية مليوني جنيه، كنا نستخدمها في الأشياء الضرورية للعمل وقد تمر فترات طويلة دون أن نعطي الموظفين رواتبهم ما أثر بدوره على أداء اللجنة".

وحول عمل اللجنة المقبلة، يقول الفكي: “أتمنى أن تعمل اللجنة القادمة في ظروف أفضل وسندعمها من الخارج بخطاب سياسي وإعلامي لتأخذ حقها ونصيبها من الأموال التي تتيح لها أن تعمل بكفاءة وفق العبء الملقى على عاتقها”.

وبالعودة إلى الصراع حول اللجنة في الفترة الانتقالية، أبدت اللجنة استيائها من وزارة المالية، واعتبرت، أنها تحاول إفشال عملها، وقال مقررها، وجدي صالح، إن “وزارة المالية لم تُدر الأصول والأموال المستردة لإفشال لجنة التفكيك”.

أيضاً، مثل غياب الاستئناف ضغطا مضاعفا على اللجنة حيث بدت وهي تصدر أحكاماً مطلقة في ظل غياب الحق الأساسي للأفراد في الدفاع عن ممتلكاتهم أو وظائفهم الحكومية، ويرى الفكي في هذه النقطة، أن تأخير هذه اللجنة لم يتح العدالة الكافية، ويضيف:

"كانت هناك مماحكات مستمرة من داخل السلطة لإيقاف عمل لجنة الاستئنافات، وقد شكل هذا ضغطا قانونيا وسياسيا وأخلاقيا على لجنة إزالة التمكين".

أحكام قضائية وتجميد اللجنة

في تطور لافت، في مطلع أكتوبر 2021م، وقبيل أيام معدودة من الانقلاب، أصدرت دائرة الطعون بالمحكمة العليا، حكماً بإلغاء 11 قراراً أصدرتهم لجنة إزالة التمكين بفصل موظفين من مناصبهم. فيما أبدت لجنة التمكين انزعاجها من قرار المحكمة، إلا أنها أكدت في تصريحات صحفية بأنها ماضية في مشروعها لتفكيك تمكين النظام المخلوع.

مع تنفيذ القائد العام للجيش، عبد الفتاح البرهان، انقلابه في 25 أكتوبر 2021م، أصدر قراراً بتجميد عمل لجنة إزالة التمكين، ضمن عدد من القرارات التي تضمنها بيان انقلابه. وطالت اعتقالات السلطة العسكرية في يوم الانقلاب الأول، قيادات اللجنة، على رأسهم الرئيس المناوب لها، وعضو مجلس السيادة الانتقالي، محمد الفكي، لاحقاً شكل البرهان لجنة مختصة لمراجعة قراراتها في الفترة الانتقالية.

وعلى الفور، باشرت اللجنة التي شكلها البرهان عملها، وسرعان ما أعادت عدداً كبيراً من الموظفين المفصولين في الفترة الانتقالية، بالإضافة للأصول والأموال، كانت قد استردتها لجنة إزالة التمكين المجمدة بقرار البرهان. ولم تمثل قرارات لجنة الاستئناف سوى إعادة ترسيخ لمفاصل النظام السابق، كما أنها بددت  المجهود الذي بذلته لجنة إزالة التمكين طوال فترتها.

جلسات وتوصيات المؤتمر

بالنسبة لمؤتمر خارطة طريق تجديد عملية تفكيك نظام الـ30 من يونيو 1989م، الذي انعقدت أولى جلساته في التاسع من يناير الحالي واستمرت لمدة أربعة أيام، حيث شارك في المؤتمر (350) شخصاً، مثلت القوى الموقعة على الاتفاق الإطاري نسبة 40%، بينما شكل القوام الأكبر للمؤتمر ومجموعات العمل المتخصصة، مشاركون ومشاركات، من خارج القوى السياسية الموقعة، بنسبة 60%، من مختلف الأطراف، ممن وصفوا بأصحاب المصلحة.

وعقدت خلال المؤتمر 8 جلسات عمل عامة، ترأسها وعقب عليها، خبراء سودانيين ودوليين، حيث ناقشت 8 أوراق؛ وهي: الفساد والتمكين خلال 3 عقود، الأبعاد السياسية لعملية تفكيك نظام 30 من يونيو 1989م، تجربة تفكيك التمكين في الفترة الانتقالية، الإعلام والاتصال ومشاركة المواطنين في عملية التفكيك، الإطار القانوني الحاكم لعملية التفكيك، المعايير الدولية والمبادئ الحاكمة والخيارات في عملية التفكيك، التجارب الأفريقية، التعامل مع الفساد واسترداد الأصول والأموال المنهوبة.  

وأفضى المؤتمر لعدد من التوصيات أهمها؛ إلغاء الأحكام القضائية الصادرة من دائرة الاستئناف بالمحكمة العليا، وأهمية إخضاع قضاة الدرجات الأدنى لعملية فحص وتدقيق. وشملت التوصيات كذلك، الواجهات الدينية للنظام المخلوع، حيث شددت على تصفيتها ومحاسبة منسوبيها، أيضاً شملت التوصيات الخطوات المعنية بمعالجة إخفاقات لجنة إزالة التمكين في الفترة الانتقالية.

وحول إدراج التوصيات في الاتفاق النهائي، يعود الفكي ويقول:

"الآن جميع التوصيات لدى السكرتارية ويعكف عليها قانونيون لتوضع بصيغة قانونية لا تتقاطع مع قوانين الدولة وتمكن اللجنة من تأدية مهامها".

وفيما يخص هيكلة لجنة إزالة التمكين، فقد أوصت الورشة بالإبقاء على اللجنة كهيكل حكومي مستقل بصلاحيات عديدة وتوفير حصانات إجرائية وقانونية لأعضائها. كما أوصت باستبعاد وزارة العدل وممثلي الأجهزة النظامية من عضوية لجنتها العليا، على أن تتبع اللجنة في كل قرارتها المعايير الدولية والقانونية في عملية تفكيك بنية النظام المخلوع، لضمان حدوث التحول الديمقراطي.

غير أن خبراء قانونين لديهم وجهة نظر مختلفة، حول طريقة عمل لجنة إزالة التمكين، وما ينبغي أن تكون عليه.

يقول الخبير القانوني، نبيل أديب: “أعتقد أن التمكين تمثل في إخضاع سلطة الدولة ومواردها لإرادة العصبة الحاكمة، وهذا يتطلب أمرين؛ إبعاد الأشخاص المتورطين في عمليات فساد إداري من أجهزة الدولة، بعد التوصل عبر تحقيق إداري بواسطة أجهزة الدولة التابع لها الشخص المعني لإدانته بالفعل المنسوب له، ويجوز له استئناف القرار الإداري للقضاء”.

ويضيف أديب في حديثه لـ(بيم ريبورتس) "بالنسبة للأجهزة العدلية، يجب أن يتم ذلك عبر مفوضية الأجهزة العدلية". وتابع قائلاً: "المسائل التي تحمل معاملة فاسدة تحال للقضاء بواسطة نيابة الفساد".

ورأى أديب، أن يقتصر عمل لجنة إزالة التمكين على الاقتراحات الخاصة بتعديل القوانين التي سمحت بالتمكين، موضحاً أن إزالة تمكين نظام الـ30 من يونيو 1989م، تبدأ بعدم اتباع أساليبه في الحكم.

وتشغل قضية تفكيك تمكين نظام الثلاثين من يونيو 1989م، حيزاً كبيراً من النقاش والجدل الذي يدور حول الاتفاق النهائي الجاري، ويعد من قضايا الخلاف بين شقي الحكومة الانتقالية السابقة وأطراف أخرى. لكن عدداً مقدراً من الأطراف الموقعة على الاتفاق الإطاري، يرى أن مسألة تفكيك التمكين ضرورة لا يمكن التغاضي عنها.

ورغم المشاكل التي واجهت وصاحبت عمل اللجنة السابقة، إلا أن الأطراف تعتقد أنها تجربة يمكن الاستفادة منها وتطويرها لتشكيل لجنة جديدة تعمل وفق صورة قانونية ومؤسسية مثلى.

من البريق إلى النسيان.. كيف تراجع دور تجمع المهنيين السودانيين على مدى سنوات الثورة؟

“نستطيع معاً أن نعيد بناء كل شيء، والذي يقف أمام ذلك، هو هذا النظام الذي يجب أن نعمل جميعاً على أن يرحل فوراً”، أطلق تجمع المهنيين السودانيين هذه الكلمات المشحونة بالتحدي، في وجه النظام المخلوع في قمة سطوة قمعه، لم تتغير وجهة التجمع من كونه جسماً يمارس نشاطاً نقابياً وحسب، وإنما تحول إلى أحد أبرز الكيانات الاحتجاجية التي قادت حراكاً سياسياً سلمياً في تاريخ السودان الحديث.

وهكذا بدأت رحلة تجمع المهنيين السودانيين، في قيادة ثورة ديسمبر، فبدلاً من التوجه إلى مقر البرلمان بمدينة أمدرمان للمطالبة بتعديل الأجور حسبما كان أعلن مسبقاً، دعا السودانيين للتوجه إلى القصر الرئاسي بالعاصمة الخرطوم في 25 ديسمبر 2018م لتسليم مذكرة تطالب بتنحي الرئيس المخلوع عمر البشير.

وسرعان ما التف ملايين السودانيين، حول التجمع، بما شكله من أمل، مقابل حرب بدأ النظام المخلوع شنها ضده. ومع ذلك، مكّن التأييد الواسع الذي حظي به التجمع من مواجهة الهجمة الأمنية والإعلامية ضده، وفي الجانب الآخر، منحه الفرصة في لم شتات الأحزاب المعارضة، بتوقيع إعلان الحرية والتغيير.

ورغم الاعتقالات التي طالت قياداته وحملات التشكيك المستمرة ضده من منسوبي الإنقاذ وقتها، توجت مجهودات التجمع في قيادة الثورة، بإطاحة نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، في أبريل 2019م. 

غير أنه، وبعد أشهر معدودة من ذلك، بدأت الخلافات تدب في جسم التجمع وسط مشهد سياسي مليء بالاستقطاب. والآن، بعد مرور أكثر من أربعة أعوام، على خطوته التاريخية تلك، يغيب التجمع عن موقع القيادة، كأنه لم يكن، بعدما عصفت به الخلافات وشقته إلى جناحين.

العمل النقابي في ظل التضييق

بدأ النظام المخلوع، حربه على العمل النقابي مبكراً، بدايةً من استيلائه على السلطة، فشرع مباشرة في حل النقابات المهنية والعمالية واعتقال وفصل القيادات النقابية. كما استبدل عدداً من النقابات الفئوية بنقابات المنشأة التي تضم العاملين في مؤسسة واحدة.

في هذا السياق، يوضح الأكاديمي والسياسي، الواثق كمير، أن قانون النقابات الذي فرضته الإنقاذ انحرف بشكل جذري عن تاريخ الحركة العمالية السودانية. وقال “عمل القانون على فرض قيود على النشاط النقابي، خاصة عدم التمييز بين نقابات العمال والمهنيين والفنيين، وبدلاً من ذلك أصبحت النقابة تُعرّف بالمنشأة التي تخلط كل هذه المهن، وبهذا تم تغييب المصالح المشتركة للعاملين في مهنة واحدة“. 

لا يذهب عضو مبادرة استعادة نقابة المهندسين، كمال عمر، بعيداً عن حديث الواثق كمير ويشير في إفادته لـ(بيم ريبورتس)، إلى تبعات إلغاء نقابة المهندسين، وكيف أفقدهم ذلك وجود جسم يعتني بقضايا المهنة. ولفت عمر، إلى أن غياب النقابة شكل خصماً على مقدرة المجلس الهندسي في أداء مهام تنظيم المهنة، وقال “كانت نقابة المهندسين هي الجهة التي بادرت بتكوين مجلس تنظيم مهنة الهندسة الذي كان يتبع لمجلس الوزراء، وصاغت قوانينه وظلّت ممثلة به حتى الغائها”.

ميلاد التجمع

لم تكن حالة المهندسين في ظل الإنقاذ منفردة، فقد عانت النقابات جميعها، إما من الحل، أو تفريغ ما بقي منها من أدوارها وتجنيدها لخدمة أجندة النظام، وهو الأمر الذي عملت القطاعات المهنية على التصدي له منذ البداية؛ فقاطعت عدة فئات مهنية النقابات التي كونتها الحكومة، وشرعت في خلق أجسام موازية مارست من خلالها نشاطها النقابي ونسقت عبرها احتجاجاتها الفئوية. كما نشطت هذه الأجسام في دعم الحراك السياسي والحقوقي في البلاد ضد سياسات النظام المخلوع الذي مارس التضييق والعنف للحفاظ على مصالحه التي تتعارض – بالضرورة –  مع مصالح العاملين وجميع فئات المواطنين بشكل عام. 

ومن رحم هذه الأجسام، ولدت الأجسام الثلاثة التي كونت نواة تجمع المهنيين في 2016م؛ وهي شبكة الصحفيين السودانيين، والتحالف الديمقراطي للمحامين، ولجنة أطباء السودان المركزية. وعندما كانت البلاد في ذلك العام تشهد موجة احتجاجات بسبب تراكم الأزمات الاقتصادية، صدر البيان الأول من تجمع المهنيين الذي أعلن فيه شروع قطاعات المهنيين في ترتيب صفوفهم لخلق أكبر جبهة ممكنة لإسقاط النظام.

وبعد عامين من العمل غير المعلن والتنظيم الداخلي، صدر ميثاق تجمع المهنيين في يوليو 2018م يحمل توقيعات 8 أجسام مهنية، ضمت الأجسام الثلاثة السابقة، بالإضافة إلى لجنة المعلمين، ورابطة الأطباء البيطريين الديموقراطيين، وتجمع أساتذة الجامعات، ونقابة أطباء السودان الشرعية.

تطرق الميثاق إلى ضرورة العمل على محاربة حالة التردي التي أصابت النقابات في ظل النظام المخلوع، والتي تسببت في سلب حقوق المهنيين، وضياع مكتسباتهم التاريخية، فوضع استرداد استقلالية العمل النقابي من ضمن أهداف تكوين التجمع الأساسية، بالإضافة للتفاعل مع القضايا العامة التي تهم جموع الشعب السوداني. وعن ذلك، يعود كمال عمر ويقول “التقت هذه الأجسام حول الحاجة للدفاع عن قضاياها الفئوية، عن طريق تنظيم القواعد المهنية النقابية، حيث أن هنالك إرث نقابي زاخر بنجاح تجارب كيانات نقابية مشابهة، والتي – بالإضافة إلى قضاياها الفئوية – ساهمت في إسقاط الأنظمة الديكتاتورية”.

الحد الأدنى للأجور

كانت البلاد تعاني من ضائقة اقتصادية أحكمت خناقها على المواطن، عندما بادر تجمع المهنيين في نوفمبر 2018م بعقد مؤتمر صحافي استعرض فيه دراسة أعدها عن وضع الأجور في السودان، أوضح فيها عدم واقعيتها أمام التضخم الذي تجاوز الـ 68% في ذلك العام، وأفضت دراسة التجمع؛ إلى أن الأجور – في حدها الأدنى الذي يلبي الاحتياجات الأساسية – يجب ألا تقل عن (8864) جنيه سوداني.

من البرلمان إلى القصر

أثناء تحركات المهنيين في قضية الأجور، تفجرت احتجاجات في عدد من ولايات السودان خلال الأسبوع الأول من ديسمبر 2018م، بعدما ضاق المواطنون ذرعاً من الغلاء وتواتر أزمات: الوقود والخبز، والسيولة النقدية والتي لم يستطيعوا معها حتى الحصول على أرصدتهم بالبنوك لمجابهتها. لم يمض وقت طويل حتى انتقل الهتاف في الشارع من الاحتجاج على سوء الأوضاع المعيشية، إلى المطالبة برحيل النظام، فانعكست هذه النقلة أيضاً على خطاب التجمع الذي أصدر بياناً في 23 ديسمبر أعلن فيه تغيير دعوته من المطالبة برفع الحد الأدنى للأجور إلى دعوة جموع السودانيين والسودانيات للتجمع بوسط الخرطوم في 25 ديسمبر، للتوجه نحو القصر الجمهوري للمطالبة بتنحي رأس النظام المخلوع عن السلطة، وذلك “استجابة لرغبة الشعب السوداني وحقناً لدمائنا جميعاً، على أن تتشكل حكومة انتقالية ذات كفاءات بمهام محددة، ذات صبغة توافقية بين جميع أطياف المجتمع السوداني”،  كما جاء في البيان.

في صباح ذلك الثلاثاء، ملأت القوات الأمنية شوارع وسط الخرطوم لتحول دون وصول المتظاهرين إلى نقطة التجمع في ميدان أبو جنزير. ومع ذلك، انطلقت التظاهرات من نقاط عديدة في الشوارع المحيطة بشارع القصر، واستمرت مطاردات القوات الأمنية للمتظاهرين حتى الساعات الأخيرة من نهار ذلك اليوم، الذي سجلت اللجان الطبية فيه أعداداً كبيرة من الإصابات بالرصاص الحي والهراوات والغاز المسيل للدموع.

وفي اليوم التالي، أصدر التجمع دعوة جديدة لمواصلة التظاهر اليومي إلى حين إسقاط النظام، كما أعلن الصحفيون والأطباء إضرابهم عن العمل عبر أجسامهم المنضوية داخل التجمع. ولم ينقطع تنسيق التجمع للتظاهرات، حيث دعا التجمع  لموكب في 31 ديسمبر 2018م حدد وجهته صوب القصر مرةً أخرى.

وبالرغم من حملات الاعتقال الكثيفة و الممنهجة للناشطين السياسيين وأعضاء تجمع المهنيين التي بدأت في ديسمبر 2018م، إلا أن النظام المخلوع، فشل في السيطرة على ما أسماه بعض قيادات النظام المخلوع في تصريحاتهم آنذاك بـ “شبح المهنيين” الذي اجتاحت بياناته وسائل التواصل الاجتماعي، وكان المتحدثون باسمه يظهرون على القنوات الإخبارية العالمية من داخل وخارج السودان، حيث نجح التجمع في التكيف مع موقعه من الأحداث بالشكل الذي أحبط كل محاولات النظام في إجهاض نشاطه.

إعلان قوى الحرية والتغيير

"نحييكم بالاستقلال المجيد، نحييكم ونحن جميعاً كشعب سوداني نعمل على تحقيق استقلال جديد من مستعمر جديد يسمى نظام المؤتمر الوطني".

John Doe

بهذه الكلمات، افتتح عضو سكرتارية تجمع المهنيين، محمد ناجي الأصم حديثه عبر بث مباشر على صفحة تجمع المهنيين في الأول من يناير 2019م ليعرف بإعلان الحرية والتغيير. وبعد أن أكد الإعلان في بنده الأول على استمرارية جميع أشكال النضال السلمي حتى رحيل النظام، تناول مهام الفترة الانتقالية، التي حددها بأربعة أعوام، وتضمنت وقف الحرب، ومعالجة التدهور الاقتصادي، وعمل ترتيبات متممة لاتفاق سلام شامل، وإعادة هيكلة الخدمة المدنية والعسكرية، وإلغاء القوانين المقّيدة للحريات، وضمت قائمة الموقعين على إعلان الحرية والتغيير عند صدوره تجمع المهنيين السودانيين، وقوى الإجماع الوطني، وقوى نداء السودان، والتجمع الاتحادي المعارض. 

في وقت تواصل الزخم الثوري في ولايات البلاد المختلفة، وفقاً للجداول التي يصدرها التجمع حيث كانت محل ترقب أسبوعياً، وذلك بالتوازي مع انضمام قطاعات مهنية إلى تجمع المهنيين وتوقيع قوى سياسية وقوى مجتمع مدني على إعلان الحرية والتغيير، حتى بلغ الحراك أوجه في 6 أبريل 2019م، عندما فشلت جميع محاولات القوات الأمنية، في منع وصول مئات آلاف المتظاهرين إلى مقر القيادة العامة للجيش بالخرطوم.

حيث بدأوا اعتصاماً شهدوا خلاله إطاحة البشير في  11 أبريل، واستمر من يومها وحتى 3 يونيو، عندما فضته قوات المجلس العسكري المحلول الذي استولى على السلطة،  في أعقاب عزل البشير، بالقوة، الأمر الذي أسفر عن مقتل أكثر من 130 شخصاً وإصابة المئات وفقدان العشرات، بالإضافة إلى حالات اغتصاب وثقتها عدد من المنظمات الحقوقية المحلية والدولية.

 لم تكن تجربة تجمع المهنيين في قيادة العملية السياسية، ومبادرته بميثاق إعلان الحرية والتغيير مستحدثة تماماً. فبالرغم من وجود اختلافات سياقية بين التجارب المختلفة، إلا أن القطاعات المهنية والعمالية في السودان درجت على إنشاء تحالفات بين القطاعات المختلفة ومع القوى السياسية.

ولعبت هذه التحالفات، أدواراً محورية في الحراك السياسي والمطلبي على مر التاريخ، مثل الاتحاد العام لنقابات السودان، الذي نشط في مناهضة الاستعمار، و جبهة الهيئات التي أنتجتها ثورة أكتوبر 1964م، والتي كانت بدايتها من أساتذة جامعة الخرطوم ونقابة المحامين عقب استشهاد الطالب أحمد القرشي طه، والتجمع النقابي الذي كان المنظم الرئيس للإضراب السياسي ودعا لتظاهرات الشعب باتجاه القصر حتى سقوط نظام جعفر نميري في انتفاضة مارس/أبريل 1985م.

تصاعد الخلافات

بالرغم من انخراط تجمع المهنيين في تحالف أوسع مع أحزاب سياسية وقوى مدنية ومسلحة، إلا أنه ظل الجسم الذي التف حوله السودانيون وعلقوا آمالهم عليه، الأمر الذي لم يدم طويلاً، عقب نجاح الثورة في الإطاحة بالنظام المخلوع، حيث ظهرت للسطح خلافات داخل التجمع، أدت إلى انشقاق عدد من الأجسام بعد انتخاب هياكل جديدة له في 10 يوليو 2020م. 

تلك الخلافات التي ضربت التجمع، وصفها المحلل السياسي، بكري الجاك، بالمتوقعة؛ حيث رأى أنه بالرغم من أن دور تجمع المهنيين القيادي قبل سقوط النظام كان ضرورياً، بسبب تشوه الحياة السياسية وتخريب سمعة أحزاب المعارضة في فترة الإنقاذ، إلا أن وجود التجمع في العملية السياسية انتفت مبرراته بعد سقوط النظام، وبقائه داخل العملية السياسية كان لا بد أن يضر بأي انتقال وأي ممارسة ديمقراطية على المدى الطويل.

وقال الجاك في إفادته لـ(بيم ريبورتس): “من الضروري أن تلعب منظمات المجتمع المدني أدوارها وفقا لموقعها. الحزب هو من عليه أن يعمل على تطوير برامج سياسية يدعو الجماهير إلى الاصطفاف خلفها للوصول للسلطة، أما النقابة واتحادات أصحاب العمل وغيرها فعليها أن تعرف مصالح المجموعات التي تمثلها” 

و بشأن الخلافات حول مجريات انتخابات هياكل التجمع، أضاف الجاك “من المثير للسخرية أن يحدث خلاف حول انتخاب هياكل قيادية لأجسام هي في الأصل غير منتخبة”، موضحاً أن عملية الانتخاب في هذا السياق، تعكس ما وصفه بالتناقض البنيوي، مشيراً إلى أن ما حدث، ليس إلا صراع سياسي تمظهر داخل هذه الأجسام.

والآن والبلاد تشهد مجهودات في تصحيح مسار العمل النقابي واستعادة ما اقتلع منها في ظل النظام المخلوع، يظل تجمع المهنيين ـ بشقيه المتنازعين – بعيداً عن هذا المشهد، وتستدعي محورية المجتمع المدني الفاعل في صناعة أي تجربة ديمقراطية الوقوف على تجربة تجمع المهنيين والنقد الجاد في ما نجحت فيه، وما أثارته إخفاقاتها.

وسط صراع نفوذ محتدم.. القاهرة تبحث عن أجندتها في أزمنة الخرطوم الأكثر اضطرابًا

وسط صراع نفوذ ومحاور إقليمية ودولية محتدم، تشهده الساحة السياسية السودانية، تصاعد بعد إطاحة ثورة ديسمبر بنظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، في أبريل 2019 م، وفي خضم حالة انقسام في تركيبة القوى العسكرية والمدنية.

لم تكف القاهرة صاحبة الخبرة والنفوذ التاريخي في الخرطوم، عن محاولاتها المستمرة، التي تتخذ أشكالاً عديدة، في البحث عن أجندتها في أزمنة الخرطوم الأكثر اضطرابًا، من خلال توجيه العملية السياسية، في بلدٍ يعيش تحت زعازع التدخل الأجنبي ومخاطر التشظي الداخلي، تعمقت في أعقاب انقلاب 25 أكتوبر 2021م، الذي يُعتقد بأن لها فيه ضلع كبير، حسبما أشارت لذلك تقارير صحفية عديدة.

ومع ذلك، ظلت القاهرة تنفي مثل هذه الاتهامات، بما في ذلك محاولة التدخل في الشأن السوداني، ودائماً ما تشير إلى أنها تحترم سيادة البلاد وتقف على مسافة واحدة من الأطراف كافة، وأن ما تريده فقط؛ هو استقرار الخرطوم، لا أكثر.

ويعتقد بعض المراقبين المراقبين، بأن مخاوف القاهرة الرئيسية، تتركز على تنامي دور الدعم السريع كقوات مستقلة، مقابل الجيش، ورغم ذلك، ليس من الواضح، ما إذا كان موقف القاهرة المبدئي من الدعم السريع يأتي من كونها مليشيا تُثير مخاوفها، أم كونه صراع نفوذ، خاصة وأن اجتماعات عديدة ضمت مسؤولين مصريين، بينهم الرئيس عبد الفتاح السيسي ومدير المخابرات عباس كامل، مع قائدها محمد حمدان دقلو (حميدتي).

صورة تجمع الرئيس المصري مع حميدتي

أيضاً، يمثل امتلاك أبوظبي نفوذاً كبيراً على الدعم السريع، علاوةً على تحركات الأخيرة الاستثمارية، خاصةً في شرق السودان الذي يشهد قلاقل غير مسبوقة، مخاوف إضافية بالنسبة للقاهرة.

وتبدو الدلائل على ذلك واضحة، بعدما عاد من القاهرة في أكتوبر الماضي، القيادي في حزب المؤتمر الوطني المحلول، محمد طاهر إيلا، آخر رئيس وزراء في عهد الرئيس المخلوع، عمر البشير، إلى البلاد، في محاولة للعب دور سياسي في مسرح الشرق الملتهب، تحت لافتة الجهة والعرق. 

أيضاً، عاد من القاهرة، إلى الخرطوم، في نوفمبر الماضي، رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي وزعيم الطائفة الختمية، محمد عثمان الميرغني، عبر طائرة مصرية خاصة، أتى وهو يعارض العملية السياسية التي تمخضت عن الدستور الانتقالي الذي اقترحته اللجنة التسيرية لنقابة المحامين، وأدت لاحقاً لتوقيع اتفاق إطاري مع الجيش، ينتظر أن يسفر عن اتفاق نهائي، يقود إلى تشكيل حكومة بقيادة مدنية. 

طائرة مصرية أخرى، أقلت إيلا من مدينة بورتسودان إلى القاهرة على وجه السرعة، الشهر الماضي، بعد تعرضه لانتكاسة صحية، حسبما أشارت لذلك تقارير صحفية، والذي كان قد بدأ حراكاً سياسياً واسعاً وظهر مع بعض الجماعات المسلحة هناك. 

وفي خضم تسارع العملية السياسية التي تيسرها الآلية الثلاثية المكونة من الاتحاد الأفريقي، إيغاد والأمم المتحدة، بجانب (الرباعية) وعودة إيلا إلى القاهرة، ألقى الزعيم الأهلي بشرق السودان، سيد محمد الأمين ترك والذي يتقلد منصباً رفيعاً في تحالف الكتلة الديمقراطية الذي يضم حركات مسلحة والحزب الاتحادي الأصل، بالونة اختبار سياسي، بتقديم دعوة غير مسبوقة للرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، بالتدخل في الشأن السوداني.

قال ترك مخاطباً السيسي: “أنا من هنا داير أقول كلام للرئيس المصري السيسي، أنه المبادرة المصرية دي يا السيسي أسعى في هذه المبادرة، يا أفتح لينا الحدود البرية.. نحن وانت كلنا نكون عايشين سوا عشان نثبت تقرير مصيرنا”. 

حديث ترك، جاء في أعقاب زيارة مدير المخابرات العامة المصرية، عباس كامل للبلاد، بحثاً عن منظور القاهرة لكيفية حل قضايا الخرطوم، من خلال مبادرة قدمها للفرقاء السودانيين، تطورت لاحقاً إلى ورشة عمل، رفضتها قوى الحرية والتغيير فيما أيدتها حركات مسلحة ومجموعات وأحزاب، محسوبة على نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، والقائد العام للجيش، عبد الفتاح البرهان. 

ورغم تأرجح العلاقات السياسية بين الخرطوم والقاهرة، في كل الحقب ما بعد الاستقلال، إلا أن العلاقة بين جيشي البلدين ظلت وطيدة إلى حد كبير، فيما يتعلق بالتدريبات المشتركة، والتنسيق المشترك، بما في ذلك دراسة قادة الجيش السوداني في المعاهد العسكرية المصرية.

كذلك يحتفظ الجيش المصري بعلاقات اقتصادية مستقلة مع نظيره السوداني، بالإضافة إلى وجود شبح تدخل للجيش المصري في الانقلابات العسكرية الفاشلة والناجحة في البلاد، بما في ذلك الإرهاصات التي سبقت أول انقلاب عسكري في السودان في نوفمبر 1958م، وآخرها حتى الآن في أكتوبر 2021م.

الدور المصري في السودان بعد الثورة

مع أن الدور السياسي المصري في السودان قديم، لكنه بدأ يأخذ منحنى متصاعداً في الأيام الأخيرة لسقوط نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، في أبريل 2019م، قبل أن يصل ذروته في سنوات الثورة السودانية اللاحقة تباعاً.

بعد يوم واحد فقط من اعتصام مئات آلاف المتظاهرين بالمقر الرئيسي للقيادة العامة للجيش السوداني بالعاصمة الخرطوم في 6 أبريل 2019م، تتويجاً لاحتجاجات شعبية واسعة بدأت في ديسمبر 2018م، وصل في السابع من الشهر نفسه نائب مدير جهاز الأمن والمخابرات الوطني وقتها، جلال الشيخ، إلى العاصمة المصرية القاهرة، حيث اجتمع مع مسؤولين في جهاز المخابرات المصري حول مدى قبول القاهرة للإطاحة بالبشير، حسب (وكالة أسوشيتد برس).

وقالت الوكالة الأمريكية، إن الشيخ، استفسر المسؤولين المصريين في جهاز المخابرات العامة، عن رد فعل القاهرة إذا قاموا بالإطاحة بالبشير، وما إذا كانت الرياض وأبوظبي ستدعمهم مالياً.

لم تمر سوى خمسة أيام على زيارة الوفد الأمني السوداني إلى القاهرة، حتى أعلن الجيش عزل البشير من منصبه وتولي نائبه ووزير الدفاع عوض ابن عوف رئاسة مجلس عسكري انتقالي، في 11 أبريل 2019م، لكنه سرعان ما تنحى عن رئاسته، ليخلفه القائد العام الحالي للجيش، عبد الفتاح البرهان، في اليوم التالي.

البرهان الذي تولى رئاسة المجلس العسكري، في 12 أبريل 2019م، كانت أولى زياراته الخارجية إلى العاصمة المصرية القاهرة، في الخامس والعشرين من شهر مايو 2019م، حيث أدى التحية العسكرية للرئيس، عبد الفتاح السيسي، خلال مراسم استقباله في القصر الرئاسي.

البرهان يؤدي التحية العسكرية للرئيس المصري

وقال المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، بسام راضي، في تصريحات صحفية، إن مباحثات البرهان والسيسي أسفرت عن “التوافق على أولوية دعم الإرادة الحرة للشعب السوداني واختياراته”.

فيما أكد البرهان، ما وصفه بالتقارب الشعبي والحكومي المتأصل بين مصر والسودان، ومشيداً بـ”الدعم المصري غير المحدود لصالح الشعب السوداني وخياراته للحفاظ على سلامة واستقرار السودان في ظل المنعطف التاريخي الهام الذي يمر به”.

فيما سبقت مباحثات البرهان والسيسي، عقد الرئيس المصري، قمة تشاورية حول الأوضاع في السودان، في حضور بعض الدول الأفريقية في 23 أبريل 2019م، معبراً عن دعمه للاستقرار في السودان.

خفوت الدور المصري

لاحقاً، خلال تعثر المفاوضات بين قوى الحرية والتغيير والجيش في أعقاب الإطاحة بالبشير، شدد المصريون من خلال وفود إعلامية وسياسية على ضرورة مشاركة الجيش في الفترة الانتقالية لحمايتها وحماية الأمن في البلاد، بعدما كانت القوى المدنية تطرح ضرورة ابتعاد الجيش من العملية السياسية.

ومع تشكيل حكومة انتقالية في أغسطس 2019م، خفت الدور المصري في البلاد قليلاً، ومع ذلك ظلت القاهرة تستضيف مسؤولين سودانيين رفيعين سابقين في الجيش والمخابرات ونظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، على رأسهم آخر رئيس وزراء في عهده، محمد طاهر إيلا، بجانب مدير المخابرات السابق، صلاح قوش، ورئيس أركان الجيش السابق، كمال عبد المعروف، ورئيس المجلس العسكري السابق، عوض ابن عوف.

انضم جميع هؤلاء القادة العسكريين، إلى رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي، وزعيم الطائفة الختمية، محمد عثمان الميرغني، الذي ظل مقيماً في القاهرة لحوالي 9 سنوات، فيما ظل الموضوع الوحيد الذي يشغل الخرطوم والقاهرة بعدها، هو ملف سد النهضة الإثيوبي.

ومع ذلك، يكشف موقف القاهرة من قادة النظام المخلوع، وعملها مع مجموعات الإسلاميين في السودان حالياً، التناقض مع كونها داخلياً ضد تقف ضد الجماعات الإسلامية.

زيارة حمدوك إلى القاهرة

وفيما يبدو، فإن زيارة رئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك، إلى العاصمة المصرية القاهرة في مارس 2021م، وحديثه عن ما وصفه بالمسكوت عنه في العلاقات بين الخرطوم والقاهرة، مثّلت قلقاً كبيراً لمصر وأثارت مخاوفها، خاصة بعد حديثه عن مثلث حلايب السوداني المحتل مصرياً، وضرورة تغيير القاهرة نظرتها للخرطوم، وغيرها من الملفات والمواضيع الحساسة التي تحدث عنها. كان المصريون عموماً، غير راضين عن قيادة حمدوك، خاصة انفتاحه العلني على سد النهضة الإثيوبي، علاوةً على احجامه عن تعميق العلاقات مع إسرائيل.

في الشهور اللاحقة لزيارة حمدوك إلى القاهرة، تأزم الوضع السياسي الداخلي في البلاد، إلى أن نفذ الجيش انقلابه في 25 أكتوبر 2021م، والذي أشارت صحيفة (وول ستريت جورنال) الأمريكية، إلى أن رئيس المخابرات العامة المصرية، عباس كامل، سافر إلى الخرطوم قبل الانقلاب للقاء البرهان. وحسب ما نقلت الصحيفة، فقد قال للبرهان “حمدوك يجب أن يذهب”. وأشارت الصحيفة الأمريكية كذلك، إلى أن البرهان سافر سراً إلى مصر قبل يوم من الانقلاب حيث التقى الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، لإجراء محادثات سرية للتأكد من أنه يدعم الانقلاب، ولضمان حصول خطته على دعم إقليمي، وفق الصحيفة.

وامتداداً للدور المصري في السودان، بعد الانقلاب، وقعت مجموعة من الفصائل الاتحادية بالقاهرة في أواخر مارس الماضي، على إعلان سياسي يمهد لوحدتها شارك فيه رئيس حزب الأمة مبارك الفاضل. وفي الثامن عشر من الشهر نفسه، أعلن رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل، وزعيم الطريقة الختمية في السودان، محمد عثمان الميرغني، عن طرح مبادرة سياسية تسعى لإنهاء الأزمة السياسية المتطاولة في البلاد.

رحلة العودة من القاهرة

في الثالث من أكتوبر الماضي، عاد إلى البلاد القيادي بحزب المؤتمر الوطني المحلول وآخر رئيس وزراء في عهد النظام المخلوع، محمد طاهر إيلا، على الرغم من وجود بلاغات مقيدة ضده، إلا أنه تم استقباله رسمياً في مطار مدينة بورتسودان، وسط حشد أهلي كبير. 

جاءت عودة إيلا إلى البلاد، في خضم قلاقل كبيرة يشهدها شرق البلاد، وحالة سياسية محتقنة وحافلة بالانقسامات والتكتلات. 

ماذا يريد إيلا وما هي مهمته؟ سرعان ما أفصح عن شواغله غداة عودته في إعادة ترتيب مشهد الشرق -وفق تصوره-. وقال “تتسارع الخطى عندي عملاََ وترتيباً لوحدة شعب البجا في الشرق شعباََ وقيادة وقاعدة ومنصة لأجل السودان، فإن اختلفوا على الاتفاق فهدفهم واحد وآمالهم شرق لأجل سودان قوي متماسك نام متطور.. ويقيني أنها باتت وشيكة وواقع قائم على أرض صلبة حدد معالمها الأمير دقنة بأنها قومية سودانية مية المية”. 

وأضاف قائلاً “إن أهل الشرق أكثر أهل السودان دعوة للوحدة الوطنية والسلام وأكثرهم تنازل عن ومن حقوقهم لأجل دولة السودان الوطن الكبير الواحد. والشواهد على ذلك كثيرة دونما تذكر فهي معلومة لكل السودانيين”.

لكن خطابه الذي بدا تصالحياً، سرعان ما بددته تصريحات له في نوفمبر الماضي، عندما أيد حق تقرير المصير ودعا (البجا) لحمل السلاح والدفاع عن الأرض والموارد، من ما وصفها بالمجموعات الأخرى.

في نوفمبر الماضي، عاد رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي وزعيم طائفة الختمية، محمد عثمان الميرغني إلى البلاد، بعد بقائه سنوات طويلة في منفاه الاختياري بالعاصمة المصرية القاهرة.

عاد الميرغني وسط انقسام في حزبه بين ابنيه الحسن وجعفر، بدا ظاهراً في استقباله. فبينما انضم الحسن موقعاً على وثائق الحرية والتغيير ولاحقاً على الاتفاق الإطاري، ترأس جعفر الكتلة الديمقراطية التي تضم حركات مسلحة وجماعات سياسية أخرى، والتي ترفض مواثيق الحرية والتغيير ولم توقع على الاتفاق الإطاري.

مدير المخابرات المصري في الخرطوم

في خضم جدل سياسي، أعقب التوقيع على الاتفاق الإطاري في الخامس من ديسمبر الماضي، وبدء المرحلة النهائية في يناير الحالي، لما يطلق عليها العملية السياسية النهائية والتي من المنتظر أن تؤدي إلى اتفاق نهائي بين المدنيين والجيش، هبط مدير المخابرات العامة المصرية في الخرطوم، حاملاً معه مبادرة لما أسماه بالحوار السوداني – السوداني، برعاية وتسهيل من القاهرة، وهي المبادرة التي سرعان ما رحبت بها الكتلة الديمقراطية ومجموعات أخرى، بينها حزب الأمة بقيادة مبارك الفاضل، ومجموعات محسوبة على الإسلاميين.

“هذه رؤية نرحب بها، وليس لدينا اعتراض عليها، والمسؤول المصري رأيه هو أن يساعد السودانيين لتجاوز خلافاتهم”، هكذا رحب نائب رئيس الكتلة الديمقراطية، جبريل إبراهيم، بالمبادرة المصرية.

ومضى قائلاً “بأن هناك أطراف -لم يسمها- تقف ضد المقترح المصري لاعتبارات من بينها أنها تراهن على جهات خارجية أخرى داعمة لمواقفهم ويعتبرونها أهم من الدعم المصري، ويعترضون على تدخل القاهرة”.

في السياق نفسه، رحب حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، بالمبادرة المصرية وقال إن “الدعوة المصرية المقدمة لكل المكونات السودانية لإزالة التباينات، نعتقد أنها مهمة وسوف تلعب دوراً في تقريب المواقف وإزالة الخلافات المصطنعة.. علينا قبول هذه الدعوة للخروج من المأزق”.

أما بالنسبة لرئيس حزب الأمة، مبارك الفاضل، فقد ربط المبادرة المصرية بالأمن القومي للخرطوم والقاهرة.

وقال "استقرار السودان مهم للأمن القومي المصري والسلم والأمن الدوليين، ومن هذا المنطلق نرحب في حزب الأمة وتحالف التراضي الوطني بالمبادرة المصرية لجمع وتوحيد الفرقاء السودانيين حول سلطة انتقالية تحقق الاستقرار وتنقل السودان إلى نظام منتخب عبر انتخابات حرة وندعمها بصدق وقوة".

وسط هذا التأييد الحاشد للمبادرة المصرية، رفضت قوى الحرية والتغيير دعوة مصرية رسمية للمشاركة في ورشة عمل بالقاهرة في الفترة بين يومي 1-8 فبراير المقبل، بعنوان: “آفاق التحول الديمقراطي نحو سودان يسع الجميع”.

وعرّفت الدعوة الهدف من الورشة، حسب بيان لقوى الحرية والتغيير، بأن تكون منبراً لحوار جاد يؤدي لتوافق سوداني-سوداني، وهو الأمر الذي رأت أن العملية السياسية الحالية المرتبطة بالاتفاق الإطاري قد تجاوزته، خاصة أنها كانت قد أبلغت مدير المخابرات المصري إبان زيارته الماضية إلى الخرطوم، بأن على القاهرة فقط أن تقوم بدعم الاتفاق الإطاري.

لاحقاً، أعربت وزارة الخارجية المصرية عن ترحيبها بالعملية السياسية النهائية المستندة على الاتفاق الإطاري. وبررت الحرية والتغيير رفضها المشاركة في الورشة المزمع عقدها في القاهرة، بكون الاتفاق الإطاري وضع أساساً جيداً لعملية يقودها ويمتلكها السودانيون، وقد شكلت اختراقاً في مسار استرداد التحول المدني الديمقراطي، مما يجعل الورشة متأخرة عن هذا السياق، وقد تجاوزها الزمن فعلياً.

كما رأت أن الورشة المزمع عقدها تشكل منبراً لقوى الثورة المضادة، الذين ذكر البيان أنهم يأملون أن يحتشدوا فيه لتقويض الجهود الشعبية السودانية لاستعادة المسار المدني الديمقراطي، لافتاً إلى أن هذه القوى مرتبطة بالنظام البائد الذي أضرت سياساته بالبلدين و شعبيهما.

إغلاق الباب في وجه المبادرة المصرية، مقابله فتحت الحرية والتغيير الباب أمام كل الجهود الدولية والإقليمية لدعم مسار العملية السياسية التي تستند على الاتفاق الإطاري.

مع ذلك، أقرت الحرية والتغيير بتقييمها وتقديرها للعلاقات التاريخية بين السودان ومصر، مشيرة إلى إدراكها لأهميتها الاستراتيجية، غير أنها انتقدت الدور المصري في السودان صراحةً، في أعقاب الثورة.

وقال البيان: "نعتقد أن الموقف المصري من التطورات السياسية في السودان في أعقاب ثورة ديسمبر المجيدة يحتاج لمراجعات عميقة تتطلب تفاكراً حقيقياً على المستوى الرسمي والشعبي بين البلدين".

لكن ومع ذلك، يبدو أن الحرية والتغيير، لا تريد قطع شعرة التواصل مع القاهرة، حيث قال القيادي فيها وعضو مجلس السيادة الانتقالي السابق، محمد الفكي، إن الحرية والتغيير ستذهب إلى القاهرة ولكنها لن تشارك في الورشة.

إذن؛ يبدو أن الحج إلى القاهرة التي تحاول إعادة تشكيل المشهد السوداني وفق أجندتها، في خضم صراعاتها مع العواصم الإقليمية والدولية الأخرى المؤثرة في البلاد، يبدو أنه بمثابة فريضة على الأطراف السودانية، سواء شاركت في الورشة المزمعة، أو لم تشارك.

يقول المحلل السياسي، د.الحاج حمد، إن لمصر مصالح تسعى لتحقيقها، مشيراً إلى أنه ظلت هناك جهات سودانية تراعي هذه المصالح، فالختمية مثلا طائفة دينية في صعيد مصر كما في السودان. بالإضافة إلى ما وصفه بولاء الاتحاديين أيضًا منذ عهد الزعيم السياسي الراحل إسماعيل الأزهري.

وأضاف “الآن مصر في مرحلة صارت فيها إحدى أدوات التحالف الأمريكي – الإسرائيلي، وصار الجيش المصري، يخدم كما مجموعة البرهان هذا التحالف، وتنعكس التناقضات الثانوية داخل هذا التحالف على مصر”.

وتابع “نلاحظ أن الأمريكيين بدأوا في تحجيم دور إسرائيل بالضغط على البرهان ومجموعة الحركات المسلحة. لذا هناك إعادة خلط وترتيب للتحالفات في ساحة الفاعلين الأجانب للوصول لحاضنة مدنية لمصالح الاستراتيجية الأمنية الأمريكية التي لديها فوبيا الروس وتسعى حثيثا أن لا تتقدم”.

وأوضح حمد في حديثه لـ(بيم ريبورتس)، أن تدخل مصر يعني محاولة خلق حلف سوداني من المجموعة التي تضررت من الاتفاق الإطاري. قبل أن يشير إلى أن الوضع لا يخدم “مصالح وطنية مصرية”.

كيف قدم طلاب كلية الطب بجامعة دنقلا نموذجاً مغايراً للاحتجاج على زيادة الرسوم الدراسية؟

 “لن نرضى بأن تكون الزيادات غير القانونية سبباً لانسحاب زملائنا عن الدراسة، أو أن يحمل ذوونا أحمالاً لا تطيقها أكتافهم”، بهذه الكلمات عبرت رابطة طلاب كلية الطب بجامعة دنقلا شمالي البلاد عن رفضها واستنكاراها لزيادة رسوم التسجيل التي فرضتها إدارة الجامعة للمرة الثانية خلال عام دراسي واحد.

لم تكتفِ رابطة كلية الطب بالاحتجاج والاعتصام كما جرت العادة في الأوساط الطلابية، لكنها ذهبت إلى وجهة تبدو غير مسبوقة، وذلك باللجوء إلى القضاء في مواجهة قرارات إدارة الجامعة.

ونجحت الدعوة التي قيدتها الرابطة ضد إدارة جامعة دنقلا، بمحكمة الطعون الإدارية، في استصدار قرار مؤقت بتعليق زيادة الرسوم إلى حين الفصل في القضية، وهو الأمر الذي وضعها في سياق فريد بالنسبة لاحتجاجات الطلاب عادةً.

وكانت إدارة جامعة دنقلا، ضاعفت في أواخر سبتمبر الماضي، الرسوم الدراسية للتسجيل للفصل الدراسي الثاني بنسبة تزيد عن 500 %، بعدما كانت قد أصدرت قراراً مماثلاً في بداية المستوى الدراسي الأول.

وتزامن الحراك في كلية الطب بجامعة دنقلا، مع قرارات مشابهة، أقرتها عدد من الجامعات ومؤسسات التعليم العالي الحكومية وتسببت في موجة واسعة من الاحتجاجات والإضرابات.

وكانت رابطة طلاب الطب، قد أشارت في بيان لها أنها تنازلت عن التصعيد في الزيادة السابقة تقديرًا لما وصفته بـ”الراهن الاقتصادي”، إذ قالت في البيان: “الزيادة السابقة تم قبولها من طرفنا تقديرًا منّا للراهن الاقتصادي ودعمًا منّا لاستمرار العملية التعليمية”، قبل أن تشير في البيان  نفسه إلى أن تنازلها عن مطلب تخفيض الرسوم، تم بعد تعهد مدير الجامعة الأسبق، بعدم إضافة زيادات جديدة في الرسوم للطلاب المسجلين.

في أواخر العام 2020م، حددت جامعة دنقلا زيادة في رسوم التسجيل من 2 ألف جنيه سوادني لتصبح 5 آلاف جنيه، ووافق الطلاب في 15 كلية على دفعها بعد تعهد المدير الأسبق للجامعة، عمر بشارة، بعدم إضافة زيادة ثانية في وقت قريب، لكن المدير الحالي للجامعة، وليد مصطفى، عاد وقرر زيادة أخرى للرسوم قدرها 5 آلاف جنيه سوداني لتصبح رسوم التسجيل بالجامعة 10 آلاف جنيه.

«الضرورات تبيح المحظورات»

في سبيل الوصول إلى حلول، عقد مدير الجامعة وأمين الشؤون العلمية وعميد شؤون الطلاب في العاشر من أكتوبر الماضي، اجتماعاً مع ممثلي الرابطة. 

لكن، في أعقاب الاجتماع، أقامت الرابطة ركن نقاش للطلاب أعلنت فيه تمسك إدارة الجامعة بموقفها في الزيادة، مع إشارتها للطلاب بأن الزيادة لن تكون الأخيرة وستستمر كلما دعت الحاجة إلى زيادة جديدة دون الاحتكام لأي لائحة مالية. وأشارت الرابطة، إلى أن الإدارة بررت خرق لائحة الجامعة، بأنه جاء بتوجيه من وزارة التعليم العالي دون تسليمهم نسخة من القرار رغم مطالبة الرابطة به في بيان أصدرته بعد الاجتماع.

ودعت الرابطة بعدها الطلاب إلى التمسك بعدم التسجيل إلى حين موافقة الإدارة على مطالبهم، واستنكرت في بيان لها تبرير المدير الحالي، وليد مصطفى، تجاوزه العهد الذي التزم به المدير السابق بعدم تحديد زيادة جديدة في مدى زمني قريب، بمقولة “الضرورات تبيح المحظورات”، كما عبرت عن رفضها في البيان لما أسمته خرق الجهات التنفيذية نص لوائح يجوز فيها الخرق لجهة تشريعية فقط.

رفض التسجيل يضمن عدالة مستقبلية للطلاب

“الزيادة غير القانونية لرسوم التسجيل قد تؤدي لانسحاب بعض الطلاب عن الدراسة، وتعاطي المسائل بأنانية محضة قد يضر بفئة مكافحة منا كانت كل رؤيتها الاجتهاد بحثاً عن مستقبلٍ أمثل لهم ولعائلاتهم”، شددت رابطة طلاب كلية الطب في بيان لها على أن تمسكها بالرفض يأتي لصالح مستقبل الطلاب الحاليين والقادمين، وأضافت في البيان نفسه:

"عدم ثبات اللوائح وتغيرها على هوى الجهات التنفيذية لا يضمن أي عدالة مستقبلية، وقد يؤدي لأضرار أجسم في مستقبل الأيام".

طعن إداري ضد إدارة جامعة دنقلا

في التاسع من نوفمبر الماضي، أعلنت الرابطة عن تقييدها بلاغ لدى محكمة الطعون الإدارية بمدينة دنقلا، ضد قرار زيادة الرسوم، في خطوة فريدة حازت على اهتمام الرأي العام وروابط الطلاب بالجامعات الأخرى والنقابيين بالمؤسسات المهنية والتعليمية والعمالية، خاصة وأن الخطوة تزامنت مع حراك كبير لهذه الأوساط ضد سياسات الدولة بما فيها الموازنة الجديدة للعام 2023م، كما سيرت موكبا إلى مباني إدارة الجامعة يرفع شعارات رافضة لزيادة الرسوم الدراسية. 

وذكرت الرابطة، أن البلاغ جاء بسبب مخالفة الإدارة البند 14/1 من لائحة الرسوم لمؤسسات التعليم العالي لعام 2018م، والذي ينص على “عدم جواز زيادة رسوم التسجيل سنوياً بما لا يتجاوز عن 10% للطالب المستمر مما دفعها للجوء للقضاء الإداري”.

وبعد 3 أيام من رفع القضية، أجرت الرابطة تصويتاً للجمعية العمومية في 12 نوفمبر الماضي للإدلاء بآرائهم حول القبول بالتسجيل بالزيادة حتى صدور الحكم القضائي، أو التمسك بخيار رفض الزيادة والاستمرار في الاتجاه القضائي، حيث صوت 559 طالباً وطالبة من أصل 681 لصالح التمسك بالاتجاه القضائي، فيما عبر 79 طالباً عن قبولهم التسجيل بالزيادة.

تعليق الامتحانات ومنع الطلاب من الدخول للكلية

من جهتها، أعلنت إدارة الجامعة تعليق الامتحانات لكل الدفعات المقبلة على امتحانات في 28 ديسمبر 2022م، بتوجيه من مدير جامعة دنقلا، كما وجهت إدارة الصندوق القومي لرعاية الطلاب بإخلاء الداخليات، وشددت الحراسة عند مدخل الكلية، وجاءت القرارات قبل صدور حكم نهائي من محكمة الطعون في القضية.

لكن الرابطة، أعلنت التصعيد، ضد قرارات الإدارة بتعليق الدراسة، ورفضت طلب الإدارة التي وجهت الطلاب بدفع زيادة الرسوم المقررة لحين البت في القضية، أو تعليق الدراسة لحين صدور القرار.

وبالفعل، أصدرت محكمة الطعون الإدارية بتاريخ 29 ديسمبر الماضي،  قراراً بإيقاف تنفيذ زيادة رسوم التسجيل لحين الفصل في الطعن.

لكن رابطة طلاب كلية الطب، أعلنت في بيان لها في الثاني من يناير الحالي، بعد اجتماع  ضم كلاً من: (لجنة أمن الولاية، لجنة ممثلة للطلاب ومدير جامعة دنقلا) لمناقشة إغلاق الكلية، أعلنت عن تنفيذها اعتصاما مفتوحاً لحين تراجع الإدارة عن قرار تعليق الدراسة بالكلية. ونوهت الرابطة، إلى أن الموضوع أصبح في طاولة المحكمة الإدارية لتفصل فيه بما يوافق صحيح القانون، لكن إدارة الجامعة اشترطت على الطلاب القبول بخيار تقسيط الرسوم وشطب الطعن الإداري، مقابل استئناف الدراسة.

ومع ذلك، نفذت الرابطة اعتصاماً استمر لثمانية أيام في الفترة من 2 -11 يناير الحالي، قبل أن تعلن رفع الاعتصام قبل أسبوع، مشيرة إلى توسط أولياء الأمور وعدد من الأعيان بين الإدارة والطلاب، وتوصلهم لاتفاق أفضى إلى استمرار العملية الدراسية وعدم تعطلها، وأعلنت بعده عن فتح باب الكلية لاستقبال الطلاب. كما أثنت على مساعي هذه الجهات الشعبية، بتعهدها بالدعم الكامل للوصول لهدف اعتماد الكلية بنهاية العام الحالي.

تسليع التعليم

“خطوة فرض الزيادات في الرسوم غير قانونية ودستورية، في ظل عدم وجود حكومة تجيز الميزانية”، يقول النقابي محجوب كناري معلقاً على حراك طلاب جامعة دنقلا. واعتبر في حديثه لـ(بيم ريبورتس)، الزيادة تسليعاً للتعليم. وأضاف: “من حق الطلاب اتخاذ الإجراءات التي يرونها مناسبة في التصعيد للقضية بما فيها الاحتكام للقانون، قبل أن يدعو المحامين للوقوف معهم إلى حين كسب القضية.

ورأى الخبير النقابي، أن إدارات الجامعات الحالية، إدارات معينة، ومتجاوزة لقوانين الجامعات في تعيين الإدارات بالانتخابات. وأوضح أن موقف إدارة جامعة دنقلا في تعليق الدراسة أثناء القضية موقف يتسق مع سياسات الحكومة الانقلابية التي قال إنها لا تهتم بالتعليم، مشيراً إلى أن موقفها شبيه بقرار إغلاق المدارس بعد إضراب المعلمين.

يشير رئيس رابطة طلاب كلية الطب بجامعة دنقلا، محمد علي، إلى أنهم استبقوا خطوتهم في التقاضي باتخاذ عدة إجراءات. ويقول إن التوجه للخطوة القانونية، يجب أن يسبقه تسليم خطابي تظلم لجهتين إدارتين، ممثلتين في وزارة التعليم العالي ومدير الجامعة، مشيراً إلى أن إدارة الجامعة ردت على الخطاب برفضها إلغاء قرار زيادة الرسوم نسبة لـ”الوضع الاقتصادي”، أما وزارة التعليم العالي فلم ترد على الخطاب.

وأشار علي، إلى أن بقية الجامعة بإمكانها المضي في نفس اتجاه طلاب كلية الطب بجامعة دنقلا، حال اتباعها الإجراءات الإدارية المشار إليها.

زيادة طبيعية

عميد عمادة شؤون الطلاب بجامعة دنقلا، محمد إبراهيم محمد قال لـ(بيم ريبورتس)، إن مسألة زيادة الرسوم طبيعية، معللا ذلك بأن زيادة رسوم التسجيل بالجامعة بدأت منذ العام 2020م، بتعديل الرسوم من 2 الف جنيه إلى 5 آلاف لكل الطلاب في الجامعة. وأضاف “في أكتوبر 2021م، تمت إجازة تحديد الرسوم لكل الطلاب في 15 كلية من قبول 2015م حتى 2020م لتصبح 10 آلاف جنيه بما في ذلك كلية الطب، مشيراً إلى أن الزيادة تذهب في طباعة البطاقة الجامعية ورسوم طباعة الامتحانات والمكتبة.

وأعلن العميد عن مبادرة قادها أولياء أمور الطلاب، طالبت إدارة الجامعة بتقسيط الزيادة ودفع الطلاب مبلغ 7.5 ألف جنيه من المبلغ الكلي 10 آلاف جنيه على أن ينظر في مسألة الـ 2.5 ألف جنيه الأخيرة لاحقاً، مشيراً إلى موافقة الجامعة على الطلب.

وفيما يخص تعليقه على لجوء الطلاب للطعن ضد قرار زيادة الرسوم، يقول إبراهيم إنه ليس الجهة المناط بها تحديد الصواب أو الخطأ وأن القضاء السوداني هو المسؤول عن ذلك.

وأكد عميد شؤون الطلاب، أن الكلية لم تقم بتعليق الدراسة بالكلية، مشيرا إلى أن التعليق المعني هو تعليق موعد الإعلان عن الامتحانات، وأضاف: “قمنا بتعليق الامتحانات بسبب ضوابط ولوائح التسجيل الذي يتم فتحه لفترة زمنية محددة والتي تنص على أن الطالب يكون طالباً متى ما استكمل اجراءات التسجيل، مشيرا إلى أن الكلية كانت قد استمرت في تدريس الطلاب إلى أن استكملت كل مقررات الفصل الدراسي، لذلك تم الإعلان عن تعليق الامتحانات.

وبرر حضور الشرطة يوم قرار تعليق الامتحانات بكونه إجراءً عادياً لتأمين الكلية، وليس الغرض منه قمع الطلاب.

لكن رابطة طلاب كلية الطب ذكرت في أحد بياناتها، أن الإدارة قصدت تضليل أمين عام الولاية في أحد الاجتماعات بتمليكه معلومات غير صحيحة، منها انتهاء المقررات الأكاديمية.

ومع استقرار الدراسة في جامعة دنقلا، رغم عدم الفصل في الطعن، توجه طلاب كلية الطب نحو التركيز على قضية اعتماد الكلية التي بدأوا الحراك فيها منذ عامين. فيما لا يزال طلاب بجامعات أخرى في الخرطوم والولايات يواصلون حراكهم بشأن قضية زيادة رسوم التسجيل للطلاب الجدد بعد الزيادات الهائلة التي أقرتها الدولة في رسوم التسجيل، وهم كما يشيرون في خطاباتهم وبياناتهم، متمسكين بالتصعيد من أجل حفظ حقوق الأجيال القادمة من الطلاب في التسجيل بأسعار مناسبة.

الاتفاق الإطاري أعاد طرحها.. هل تنجح المرحلة السياسية المقبلة في تمهيد الطريق لتحقيق العدالة الانتقالية؟

ظلت الحرب عبثًا طويل الأمد يتجرع مراراتها السودانيون منذ ما قبل استقلالهم في العام 1956م، دونما أن يُحاسب عليها أحد. ريثما يتم إطفاء حرب، تندلع أخرى جديدة، وكأنها الأسلوب الوحيد لممارسة السياسة لدى قادتها من كل الأطراف.

الشهر المقبل، تكون قد مرت 20 عاماً على بداية اندلاع الحرب في إقليم دارفور غربي السودان، ومع ذلك تبدو آثار الحرب شاخصة وكأنها اندلعت اليوم، لا في نهايات فبراير 2003م، حيث ما يزال الملايين مشردين ويسقطون ضحايا للسلاح المنتشر في شتى بقاع الإقليم، على الرغم من عقد 3 اتفاقات سلام كبيرة بين الحكومات وحركات مسلحة.

لم تنحصر الحرب في دارفور وحدها، إذ في يونيو المقبل، تكون الحرب في جنوب كردفان والنيل الأزرق (المنطقتين)، وصلت إلى عامها الثاني عشر، مخلفة بدورها آلاف القتلى والمشردين داخلياً وخارجياً.

ومع ذلك، يبدو واضحاً من خلال نمط تجارب الحرب والسلام في البلاد، أن الاتفاقات تطفئ نار الحرب الظاهرة فقط، لكنها لا تخاطب جذورها، ولا تقدم أي فلسفة تُسهم في اقتلاع مسبباتها مرة واحدة للأبد. 

إذ لطالما، مثلت اتفاقات السلام، صفقات فوقية بين أطراف الحرب، دون أن تمر على ضحاياها وتمنحهم التعويض اللازم والحقوق الواجبة، كما لم تقدم الدولة أياً من أطراف الحرب إلى المحاكمة في أحد الأيام، لتصبح مثل هكذا محاكمات، ربما مقدمة لإخماد أوار الحرب في البلاد.

مع بدء تكشف النتائج الوخيمة للحرب في إقليم دارفور، أحال مجلس الأمن الدولي ملف دارفور للمحكمة الجنائية الدولية والتي تأسست في 2002م، أي قبل عام من اندلاع الحرب في دارفور. بعد تحقيقات أجراها المدعي العام للمحكمة، وجهت الجنائية تهماً شملت عدداً من قادة الحركات المسلحة، قبل أن تطال الاتهامات مسؤولين حكوميين، على رأسهم الرئيس المخلوع، عمر البشير. إذ ما تزال، المحكمة الجنائية الدولية، هي الجهة الوحيدة التي وجهت تهماً تختص بالحرب لقادة سودانيين.

الطريق للعدالة الانتقالية

من بين الأدوات المهمة والتي تُسهم في إخماد نار الحروب، حسب خبراء، هي العدالة الانتقالية، والتي جرى تضمينها في الوثيقة الدستورية التي حكمت الفترة الانتقالية بين عامي 2019 – 2021م، بناء على اتفاق سلام جوبا. حيث بدأت الحكومة الانتقالية في صياغة “قانون مفوضية العدالة الانتقالية – قانون العدالة الانتقالية”، غير أن هذه الإجراءات شابها البطء، حتى تنفيذ انقلاب 25 أكتوبر 2021م.

ومع توقيع الاتفاق الإطاري بين قوى مدنية والجيش في 4 ديسمبر الماضي، تجدد الحديث مرةً أخرى عن العدالة الانتقالية، ومع ذلك تم تأجيل هذه القضية حتى الوصول إلى الاتفاق النهائي. يقول كبير مفاوضي تجمع قوى تحرير السودان، وأمين التنظيم والإدارة، إبراهيم موسى زريبة، إن الاتفاق الإطاري نادى بإطلاق عملية شاملة تحقق العدالة الانتقالية وتكشف الجرائم وتحاسب مرتكبيها.

وأضاف “بالنسبة لنا قضية العدالة الانتقالية قضية مركزية متكاملة، أفردت لها اتفاقية جوبا بروتوكولات متكاملة وحددت لها آليات عدة؛ أولها تسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية وكذلك إنشاء محكمة جنايات دارفور الخاصة التي تعمل في ذات نطاق المحكمة الجنائية الدولية لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية”.

"من الآليات المهمة أيضاً القضاء الوطني وهذا يقودنا لأهمية الإصلاح في المؤسسات العدلية السودانية كلها وبناء مؤسسات عدلية سياسية وتنفيذية وأمنية تحفظ تماسك واستقرار السودان"، يوضح زريبة في حديثه لـ(بيم ريبورتس).

وأشار إلى أن انتهاكات حقوق الإنسان كانت جسيمة طيلة فترة الإنقاذ التي شهدت جرائم الحرب وجرائم ضد الانسانية، وقال “إن فاجعة فض الاعتصام لا تقل فداحة عن تلك الانتهاكات، بالإضافة لجرائم قتل الثوار من الخامس والعشرين من أكتوبر 2021 وحتى الآن”. وشدد قائلاً “ينبغي أن لا يكون هناك إفلات من العقاب هذه المرة”.

مفاهيم جديدة

“مع تطاول أمد الحروبات وآثارها الكارثية، برزت العدالة الانتقالية كمفاهيم جديدة لمعالجة آثار ما بعد الحرب والنزاعات الدامية في الدولة الواحدة، وبين مواطنيها، بغرض تسوية تراكمات المشكلات التي تخلف مرارات عميقة بين المكونات الاجتماعية وانحياز الدولة”، يوضح رئيس مجلس أمناء هيئة محامي دارفور المكلف، الصادق علي حسن. قبل أن يشير إلى نموذجي رواندا والمغرب.

بالنسبة للسودان، يعتقد حسن، أن تجربة بعض المناطق مثل دارفور، تكاد تكون شبيهة لتجربة رواندا، حيث حدثت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان استخدمت فيها آلية الدولة.

وقال إن تطبيق مفهوم العدالة الانتقالية يتطلب وجود اتفاق سلام أولاً تتأسس عليه المفاهيم، وأنه من دون اتفاق للسلام سواء أكان مكتوباً أو غير مكتوب، لن تكون هنالك مرجعية لأطر يتأسس عليها تطبيق الفكرة، مضيفاً ” لذلك من السابق لأوانه الحديث عن عدالة انتقالية قبل اتفاق سلام يكون مرجعية لها”.

لافتاً إلى أن العدالة الانتقالية، هي عدالة تكميلية للعدالة القانونية المقننة، وفقاً لنظم الدولة القانونية والممثلة في أحكام المحاكم وليست بديلة عنها، وحتى تحقق نتائجها، فهذا يعني بالضرورة عدم تعطيل العدالة القانونية وتطبيقها بسلاسة لتتماشى مع العدالة الانتقالية التكميلية، وفق ما قال.

وأوضح قائلاً “وأعني بذلك اللجوء للمؤسسات العدلية القانونية وعدم تعطيلها وتحديد الجناة والضحايا والتسامي فوق الجراحات والمصالحات المجتمعية. أما إذا تأسست الفكرة على الإفلات الجنائي بشكل أساسي يظل الغبن في النفوس، وبالتالي لا يحقق مشروع العدالة الانتقالية أهدافه وتظل المشكلات والمرارات قائمة ومستمرة بمثل ما نشهده الآن بالبلاد.

“أما بالنسبة للعدالة الانتقالية الواردة في الاتفاق السياسي، فإنه شكل من أشكال الاستهبال السياسي”، يقول حسن ويشير إلى أن المطلوب الآن، هو تصحيح الأوضاع الدستورية بالبلاد أولاً والتأسيس عليه في بلورة مفاهيم لإنتاج النموذج الأمثل للعدالة الانتقالية من المجتمعات المتأثرة نفسها، وإذا حدث ذلك أتصور ستكون هنالك عدة نماذج للعدالة الانتقالية.

ورأى رئيس مجلس أمناء هيئة محامي دارفور المكلف، أن تنوع وتعدد النماذج سيمثل إثراءً للتجارب السودانية في تسوية النزاعات المجتمعية، لافتاً إلى أن النموذج الواحد لن يستجيب للنزاعات المتنوعة والمتعددة. مؤكداً أن النوع الأنسب للعدالة الانتقالية، هو الذي يلبي رغبات المتأثرين وينتج الحقيقة التي ينبني عليه التصالح المجتمعي المستدام”.

وحول دور العدالة الانتقالية في تحقيق الاستقرار، قال إن تحقيق السلام هو الذي ينهي الحرب، والعدالة الانتقالية تأتي لإزالة الغبن المتراكم بتسوية الظلامات من خلال الحقيقية والمصالحات التي تعزز العدالة التقليدية القائمة، وأقصد بذلك أجهزة إنفاذ القانون من مقاضاة أمام المحاكم وسيادة أحكام القانون.

رؤية الضحايا

تسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية وإصلاح المؤسسات العدلية في ظل دولة مدنية، يمكن أن يشكل مدخلاً للعدالة الاتتقالية. يقول الناطق الرسمي باسم المنسقية العامة للنازحين واللاجئين، آدم رجال، لـ(بيم ريبورتس)

إن تحقيق العدالة الانتقالية، لن يتم إلا في ظل حكومة مدنية تؤسس لمؤسسات مدنية تقوم بتغيير وإعادة هيكلة القوانين والسياسات السابقة لهذه المؤسسات بما فيها القضائية والعسكرية، ووضع قوانين جديدة ترتكز على كيف يحكم السودان، وليس من يحكم السودان وتستمد قوتها من الشعب السوداني.

واعتبر رجال، أن مهددات تنفيذ العدالة الانتقالية، تتمثل في عدم وجود الأمن، وعدم وجود مؤسسات ذات طابع قومي، مؤكداً على أن السلام الحقيقي لن يتم ما لم تسقط حكومة الانقلاب.

ويعتقد رجال، أن الاتفاق الإطاري الأخير لن يحقق شيئاً في قضية العدالة الانتقالية، معللا ذلك بكون الموقعين عليه هم نفس الواجهات التي فقدت ثقة الشعب السوداني من أحزاب سياسية أو قوات عسكرية انقلابية.

في المقابل، طالب رجال الحكومة الانتقالية المقبلة، أن تعتذر لضحايا الحروب نيابة عن الدولة، وقال “يجب على الحكومة القادمة إذا ما أرادت كسب ثقة الشعب والمتضررين من الحرب تجاه المؤسسات العدلية، تسليم المطلوبين للعدالة للمحكمة الجنائية الدولية، أو لدى المحاكم الأفريقية الإقليمية، أو حتى تنفيذ محاكمات وطنية بحق المطلوبين جنائياً بعد إعادة هيكلة المؤسسات السودانية.

ويضيف: أيضاً يجب على الدولة إعادة هيكلة الجيش والأمن على عقيدة وطنية جديدة وموحدة تكون مهمتها الأساسية حماية الدستور وليس قتل المواطنين السودانيين وتشكيل المليشيات.

وحسب رجال، فإن رؤيتهم للعدالة الانتقالية تتمركز في الانتقال من مرحلة الحرب للسلام الشامل الذي يتطلب من طرفي الصراع تحقيق سلام حقيقي للوصول إلى مرحلة العدالة القانونية والاجتماعية والاقتصادية، مشيراً إلى أنهم كنازحين ملوا من تجارب اتفاقيات السلام التي لا تؤدي لنتيجة، وخطابات الساعين للسلطة والمال على حساب المتضريين من الحرب.

«الجديدة» تنتهج نفس السياسات.. كيف سحقت موازنة العام «2022» مدخرات ملايين السودانيين؟

أية السماني

أية السماني

“نبشر المواطن بأن العام فيه خير، بُذل مجهود في الموازنة لخلق وظائف ودعم للقطاعين الصحي والتعليمي.. كما خصصت مبالغ معتبرة لدعم الأسر الفقيرة، وستزداد أجور الموظفين بصورة طيبة”. هكذا تحدث وزير المالية بحكومة الأمر الواقع، جبريل إبراهيم، عن موازنة العام الماضي 2022م.

غير أن حديثه لم يتحقق على أرض الواقع، بل كان عكس ما أشار إليه حيث سحقت الضرائب والجبايات والسياسات الاقتصادية عامةً مدخرات الملايين، ليضم السودانيون حديثه إلى ذاكرتهم المليئة بوعود الدولة. حيث تتجدد ذات العهود على لسان الحكومات المتعاقبة، سواءً تلك التي أتت بقوة السلاح أو بشرعية الانتخابات، ببناء نظام صحي متماسك، وإنفاق على قطاعات التعليم والصحة وغيرها من القطاعات الحيوية، بالإضافة إلى أجور تتعدى الخط الأدنى وتبشر بواقع أفضل لمعيشتهم، فيما يحدث العكس تماماً.

هكذا..مر عام على إعلان حكومة الأمر الواقع لموازنة العام 2022م والتي استغرقت وقتاً أكثر من المعتاد، إذ أعلنت بعد مضي أكثر من 20 يوماً من شهر يناير 2022م وهو الوقت المتوقع لبدء تنفيذ الموازنة والصرف على المؤسسات الحكومية.

في وقت تثور التساؤلات، ما إذا كانت موازنة العام 2023م، ستمضي في ذات نهج سابقتها بالاعتماد على الضرائب والجبايات، مع انعدام التمويل الخارجي للعام الثاني على التوالي، وهو الأمر الذي  يضاعف الضغط على المواطنين، في خضم سيل من الأزمات الطاحنة على الصعد كافة.

وكانت وزارة المالية، أعلنت في ديسمبر الماضي، أنها أودعت مشروع موازنة العام 2023م، منضدة مجلس الوزراء، مشيرة إلى أن الخطوة تأتي توطئة لمناقشته على مستوى اللجان وقطاعات المجلس المتخصصة، ومن ثم رفعه لإجازته من المجلس وفق الجدول الزمني المحدد له. ومع ذلك، أعلنت غالبية ولايات البلاد الـ18 إجازة موازناتها للعام الحالي.

بينما قال وزير المالية، إن المبلغ المرصود لموازنة العام 2023م، يصل لحوالي 5 تريليونات جنيه سوداني، مقراً في الوقت نفسه بوجود عجز في الموازنة، أشار إلى أنه لا يتخطى نسبة 15%، مع إمكانية تغطيته باللجوء إلى الاقتراض من بنك السودان المركزي.

تأخر إجازة موازنة العام 2023م، هو نفس سيناريو الموازنة السابقة والتي وضع تأخيرها الكثير من التساؤلات حول عجز الجهاز التنفيذي بالحكومة لإعدادها، إذا أجيزت في ظل وضع سياسي محتقن ومؤشرات تنذر بتراجع اقتصادي كبير وقد قدرت المالية حدوث عجز كلي في الموازنة بمبلغ (363) مليار جنيه بنسبة (1,3%) من الناتج المحلي الإجمالي يتم تغطيته من أدوات الدين الداخلي والاستدانة من بنك السودان المركزي بمبلغ (374) مليار جنيه، ومبلغ (11,0) مليار جنيه من الأصول المالية، لكن ذلك لم يمنع الحكومة من تقديم  ذات الوعود المعتادة.

وعود متجددة

بلغة غير اقتصادية وغير مدعمة بالأرقام، أعلن وزير المالية بحكومة الأمر الواقع، إجازة الموازنة، مشيراً إلى أنه تم بذل مجهود كبير فيها لخلق وظائف ودعم القطاعات الحيوية، وزيادة الأجور.

غير أن الوقائع كانت تقول أشياء أخرى، على عكس أحاديث واضعي الموازنة والقائمين عليها، حيث أن العام 2022م شهد اضطراباً اقتصادياً واضحاً تمظهر في الإضرابات المتتالية التي نفذها مهنيون وعاملون بكافة القطاعات في السودان، احتجاجاً على الأجور الضعيفة، في خضم أزمة اقتصادية طاحنة، وقد شملت الإضرابات العاملين في القطاعين الصحي والتعليمي. علاوة على ارتفاع معدل الفقر في السودان ونذر فقدان ثلث السودانيين أمنهم الغذائي بحسب تقرير صادر عن الأمم المتحدة.

موازنة بدون دعم خارجي

أجيزت موزانة العام 2022م لأول مرة منذ عقود بلا دعم خارجي، حيث اعتمدت بشكل كلي على الموارد الذاتية للدولة. وبطبيعة الحال، فإن السبب الأساسي يرجع لتجميد المساعدات المالية الضخمة التي وعد بها السودان والتي قدرت بأكثر من 4 مليارات دولار، عمل السودان حثيثا ليظفر بها خلال عامين قبل أن يطيح القائد العام للقوات المسلحة بالحكم الانتقالي في السودان في 25 أكتوبر 2021م.

رأى وزير المالية جبريل ابراهيم، وقتها أن انعدام التمويل الخارجي في الموازنة يمثل تحدياً كبيراً لكنها اعتبرها “موازنة واقعية” مضمونة التنفيذ، على حد قوله.

ومع ذلك، كانت الوزارة تأمل في أن يتم استئناف التعاون الخارجي باعتبار أن المساعدات لم تتوقف نهائيا ولكنها جمدت بسبب الأحداث السياسية وأن “المياه ستعود لمجاريها” عقب التشكيل الوزاري واستئناف نشاط مؤسسات الدولة بحسب الناطق الرسمي باسم وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي، أحمد الشريف.

التضخم

كان خفض التضخم إحدى الأولويات التي تطمح إليها موازنة العام 2022م، وبالفعل، اختتم الجهاز المركزي للإحصاء ذلك العام بنشر التقرير الدوري لحساب معدل التضخم في نوفمبر 2022م، حيث انخفضت نسبة التضخم لتصل إلى 88.83، والذي يعد انخفاضاً كبيراً مقارنة بنسبة التضخم قبل عام في نوفمبر 2021م و التي كانت 339.58.

بالرغم من أن هذه الأرقام (الرسمية) تعتبراً انخفاضاً هائلاً، إلا أن محللين وخبراء اقتصاديين لديهم تقديرات مختلفة حول هذه الأرقام، لأن غلاء الأسعار وضيق المعيشة في السودان يقابل انخفاض التضخم. مشيرين إلى أن الأرقام تشير مباشرة إلى الكساد الاقتصادي وضعف القوة الشرائية ما يعد انخفاضاً سلبياً في التضخم.

بالنسبة لمعدل التضخم المحسوب من قبل الجهاز المركزي للإحصاء، فإنه يعتمد بشكل أساسي على سلة السلع التي تستهلكها الأسر السودانية المتوسطة، وبحسب المدير العام لجهاز الإحصاء المركزي، علي محمد عباس، فإن سلة السلع التي يحسب على أساسها معدل التضخم لم تتغير منذ أكثر من عقد ونصف العقد.

تعتبر هذه المدة طويلة وقد تؤثر بشكل أساسي على مدى صحة حساب متوسط التضخم الذي يجب أن يعبر عن السلع الأساسية ومدى استهلاكها والارتفاع الذي يطرأ عليها ويؤثر على المواطنين مباشرة. وحسب محللين اقتصاديين، فإن انعدام الشفافية حول ماهية السلع المختارة في السلة، يضع الكثير من الاحتمالات حول مصداقية هذه الأرقام، كما يثير الشكوك حول إمكانية تسييس هذه الأرقام لأغراض أو لجهات بعينها.

يرى الخبير الاقتصادي، معتصم أقرع، أن استقلالية الجهاز المركزي للإحصاء ضرورية للحصول على بيانات موثوقة، ويقول:

"يجب تحويل الجهاز المركزي السوداني للإحصاء لهيئة وطنية مستقلة. ويمكن تحقيق ذلك الاستقلال عن طريق سن تشريعات ووضع ترتيبات مؤسسية مستوحاة من تلك المعمول بها لضمان استقلال القضاء واستنادا على الإرث العالمي المتعلق بأفضل الممارسات في مجال الإحصاء والبيانات"

واجهت الموازنة منذ إجازتها انتقادات واسعة وشكوك حول مدى إمكانية تنفيذها، من فئات مجتمعية وقطاعات مختلفة نسبة لاعتمادها الكبير على الجبايات والضرائب التي تثقل كاهل المواطن في الوقت الذي يواجه فيه السودانيون ضائقة اقتصادية طاحنة في ظل العجز المتوقع والمشهد السياسي المتوتر ووسط تدني الأجور في مقابل الارتفاع الهائل للأسعار.

عام جديد

بالرغم من أن موازنة العام 2023م، -لم تجز حتى الآن- إلا أن وزير المالية، قدر المبلغ المرصود للموازنة بـ5 ترليونات جنيه سوداني، كما قدر أن العجز المتوقع في الموازنة بأنه لا يتجاوز 15% مع إمكانية الاستدانة من بنك السودان المركزي. ونسبة لاستمرار تعليق المساعدات الخارجية، فقد أعدت الموازنة للسنة الثانية على التوالي بلا دعم خارجي وباعتماد كلي على الموارد الذاتية.

"موازنة العام الحالي، ستتبع ذات المنهج السابق بالمبالغة في تضخيم الإيرادات و المصروفات، ما يقود للتدهور الاقتصادي الذي تعيشه البلاد حاليا" يقول الخبير الاقتصادي، فتحي هيثم لـ(بيم ريبورتس).

ويدخل السودان العام الجديد في ظل تراجع اقتصادي ملحوظ تقاسيه البلاد، تمثل في كساد عام في الأسواق وضائقة معيشية يكابدها المواطنون في ظل انعدام استقرار سياسي وأمني في أنحاء كثيرة من البلاد بما في ذلك العاصمة الخرطوم. ويشكل الاحتقان السياسي في البلاد تأثيراً مباشراً في الوضع الاقتصادي بالبلاد وفي هذا السياق يواصل هيثم قائلاً: “إن كان للمسألة الاقتصادية أن تحل فلا بد من إصلاح سياسي يفك القيود، ويفسح المجال للعمل الجماعي والفردي”، مؤكداً أن الضائقة الاقتصادية في السودان بالرغم من طول فترتها إلا أنها” قابلة للحل.

في ظل بقاء الوضع على ما هو عليه إلى حد كبير في الصعد كافة حتى الآن، وخاصة الاقتصاد، تشير المؤشرات الأولية وتوقعات الخبراء، أن الموازنة الجديدة للعام 2023م، سوف تنتهج نفس السياسات السابقة القائمة على تمويل أنشطة الحكومة ومسؤوليها من جيوب المواطنين، وذلك من خلال الجبايات والضرائب المتزايدة يوماً بعد يوم، وهو الأمر الذي لن يسحق مدخرات المواطنين وحسب، وإنما يضعهم في مواجهة محتومة مع الفقر.  

استطلاعات لأعضاء (المقاومة) تكشف عن تحدياتهم ومواقفهم من الأحزاب السياسية

أجرى قسم (سوداليتيكا) في (بيم ريبورتس) استطلاعين للرأي استهدفا لجان المقاومة في جميع محليات ولاية الخرطوم، بشأن طبيعة دورها، والتحديات التي تواجهها في بناء منظومتها الأفقية، التي ظلت تشارك بصفة رئيسة في تشكيل المشهد السياسي والاجتماعي في البلاد، منذ اندلاع الثورة في عام 2018م. كما وقفا على آراء أعضاء اللجان الخاصة بقضايا الحكم والتحول الديمقراطي، وتصورهم لدور الفاعلين السياسيين في الفترة الانتقالية.

واستهدف الاستطلاع الأول فهم طبيعة تكوين اللجان من فئات عمرية، وتوزيع النوع الاجتماعي والمهن داخلها، ومدى فاعلية الأعضاء في المناطق المختلفة، كما تضمن جزئية لقياس آرائهم حيال الأساليب المتبعة للتنظيم الداخلي، مثل الهيكلة، وطرق اختيار وتصعيد القيادات، وطرق صناعة المواثيق، بالإضافة إلى فهم أراء أعضاء اللجان، بخصوص الدور الذي يجب أن تلعبه اللجان في مناطقها، إن كان دوراً سياسياً أم اجتماعياً أم ثقافياً أم خدمياً.

بينما استهدف الاستطلاع الثاني معرفة تصور أعضاء لجان المقاومة بولاية الخرطوم عن دور اللجان والفاعلين السياسيين في عملية التحول الديمقراطي، وقضايا الانتقال الأكثر أهمية من وجهة نظرهم، كما استهدف الاستطلاع الثاني قياس اتجاهات الرأي العام بخصوص تكوين هياكل الحكم خلال الفترة الانتقالية، على المستوى السيادي والمستوى التنفيذي والمستوى التشريعي، وآراءهم بخصوص المجالس المحلية ودور اللجان في تشكيلها، وتصور الأعضاء لمستقبل اللجان فيما بعد الفترة الانتقالية، والدور الذي يمكن أن تلعبه اللجان في ظل حكومة منتخبة. 

وجمع الاستطلاع الأول 300 عينة، منها 66 عينة من محلية الخرطوم تمثل (22 %) من مجموع العينات، و 63 عينة من محلية جبل أولياء تمثل (21 %) من مجموع العينات، و56 عينة من محلية أمبدة تمثل (18.67 %) من مجموع العينات، و45 عينة من محلية بحري تمثل (15 %) من مجموع العينات، و 45 عينة من محلية شرق النيل تمثل (15 %) من مجموع العينات، و 15 عينة من محلية أمدرمان تمثل (5 %) من مجموع العينات، و 10 عينات من محلية كرري تمثل (3 %) من مجموع العينات.

وتضمن الاستطلاع الثاني آراء 320 عينة، 80 عينة منها جُمعت من محلية الخرطوم تمثل (25 %) من مجموع العينات، و80 عينة من محلية جبل أولياء تمثل (25 %) من من مجموع العينات، و40 عينة من محلية أمدرمان تمثل (12.5 %) من مجموع العينات، و40 عينة من محلية بحري تمثل (12.5 %) من مجموع العينات، و40 عينة من محلية أمبدة تمثل (12.2 %) من مجموع العينات، و21 عينة من محلية شرق النيل تمثل (6.5 %) من مجموع العينات، و20 عينة من محلية كرري تمثل (6.2 %) من مجموع العينات.

وبيّن تحليل النوع الاجتماعي للاستطلاع الأول أن أغلبية المستجيبين للاستطلاع هم من الذكور بنسبة (69 %)، بينما مثلت نسبة المستجيبات الإناث (31 %). إضافة إلى أن أغلبية المشاركين في الاستطلاع تراوحت أعمارهم بين 20 إلى 35 عاماً، ويمثلون نسبة (81.88 %).

وفيما يخص المهن، أوضحت نتائج الاستطلاع الأول أن (37.25 %) من المستجيبين هم من الطلبة، ما يجعلهم يمثلون الفئة الأعلى وسط المشاركين بالاستطلاع، يليهم الموظفون بنسبة (18.79 %)، وأصحاب الأعمال الحرة بنسبة (15.77 %) على التوالي.

وجاء تحليل النوع الاجتماعي للاستطلاع الثاني ليؤكد أيضاً أن أغلبية المستجيبين للاستطلاع هم من الذكور باختلاف بسيط في النسب مع الاستطلاع الأول، حيث مثلت نسبة الذكور (64 %)، ومثلت نسبة الإناث المشاركات في الاستطلاع (36 %)، إضافة إلى أن أغلبية المشاركين في الاستطلاع الثاني تراوحت أعمارهم بين 20 إلى 35 عاماً، بنسبة بلغت (82.2 %).

أما بالنسبة للمهن، فبيّنت نتائج الاستطلاع الثاني، أن (42.2 %) من المستجيبين طلبة، يليهم الموظفون بنسبة (13.4 %)، وأصحاب الأعمال الحرة بالنسبة نفسها.

وخلُصت نتائج الاستطلاعين إلى أن المستجيبين يمثلون جزءًا من العضوية الفاعلة داخل اللجان، مِن ثَمَّ فإن تحليل مهن المستجيبين يمكن أن يكون مؤشراً إلى أن الطلاب والخريجين الجدد لديهم إمكانية أكبر للتفرغ لعمل اللجان أكثر من بقية أصحاب المهن الأخرى.

وكشف الاستطلاع الأول عن أن تمثيل النساء والفئات ذات الدخل المنخفض ضعيف داخل لجان المقاومة، غير أن حضور هاتين الفئتين يختلف من منطقة لأخرى، فمحليات الخرطوم وجبل أولياء هي الأوفر حظًا في عدد النساء المشاركات في عمل لجان المقاومة، بناء على رأي المستجيبين، بينما يزيد تمثيل الفئات ذات الدخل المنخفض في محليتي شرق النيل وجبل أولياء. 

واتفق غالبية أعضاء لجان المقاومة في معظم المحليات على أن الدور الأهم للجان هو الدور السياسي، ثم الاجتماعي، ويليهما الدور الخدمي، باستثناء محلية بحري، التي رأى أعضاء لجانها أن الدور الاجتماعي أو الثقافي هو الأهم، ومحلية شرق النيل التي يوجد بها تقارب كبير بين عدد الذين أجابوا بالدور السياسي والاجتماعي.

وفيما يخص دور الفاعلين السياسيين في عملية التحول الديمقراطي، رأت أغلبية المستجيبين من أعضاء لجان المقاومة، وفقاً للاستطلاع الثاني، أن اللجان يجب أن تتجه إلى البناء القاعدي، وذلك بنسبة (70.6 %)، إلى جانب الضغط على السلطة لتحقيق الأهداف المعلنة بنسبة (68.1 %)، أما نسبة المشاركين في الاستطلاع الذين أجابوا بالأدوار المتعلقة بالمشاركة في هياكل الدولة كانت (42.8 %)، وتليها المشاركة في تنفيذ خطط الحكومة الانتقالية المعلنة بنسبة (38.1 %).

وأشار فريق البحث الخاص بقسم (سوداليتيكا) إلى أن النسب الخاصة بدور لجان المقاومة في عملية التحول الديمقراطي، تتوافق مع نتائج الاستطلاع الأول المتعلقة بدور اللجان في الأحياء (دور سياسي، اجتماعي، أم خدمي)، فالنتائج كانت تصب في اتجاه دور اللجان في التوعية السياسية لسكان المناطق، وأن ثمة حاجة للتنظيم والتنسيق، بالإضافة إلى أن لجان المقاومة تختلف عن اللجان التي عُرفت بـ “لجان التغيير والخدمات”، التي كانت تختص بالدور الخدمي في الأحياء، وتعمل وفقاً لموجهات وخطط الحكومة الانتقالية التي سبقت انقلاب 25 أكتوبر.  

وأكدت نتائج الاستطلاعين أن عدداً كبيراً من أعضاء لجان المقاومة قد فقد الثقة في الأحزاب السياسية، وتحديداً فيما يتعلق بإدارة الدولة خلال الفترة الانتقالية، بيد أن الاستطلاع الثاني نوه إلى الاتجاهات الخاصة بأعضاء لجان المقاومة حيال دور الأحزاب في الفترة الانتقالية، لافتاً إلى أن (91.6 %) من نسبة المستجيبين أجابت بأن دور الأحزاب السياسية يجب أن يحصر في التجهيز للانتخابات كأولوية، ما يتضمن تركيزها على البناء التنظيمي، كما رأى (32.5 %) من المستجيبين أن الأحزاب لديها دور رقابي يتمثل في مراقبة أداء الحكومة الانتقالية، بينما رأى (21.6 %) أن الأحزاب يجب أن تشارك في هياكل الدولة في ظل الفترة الانتقالية.

واتفقت أغلبية المستجيبين للاستطلاع الثاني بنسبة (71.6 %)، أن الدور الأساس للنقابات المهنية هو التركيز على القضايا الفئوية المتعلقة بالقواعد التي يمثلها الجسم المهني، وأجاب (52.2 %) بأن النقابات ينبغي أن يكون لديها دور في مراقبة أداء الحكومة الانتقالية، بينما رأى (30.9 %) من المستجيبين أن النقابات المهنية يجب أن تشارك في هياكل الدولة، وفي الحوار السياسي.

ورأت أغلبية المستجيبين الذين يشكلون نسبة (72.5 %) أن المشاركة في تنفيذ خطط الحكومة الانتقالية تمثل الدور الأهم للمجتمع المدني، يأتي بعد ذلك الدور المتعلق بمراقبة سير الحكومة الانتقالية والذي حاز نسبة (53.4 %) من المستجيبين، وهو الدور المشترك بين جميع عناصر التحول الديمقراطي، ثم تأتي المشاركة في هياكل الدولة أو الحوار السياسي بنسبة (16.9 %) وتمثل نسبة الاستجابات الأقل فيما يخص دور منظمات المجتمع المدني، وتضمنت أغلبية الإجابات التي صٌنفت كأخرى بنسبة (7.5 %) إشارات إلى أدوار تتعلق بتعزيز الحوار المجتمعي عبر الأنشطة الثقافية والتوعوية.

وبالنسبة لقضايا الانتقال ذات الأولوية القصوى، كشف الاستطلاع الثاني عن أن الاتجاه العام وسط أعضاء لجان المقاومة يرى أن تلك القضايا على التوالي تتمثل في إصلاح المنظومة الأمنية والعسكرية، وإصلاح المنظومة الحقوقية والعدلية، والقصاص والعدالة الانتقالية.

وشددت الغالبية العظمى من المستجيبين بنسبة (93.1 %) على أن نموذج الشراكة بين العسكر والمدنيين على مستوى المجلس السيادي لا يجب أن يستمر. وأوضح عدد كبير من الرافضين للشراكة يمثلون نسبة (46.3 %) أن المؤسسة العسكرية لا يمكن الوثوق بها، وأن التجارب عبر تاريخ السودان أثبتت أن الجيش يعتبر مهدداً حقيقياً لعملية التحول الديمقراطي. ويعتقد بعض المستجيبين بنسبة (37.9 %) أن السبب وراء رفضهم للشراكة يعود إلى أن المؤسسة العسكرية ليس من صلاحياتها المشاركة في هياكل السلطة، وأنها لا يجب أن تتدخل في السياسة بصورة عامة.

بينما أشار الذين يعتقدون بإمكانية استمرار الشراكة ونسبتهم (6.9 %) إلى ضرورة إيجاد شروط لاستمرارها، من بينها القصاص للشهداء، وتحقيق العدالة الانتقالية، وعدم التدخل في مهام الحكومة التنفيذية، وأن تنحصر مهامهم في حفظ الأمن والسلام، وإصلاح المؤسسة العسكرية.

وبالعودة إلى الاستطلاع الأول، أوضح عدد كبير يُمثل نسبة (63.1 %) من المستجيبين أن التحدي الأكبر الذي يواجه بعض لجان المقاومة هو الاختراقات الأمنية، وأضافوا أن بعض اللجان تواجه إشكالية فقد الأعضاء الثقة في بعضهم بعضاً، وثمة شبه اتفاق على أن هذه الإشكالات قد تولد انقسامات داخلية، مما يعطل فاعلية اللجان وتوافقها على رؤية موحدة.

وذكر (43.96 %) من المستجيبين أن التحدي الثاني الذي يواجه اللجان يتمثل في ضعف الخبرة في العمل السياسي والتنظيمي، ثم تأتي مسألة تأخير صياغة رؤية سياسية موحدة، كإحدى العوامل التي تعيق التوافق بين عضوية اللجان بنسبة (22.48 %)، أما بقية الردود الخاصة بتشخيص التحديات التي تواجه اللجان، فأشارت إلى تدهور الوضع الاقتصادي كعامل يعيق عمل اللجان بنسبة (13.4 %)، بالإضافة إلى القبضة الأمنية، واستهداف الأعضاء من قبل السلطات بنسبة (13.4 %)، والبعد عن المجتمع والقواعد بنسبة (13.4 %).

ولفت (74 %) من المستجيبين إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي تعتبر الوسيلة الأفضل للتواصل مع المواطنين أو سكان الأحياء، بينما نوه (71 %) إلى أن المخاطبات المباشرة تعتبر الوسيلة الأكثر فاعلية وتأثيرًا في عملية التواصل مع القواعد.

وأجابت الأغلبية بنسبة (53.9 %) بأن التنسيقيات الولائية تعتبر المستوى المطلوب للتنسيق بين اللجان، تليها التنسيقيات المحلية بنسبة ( 34.3 %) ثم الأحياء بنسبة (11.8 %). 

وأوضح الذين أجابوا بالتنسيقيات الولائية أو المحلية، أن القضايا التي تستوجب هذا المستوى من التنسيق هي على الأغلب تلك التي تم وصفها بـ “القضايا القومية”، مثل توحيد المواثيق السياسية بين اللجان، وقضايا الحكم وهياكل الدولة (المجلس السيادي والتشريعي والتنفيذي). أما القضايا التي تستوجب التنسيق على المستوى المحلي، فهي الجوانب الخدمية، مثل الصحة والتعليم، وتوفير مستلزمات العيش للمواطنين، ثم تأتي بعد ذلك قضايا تكوين هياكل الحكم المحلي.

ورأى الذين أجابوا بـ “أحياء فقط”، وهو عدد بسيط نسبياً (يٌمثل 11.8% من العينات ككل)، أن هناك قضايا تحتاج إلى التنسيق بين اللجان، ولكن يمكن أن يتم ذلك عبر المكاتب المختصة بذلك مباشرة.

مرور 18 عاماً على توقيعه.. كيف غير اتفاق السلام الشامل مسار التاريخ في السودان؟

مرّت أمس الاثنين 9 يناير الذكرى الـ18 لتوقيع اتفاق السلام الشامل بين نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير والحركة الشعبية لتحرير السودان، وهو الاتفاق الذي غير مسار التاريخ في السودان، وأدى في نهاية المطاف لانقسامه إلى دولتين، لكنه في الوقت نفسه أنهى أطول حرب أهلية في القارة الأفريقية.

ونص اتفاق السلام الشامل، الذي جرى توقيعه في مدينة نيفاشا الكينية، على حق تقرير المصير، حيث صوت الجنوبيون بأغلبية ساحقة على استفتاء جرى بين 9-15 يناير 2011م، حول ما إذا كانوا يرغبون بالبقاء بدولة واحدة مع السودان، أو الانفصال بدولة مستقلة، وهو الأمر الذي تحقق بعد حوالي 6 أشهر فقط من إجراء الاستفتاء.

ففي 9 يوليو 2011م، وسط أهازيج عشرات آلاف الجنوبيين، وهم يلوحون بأعلام بلادهم، في إحدى ساحات العاصمة جوبا، طُوي علم السوداني. قبل أن يتم رفع علم جمهورية جنوب السودان الوليدة على السارية إيذاناً باستقلال بلادهم عن السودان الأم.

احتفال جنوب السودان، باستقلاله عن السودان، تم بحضور الرئيس السوداني المخلوع، عمر البشير، وعدد من الرؤساء الأفارقة والأمين العام للأمم المتحدة السابق، بان كي مون، ومسؤولين دوليين وأمميين رفيعي المستوى.

ومع ذلك، يُعتقد أن ما قاد إلى انفصال جنوب السودان، هو عرقلة حزب المؤتمر الوطني المحلول، تنفيذ بنود اتفاق السلام الشامل، كما شكّل مصرع زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان جون قرنق، في حادثة تحطم طائرة في 30 يوليو 2005، عاملاً جوهرياً في تعزيز التوجه الانفصالي لدى قادة الحركة الشعبية.

ولم يمر سوى عام واحد فقط على توقيع الاتفاق، حتى أصبح واضحاً، أنه لا يمضي قدماً. وظلت المعادلة بين الشريكين (الحركة الشعبية ـ وحزب المؤتمر الوطني المحلول) طيلة الفترة الانتقالية، تبعث على القلق حتى انقسام البلاد. فبينما كان حزب المؤتمر الوطني المحلول يمتلك القدرة على تنفيذ الاتفاق، إلا أنه كان يفتقر إلى الإرادة السياسية، في المقابل كانت الحركة الشعبية ضعيفة وغير منظمة، بالإضافة إلى تخلي المجتمع الدولي إلى حد كبير عن العمل والالتزام السياسي الذي كان بالغ الأهمية في التوصل إلى اتفاق السلام في المقام الأول.

كما تسببت وفاة زعيم الحركة الشعبية جون قرنق، في مفاقمة الوضع حيث أصبحت رؤيتها عشوائية، مقابل تخلى حزب المؤتمر الوطني المحلول عن التزاماته تجاه الشراكة، بمثل ما كان يفعل في حياة زعيمها.

PETER BUSOMOKE/AFP via Getty Images

فصول اتفاق السلام

قام اتفاق السلام الشامل على 6 فصول رئيسية و5 ملاحق، وتمثلت الفصول الستة في: اتفاق مشاكوس، اتفاق تقاسم السلطة، اتفاق تقاسم الثروة، اتفاق حسم النزاع في أبيي، اتفاق حسم النزاع في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، اتفاق الترتيبات الأمنية.

وتمثلت ملاحق الاتفاق في؛ نص اتفاق آلية وقف إطلاق النار والترتيبات الأمنية وآليات التطبيق، نص اتفاق تنفيذ بروتوكول مشاكوس واقتسام السلطة، نص اتفاق وسائل الاتفاق الإطاري لاقتسام الثروة، وسائل تنفيذ بروتوكول حل نزاع أبيي، وسائل تنفيذ بروتوكول حل النزاع في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق.

وضمن تفاصيل أبواب الاتفاق الستة والملاحق، تم منح سكان جنوب السودان حق التصويت على الانفصال في نهاية فترة انتقالية مدتها ست سنوات تطبق خلالها الشريعة الإسلامية في شمال السودان ولا تطبق في جنوبه.

فيما نصت الترتيبات الأمنية التي وقعت في 25 سبتمبر 2003م، على أن يكون هنالك جيشان خلال الفترة الانتقالية، القوات المسلحة السودانية والجيش الشعبي لتحرير السودان. أيضاً اتفق الطرفان على وقف إطلاق النار بمراقبة دولية ويسري من تاريخ توقيع اتفاق السلام الشامل. بجانب نشر قوات مشتركة في جنوب السودان وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق والخرطوم، بالإضافة إلى اتفاق اقتسام الثروة الذي وقع في السابع من يناير 2004م.

كذلك تم تخصيص نسبة 50 في المئة من صافي عائدات النفط الذي تنتجه آبار النفط بجنوب السودان لحكومة جنوب السودان في بداية الفترة قبل الانتقالية، وتحصل الحكومة المركزية وولايات شمال السودان على الخمسين في المئة المتبقية. بجانب العمل بنظام مصرفي مزدوج إسلامي في شمال السودان فيما يطبق نظام مصرفي تقليدي في جنوب السودان.

في 26 مايو 2004م، تم توقيع اتفاق اقتسام السلطة، حيث حصل حزب المؤتمر الوطني المحلول على 52 في المئة من المقاعد والحركة الشعبية لتحرير السودان على 28 في المئة، فيما حصلت أحزاب شمال السودان الأخرى على 14 في المئة وبقية أحزاب الجنوب على ستة في المئة، بجانب تولي رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان منصب النائب الأول لرئيس الدولة.

SIMON MAINA/AFP via Getty Images

كما نص البروتوكول على إنشاء المفوضية الوطنية لمراجعة الدستور والتي تألفت من ممثلين عن حزب المؤتمر الوطني المحلول والحركة الشعبية لتحرير السودان وقوى سياسية أخرى والمجتمع المدني، حيث عملوا على إعداد إطار قانوني ودستوري على أساس اتفاق السلام ودستور 1998م وهو الأمر الذي أسفر عن إجازة دستور جمهورية السودان الانتقالي في 6 يوليو 2005م.

فيما يخص الإدارة الإقليمية لشمال السودان، حصل حزب المؤتمر الوطني المحلول على 70 في المئة من المقاعد التنفيذية والتشريعية وتحصلت الحركة الشعبية لتحرير السودان على عشرة في المئة، بينما تحصلت الأحزاب السياسية في الجنوب على 20 في المئة.

بالنسبة لحكومة الجنوب، حصلت الحركة الشعبية لتحرير السودان على 70 في المئة من المقاعد الحكومية والتشريعية، فيما حصلت القوى الجنوبية الأخرى وحزب المؤتمر الوطني  المحلول على 15 في المئة لكل منهما.

فيما نص بروتوكول حل النزاع في جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق الذي وقع في 26 مايو 2004م، على اقتسام السلطة التنفيذية والتشريعية في الولايتين، حيث حصل حزب المؤتمر الوطني المحلول على 55 في المئة والحركة الشعبية لتحرير السودان على 45 في المئة، على أن يكون الحكم في الولايتين دورياً حيث يتولى كل جانب منصب المحافظ لنصف الفترة السابقة على إجراء الانتخابات.

أيضاَ تم توقيع بروتوكول فض النزاع في أبيي الذي وقع في 26 مارس 2004م، بحيث يكون السكان مواطنين لكل من شمال السودان وجنوبه، بجانب تقسيم صافي عائدات النفط خلال الفترة الانتقالية إلى ستة أجزاء؛ حيث تحصل الحكومة الوطنية على 50 في المئة وحكومة جنوب السودان على 42 في المئة، بينما تحصل كل من منطقة بحر الغزال (جنوب السودان) وغرب كردفان وسكان نجوك دينكا وسكان المسيرية على اثنين في المئة.

على أن يصوت سكان أبيي بعد نهاية الفترة الانتقالية، على الاختيار بين الاحتفاظ بالوضع الإداري الخاص في الشمال، أو الانضمام لولاية بحر الغزال وهي جزء من جنوب السودان، لكن حتى بعد مرور أكثر من 11 سنة على انقسام جنوب السودان، إلا أن أبيي ما تزال تحتفظ بوضعية خاصة.

 

في 31 كانون ديسمبر 2004م تم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار الدائم والترتيبات الأمنية وتنفيذها، حيث تنشأ وحدات مسلحة مشتركة قوامها نحو أربعة آلاف جندي وتنشر في أنحاء الجنوب والمناطق الثلاث التي كانت متنازعا عليها فيما سبق؛ وهي أبيي وجنوب النيل الأزرق وجنوب كردفان، فضلاً عن وحدة واحدة في العاصمة.

فيما يخص التمويل، تقدم الإدارة في جنوب السودان التمويل الرئيسي لوحدات الحركة الشعبية لتحرير السودان، بينما تمول الحكومة في الخرطوم الجيش الشمالي والوحدات المشتركة، خلال فترة انتقالية مدتها ستة أشهر، فيما تم ترك تمويل القوات الجنوبية في المدى الطويل ليقرره المجلس الوطني خلال الفترة الانتقالية.

أيضاً تم الاتفاق على إلغاء حالة الطوارئ المفروضة في السودان منذ عام 1999م في جميع المناطق الخاضعة لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع بين الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان، أيضاً إلغاء حالة الطوارئ في المناطق الأخرى “باستثناء المناطق التي لا تسمح فيها الاوضاع بذلك”، إطلاق سراح أسرى الحرب في غضون 30 يوماً من توقيع اتفاق السلام.

في 31 يسمبر 2004م، تم توقيع اتفاق تنفيذ البروتوكولات والاتفاقيات، حيث يضع الاتفاق الجداول الزمنية ويحدد الأدوار والمسؤوليات في تنفيذ البروتوكولات.

الحروب الأهلية واتفاقيات السلام في السودان.. ماذا تعرف عنها؟

شرارة الحرب ونهايتها

اندلعت شرارة الحرب الأهلية في البلاد، في صبيحة الثامن عشر من أغسطس 1955م، إثر تمرد قادته الفرقة الجنوبية بمنطقة توريت شرقي الاستوائية بجنوب السودان، حيث خلّف مئات القتلى من الشماليين بينهم موظفون وضباط وأطفال ونساء، في المقابل قتل عشرات الجنوبيين. 

وتفجرت الحرب، نسبة للتاريخ الطويل من المرارات وعدم الثقة بين الشماليين والجنوبيين، والتي مثلت أبرز الدوافع التي دفعت الفرقة الجنوبية للتمرد، كما أنه مثل خاتمة متوقعة لسياسات الاستعمار البريطاني، تجاه وضع جنوب السودان. 

وطريق انقسام السودان إلى دولتين، كرّسته حرب أهلية دموية قتل فيها حوالي مليوني شخص، على مدى خمسين عاماً، وسياسات وطنية واستعمارية، ومواثيق مختلفة للأطراف السودانية، بينها مقررات مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية، واتفاق السلام الشامل الذي جاء تتوجياً لبروتوكول مشاكوس 2002م بكينيا، واللذين أقرا حق تقرير المصير لجنوب السودان.

مع ذلك، ورغم نجاح اتفاق السلام الشامل، والذي أتم 18 عاماً منذ توقيعه في 5 يناير 2005م، في إيقاف الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب، إلا أن السودْانين ما يزالان يعيشان تحت وطأة النزاعات المسلحة وعدم الاستقرار السياسي. 

ففي الحروب التي أعقبت استقلاله، انزلق جنوب السودان في أتون حروب أهلية طاحنة أودت بحياة مئات الآلاف وشردت مثلهم. في المقابل، عاش السودان في دورة من الحروب الأهلية، ما قبل وبعد، ذهاب الجنوب، أودت بحياة مئات الآلاف وشردت الملايين.