بجانب أنهم لم يعملوا على تجاوز العقبة الرئيسية المتمثلة في طرح دولة قائمة على المواطنة، والتي تضمن الحقوق لكل السكان على أساس متساوٍ، في بلد يواجه بشكل مستمر شبح الانقسامات العرقية.
وتُعد قضية الهوية والنزاع على ملكية الأرض والجهوية والمناطقية، أحد أبرز عوامل تأجيج خطاب الكراهية، والذي تُغذيه من ناحية أخرى عدم وجود سياسات من الدولة لمعالجته كجذر رئيس للصراع في البلاد.
في أحداث عنف أهلي واجتماعي عديدة شهدتها البلاد منذ عام 2019م، مثل أحداث بورتسودان، كسلا الجنينة وغرب كردفان وإقليم النيل الأزرق أخيراً، مثّل خطاب الكراهية وقوداً لتلك النزاعات الدموية، سواء كان ذلك على منصات مواقع التواصل الاجتماعي أو في شكل خطابات سياسية للقادة المحليين أو السياسيين.
ومع ذلك، لم يكن من الهين تصور أن يكون القائد العام للقوات المسلحة، ورأس الدولة الحالي بحكم الأمر الواقع، عبد الفتاح البرهان، أحد صنّاع خطاب الكراهية في البلاد.
ومثّلت كلمات البرهان الذي كان يتحدث إلى مجموعة من السكان في مسقط رأسه بولاية نهر النيل شمالي البلاد، في يوليو الماضي، ذروة خطاب الكراهية، عندما تحدث على أساس جهوي بالكامل، رغم تعارض ذلك مع منصبه كقائد للجيش السوداني. أيضاً أدخلت كلماته الرأي العام في حالة من الاستقطاب الحاد وهو الأمر الذي يساهم في تأجيج خطاب الكراهية ومفاقمة النزاعات في البلاد.
لا تكف سلطة الأمر الواقع في السودان، عن الدعوة لإيقاف خطاب الكراهية، ومع ذلك، عندما يتحدث قادتها، فإنهم يثيرون الكراهية في أي اتجاه.
خلال مناسبة إطلاق سراح الزعيم الأهلي، موسى هلال، قبل عدة أشهر، أطلق قائد ثاني الدعم السريع، عبد الرحيم دقلو كلمات أثارت الرأي العام السوداني، عندما تحدث بشكل جهوي حاد في موضوع كان يتعلق بالعاصمة الخرطوم.
بينما تسيل دماء السودانيين من وقت لآخر وتبتعد الشقة بينهم بسبب خطاب الكراهية، لا يزال نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي من أنحاء البلاد المختلفة، يؤججون الصراع بتبنيهم لمزاعم ورؤى عنصرية لا تستند على أي أساس منطقي.
كما يتغذى خطاب الكراهية في البلاد باستغلال بعض الخطابات السياسية، حيث يُعد الحديث عن سكان أصليين وآخرين وافدين، من بين العوامل التي يتم استخدامها في تأجيج خطاب الكراهية، وهو من بين الأسباب الرئيسية التي تؤدي إلى اندلاع أعمال عنف.
لا يقف خطاب الكراهية في البلاد والذي يزيد من حدة التوترات المجتمعية، عند عتبة السكان المدنيين، بل استشرى حتى في أوساط القوات العسكرية، في حالات عديدة كان سبباً في تفاقم أحداث العنف، بسبب الحياد أو الانحياز أو الانحياز المضاد.
ومنذ عقود يعاني السودان من حروب أهلية أفرزت صراعات متشابكة ليس أقلها تحول مشكلات عادية إلى اقتتال دامٍ، خاصة مع انتشار السلاح لدى المواطنين، وبطء استجابة قوات الأمن.
كشف وكيل أول وزارة الإعلام والثقافة السابق، رشيد سعيد، عن اعتزام الحكومة الانتقالية مخاطبة دولتي تركيا وتونس حول وجود بعض المواقع الالكترونية التي تُدار من أراضيها وتعمل على تفكيك النسيج الاجتماعي بالبلاد، مشيرا إلى أنه سيتم اتخاذ إجراءات قانونية تجاه الشركات التي تنشر محتوى يثير الكراهية.
وقال سعيد، إن الحكومة ستتخذ خطوات قانونية بشأن الشركات التي تنشر هذا المحتوى الذي يثير الكراهية، مشيرا إلى أن بعض الصفحات في مواقع التواصل الاجتماعي ضارة وأحيانا لا يُعرف من يقف خلفها.
فيما أوضح مستشار رئيس الوزراء السابق للسلام جمعة كندة، في تصريحات سابقة، أن خطاب الكراهية والخطاب السياسي غير المنضبط هو أسلوب يتم توظيفه من خلال تضخيم الحقيقة أو إظهار الشائعة كحقيقة أو التشكيك فيها.
وقال كندة، إن خطاب معظم القادة السياسيين تحريضي إقصائي، منوها إلى أن الهدف من هذا النوع من الخطابات ديني وسياسي واجتماعي وغيره. مضيفاً “أن ذلك النوع من الخطاب يؤدي الى العنف، لذلك لا بد من خصائص ومعايير متفق عليها”.
“المشكلة ليست في تنامي خطاب الكراهية في الفترة الأخيرة، لكن توجد ثقافة التعايش معه، وبالتالي يوجد شبه إجماع بأن هذا الخطاب أصبح أكثر بروزاً بعد اتفاق جوبا وكان يجب أن يحدث العكس”، يقول كندة.
يضيف كندة “إن النزاعات العنيفة التي شهدها السودان لسنوات طويلة أدت الى تنميط المجموعات السياسية والاجتماعية وأعطت صورة سالبة للآخر تغذي خطاب الكراهية”.
وتابع “من أسباب ظهور خطاب الكراهية هو الوعي غير المرشد، كما أن المناهج محملة بخطاب الكراهية وبالتالي وجود جيل مستعد لتبني هذا الخطاب. بالإضافة إلى الانفجار المعلوماتي، وتراجع الشعور بالانتماء الوطني وتزايد الاعتزاز بالقوميات المحلية والإقليمية”، وقال “فشلنا في تقديم برنامج يجمع السودانيين حول الوطنية”.
في خضم صراع سياسي حول الديمقراطية والدولة المدنية من جهة، ومحاولة عسكرة الدولة والحياة السياسية واستعادة النظام البائد بوجوه جديدة منذ انقلاب 25 أكتوبر الماضي، ووجود اتفاق سلام هش، وغياب فصائل مسلحة رئيسية عن المشهد السياسي، صعد خطاب الكراهية إلى ذروته، حيث يتم استخدامه بكثافة لتحقيق مكاسب سياسية، الأمر الذي يزيد من مخاطر تفاقم النزاعات، في بلد ظل يرزح تحت حروب أهلية وانقسامات اجتماعية طيلة تاريخه الحديث.