Category: اجتماعي

قوات «الدعم السريع» تمزق الحياة في توتي بعد 15 شهرا من تحويلها لثكنة عسكرية

 

26 أغسطس 2024 – بعد أكثر من عام على فرض قوات الدعم السريع سيطرتها على جزيرة توتي المنطقة المدنية الواقعة في قلب العاصمة السودانية الخرطوم لم تعد تعمل فيها إلا حوالي 10 محال تجارية ومركز صحي تخدم قلة من سكانها الذين ظلوا يعيشون هناك على مدى قرون محاطين بمياه النيل من كل اتجاه. 

 

تمزقت توتي منذ مايو من العام الماضي بحكم استبدادي مارسته قوات الدعم السريع على سكانها قتلا ونهبا واغتصابا وحصارا.

 

وقال ثلاثة مصادر من سكان توتي لـ«بيم ريبورتس»، إنه يوجد في الجزيرة حاليًا حوالي 10 محال تجارية تعمل، ثلاثة منها عند المحطة الرئيسية وأربعة بالقرب من المسجد الكبير وفي فريق فور (فرق الإمام) ومع ذلك توفر سلعًا بسيطة ويعاني أصحابها في إحضار المواد. إذ عليهم الذهاب عبر النيل إلى بحري لجلبها. 

 

وتشهد توتي بشكل مستمر عمليات نهب وسرقة للسكان حيث لم يسلم منزل من قوات الدعم السريع وتضييق على المواطنين وتنفيذ اعتقالات قسرية وفرض حظر التجوال الذي عُدلت مواعيده إلى الخامسة مساءً، بحسب المصادر.

تكايا مهددة بالتوقف

 

مثلها مثل بقية المناطق المدينة المتضررة من الحرب اتخذ سكان توتي من التكايا، أسلوبًا لتوزيع الطعام على أكبر قدر من الناس.

 

والتكايا هي نظام تكافل اجتماعي يتم فيه إعداد الطعام وتوزيعه بشكل جماعي مجانا وزادت الحاجة إليها مع حالة الجوع التي تسببت بها الحرب.

 

تم فتح التكايا في توتي منذ الأسبوع الأول للحرب بتبرعات المواطنين وكانت تقدم العدس والفول بدون خبز، ولاحقًا اعتمدت اعتمادًا كليًا على أبناء الجزيرة المقيمين خارج السودان في دعمها.

لكن قوات الدعم السريع لم تكتفِ بمضايقتهم أمنيًا فحسب بل أصبح أفرادها يشاركون المواطنين في الطعام بنهبه بالقوة، وقال المصادر الثلاثة لبيم ريبورتس إن التكايا مهددة بالإغلاق.

 

وأضافت المصادر أن قوات الدعم السريع نهبت مواد تموينية تم إنزالها من قبل الجيش منها دقيق الخبز ومن ثم قامت ببيعه للمواطنين بواقع ألفي جنيه سوداني للكيلوجرام.

 ومع استمرار حصارها على المنطقة تشددت قوات الدعم السريع في إعطاء تصريحات للخروج من توتي لشراء المؤن كما منعت خروج الأسر حتى بمبالغ مالية.

مركز صحي وحيد

يوجد في جزيرة توتي مركز صحي واحد يعمل في ظل ظروف عصيبة منذ بداية الحصار. 

وبحسب المصادر، فإن الوضع في المركز الصحي مترد وسط شح في الأدوية بالإضافة إلى انقطاع الكهرباء المستمر وهو ما أدى إلى تشغيله بالطاقة الشمسية لكنها لا تكفي حاجة كل المركز.

 في وقت يوجد معمل الفحوصات خارج المركز وكان يعمل به طبيب مختبرات يتبع للدعم السريع عمل فيه لمدة سبعة أشهر ثم غادر. 

يُشار إلى أن القابلة الوحيدة التي كانت تعمل بالمركز توفت ولا توجد به طبيبة نساء وتوليد، في الوقت الحالي.

 

 ووفق المصادر، فإن عدد الأسر التي نزحت من توتي بصعوبة بسبب الأحداث 209 أسرة بينما يبلغ عدد المعتقلين في سجون الدعم السريع بسوبا والرياض 30 شخصًا بالخرطوم توفي منهم ما يزيد عن خمسة.

 في وقت لا تزال مئات الأسر التي فضلت البقاء في توتي تعايش أوضاعًا أمنية ومعيشية صعبة، بينما تواصل الدعم السريع استباحة الجزيرة. 

 

ويوم السبت قبل الماضي أشار بيان صادر عن أبناء جزيرة توتي بالخارج عن تواتر أنباء لهم تفيد بمقتل ستة من أبناء المنطقة كانوا محتجزين قسريًا في معتقلات الدعم السريع ، كما أشار البيان إلى اختطافها 25 شخصًا منهم مرضى وكبار سن بحاجة للرعاية الصحية.

 

ومنذ الأيام الأولى للحرب تحاصر قوات الدعم السريع المواطنين وتمنع الدخول والخروج من الجزيرة بعد سيطرتها على جسر توتي الأمر الذي خلف أوضاعًا إنسانية صعبةً وشح المواد التموينية والخدمات الطبية وتوفر الأغذية للسكان بل ووصل الأمر إلى صعوبة دفن الموتى.

 

وبتاريخ 31 مايو العام الماضي قالت مجموعة محامو الطوارئ إن الدعم السريع تحاصر الجزيرة لليوم الثامن على التوالي من خلال إغلاق جسر توتي بالإضافة إلى إطلاق النار على كل من يقترب من ضفاف النيل محاولاً الخروج من المدينة.

 

أيضاً ذكر البيان أن القوات أطلقت النار على أحد عمال الكمائن مما أدى إلى وفاته كما منعوا دفن الموتى في مقابر حلة حمد واضطر الأهالي إلى دفن موتاهم في الجزيرة بالإضافة إلى منعها خروج الحالات المرضية الحرجة والوصول للمستشفى.

بداية الحصار

في الأول من مايو 2023 تم دخول أول قوة للدعم السريع الجزيرة ومنع المواطنين من الخروج وبعد استيلاء الدعم على الجزيرة بأربعة أيام بدأت بوادر شح المواد التموينية بما فيها ملح الطعام، لكن سكان المنطقة كانوا يدبرون أمورهم بالخروج  بالمراكب إلى بحري، أيضاً تشهد المنطقة انقطاع الكهرباء والمياه منذ مايو 2023.  

 

مع اشتداد الحصار على الجزيرة وتقييد الدعم السريع حركة مرور المواطنين والسلع الاستهلاكية والأدوية، لجأ السكان إلى التحرك بقوارب إيجارها 5 آلاف عن طريق النيل إلى حلة حمد والصبابي وحلة خوجلي بعد دفع مبلغ 1200 أو 1800 للأسرة الواحدة بتصريح من قائد الدعم السريع في توتي.

 

ولاستجلاب المؤن الغذائية إلى المنطقة المنكوبة منذ بدايات الحرب يدفع تجار توتي مبالغ كبيرة لأخذ تصريح من الدعم السريع ليوفر لهم عربة كبيرة (دفار) توصلهم إلى السوق المركزي جنوبي الخرطوم.

وفيات واغتصاب

مع استمرار الحصار يوماً عن يوم، سجلت الجزيرة عددًا من الوفيات بسبب ضعف الخدمات وانعدام الأمن، حيث أشارت هيئة محامي الطوارئ مطلع أكتوبر العام الماضي إلى تلقيها شكاوى عن وفاة مواطنين قائلة: “الحصار أدى إلى تجويع مواطني الجزيرة ووفاة البعض نتيجة انعدام الرعاية الصحية ونقص الدواء والغذاء وتلقينا شكاوى أكدت وفاة ثلاثة مواطنيين بينهم طفلة مصابة بالسكري ولم تحصل على جرعة الأنسولين.

 

“إن أهل الجزيرة صبروا على نهب ممتلكاتهم وسياراتهم والتضييق لكن الأمر تجاوز الحدود عندما وصل لانتهاك الأعراض والحرمات ولا ينبغي السكوت عليه”، قال إمام مسجد توتي خلال خطبة صلاة عيد الفطر الماضي في أعقاب قيام أفراد من الدعم السريع باغتصاب  فتاة تحت تهديد السلاح في التاسع من أبريل الماضي.

 

واعتدت الدعم السريع على المواطنين السلميين الذين تجمعوا في مسجد توتي للاحتجاج على الحادثة والتطورات الخطيرة لقوات الدعم السريع بحقهم مما تسبب في مقتل طفل وإصابة 6 آخرين.

 

واستمرت الأوضاع كما هي في توتي حتى لحظة استعادة الجيش السوداني مقر الإذاعة والتلفزيون في أم درمان بعد نحو 11 شهراً من القتال، حيث كثفت الدعم السريع بعدها عملياتها في توتي وفق ناجين من الجزيرة تحدثت معهم بيم ريبورتس ونفذت اعتقالات كثيرة وبلغ عدد المتوفين جراء الحصار وانعدام الرعاية الصحية  حوالي 100 شخص.

 

وتقع جزيرة توتي عند نقطة التقاء نهري النيل الأزرق والأبيض في العاصمة الخرطوم وتحيط بها  مدن العاصمة الثلاث وتبلغ مساحتها تسعمائة وخمسين فدانًا وتشتهر بجمال الطبيعة الخلاب وتتميز بشواطئها ذات الرمال البيضاء.

«15» شهراً من بدايتها.. كيف تطارد محنة الحرب اللاجئين السودانيين في مصر؟

 «انفتح باب مفوضية تسجيل اللاجئين، وتوجهت الموظفة بالحديث إلينا، نحن مئات المتكدسين منذ الصباح الباكر أمام وحول مبنى المفوضية، وقالت بكلمات قليلة حفظناها من شدة التكرار: أكتمل العدد لليوم، وعليكم القدوم غداً للحصول على موعد آخر».

 

هذا ما قاله عامر الهادي – اسم مستعار- ، في إفادته لـ«بيم ريبورتس» عن معاناته المستمرة لأربعة أشهر، وذلك بعد دخوله مصر هو وأسرته عن طريق الحدود البرية بين البلدين، وذلك هرباً من وطأة الصراع المستعر في السودان، بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ الخامس عشر من أبريل 2023.

 

فمع بداية الحرب آثرت أسرة عامر البقاء في منزلها بأم درمان (حي الفتيحاب)، ولكن بعد أشهر من اشتداد وطأة الصراع وصعوبة الحصول على علاج والده المريض بالقلب، ووصول الاشتباكات المسلحة إلى حيهم، قرروا أخيرًا الخروج من منزلهم والذهاب إلى الولاية الشمالية التي لم يكن فيها الوضع مختلفًا كثيرًا في صعوبته، وربما أكثر قسوة في الحصول على مسكن مع غلاء الإيجارات ومحدوديتها، علاوة على انتفاء مصادر الدخل والعمل، الأمر الذي حدا بهم لأن يقرروا أخيرًا السفر إلى القاهرة عبر الطريق البري.


واليوم، مع دخول الحرب عامها الثاني، فإن التقارير تفيد بأن هناك 5 ملايين سوداني على حافة المجاعة، بينما 18 مليون يواجهون الجوع الحاد، في أزمة إنسانية جسيمة تقع على عاتق السودانيين والسودانيات بشكل يومي، وهو ما يجعل الوضع الإنساني في السودان يوصف بالمأساة، وقد قدرت الأمم المتحدة أن تكلفة الاستجابة لهذه الأزمة يقدر بحوالي 2.7 مليار دولار، لم يتوفر ويدعم منها سوى 6% فقط من إجمالي التكلفة الكلية.

الحرب والشتات

تسببت الحرب في تهجير ما يزيد عن 10 ملايين سوداني من منازلهم، وبحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة والمنظمة الدولية للهجرة، فإن عدد الذين عبروا حدود السودان إلى دول الجوار المختلفة (مثل مصر وتشاد وجنوب السودان وإثيوبيا وجمهورية إفريقيا الوسطى) يزيد عن الـ 1.8 مليون سوداني، منهم 500 ألف وصلوا مصر حتى تاريخ أبريل 2024، في رحلاتٍ واجهوا فيها مخاطر جمة في رحلات نزوحهم، بدءاً بالخروج من أحيائهم ومدنهم التي تشهد اشتباكاتٍ مسلحة، من انتشار للجنود المسلحين ونقاط التفتيش، وتعطل الخدمات المصرفية وانعدام السيولة.

 

 علاوة على شح الوقود وارتفاع أسعار تذاكر السفر البري إلى 10 أضعاف، وليس انتهاءً بالمتطلبات والإجراءات الحدودية التي وقفت عائقًا أمامهم في المعابر الحدودية بين السودان ومصر.

 

 في مدينة حلفا ومعبر أرقين البري، حيث تكدس المواطنون في انتظار الحصول على تأشيرة، وسط أوضاع مأساوية وشكاوى من تردي الخدمات وبطء الإجراءات المطلوبة للدخول، والتي استغرقت  لبعض الأشخاص أكثر من شهر ولم يتمكن البعض الآخر من إكمال إجراءاته.


 وهنا حيث ظهرت بدائل غير رسمية أخرى لعبور الحدود، خاصة مع توقيف الخارجية المصرية التعامل بوثائق السفر المؤقتة، والتي كانت هي الأمل الوحيد للسودانيين الذين لم يتسن لهم تجديد جوازاتهم أو إحضار مستنداتهم الرسمية اللازمة للسفر.

الطريق إلى مصر قبل الحرب

كان تنقل المواطنين السودانيين والمصريين بين البلدين يسيرًا ولا يتضمن تعقيداتٍ كبيرة، خاصة ضمن اتفاقية الحريات الأربع، الموقعة بين البلدين في العام 2004، والتي تكفل لمواطني البلدين حرية التنقل والعمل والتملك. 

ووفق هذه الاتفاقية فإن كافة النساء، والفتيات السودانيات في عمر أقل من 16 والرجال فوق عمر الـ 49 معفيون من الحصول على تأشيرة من أجل التواجد في الأراضَ المصرية، بينما تحصل عليها الفئات الأخرى من القنصلية المصرية في السودان.

 

لكن مع بداية تدفق اللاجئين السودانيين إلى مصر، علاوة على وجود لاجئين من دول أخرى، وبعد أربعة أشهر من اندلاع الحرب في السودان، أصدر رئيس الوزراء المصري في نهاية أغسطس 2023، قراراً بالرقم 3326، والذي يلزم جميع الأجانب الذين دخلوا إلى مصر بطريقة غير رسمية  بضرورة توفيق وتقنين أوضاعهم في غضون ثلاثة أشهر.

 ولكن بعد اندلاع الحرب في السودان، في 15 أبريل 2023، استحدثت الحكومة المصرية إجراءات جديدة فيما يخص دخول السودانيين إلى مصر، حيث فرضت على كل السودانيين، في أواخر شهر مايو 2023، ضرورة الحصول على تأشيرات دخول مسبقة.


وبالرغم من مناشدة جهات دولية السلطات المصرية بضرورة تسهيل عبور الفارين من الحرب للحدود، وعدم وضع العراقيل أمامهم، إلا أن السلطات المصرية، منذ سبتمبر 2023، شنت حملة اعتقالات قسرية على اللاجئين السودانيين ورحلتهم إلى السودان، دون اتباع الإجراءات الواجبة أو إتاحة أي فرصة لطلب اللجوء، حيث تشير التقديرات إلى أن حوالي 3 ألف لاجئ سوداني رحلوا من مصر إلى السودان في شهر سبتمبر 2023.

الحصار الداخلي وزيادة النزوح

مع دخول الحرب في السودان عامها الثاني، واستعار الاشتباكات المسلحة وانتقالها إلى مدن ومناطق جديدة (مدني والنيل الأبيض وسنجة وسنار) يجد الملايين من السودانيين في ولايات وأقاليم السودان المختلفة أنفسهم محاصرين بالمجاعة والعنف وعدم الأمان وغياب الوسائل المعيشية والخدمات الصحية، والسؤال الأكثر الحاحاً: إلى أين نذهب؟. 

 

وبرغم أن هذا السؤال كان حاضرًا منذ انطلاق الرصاصة الأولى للحرب في العاصمة السودانية، الخرطوم، إلا أن الإجابات عنه، والاستجابة له كانت متفاوتة وترتبط بالوضع الاقتصادي والاجتماعي للأسر والأفراد المختلفين، وهو ما جعل من عمليتي النزوح واللجوء موجات مختلفة ومتباينة. فالذين كان لهم القدرة إلى اللجوء في بدايات الحرب لم يواجهوا التعقيدات الحالية، والتي تتوقع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن تساهم  في تدفق 860 ألف لاجئ وعائد من السودان في الشهور المقبلة.

احتجاجات واعتقالات في ظروف قاسية

بدأت الاعتقالات التي يتعرض لها السودانيون بعد الحرب منذ سبتمبر من العام الماضي، وذلك بعد القرارات الجديدة التي انتهجتها السلطات المصرية، حيث تعرض السودانيين للاعتقال أثناء سفرهم بعد دخولهم الحدود المصرية، في محافظة أسوان، ومن المستشفيات التي كانوا يتلقون فيها العلاج جراء إصاباتهم في حوادث سير. وزادت حدة الاعتقالات في الشهور اللاحقة لتشمل حتى الذين ينتظرون مواعيد تسجيلهم في مفوضية اللاجئين، وأعيدت أعداد كبيرة، قدرتها منظمة العفو الدولية بـ 800 شخص إلى السودان، دون امتلاك حق الإستئناف أو الاعتراض على هذا الترحيل.

كيف أصبحت «فاشر السلطان» العاصمة التاريخية لدارفور محط أنظار السودانيين؟

20 يوليو 2024 – في لحظة فارقة من أزمنة السودانيين القاسية، أصبحت مدينة الفاشر عاصمة دارفور التاريخية، محط أنظار السودانيين منذ مايو الماضي وسط حرب مشتعلة للشهر السادس عشر على التوالي توزع الموت والنزوح واللجوء والخراب على سكان 11 ولاية من أصل 18 تشكل السودان.

الفاشر، عاصمة السلطان علي دينار، الحاكم القوي وآخر سلاطين مملكة الفور والذي لجأ إلى جبل مرة واغتيل هناك في عام 1916 ببنادق الجيش الانجليزي الغازي، بعد هزيمة جيشه في معركة برنجية على تخوم الفاشر، وهي أحد أحياء المدينة حاليًا.

 ومع ذلك، ظلت مدينة الفاشر، مركز دارفور التاريخي، مكانًا رحيبًا يضم الأعراق السودانية بلا تمييز ويصهر مجتمعها. وهكذا؛ تمضي فيها الحياة، كفضاء مكاني غارق في المحبة والفنون تشده الذكريات إلى تاريخ إداري تليد وتقاليد للدولة استمرت لقرون، كان مجلس سلطانها الحربي، يتشكل من جميع الأعراق، ويوزع قمع سلطته القابضة حينها على الجميع.

وضمن إرث الدولة في سلطنته، أنشأ السلطان علي دينار الحدائق العامة وشق الطرقات ومجاري المياه وسك العملة في إطار نظم إدارية للدولة الحديثة.  

ويشكل إقليم دارفور المنكوب منذ أكثر من عشرين عامًا 20% من مساحة السودان ويعيش فيه نحو 14% من سكان البلاد البالغ عدهم نحو 42 مليون نسمة.

فيما تحتل مدينة الفاشر موقعًا استراتيجيًا في شمال دارفور، فهي حاليًا تعتبر المدينة الكبيرة الوحيدة التي يمكن الوصول إليها من مدن شمال السودان مثل الدبة، نظرًا لقربها الجغرافي من تلك المناطق، وبالتالي فهي تعتبر المدخل الوحيد لقوافل المساعدات الإنسانية القادمة من ميناء بورتسودان – على ساحل البحر الأحمر – الذي يستقبل المساعدات الخارجية في الوقت الحالي، ومن ثم يتم نقل المساعدات منها إلى بقية أرجاء الإقليم.

جغرافيًا، تحدها من الغرب دولة تشاد، ومن الشمال ليبيا، ما يجعلها في موقع استراتيجي عسكري للجهة التي تسيطر عليها، خاصة في ظل وجود فصائل مسلحة وقوات سودانية داخل حدود الدولتين الجارتين.

وبعد سقوط مدن: «نيالا، زالنجي، الجنينة والضعين» على التوالي في يد الدعم السريع نهاية العام الماضي، تضع الدعم السريع أعينها حاليًا نصب الفاشر حتى تبسط سيطرتها على كامل إقليم دارفور عدا منطقة جبل مرة التي تخضع لسيطرة حركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور

لذلك، تسعى الأطراف المتقاتلة إلى فرض سيطرتهما على الفاشر نظرًا لأهميتها الاستراتيجية البالغة في دارفور إذ تعد بوابة بحكم موقعها الجغرافي، حيث تقع على بعد 195 كيلو مترًا شمال شرق نيالا وتربطها طرق رئيسية، بمدن: أم كدادة والجنينة وبها أهم وأكبر مراكز النزوح مثل أبوشوك وزمزم والسلام ما يعزز من أهميتها الإنسانية واللوجستية.

مدخل مدينة الفاشر، الصورة: مواقع التواصل الاجتماعي

مولد الفاشر

بعد تداعي حكم السلطان علي دينار، في عام 1916، حافظت الفاشر الواقعة في شمال دارفور والقريبة من دولتي تشاد وليبيا ومصر عبر الصحراء الكبرى والطرق البرية، على ذلك العالم الإداري والاجتماعي والروابط الاجتماعية ونما شعبها بشكل مثالي متحدًا ومتماسكًا. ومع دخول التعليم الحديث، ما فتئت الفاشر تقدم أبنائها وبناتها لعموم السودانيين في المجالات العلمية والإدارية والطبية والتجارية، لتنصهر مرة أخرى مع عموم السودان.

وبحسب مؤرخين فاشريين، فإن نشأة الفاشر كانت في نهايات القرن السابع عشر، وتميزت بأنها كانت عاصمة لسلطنات متعددة وفي العهد الحديث كانت عاصمة لمحافظة دارفور قبل الحكم الإقليمي في عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري. ثم توسعت لاحقًا وازدادت كثافتها السكانية بسبب النزوح إليها من القرى المجاورة لها هربًا من المجاعات والحروب.

كما اختلفت الروايات وتعددت حول معنى واسم الفاشر إلا أن أكثرها شيوعًا وأقواها حجة تلك التي تذهب إلى أن اللفظ يعني مجلس السلطان، كما ورد في الأعمال الأدبية والغنائية بالسودان مثل الأغنية التراثية التي تقول في «..الفاشر الكبير طلعوا الصايح» أي مجلس السلطان الكبير، والفاشر أبو زكريا، أي مجلس السلطان زكريا بن محمد الفضل والد علي دينار.

وفي السياق نفسه، عرفت الفاشر بأنها مكان إقامة السلطان أو قلعته. فهناك عدة فواشر منتشرة في دارفور مثل «فاشر قرلي» التي بناها السلطان تيراب في منطقة جبل مرة، كما شيّدت فواشر في المناطق المجاورة لها في الغرب الأوسط لإفريقيا.

وهناك رواية تقول إن الفاشر هو اسم الوادي الذي تقوم على ضفتيه المدينة بمعنى الفاخر.

وتلقب الفاشر كذلك بالفاشر أبو زكريا نسبة إلى الأمير زكريا والد السلطان علي دينار الذي كان له فضل كبير في تطويرها. ويعود تاريخ الفاشر العريق إلى أيام السلطان عبد الرحمن الرشيد ( 1787ـ 1802 ) والذي اختار رهيد تندلتي موطنًا لمملكته قبل أن يتحول اسمها إلى الفاشر.

الميارم يلعبن دورًا كبيرًا في مجتمع الفاشر، الصورة: مواقع التواصل الاجتماعي

ميارم السلطنة

كانت النساء في الفاشر في ذلك العهد، عهد السلطان علي دينار ذوات وجود وتأثير واضح المعالم، حيث توجد الميارم وهن نسوة قويات شكلن شبكة من النفوذ الاجتماعي والسياسي في عاصمة سلطنة الفور الأخيرة، وأشهر الميارم هي ميرم تاجة شقيقة السلطان علي دينار.

يقول الباحث في التراث الدارفوري، محمود الشين، إن الميارم هن العنصر النسائي في منزل السلطان ويتم إعدادهن من تنشئة وتربية على نسق نساء الدولة في العصر الحديث.

مضيفًا “لكن ما يميزهن في هذا الجانب هو الإلمام بكافة تقاليد وقيم المجتمع لأن المرأة في سلطنة الفور مسؤولة عن إعداد وتنشئة رجال الدولة بما في ذلك السلاطين أنفسهم”.

وأكد أن لقب ميرم أطلق علي سائر النساء اللائي يبدعن في إعداد وطهي الطعام، مشيرًا إلى أنها جزئية ضئيلة من مهامها الكبرى.

لكن مع مرور الزمن أصبح لقب ميرم مماثلًا للقب الكنداكة في شمال السودان، والمرأة السودانية عمومًا. 

«نكاد نجزم بأنه لا توجد قبيلة في السودان ليس لها امتداد أو تمثيل مقيم في مدينة الفاشر ومنذ عهد قديم» يقول الدكتور جبريل عبد الله أحد أشهر المؤرخين للفاشر عن مجتمعها في كتابه (من تاريخ مدينة الفاشر)، ويتابع «أما تاريخها الاجتماعي يمكننا وصفه بالتمازج والتداخل».

وتعتبر الفاشر مدينة المصاهرات المفتوحة وبها ذابت الحدود القبلية وصار أهلها يعرفون بعضهم على اختلاف قبائلهم، إذ استقرت مكونات إثنية عديدة أتت من مختلف مناطق الإقليم، وهو ما جعل مجتمعها متراحمًا ومتواددًا يرحبون بالضيوف الوافدين إلى مدينتهم للخدمة المدنية أو العسكرية، أو لأجل التجارةـ أو أية أغراض أخرى حتى صار بعضهم جزءًا من نسيجها الاجتماعي.

ومع مرور الزمن تشكل مجتمع الفاشر وحيواتها بما في ذلك من فنون ورياضة وسياسة ومسرح ودور تعكس ذلك لتنطلق في عملية تنمية بطيئة ككل السودان وخاصة أركانه البعيدة عن مركز السلطة في الخرطوم. وكما غيرها من المدن السودانية، ظلت بمنأى عن العنصرية والقبلية، وإنما تعكس قيمها الاجتماعية وفاشريتها فقط.

وفي أعقاب اندلاع حرب دارفور الأولى في السابع والعشرين من أبريل عام 2003، اهتز أمان وأمن الفاشر للمرة الأولى منذ عقود حين نفذت حركات مسلحة هجومًا على مطارها الدولي كإعلان لتمردها على السلطة المركزية، لكن سرعان ما عاد إليها هدوئها كمجتمع، رغم القبضة الأمنية الباطشة لنظام الرئيس المخلوع، عمر البشير. 

ورويدًا رويدًا تم ربطها بطريق بري بالعاصمة الخرطوم، وأصبحت أنديتها لكرة القدم أحد أعمدة الدوري السوداني الممتاز لكرة القدم، حيث شهد استاد النقعة ملاحم كروية وألتراسات صاخبة، وكانت فرق الخرطوم الرفيعة مثل الهلال، المريخ والخرطوم، تخشى ما تخشاه، أن تحل باستاد النقعة، حيث الهزائم المتتالية لها.

التعليم والفنون في الفاشر

قصر السلطان علي دينار، الصورة: مواقع التواصل الاجتماعي

تعتبر دارفور(أرض التقابة) وهي نار توقد من الحطب في الخلاوى مساءً لتعين الطلاب على حفظ القرآن بضيائها، والفاشر باعتبارها إحدى أهم مدن الإقليم، كان التعليم فيها قرآنيًا وانتشرت فيها خلاوى تحفيظ القرآن وتعليم علومه للتلاميذ، وهو من بين أقدم نظم التعليم التقليدي في السودان ككل.

وتأسست أول مدرسة فيها في العام 1916 وهي مدرسة المزدوجة الأولية ثم المدرسة الأهلية الوسطى الأميرية ومدرستي دارفور والفاشر الثانويتين وازداد عدد المدارس بعدها بإزدياد كثافة السكان، ثم أتت جامعة الفاتح من سبتمبر كهدية من الحكومة الليبية قبل أن يتم تغيير اسمها إلى جامعة الفاشر.

ويوجد بالفاشر عدد من المسارح منها مسرح نادي الفاشر وتم تحويل اسمه إلى مسرح (المجمع الثقافي)، ومسرح القيادة، إضافة إلى المسارح المدرسية، وتوجد بها عدد من الفرق المسرحية، بينها: (فرقة فنون دارفور) بإوركسترا كاملة ومغنيها العديدين الذين تغنوا بأغانيهم الخاصة من التراث الشعبي.

وكتب أبناءها وبناتها الشعر باللغات المحلية والعربية، ومنهم الشاعر عالم عباس وشقيقه حافظ، والدكتور محمد الأمين “سيكا “، وعايدة أحمد عبد القادر “ننيه”، وعواطف إسحق وأستاذ الصافي.

ومن الشخصيات العامة أيضًا الطبيب الجراح، إبراهيم حسن، الشهير بـ”كوجان” والذي كتب رواية (خور جهنم)، وأيضًا هناك المحامي محمد بدوي الذي كتب كتابًا من ثلاثة أجزاء أسماه “وجوه ” وثق فيه التاريخ الاجتماعي لشخصيات عاشت في الفاشر في مختلف الحقب. 

وتعتبر الفاشر من أبرز المدن التاريخية في السودان، وتشمل أهم معالمها، قصر السلطان علي دينار ويضم مركزاً لتحفيظ القرآن ومسجدًا ومكتبة الكترونية، بالإضافة إلى آبار حجر قدو وهناك مقولة مشهورة بحقها، وهي: “من شرب من مياه آبار قدو لا بد أن يعود ويشرب منها مرة أخرى”. أيضًا، من ضمن معالمها  الفولتيين الكبيرة والصغيرة ، سجن خير خنقا، سوق المواشي الخاص ببيع اللحم المشوي والطازج، وسوق أم دفسو الخاص بالفواكه الناتجة من جبل مرة، وأشهر ما يباع به ” المرس، الكول، السمن الطبيعي وعسل الجبل”، وسوق المدينة الكبير وبه المحال التجارية والمقاصف والدكاكين وبرج الفاشر.

أيضًا توجد أسواق أخرى مهمة مثل: (سوق الخضار، ، سوق نيفاشا، سوق المواسير والسوق المركزي).

على مستوى التجارة الحدودية، كانت الفاشر بمثابة مركز تجاري بين السودان ودول غرب إفريقيا، واشتهرت بتصدير البضائع.

وتصل البضائع والمؤن إلى الفاشر عبر الحدود مع دول غرب إفريقيا، ومن مدن أخرى في إقليم دارفور، وعبر الشمال بطريق الدبة ـ مليط.

صورة جوية لمدينة الفاشر، تصوير: محمد زكريا

عام من الحصار وأسابيع من اشتداد الحرب

يُسرع الزمن بالسودانيين وهو يحمل في جوفه المخاطر لتنفجر الحرب في الخرطوم في أبريل 2023، أي، بعد عشرين سنة تمامًا من اندلاع حرب دارفور، لتنتقل إلى إقليم دارفور، لكنها لم تصل إلى الفاشر بشكل قوي إلا في مايو الماضي، حين بدأت قوات الدعم السريع شن هجوم غير مسبوق على المدينة بهدف الاستيلاء عليها بقوة السلاح.

وعلى مدار أكثر من شهرين، تحولت الفاشر إلى محرقة استثنائية، بعدما حول القصف المدفعي الذي تشنه الدعم السريع على أعيانها المدنية، تلك البنية التحتية التي بنيت على مدار عقود من الزمن إلى رماد، وفر مئات الآلاف منها، وأصبحت العاصمة الغنية والواقعة تحت الحصار بحاجة إلى أن تطعم أطفالها وشيوخها ونسائها وكل شعبها، ولم يكن أمامهم سوى التكايا التي تحول الطعام إلى كونه حق للجميع.

والآن، تحت رماد الحرب، يحاول الجيش والقوة المشتركة والمتطوعين للدفاع عن آخر معاقل الدولة المركزية الكبرى في إقليم دارفور وسط سيل هجمات عنيفة تشنها الدعم السريع. كما أن حرب الفاشر، تعكس وجهة نظر سياسية أخرى، فبالحفاظ عليها، يعني ذلك عمليًا عدم قدرة الدعم السريع على إنشاء سلطة كاملة ومستقلة في إقليم دارفور، على غرار النموذج الليبي.

وكانت الفاشر ظلت على مدار حوالي عام تحت الحصار الذي تضربه عليها قوات الدعم السريع من حوالي ثلاثة اتجاهات خاصة بعد استيلائها على عواصم الإقليم الأخرى نهاية العام الماضي.  

وفي أواخر أبريل الماضي يبدو أن صبر قوات الدعم السريع قد نفد في محاولتها للسيطرة على كامل إقليم دارفور الذي تعادل مساحته مساحة الجمهورية الفرنسية، لتبدأ في حشد قواتها من جميع أماكن سيطرتها في أنحاء البلاد المختلفة في تخوم العاصمة الأخيرة في إقليم دارفور الخاضعة للسلطة المركزية.  

وقبل بدئها الهجوم المباشر على الفاشر، شنت الدعم السريع هجمات على ما يزيد عن 12 قرية غرب الفاشر، شملت قرى: (درماء، ازباني، كارو، جروف، حلة محمد علي ، حلة عبد الله، سرفاية، حلة خميس، ام عشوش، تركينية، جخي، ام هجاليج، جقي مقرن، جرونقا) ونزح جراء تلك الهجمات غالبية سكانها إلى مخيم زمزم بالفاشر وبلدة شقرة ومحلية طويلة.  

وتزامنًا، مع بداية تحركات الدعم السريع في اتجاه الفاشر، انطلقت التحذيرات الأممية والدولية لها بتجنب الهجوم على المدينة التي كانت مركزًا رئيسيًا لتوزيع الإغاثة والمساعدات. وحذرت الولايات المتحدة أطراف النزاع المختلفة من مغبة محاولة السيطرة على مدينة الفاشر، فيما أبدى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش قلقه من هجوم وشيك محتمل على الفاشر، مشيراً إلى أن القتال سيؤدي إلى توسيع نطاق الصراع على طول الخطوط القبلية في أنحاء ولايات دارفور الخمس.  

بينما اعتبر المبعوث الأمريكي للسودان توم بيريلو في حسابه على منصة إكس إن الهجوم على الفاشر سيضيف زيتاً على النار التي تحرق السودان.

 أيضًا، حذر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة من أن نافذة الوقت تضيق أمام مساعي منع حدوث مجاعة في هذه المنطقة الشاسعة، وحذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسيف” من خطر يتهدد حياة ورفاه 750 ألف طفل في الفاشر وربما ملايين آخرين في حال شن هجوم عسكري وشيك على المدينة. وقالت إن تصاعد القتال في الولاية تسبب في خسائر بشرية مميتة بين الأطفال مشيرة إلى مقتل مالا يزيد عن 43 شخصاً بينهم أطفال ونساء في فترة أسبوعين.

ومع اشتداد حدة الصراع في مايو الماضي، أعلنت وزارة الصحة في الولاية عن مقتل  38 شخصاً وإصابة 280 في هجوم قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر بعد يومين من الاشتباكات الحادة بتاريخ 13 و 14 مايو، قبل أن يرتفع عدد الضحايا لاحقًا إلى مئات. كما تأثرت عدد من المستشفيات وخرجت عن الخدمة بينها مستشفى الفاشر للأطفال الذي تعرض لغارة جوية من الجيش 13 مايو، تسببت في انهيار سقف وحدة العناية المركزة ومقتل طفلين وفق ماذكرت منظمة أطباء بلا حدود.

ومع استمرار القتال يومًا عن يوم خرجت جميع المرافق الطبية في الفاشر عن الخدمة بعد تعرضها للاستهداف بغارات جوية للدعم السريع، لكن في المقابل ظلت أيادي المتطوعين والخيرين تحاوط المراكز وتقوم بعمليات صيانه وترميم عديدة وإنشاء عيادات جديدة رغم القصف.

تسلسل زمني للصراع الحالي في الفاشر

بدأت محاولات الدعم السريع للهجوم على المدينة منذ شهر مايو 2023 إذ تم رصد أول محاولة في نهاية الشهر وأعلن الجيش عن صده الهجمة.

  • تلا هذا الهجوم العديد من الهجمات الأخرى، ففي منتصف سبتمبر شنت قوات الدعم السريع هجومًا آخر أعلن الجيش تصديه له وقتل 30 من أفراد القوة المهاجمة.
  • شهدت الهجمات تغيرًا في استراتيجية الدعم السريع، ففي نهاية أكتوبر شنت القوات هجومًا على قيادة الجيش في الفاشر باستخدام الطائرات المسيرة، مصحوبًا باشتباكات بالأسلحة الثقيلة في عدد من الأحياء شمال شرقي المدينة. أدى هذا الهجوم إلى موجة نزوح نحو المناطق الآمنة في وسط المدينة وخارجها. 
  • تفاقمت أزمة النزوح في الفاشر بعد إعلان الدعم السريع سيطرته على حاميات الجيش في نيالا وزالنجي والجنينة، حيث أصبحت الفاشر تؤوي عشرات الآلاف من المواطنين الذين فروا إليها من ولايات دارفور المختلفة.
  • في بداية نوفمبر، حذر وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن من وجود مؤشرات على هجوم وشيك واسع النطاق لقوات الدعم السريع على المدينة، وسط تحذيرات من حدوث أزمة إنسانية ضخمة نظرًا للعدد الكبير من المدنيين المحتمين في المدينة. 
  • في 8 نوفمبر، وبعد أيام من التحذيرات الأمريكية، هاجمت قوات الدعم السريع منطقة أم كدادة بولاية شمال دارفور وسيطرت على خزان قولو، أحد أهم مصادر المياه الرئيسية في مدينة الفاشر.
  • في أبريل الماضي بدأ العد التنازلي للمعركة الكبرى حول الفاشر،بحشد الدعم السريع قواتها عند تخوم الفاشر ، في أعقاب تنفيذها عدد من الهجمات على قرى غربي الفاشر لتبدأ ضربتها المباشرة للعاصمة التاريخية في مايو.
  • بدأت الإشتباكات في الأسبوع الأول من مايو وازدادت بشكل يومي حتى بلغت أقصى مستوياتها بعد تاريخ العاشر من الشهر مما تسبب في دمار عدد من المرافق الحكومية والخاصة كما حُرقت أحياء ومنازل ومعسكرات نزوح ودفعت حدة الإشتباكات حاكم إقليم دارفور،لإعلان الإستنفارالعام في المدينة.
  • قلة حدة الإشتباكات أواخر مايو بتمكن الجيش والقوى المشتركة لحركات الكفاح المسلح الموالية له  في 27 مايو من دحر الدعم السريع وجعلها تتراجع إلى خارج المدينة بينما توزعت بعضها في أحياء قليلة شرق الفاشؤ وأصبحت الأخيرة تنتهج سياسة القصف العشوائي بالمدفعية الثقيلة  والصواريخ قصيرة المدى على أحياء المدينة والهجمات مستمرة حتى اللحظة.

مئات الآلاف نزحوا من مدينة الفاشر، الصورة مواقع التواصل الاجتماعي

على مدى أكثر من شهرين لفتت الفاشر أنظار السودانيين والعالم. فبالنسبة للسودانيين، كان ترابط مجتمع الفاشر بكل مكوناته أمرًا مثيرًا للاهتمام، رغم المعاناة الفائقة التي يواجهونا مع بدء هجوم الدعم السريع على المدينة في مايو الماضي. 

كذلك، لفتت الفاشر أنظار العالم بحجم المعاناة الإنسانية الكبيرة بسبب حصارها وانقطاع طرق قوافل المساعدات الإنسانية إليها. 

سياسيًا وعسكريًا، تمثل الفاشر نقطة الصراع الفاصلة في إقليم دارفور، لذا تبدو العاصمة التاريخية على وشك كتابة تاريخ جديد للوحدة الوطنية في السودان.

تقارير بيم: سلسلة مدن السودان

أولئك الذين أرسلتهم الحرب إلى «عطبرة» يحاولون ضبط إيقاعهم على وقع مائة عام من موسيقى القطارات

 عطبرة، 4 مايو 2024  – لم تتهيأ تلك القرى المتناثرة قبل أكثر من قرن، على ضفاف الاتبراوي ونهر النيل، والتي حولها من بعد ذلك البريطانيون إلى مدينة عطبرة، أكثر مناطق شمالي السودان عمرانًا وحداثة بتأثير السكة الحديد، أن تتغير في غضون عام واحد، ويجد مجتمعها الذي وحده إيقاع هدير القطارات التي لم تكف عن إطلاق صافرتها منذ أكثر من مائة عام، وجهًا لوجه أمام آلاف القادمين على غير موعد – مع أولئك الذين أرسلتهم الحرب إليها نازحين في مدارسها و هائمين في طرقاتها، لا يلوون على شيء، وهم من فقدوا أصولهم وأموالهم وديارهم في عاصمة الحرب السودانية الخرطوم، ومدن أخرى. 

كان العطبراويون، وهم الذين قدموا إلى مدينتهم في هجرات متواترة على مدى عقود من كل أنحاء البلاد، قبل اندلاع الحرب في العاصمة السودانية الخرطوم في منتصف أبريل 2023، يعيشون حيواتهم كما ألفوها، صباحًا في القهاوي لتناول الشاي والقهوة، وتضج سودنتهم وحصايتهم وداخلتهم وغيرها من الأحياء، وأنديتهم وأسواقهم، وسكتهم الحديد وهناك على ضفة النهر جلساتهم وأمسياتهم، يعرفون بعضهم البعض، فيما الغرباء، هم من يرسلهم الميناء البري أو القطار لأي غرض كان على مدار اليوم، أو من ترسلهم القرى القريبة في سيارات قديمة الطراز إلى سوقها ولكونداتها العريقة، ثم أتت الحرب، وتغير كل شيء هناك، إما للأبد أو لوهلة الحرب الطويلة التي يمكن أن تكون أبدًا.        

إذن؛ تغيرت عاصمة السكة الحديد والمدينة العمالية وبلد الهجرات الواقعة على ضفاف نهري النيل وعطبرة والتي تبعد حوالي 360 كيلو مترًا شمالي العاصمة الخرطوم، ذات الأسماء والألقاب العديدة والتاريخ السياسي الكبير والمرتبطة بالثورات السودانية والنضال السياسي ضد السلطات الاستعمارية البريطانية السابقة. 

وإذ لم يكن أمام قاطرة المدن- كما يطلق عليها أحيانًا، إلا أن تصبح ملاذًا للنازحين، غير أن السلطات، ترى أن الدور الحكومية التي لجأ إليها الفارون من الحرب، أغلى ثمنًا من الإنسان، وهكذا أصبح حضن اتبرا، وهو أحد أسمائها، حانيًا من مجتمعها وقاسيًا من سلطتها. 

ميلاد عطبرة

عندما نقلت السلطات الاستعمارية البريطانية إدارة السكة الحديد من وادي حلفا في العام 1906 إلى مدينة عطبرة ووضعت ونفذت الخارطة المعمارية للمدينة لخدمة مصالحها في المنطقة الجديدة، لم يتوقع أحد أن تنهض -اتبرا- التي كانت تعرف وقتها بقرية الداخلة، قبل أن تحولها السكة الحديد لواحدة من أهم المدن السودانية. 

 

بمرور السنوات نمت المدينة وتطورت لتصبح أهم مدينة عمالية في السودان وأكبر مركز عمراني في شمال البلاد، يضاف إلى ذلك الأدوار المركزية التي لعبتها المدينة على الصعيد القومي اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا وسرعان ما أصبحت بمثابة النافذة التي أطلت منها البلاد بأسرها على إنجازات غير مسبوقة في كافة المجالات حتى أسماها البعض – المدينة القاطرة -.

قبل السكة الحديد كان المكان الذي تقوم فيه المدينة الآن «شرق نهر النيل وشمال نهر اتبرا» فضاءً شاسعًا ومنطقة غابية قوامها أشجار الدوم والسدر والطلح والسيال والعشر وغيرها وكثير من الحشائش التي اشتهرت بها في الشريط الممتد من قرية السيالة شمال المنطقة وحتى نقطة اقتران نهر اتبرا بنهر النيل جنوبًا.

وكانت تسكنها مجموعات سكانية صغيرة من الرباطاب والجعليين الذين شكلوا النواة التركيبية للمنطقة وتوزعوا في ثلاث قرى، السيالة والكريماب والداخلة، والأخيرة ظلت ردحًا من الزمن اسماً لما يعرف حاليًا بعطبرة.

منذ عهد الممالك السودانية التي سبقت الغزو التركي للسودان، حملت عطبرة اسم «الداخلة» وظلت ترد على ألسنة العسكريين في تقاريرهم كاسم للمنطقة بينهم رئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل إبان الحرب العالمية الثانية في كتابه «حرب النهر» والذي تحدث فيه عن معركة النخيلة التي جرت بين جيش المستعمر وجيش المهدية عند نهر اتبرا.

منذ بواكير نشأتها شهدت مدينة عطبرة العديد من موجات النزوح أبرزها في العام 1908 وحتى 1918، عندما ظهرت فيها جماعات من قبائل شمال السودان «شايقية، دناقلة، جعليين، ميرفاب، انقرياب، البديرية، الشكرية، الهواوير، مناصير، محس، سكوت، فدجا». وقبائل أخرى قدمت من مصر، وهي: «المغاربة، الجعافرة، العبابدة، العليقات والكنوز» بالإضافة إلى السودانيين من أصول شامية ومصرية، مسلمين ومسيحيين، كما سكنها قلة من جنود جيش الأمير محمود ود أحمد الذي قاد معركة النخيلة والذين تعود أصولهم إلى قبائل غرب السودان حيث استقروا في ضفة الاتبراوي الشمالية في منطقة العشش التي سميت بحي الموردة  في السبعينات، قبل أن تلحق بهم جماعات من الفلاتة،ولاحقاً  الهدندوة والبشاريين والرشايدة.

ومما يميز عطبرة أنه لا يمكن القول إن قبيلة بكاملها قطنتها  لكن أفراد وأسر وجماعات من مختلف القبائل والأعراق انصهرت جميعها في بوتقة واحدة وشكلت تركيبة سكانية فريدة عرفت بالمجتمع الاتبراوي.

أتبرا النهر

برزت كلمة اتبرا كاسم بعد معركة النخيلة وارتبطت بنهر اتبرا آخر روافد نهر النيل قبل مصبه في البحر الأبيض المتوسط. ومع ذلك، لم يتفق المؤرخون على أصل التسمية لكن أكثر التفسيرات تتحدث عن أن اتبرا مكونة من كلمتين أتى وبرا وترمز لفيضان النهر في موسم الخريف أي أتى دون إخطار كما ذكروا أنها من «متبر، تبرنا، وتتبيراً»، وتعني أتى محطمًا ومدمرًا لأنه كان قوي الدفع والجريان ثم تم استبدال حرف التاء لتصبح عطبرة.

عطبرة الثورة

لم تمثل عطبرة أحد مراكز المقاومة للمستعمر البريطاني وحسب، بل عرفت بصمودها التاريخي في مواجهة أنظمة الحكم الشمولية التي أعقبت الاستقلال، إذ شكلت نقطة انطلاقة لثورتي أكتوبر 1964 ضد نظام الرئيس إبراهيم عبود، وأبريل 1985 ضد نظام الرئيس جعفر النميري، إلى جانب ثورة ديسمبر 2018 ضد نظام الرئيس عمر البشير والتي لعبت المدينة دورًا حاسمًا في نجاحها بتغيير مسار حركة الاحتجاجات من مطالب معيشية إلى سياسية بعد إحراق المحتجين لمقر حزب المؤتمر الوطني – الحاكم آنذاك.

ولطالما خشيت الأنظمة الشمولية من عطبرة بسبب احتضانها مركز نقابة السكة الحديد التي كانت المحرك لأغلب التظاهرات والاحتجاجات وهي المخاوف التي دفعت نظام الإنقاذ إلى قمع حراك عمال السكة الحديد في بدايات استيلائه على السلطة بفصله ما يزيد عن 4 آلاف عامل وتشريدهم.

اجتماعيًا، قدمت المدينة للسودان شخصيات مؤثرة في تاريخ البلاد السياسي، الاجتماعي والثقافي. سياسيًا، بينهم عددًا من القادة الشيوعيين والعماليين، مثل الشفيع أحمد الشيخ وقاسم أمين والأكاديمي والسياسي البارز عبد الله علي إبراهيم. كما أن عددًا من المؤثرين السودانيين الذين لم يكونوا من مواليدها، إما تلقوا تعليمهم في مدراسها الصناعية أو عملوا في السكة الحديد وتأثروا بها، بينهم الزعيم إسماعيل الأزهري الذي عمل بالتدريس فيها، والشاعر محمد الحسن سالم حميد الذي درس الثانوية فيها بالإضافة لآخرين. 

وبسبب الوقوع في حبها، سخّر عدد من الفنانين والأدباء أشعارهم لها وتغنوا في جمالها وتاريخها كما تعتبر من أكثر المدن التي كتبت فيها الإصدارات الثرة التي توثق لتاريخها حتى كادت تنافس مدينة أم درمان في المجلدات.

عطبرة في أزمنة الحرب

 

لعقود ظلت مدينة عطبرة شمالي البلاد تمثل وجهة رئيسية تفد إليها العديد من القوميات، ومع نشوب حرب الخامس عشر من أبريل، شهدت المدينة موجات نزوح كبيرة باعتبارها من أكثر المدن قربًا من العاصمة السودانية الخرطوم.

واستقبلت ولاية نهر النيل في المجمل والتي تعتبر عطبرة أكثر مدنها حيوية، آلاف النازحين وتصدرت في كثير من الأحيان ترتيب أولى ولايات السودان من حيث أعداد النازحين داخليًا، مما جعل الضغط على الولاية لم يسبق له مثيل ووضعها أمام تحد كبير، خاصة اقتصاديًا.

ووفق مفوضية العون الإنساني فإن عطبرة تحوي  95 مركزًا موزعة بين الأحياء المختلفة وفي 52 جمعية-زاوية-و4 أندية رياضية و39 مدرسة فيما يبلغ عدد النازحين في المدينة أكثر من 15 ألف شخص .

 وفي بدايات الحرب عاشت-عطبرة- حالة من الحذر إذ شهدت نكسة اقتصادية، بسبب تحسب التجار من الأزمة الاقتصادية التي قد تتسبب فيها الحرب، لكن سرعان ما تدفقت الصادرات عبر الحدود البرية الشمالية ومن خلال الشرق عبر موانئ البحر الأحمر ودخلت كمية من البضائع السوق في وقت توقفت فيه جميع الشركات المحلية التي كان مقرها العاصمة الخرطوم. 

كذلك أنعشت حركة التجار النازحين من الخرطوم السوق لكنه أيضاً شهد ضغطًا كبيرًا من القادمين الجدد وما زالت المحاولات لتنظيمه بعد أن أصبح يضج بالتجار والمحال، مستمرة.

ومع دخول الحرب شهرها السادس، كانت عطبرة قد شهدت تصعيدًا من النازحين بسبب قرار الحكومة بإخلاء مراكز النزوح في الولاية من أجل بدء العام الدراسي الجديد كأول منطقة تقوم بالخطوة، وبعد اشتباك ورفض من النازحين تم فتح بعض المدارس وإخلاء النازحين منها وتوزيعهم في مدارس أخرى.

لكن السلطات التي رضخت مؤقتاً لرغبات النازحين، عاودت مضايقتهم الأسبوع الماضي بطردها 27 أسرة نازحة في مدرستين بقوة السلاح، وهددت مدارس وداخليات أخرى بمعايشتهم نفس المصير.

بوادر خطاب كراهية

 

وما إن تنفست المدينة الصعداء من تلك الأزمة حتى عاشت أحداثًا جديدة وضعت المنطقة التي يغلب علي أهلها صفة التعايش والتسامح أمام امتحان اجتماعي، فبعد سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة ود مدني عاصمة ولاية الجزيرة المتاخمة للخرطوم وانسحاب الجيش منها دون قتال أواخر ديسمبر الماضي، تشكلت بوادر خطاب كراهية على السطح ضرب المدينة والولاية ككل في نسيجها الاجتماعي الذي ولد من رحم السكة الحديد لعقود وظل متماسكاً، رغم الهزة العابرة. 

كما شهدت المنطقة انتشارًا كبيرًا للسلاح لأول مرة في تاريخها، إذ قبلها كان يوجد في أيدي مجموعات قبلية بسيطة في أطراف الولاية، وفي بعض مناطق التعدين، لكن مع التطورات الأمنية أصبح مشهد تجول المواطنين بالسلاح أكثر من اعتيادي تحت مرمى نظر السلطات التي فتحت الباب على مصراعيه لتقنين الأسلحة.

وتحت مظلة ما أطلق عليها بالمقاومة الشعبية، أضحت عطبرة منطقة مركزية للحشد الأهلي، كما انتشرت دعوات تدريب المدنيين على استخدام السلاح حتى وسط النساء. وبالتزامن مع حملات الاستنفار شنت الحكومة حملات اعتقال ذات خلفية عنصرية في بعض الأحيان، إذ تم استهداف العشرات من المقيمين في المدينة من أبناء أقاليم أخرى والتشدد معهم في التفتيش ربما بحجة انتمائهم للدعم السريع والتخابر معها، إلى الحد الذي جعل حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي يشكل لجنة لإطلاق سراح المحتجزين من أبناء دارفور في سجون ولايتي الشمالية ونهر النيل. 

وفي أواخر رمضان الماضي، عاشت المدينة صدمة كبيرة بتفجير مسيرة إفطارًا نظمه لواء البراء بن مالك المحسوبة على الإسلاميين في زيارة لها للمنطقة حضره عدد كبير من أبناء المدينة وعدد من عائلات قتلى الجيش ومصابيه في الحرب في تطور أمني جديد جعل اللجنة الأمنية بالولاية تمنع المواطنين من أداء صلاة العيد في الساحات والميادين العامة.

كما ما يزال المواطنون يعيشون حالة من الترقب والحذر الشديدين إلى اليوم بسبب التهديدات الكثيرة والوعيد من منتسبي قوات الدعم السريع بالهجوم على المدينة التي برزت ميدانيًا، أيضاً في ظل الحرب، عبر قوات المدفعية عطبرة ذائعة الصيت.

فيتشرات بيم – سلسلة مدن السودان

«زالنجي».. قصة مدينة لفها النسيان ومزقتها الحرب

كانت مدينة زالنجي عاصمة ولاية وسط دارفور والمعروفة بأجوائها الجميلة والقريبة من جبل مرة إحدى أجمل البقاع في السودان، مثلها ومثل معظم مدن البلاد بما في ذلك العاصمة الخرطوم ليست في ثوب مثالي، لكنها مع ذلك تعيش حدًا معقولًا من السلام والحياة بأفراحها و أتراحها، غير أنها بعد عام من الحرب تحولت إلى بقعة ممزقة ومنسية لا تكاد تقوى على البقاء.

 

بدأت قصة زالنجي مع الحرب بعد أيام قليلة من اندلاع القتال في عاصمة البلاد بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، لتدخل بعدها المدينة في دورة حرب عبثية بين الطرفين انتهت بسيطرة الدعم السريع على الفرقة 21 مشاة التابعة للجيش، بعد معارك قضت على البشر والحجر وحولت عاصمة وسط دارفور إلى ركام. 

 

في أكتوبر الماضي انتهت مرحلة المواجهات المباشرة بعدما تمكنت الدعم السريع من السيطرة على حامية الجيش والمدينة كثاني عاصمة من عواصم ولايات إقليم دارفور الخمس تسيطر عليها بعد نيالا في الجنوب. ومع ذلك، لم تنته الحرب حيث يعيش الآلاف في زالنجي حياتهم تحت رمادها وسلطتها القهرية. كما أضحى الوضع في المدينة أكثر ضبابية وهشاشةً لتصبح أكثر مدن الإقليم انعزالاً وبعدًا عن الإعلام.

 

وتعتبر مدينة زالنجي من بين أجمل مدن السودان من حيث الطبيعة كما أنها غنية بالموارد الطبيعية وتتميز بموقع استراتيجي في الإقليم، إذ تتاخم شمال دارفور من ناحية الشمال وشرقها ولاية جنوب دارفور وفي الشمال الغربي ولاية غرب دارفور وغربها تشاد وجنوبًا تحدها جمهورية أفريقيا الوسطى.

 

وتتكون زالنجي من ثلاث وحدات إدارية. فبالإضافة لزالنجي، توجد أبطأ وتريج، وبها سلسلة وديان وجبال على امتداد أراضيها وسهولها الخصبة وهي مدينة غنية بالزراعة والرعي وتتميز بالأراضي السهلية الطينية والرملية والتي تجعلها خصبة للزراعة في فصل الخريف والموسم الشتوي.

تداخل تجاري

بشكل عام، يقوم اقتصاد ولاية وسط دارفور على الزراعة والثروة الحيوانية والتجارة والتعدين (خام الحديد، النحاس، الزنك، الألومنيوم، الرصاص والذهب)، كما توجد بها حركة تجارية محلية بين القرى في شكل أسواق موسمية بالإضافة للتداخل التجاري الممتد بين دولتي تشاد وأفريقيا الوسطى بميناء تجاري بري في منطقة تيسي.

 

لكن ورغم كون الولاية غنية بكافة الموارد، لم تتقدم عجلة التنمية فيها بسبب إهمالها من الحكومات المتعاقبة خاصة حكومة الرئيس المخلوع، عمر البشير والتي انتهى في عهدها أبرز مشاريع التنمية في إقليم دارفور ككل (مشروع جبل مرة للتنمية الريفية) حيث تأثر بالعقوبات الاقتصادية التي فرضت على السودان وتوقف الدعم الذي كانت توفره السوق الأوروبية المشتركة للمشروع في عام 1995 وضمه لوزارة الزراعة  بولاية غرب دارفور، ومنذها عملت حكومة البشير على خصخصة أملاكه واستهداف عمال المشروع الذي بدأ منذ منتصف القرن الماضي بالفصل التعسفي.

 

فضلًا عن زالنجي توجد بالولاية مدن أخرى ذات أهمية بينها، نيرتتي وقارسيلا وأزوم والأخيرة تعد أكبر منطقة زراعية في الولاية. أما بالنسبة للتقسيم الإداري للولاية، فتوجد بها تسع محليات، هي: (أزوم، وادي صالح، قارسيلا، مكجر، أم دخن، غرب جبل مرة “نيرتتي”، شمال جبل مرة “روكرو”، بندسي، وسط جبل مرة “قولو” وأخيراً العاصمة زالنجي).

 

لكن إحدى مميزات زالنجي التي عززت حركة التجارة والتواصل فيها، هي وجود مطار يبلغ طول مدرج مهبطه تقريباً حوالي 2000 متر وعرضه أكثر من 50 مترًا، كما يوجد مهبط ترابي للطائرات تم انشاؤه بمدينة قارسيلا بواسطة إدارة مشروع جبل مرة.



من أين جاء اسم زالنجي؟

 

وتسمية زالنجي وفق روايات محلية من المدينة، ترجع إلى اسم حشائش تنمو على الوادي والكلمة بلغة قبيلة الفور أكبر مجموعة عرقية في المدينة. كما من ضمن الروايات، أن التسمية ترجع لقصة سلطان منطقة (وداي) بتشاد عندما استدعاه السلطان علي دينار لأمر ما لكن طريقة الاستدعاء لم تنل رضاه، وعند وصوله أخبر وفد المقدمة السلطان علي دينار بإحساس سلطان وداي قائلين باللهجة المحلية “سطان وداي زعلان، كما قالوا، زعلان جي ..أي حضر”، لكن هذه الروايات لم تذكر في أي وثائق عن تاريخ المنطقة بل متداولة عند بعض المثقفين المتحدرين من الولاية.

اندلاع الحرب في زالنجي

شهدت المدينة في أواخر مايو وعقب عمليات القتال العنيفة بين الجيش والدعم السريع، انتشارًا واسعًا لعمليات نهب وتخريب لمقار المؤسسات الحكومية بما فيها مخازن الأدوية التابعة لوزارة الصحة والأسواق  وجامعة زالنجي ومقار المنظمات الوطنية والأممية والبنوك، بينها البنك المركزي فرع زالنجي، مما تسبب في أزمة نقدية غير مسبوقة بواسطة مسلحين على متن دراجات نارية – ودرجت هذه المجموعة على مشاركة الدعم السريع في الميدان وتنفيذ أعمال عنف وتخريب وقتل-.

 

ومنذ تاريخ 17 مايو العام الماضي، أي بعد شهر من اندلاع الحرب وإلى اليوم، تعيش المدينة في عزلة تامة كما تشهد انقطاعًا تاماً لشبكات الإتصال والإنترنت، بجانب انقطاع المياه والكهرباء نتيجة تعرض وقود المحطة الرئيسية للكهرباء في المدينة للنهب.



كيف تبدو زالنجي؟

 

وفق مصادر تواصلت بيم ريبورتس معها في زالنجي بشكل متقطع بسبب انعدام الشبكة واعتمادهم على أجهزة الإنترنت الفضائي (إستارلينك) التي توفرها الدعم السريع للمواطنين مقابل المال، فإن الصورة في المدينة تبدو قاتمة بعد عام على الحرب خاصة في وجود ما يسمى بهيئة الإسناد المدني التي شكلتها الدعم السريع من المدنيين الموالين لها لإدارة المدينة. 

 

ووفق المصادر، فإن سوق زالنجي وسوق مرين وسوق آخر شرق المدينة وأسواق أسبوعية مثل سوق الخميس تعمل في المدينة بشكل دوري وأحيانًا بشكل غير منتظم وتتوفر فيها السلع الاستهلاكية والخضر والفواكه بالإضافة إلى المحاصيل والماشية لكن لا تتوفر سيولة للشراء، كما أن محال الإجمالي لم تفتح أبوابها إلى اليوم.

كما تنتشر في زالنجي عملة مزورة، وعملة أخرى تبدو أصلية لكن ليس بها أرقام رجحت المصادر أنها سُرقت من مطبعة العملة في الخرطوم.

انعدام المساعدات الإنسانية

منذ اندلاع الصراع لم تصل إلى مدينة زالنجي سوى ست شاحنات تابعة لمنظمة أطباء بلا حدود محملة ببسكويت للأطفال الذين يعانون من سوء التغذية وكانت تخص معسكرات النزوح بالإضافة إلى بعض الأثاثات.  وبشكل عام لا توجد سوى منظمتي IMC (الهيئة الطبية الدولية)، وأطباء بلا حدود، كما علمنا أن باقي المنظمات الوطنية والأممية كانت ترسل وفودًا لزيارات ميدانية فقط وتعود أدراجها، فيما لم تصل زالنجي أياً من المساعدات الجديدة التي خُصِصت للإقليم مؤخرًا.

أعلى نسبة نازحين في الولاية

وتضم زالنجي أربعة معسكرات رئيسية موجودة ما قبل الحرب هي (معسكر الحصاحيصا، الحميدية، معسكر خمسة دقائق ومعسكر طيبة). أما المعسكرات في باقي محليات ولاية وسط دارفور فتشمل بين معسكرين إلى ثلاثة في كل محلية من محليات الولاية الثماني الأخرى، وتعاني جميعها من سوء الأوضاع وانعدام الخدمات والدعم.

 

وقدرت مصفوفة تتبع النزوح في آخر تقرير لها مارس الماضي أن 428,180 نازحًا تمت استضافتهم في وسط دارفور اعتبارًا من 21 مارس 2024. وكانت المحليات التي استضافت أعلى نسبة من النازحين هي زالنجي (24%)، وشمال جبل مرة (20%)، ووسط جبل مرة (19%). ووفق التقارير، فإن ما يقرب من 63 في المائة قد نزحوا من مواقع أخرى داخل وسط دارفور، في حين نزح آخرون من ولايات في جميع أنحاء منطقة دارفور، بما في ذلك شمال دارفور (17٪)، وغرب دارفور (14٪)، وجنوب دارفور (5٪).

 

وذكرت التقارير أن ديناميكيات عمليات النزوح هذه عكست الروابط القبلية، مما يشير إلى درجة من التركيز حسب الأصل. وكان سبعة وتسعون في المائة من النازحين من شمال دارفور موجودين في محلية شمال جبل مرة، بينما لوحظ أن 85 في المائة من النازحين أصلاً من غرب دارفور في محلية أزوم. ومع ذلك، تمت ملاحظة النازحين في الأصل من وسط دارفور عبر نطاق أوسع من المحليات، حيث تمت ملاحظة 75 في المائة منهم في محليات زالنجي ووسط وغرب جبل مرة. وتفيد التقارير أن حوالي 35 في المائة من أسر النازحين داخلياً في وسط دارفور يقيمون في مجتمعات مضيفة، وهو ما يعكس عادة هذه الروابط القبلية وأنظمة الدعم الاجتماعي.

مستشفى و4 مراكز صحية

ما يزال مستشفى زالنجي التعليمي و4 مراكز صحية في الخدمة لكنها توفر خدماتها بشكل شبه تجاري ويعجز المواطنون عن تلقي العلاج بسبب الحالة الاقتصادية المتردية وفق ما أكد سكان محليون من زالنجي لبيم ريبورتس.

الحدود مفتوحة للنزوح

رغم ما شهدته زالنجي من أحداث ما زالت حدود بعض المدن والولايات متاحة للتنقل من وإلى زالنجي، إذ تبلغ التذكرة من زالنجي لنيالا  25 ألف جنيه سوداني وللجنينة 20 ألف جنيه وباقي المحليات 15 ألف جنيه، بينما الحدود مع دول تشاد، أفريقيا الوسطى وليبيا تبلغ تكلفة السفر إليها 500  ألف جنيه سوداني.

الدعم السريع تكمم أفواه الأصوات المناهضة لها



وفق روايات متطابقة من زالنجي، فإن الدعم السريع تشن اعتقالات ضد الذين يحاولون عكس الوضع الإنساني والأمني سواء في صفحاتهم الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي وعبر الإعلام، ويتم استهدافهم وتهديدهم وهو ما جعل أغلب المصادر التي تحدثت إلينا تطلب عدم ذكر هوياتهم خوفًا من بطش قوات الدعم السريع. 

 

ومن أبرز حالات الاعتقال التي شهدتها زالنجي مؤخرًا بواسطة استخبارات الدعم السريع ، اعتقال أحد قيادات النازحين بمعسكرات زالنجي، الشيخ عبد الرازق سليمان، إذ اعترضته من أمام الساحة الشعبية بزالنجي وهو في طريقه مع وفد من شيوخ النازحين إلى مفوضية العون الإنساني للبحث عن سبل وصول المساعدات الإنسانية.

 و اقتادته إلى مقر الدعم السريع الذي يسمى بـ(الفوج) الواقع بجوار مبنى جهاز الأمن السابق وفق ما أعلنت مجموعة ( يلا نرصد الحقوقية) في منتصف فبراير الماضي.

وكان  بيان المجموعة الحقوقية  قد أوضح وقتها أن الاعتقال تم عن سابق رصد على خلفية تصريحات أدلى بها خلال مقابلات إذاعية تحدث فيها عن الوضع الإنساني بالولاية.

 

ما مصير زالنجي بعد توقف الإنترنت الفضائي؟

 

رغم حالة العزلة شبه الكاملة التي تعيشها زالنجي حالياً إلا أن تواصلها مع العالم خارج حدودها يظل مرهونًا فقط بأجهزة استارلينك التابعة لشركة SPACE X، مع استمرار انقطاع الإتصالات والانترنت.

 لكن حتى هذا الأمل المحدود  أضحى معلقاً بمدى جدية تنفيذ قرار إيقاف خدمة الإنترنت الفضائي في السودان بعد إعلان الشركة عن قطعها الخدمة عن المشتركين اعتباراً من تاريخ 30 أبريل الجاري لحين الموافقة على العمل من الحكومات المعنية، إذ بتنفيذه لن تصبح زالنجي وحدها بقعة من الظلام بل جميع مناطق السودان المتأثرة بالنزاع بما فيها العاصمة الخرطوم وولاية الجزيرة في الوسط.

تقارير بيم

«الدعم السريع» توطن المأساة بولاية الجزيرة وتحولها إلى بقعة منسية

 

14 مارس 2024 – تحولت أجزاء واسعة من ولاية الجزيرة جنوبي العاصمة السودانية الخرطوم إلى موطن انتهاكات لقوات الدعم السريع بعد سيطرتها على أجزاء كبيرة منها في ديسمبر الماضي وانسحاب الجيش من عاصمتها ود مدني.

 

تأتي استباحة ولاية الجزيرة وسط استمرار انقطاع خدمات الاتصالات والإنترنت لليوم السادس والثلاثين على التوالي وانقطاع الكهرباء في أغلب المناطق.

 

وتعيش قرى ولاية الجزيرة تحت رحمة قوات الدعم السريع التي تستمر في استباحة إحدى أكبر ولايات السودان مساحةً والأكثر من حيث التعداد السكاني. فمنذ دخولها مدينة ود مدني في ديسمبر العام الماضي بعد انسحاب الجيش منها، ظلت تمارس أبشع أنواع الانتهاكات من وقتها وحتى اليوم، بحسب تقارير عديدة.

 

دفع انتقال الحرب إلى الولاية المتاخمة للخرطوم مئات الآلاف لمغادرة قراهم قسرًا، أما الذين آثروا البقاء رغم اشتداد الظروف الأمنية تعرضوا لحالات نهب وسرقة للمتلكات واعتقالات واعتداءات، وفقد العشرات أرواحهم فيما تحدثت تقارير عن حدوث حالات اختطاف للفتيات في المنطقة المنكوبة منذ ما يزيد عن الشهرين.


وتضاعفت معاناة أهالي الجزيرة بدخول الولاية في عزلة تامة جراء انقطاع خدمات الاتصال والإنترنت، مما تسبب في فقدان التواصل بالمواطنين وبالتالي ضعف وصول معلومات عن حجم الانتهاكات هناك إذ لا تتوافر أي تفاصيل من الولاية المعزولة، غير التقارير والبيانات التي ترد من لجان المقاومة الحصاحيصا ولجان مقاومة ود مدني. وعلى الرغم من عودة شبكات الاتصال في أغلب المناطق، إلا أنها ما تزال مقطوعة عن الجزيرة المنكوبة حتى اليوم.

الصحة خارج الخدمة

 

بتمدد الدعم السريع وتوغلها في الجزيرة التي كانت تحتضن عاصمتها ود مدني أفضل المستشفيات والمراكز العلاجية الخاصة مثل مراكز القلب وعلاج السرطان والكُلى والتي كانت المنفذ الذي يتلقى عبره مئات الآلاف من النازحين  والمقيمين الخدمات العلاجية، والمستجدات الأمنية بالولاية اضطرت جميع هذه المستشفيات والمراكز بود مدني ومدن الجزيرة المختلفة  إلى الإغلاق حفاظاً على سلامة المرضى والكوادر العاملة، علاوة على فرار أغلب المدنيين المرضى إلى مناطق أخرى بحثًا عن الأمن.

 

وأصدرت منظمة أطباء حول العالم تقريراً عن الوضع الإنساني بالولاية، قالت فيه إن 112 قرية بـ6 محليات من أصل 8 تضررت عدا القرشي والمناقل، وذكرت إن عدد المتوفين بلغ 166 منهم 4 أطفال والمصابين 1800، أما المفقودين 53 بالإضافة إلى 7 حالات اغتصاب.

 

 كما أعلنت لجان مقاومة الحصاحيصا عن مقتل ثلاثة أطباء، اثنين منهما بمستشفى المدينة عرب الريفي بعد فشل عملية جراحية أجريت لأحد جنود الدعم السريع والثالث بمستشفى الحصاحيصا على يد الدعم السريع، بالإضافة لاختطاف الأخيرة فردين من الكوادر الطبية في مدينة رفاعة شرق الجزيرة وقرية الدوحة جنوبي الولاية.

 

 في الأثناء، كشف تقرير أولي صادر عن لجان مقاومة ود مدني أواخر فبراير الماضي، عن انتهاك الدعم السريع 53 قرية فقط خلال ثلاثة أسابيع شملت مجازر وإرهاب وسلب ونهب بحق المواطنين، وقالت اللجنة  “رغم صعوبة الوصول للمعلومات بسبب العزلة التامة المفروضة على ولاية الجزيرة بسبب انقطاع الإنترنت والإتصالات، ما زال الحصر مستمرًا لباقي القرى التي وقعت فيها انتهاكات وجرائم حرب”.

 

يأتي ذلك في وقت سحب فيه الجيش قواته من مدينة ود مدني، مشيراً إلى أنه شرع في إجراء تحقيق في أسباب الانسحاب ومن ثم إعلانها للرأي العام بعد رفع النتائج إلى جهات الاختصاص، لكنه لم يعلن عن أي شيء بعد. 

 

لكن الجيش رغم انسحابه من على الأرض واصل عبر الطيران التابع له في شن هجمات، إذ نفذ ضربات في الجزيرة آخرها استهدفت تمركزات للدعم السريع أمام محكمة مدينة الحصاحيصا لم تخلف اصابات وسط المدنيين، وفي مدينة رفاعة قبلها بيوم تسببت في مقتل سيدة وإصابة آخرين.

 

وانتقدت لجان مقاومة ود مدني تركيز الجيش على الشارع الرئيسي الرابط بين محليتي ود مدني والمناقل وتجاهله قرى جنوب وغرب الجزيرة مما نتج عنه استباحة الدعم السريع القرى المحيطة بمحلية المناقل وعدم تدخل حاميته في المناقل لحماية المدنيين الذين استنجدوه في المنطقة لحماية القرى التي أُستبيحت والتزام القوة المتمركزة في الحامية بالتعليمات الموجهة لها بعدم مغادرة الفرقة.

 

لجان المقاومة الحصاحيصا بدورها قالت في بيان إن الدعم السريع استباحت قرى: الحلاوين، ومنطقة فداسي الحليماب وقرية منى، مما تسبب في حدوث موجة من النزوح وعدد من المصابين والقتلى. ولم تكتف بذلك إذ اعتدت على موكب تشييع ضحايا الهجوم وفق ما ذكر البيان، أيضاً حاولت دخول قرية الكُبر بتاريخ 29 فبراير الماضي بغرض السرقة والنهب وأثناء تصدي شباب القرية للهجوم سقط قتيل شاب وأصيب آخرون.

 

وشددت لجان المقاومة الحصاحيصا في بيان على أنها تعتبر مليشيا الدعم السريع المتهم الأول والأخير في عملية عزل الولاية عن العالم لما ظلت تمارسه من أعمال عنف وقتل وسلب ونهب وتهجير في القرى والمدن حول الولاية خلال الشهر الماضي.

 

واستنكرت قيام الدعم السريع بالمتاجرة بالإنترنت من خلال امتلاكها أجهزة الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية (إستارلنك) واحتكارها وتأجيرها بالساعة في المناطق الأكثر استقراراً، مشيرة إلى أن جريمة قطع الاتصالات والإنترنت هي جريمة وانتهاك صارخ لحقوق الإنسان ومن جرائم الحرب التي طبعت في سجل كل من تسبب بها لما أحدثته من أزمة للمواطنين المرابطين تحت هذا الحصار في التواصل والتعامل.

إدانات سياسية

“ما يحدث سيدفع الآلاف من شباب الجزيرة لحمل السلاح للدفاع عن أنفسهم مما يخدم مخطط الفلول، والأفضل لنا جميعاً أن نعمل على تجنيب بلادنا من الإنزلاق للحرب الإثنية التي ستدمر السودان أكثرمما دمرته المرحلة الحالية من الحرب”، قال رئيس الحركة الشعبية – التيار الثوري الديمقراطي، ياسر عرمان، على حسابه الرسمي بمنصة اكس محذراً من مغبة المجاملة في  أمر انتهاكات حقوق الإنسان ومتهماً النظام السابق بصنع حرب 15 أبريل التي يريدون ان تأخذ طابعاً إثنياً بمساعدة الدعم السريع.

 

ووجه رسالة مباشرة لقائد قوات الدعم السريع لإدانة ما يجري في الجزيرة والعمل على وقفه، داعياً الدعم السريع بعقد اجتماع شامل بينهم وبين قادة المجتمع والقبائل والمجتمعين السياسي والمدني بالجزيرة لوضع حد للوضع المأسوي. 

 

كما طالب حزب الأمة القومي في بيان  الدعم السريع بالخروج الفوري والعاجل من كافة القرى وحسم الإنتهاكات المستمرة من قواتهم والوفاء بتعهداتهم تجاه حماية المدنيين ،قائلاً إنها ليست المرة الأولى التي يخاطب فيها الدعم السريع بذلك،ومتأسفاً على عدم استجابته للمطالب.

 

في السابع من مارس الجاري نشرت لجان مقاومة الحصاحيصا انتهاكات جديدة للدعم السريع، بينها استباحتها قرية المريبيعة للمرة الثانية خلال اسبوعين وقتلها خمسة مواطنيين وإصابتها العشرات مما تسبب في نزوح جماعي للسكان.

 

كما أعلنت في وقت لاحق نفس اليوم وفاة مواطن كان قد أصيب أثناء هجوم الدعم السريع على قرية الكبر بريفي المسلمية بتاريخ 29 فبراير الماضي وتم نقله للعلاج بمستشفى القضارف.

 

كذلك نشرت تفاصيل عن حادثة تهجم الدعم السريع على أسرة بحي (السرايات) بالحصاحيصا وقتل ثلاثة أفراد منهم بحجة انتماء فرد منهم للقوات المسلحة.

 

أيضاً ذكرت لجان مقاومة أبو قوتة وهي أولى القرى التي دخلتها الدعم السريع ما قبل الاستيلاء على ود مدني، تحديثاً بالوضع هناك وكشفت عن مقتل أربعة مواطنين وإصابة ما يزيد عن 15 فردًا بينهم نساء في هجوم للدعم السريع  على قرية (كترة الضقالة) للمرة الثانية بغرض النهب والتهجير. وتابعت في البيان : “كما امتدت أيادي المليشيا الآثمة للنساء والأطفال والعجزة في مسكنهم بقنطرة 17 حيث قامت بالتعدي على الأسر التي تسكن القنطرة بالجلد واهانتهم وتهديدهم”. وكشفت في نفس البيان عن اغتيال المواطن عبد السلام بيلو (الحداد) من ابو قوتة قائلة إنه كان معتقلاً في سجونهم.

أزمة مجاعة في رمضان

مع قدوم شهر رمضان قالت لجان مقاومة الحصاحيصا إن الولاية ما زالت تعاني من انقطاع التيار الكهربائي والمياه ونقص حاد في السلع الاستراتيجية وسط استمرار انقطاع شبكات الإنترنت، مشيرةً إلى أن الوضع دفع كثير من المواطنيين لمغادرة المدينة بسبب ظروف الحرب.

 

كما نشرت لجان مقاومة ود مدني تقريرًا بالأوضاع في ولاية الجزيرة ثاني أيام رمضان، أوضحت فيه استمرار انتهاكات الدعم السريع بحق المواطنين ومواصلتها عمليات اقتحام القرى وما يترتب عليها من قتل ونهب وسلب بينها حوادث نهب مسلح للمسافرين عبر طريق المناقل – سنار، وطريق رفاعة – القضارف (البطانة) بواسطة قطاع الطرق بمعاونة الدعم السريع.

 

وفي منطقة رفاعة تمارس الدعم السريع اعتداءات وانتهاكات بحق المواطنين متحججةً بالبحث عن السلاح الذي تم توزيعه للمستنفرين وفق ما ذكرت لجان مقاومة رفاعة أمس الأربعاء.

 

 وكشفت اللجنة عن أوضاعاً إنسانيةً سيئة تعيشها المنطقة بإرتفاع أسعار السلع الأساسية بمعدل زيادة يفوق السبع أضعاف، وتحكم الدعم السريع في النقد والتحويلات والمواد البترولية وفرض ضرائب إضافية على المواطنين وعلى البصات السفرية مما أدى لإرتفاع أسعار تذاكر السفر.

وذكرت اللجنة أن الوضع الصحي متردٍ في المنطقة مع انقطاع الإمداد الدوائي لأغلب الأدوية المنقذة للحياة، وتوقف المعامل الطبية في المدينة والمستشفى بسبب انقطاع التيار الكهربائي.

 

في الأثناء، تستمر الدعم السريع في انتهاك قرية أبو قوتة وقتل مواطنيها حتى اللحظة، إذ نشرت صفحة اللجنة اليوم الخميس خبرًا عن مقتل مواطن في منزله على يد الدعم السريع بعد منتصف الليل. كما نشرت شهادة عيان من المنطقة عن اتخاذ الدعم السريع المدارس والمنازل في المنطقة كمعتقلات دون توفير أدنى الخدمات للمعتقلين من كل الفئات والأعمار.

 

وفي وقت تواصل فيه الدعم السريع ممارسة انتهاكاتها في ولاية الجزيرة وأجزاء من مناطق غرب وشرق سنار، بدأ الجيش ،الذي عين قائداً جديداً لقيادة الفرقة الأولى مشاة بود مدني، مطلع الشهر ،يحشد حراكاً برياً في الجزيرة وذلك بالتزامن مع شنه هجمات جوية منذ البارحة.  

«منطقة صناعة العرض المسرحي».. خشبة مزدهرة في أزمنة الحرب السودانية

قبل أسبوع من اندلاع الحرب، في 8 أبريل 2023، احتشد جمهور غفير بمركز أم درمان الثقافي لمشاهدة عرض مسرحية «آيس دريم» والتي قدمت معالجة فنية لقضية تكدس جثث المتظاهرين في المشارح إبان فض اعتصام القيادة العام في 3 يونيو 2019 وحتى ما بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021.

 

منحت مسرحية «آيس دريم» الجثث صوتًا للكلام عن آمالها وأحلامها وما تعيشه من مآسٍ، وعن رغبتها في التعرف عليها وأن تدفن بمقام يليق بالموتى، لكن وبعد طول انتظار، تقرر الجثث الخروج للمدينة فتجدها خاوية من السكان الذين غادروها بسبب حرب أهلية، فتقرر الجثث أن تدفن نفسها بنفسها.

 

كان العرض الأول الذي تشهده ولاية الخرطوم للمسرحية، وذلك بعد عرضين في كلٍ من ولايتي سنار (مدينة سنجة) ولاية النيل الأزرق (مدينة الدمازين) خلال شهر مارس من العام نفسه، ضمن ما أطلقت عليه منطقة صناعة العرض المسرحي، وهي الجماعة القائمة على المسرحية، مسمى (مسرح الشِدّة).

من عرض مسرحية آيس دريم بسنار

لم يكن الجمهور الذي حضر المسرحية في الولايات الثلاث، ولا حتى منتجي المسرحية على علم بأن الحرب قادمة، وأن الجثث ستدفن في باحات البيوت وفي الشوارع، وأن مزيداً من الناس سيقتلون، وتسيل دمائهم في الشوارع والبيوت بعد أسبوع فقط، إثر اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023 في الخرطوم، وتوسعها غربًا إلى دارفور وكردفان، وأخيراً إلى وسط السودان في ولاية الجزيرة.

منطقة صناعة العرض المسرحي

انطلق ميلاد مشروع (منطقة صناعة العرض المسرحي)  بصورة فعلية في العام 2016، وهو عام تسجيلها ضمن المسجل العام للجماعات الثقافية. لكن النقاش حول المشروع كان مستمرًا منذ العام 2004.

 

كما أن المشروع استلهم وبني على عدد من التجارب المسرحية السابقة؛ مثل جمعية (البسانس للآداب والفنون)، والتي تأسست في العام 1996، واعتمدت على البيئة كمصدر للتدريب وصناعة العرض، وتجربة طالبات مدرسة العلوم الإدارية بجامعة الأحفاد والتي تأسست في عام 2004  وتجربة (جماعة المشيش) في نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور. 

 

وقد أقامت المنطقة منذ تأسيسها ما يزيد عن الـ 100 ورشة وندوة ومنتدى، حيث استهدفت أكثر من ألف موقع في العاصمة الخرطوم وبقية الولايات، علاوةً على أكثر من 64 عرضًا مسرحيًا في مختلف أقاليم السودان، بالإضافة إلى مشاركتها في مهرجانات محلية ودولية.

 

كما أن ثورة ديسمبر قد فتحت أفقاً للفنون عامة، ولمنطقة صناعة العرض بصورة خاصة، للاشتغال والعمل والتحرك والعمل في مناطق سودانية مختلفة، كما أنها عالجت تلك الوضعية المأزومة التي عاشها السودان في مختلف مناحي الحياة خلال فترة نظام الإنقاذ، في مسرحية (النسر يسترد أجنحته) والتي انتصرت للفن عبر الفن. لكن يبدو أن النسر، – السودان كما رمزت له المسرحية – لم يسترد أجنحته بالكامل، حيث باغتته الحرب في الأخير، بعد مجازر اعتصام القيادة وانقلاب 25 أكتوبر والكثير من الأحداث السياسية التي قلمت الأجنحة.

من عرض مسرحية النسر يسترد أجنحته  بقاعة الصداقة 2021

مسارات جديدة رغم الحرب

تسببت حرب 15 أبريل 2023 في فواجع كبيرة لملايين السودانيين في مختلف أنحاء البلاد، فقد الآلاف أرواحهم جراء الحرب، ونزح ما يقارب 11 مليون شخص داخليًا وخارجيًا، وفقدت قطاعات واسعة من السودانيين والسودانيات مصادر دخلهم، خاصة الفئات الاجتماعية الهشة في القطاعات غير الرسمية، والتي من ضمنها الفنانين.

لم تكن منطقة صناعة العرض المسرحي استثناءًا، وذلك لأن قطاع الفنون بمختلف مجالاتها هشة، فنزحت الجماعة مع الآخرين إلى إقليم النيل الأزرق.

مسرح البنات

وبعد أشهر من بداية الحرب، في 18 أكتوبر 2023، أعلنت الجماعة عن انطلاق أول ورشة لها في ضمن مشروع (مسرح البنات) والتي وجّهت إلى السكان في ولاية النيل الأزرق، حيث سعت إلى تمليك المتدربات والمتدربين، والذين كانوا من المجتمع المحلي في إقليم النيل الأزرق، المهارات والمعارف الكافية حول صناعة العرض المسرحي والمتعلقة بتوظيف الجسد والأغاني والموروث الشعبي كمواد للعرض المسرحي.

 

وخلال الورشة استلهمت الجماعة الثقافة المحلية لإقليم النيل الأزرق من الأغاني والإيقاعات الموسيقية المختلفة، ومن بعدها انطلقت عدة عروض في مدن باو والرصيرص والدمازين في نوفمبر 2023.

 

وفي 14 نوفمبر الماضي، قدم العرض الختامي من سلسلة عروض مسرح البنات بمدينة الدمازين، وذلك بحضور غفير، من ضمنه عائلات المتدربات والمتدربين، الذين شاهدوا العرض وتوزيع الشهادات في نهاية مشروع تمكن من تقديم 9 عروض في أماكن مختلفة شملت 3 محافظات في إقليم النيل الأزرق.

صور العرض الختامي (من صفحة منطقة صناعة العرض المسرحي بفيسبوك)

ما تجترحه منطقة صناعة العرض المسرحي من مسارات في معالجة الواقع الاجتماعي والسياسي في السودان يتسم بالكثير من الحساسية الجمالية والسياسية، وهي حساسية منحازة بصورة جليلة للناس وحياتهم ومعيشهم اليومي، عبر استلهام الثقافات، وإشراك الناس كمقدمين لفنون تتماس مع حياتهم وقضاياهم، دون إغفال الجانب الفني الإبداعي، وذلك بتمليكهم أدوات الحرفة.

«محجوب محمد صالح».. رحيل قلم الصحافة السودانية الذهبي وعميدها


14 فبراير 2024 – «بدأتُ المشاغبة في العام 1940 وأنا طالب في المدرسة الوسطى السنة الثانية.. نشرت مقالًا في صحيفة صوت السودان اتهمت فيه أساتذة المدرسة الأولية بأنهم يمارسون المجاملة لمعارفهم وأصدقائهم في القبول للمدرسة الأولية، بدلًا من أن يخضعوا الجميع لامتحان واحد ويختاروا على أساسه».

يحكي عميد الصحافة السودانية وناشر ورئيس تحرير صحيفة الأيام اليومية، محجوب محمد صالح الذي رحل في العاصمة المصرية القاهرة أمس، عن عمر يناهز الـ96 عامًا، بدايات قصته مع عالم الصحافة والسياسة.

يواصل صالح في مقابلة تلفزيونية مع قناة الغد: «المدرسين اعتبروا هذا إهانة لهم وتشكيك في نزاهتهم و اشتكوني للناظر.. والناظر أمر بجلدي أربعين جلدة خُفضت إلى عشرة بعد واسطات ونفذت في طابور عام. منذ ذلك الوقت بدأت قصتي مع الصحافة».

فصل من الدراسة وبداية احتراف الصحافة


لعميد الصحافة السودانية تاريخ مبكر مع العمل العام الطلابي دفع ثمنه فصلًا من الدراسة. يقول «دخلت كلية الآداب سنة 1947 في أول دفعة تجلس لامتحان جامعة لندن الخارجي لنيل البكالوريوس.. وهذه كانت مجموعة فيها 28 طالبًا اجتازوا امتحان (كامبردج) الشهادة الثانوية البريطانية».

وتابع «قررنا إنشاء اتحاد عام للطلبة في كل السودان وكان رأي المدرسة أن هذا عمل مخرب ويدخل الطلبة في السياسة.. تصاعدت الأزمة وعملنا إضراب عام للطلبة في كل السودان ونجح الإضراب، تم فصلنا كنا 3 طلاب».

بدأت رحلة صالح الاحترافية في عالم الصحافة في أكتوبر 1949، بالعمل كمحرر في صحيفة سودان ستار الانجليزية التي كانت تصدر في الخرطوم عبر شركة تجارية بريطانية، في الوقت نفسه التحق بصحيفة السودان الجديد الناطقة بالعربية قبل أن يؤسس مع رفيقيه محجوب عثمان وبشير محمد سعيد صحيفة الأيام في عام 1953.

خلال رحلته مع عالم الصحافة ألف صالح المولود في عام 1928 بمدينة الخرطوم بحري عددًا من الكتب ونال جوائز عالمية كما شارك في تأسيس اتحادات صحفية عربية وأفريقية.

جوائز وشهادات فخرية وكتب

نال صالح العديد من الدرجات والجوائز حيث منحته جامعة الأحفاد للبنات الدكتوراه الفخرية في عام 2002 وحصل على جائزة المنظمة العربية لحرية الصحافة وجائزة منظمة فريدريش ايبرت لحقوق الإنسان (بالمشاركة مع ابيل الير) عام 2004. بالإضافة لجائزة القلم الذهبي من المنظمة العالمية للصحافة ومقرها باريس عام 2005.

كما حاز أيضًا، بحسب الموقع الإلكتروني لجائزة محجوب محمد صالح للصحافة السودانية، على جائزة مؤسسة نايت والمركز الصحفي العالمي واشنطن عام 2006 ومنحته جامعة الزعيم الأزهري الدكتوراة الفخرية عام 2006 . شغل منصب رئيس جمعية الصداقة السودانية الشمالية الجنوبية كما تقلد وظيفة رئيس مركز الأيام للدراسات الثقافية والتنمية واختارته لجنة تخليد ذكرى الروائي الراحل الطيب صالح شخصية العام في فبراير عام 2013، علاوةً على ذلك حصل على جائزة حقوق الإنسان للعام 2018 من قبل الاتحاد الأوروبي.

ألف صالح والذي أشتهر بزاويته اليومية «أصوات وأصداء» عددًا من الكتب بينها تاريخ الصحافة السودانية في نصف قرن، أضواء على قضية الجنوب، مستقبل الديمقراطية في السودان، العدالة الاجتماعية في السودان، دراسات حول الدستور بجزئيه الأول والثاني دراسات حول الدستور الجزء الثالث.

مدافع شرس عن السلام والديمقراطية

وأعلنت نقابة الصحفيين وفاة عميد الصحافة السودانية، محجوب محمد صالح، الثلاثاء بمستشفى «هيفن» بالعاصمة المصرية القاهرة.

وقالت في بيان أمس «لقد كان الفقيد شخصية بارزة في وسائل الإعلام السودانية، حيث ساهم في إعداد أجيال من الصحفيين بنزاهته ومهنيته وتفانيه والتزامه الثابت بالحقيقة».

وأضاف بيان النقابة «لم تكن الصحافة التي أرساها (العميد) قط تدور حول الإثارة أو تحقيق مكاسب شخصية. لقد كان مدافعًا شرسًا عن السلام والديمقراطية وحقوق الإنسان، مستخدمًا منصته لفضح الظلم وإعطاء صوت لمن لا صوت لهم. غالبًا ما وضعه عمله على خلاف مع السلطات، لكنه لم يتردد أبدًا في سعيه وراء الحقيقة والمساءلة».

وتابعت النقابة «يعد الأستاذ أحد المساهمين في تأسيس نقابة الصحفيين، وظل من الداعمين لعودتها بعد ثورة ديسمير منذ أن كانت حلمًا وعمل عبر مبادرته للإصلاح بين الأجسام المختلفة، كما سلم النقابة المنتخبة أرشيفًا يضم محاضر تاريخية للنقابة ويعد الأرشيف إرثاً للأجيال السابقة والحالية واللاحقة للصحفيين والصحفيات. بفقده تفقد البلاد رجلاً حكيماً ووطنياً غيوراً، وبرحليه تطوي الصحافة السودانية سيرة ملهمة للصحفيين والصحفيات».

جائزة محجوب محمد صالح للصحافة السودانية

في عام 2017، تم إطلاق جائزة محجوب محمد صالح للصحافة السودانية والتي تهدف، بحسب موقعها الإلكتروني، إلى تعزيز دور الصحافة في خدمة المجتمع وإعلاء قيمة حرية التعبير والإسهام في إثراء وتجويد العمل الصحفي وتشجيع روح التنافس وإبراز الأقلام الصحفية الواعدة والإسهام في تطوير الفنون الصحفية واستنهاض روح الابتكار والإبداع في العمل الصحفي.

«الدلنج».. مدينة التنوع والتاريخ السياسي تحت نيران الحرب ومخاوف الصراع الاجتماعي

تعيش مدينة الدلنج، ثاني أكبر مدن ولاية جنوب كردفان بعد عاصمتها كادوقلي، أوضاعًا أمنية عصيبة على إثر المعارك التي استمرت لأسبوعٍ كامل، في أعقاب سيطرة قوات الدعم السريع على منطقة هبيلة (شرق الدلنج) وتقدمها نحو المدينة. 

 

وإثر محاولتها التوغل إلى داخل مدينة الدلنج تصدى لها الجيش السوداني وقوات يُعتقد أنها تتبع للجيش الشعبي التابع للحركة الشعبية – شمال بزعامة عبد العزيز الحلو، بالتزامن مع تقارير صحفية أشارت إلى وجود تنسيق مشترك بين الطرفين.  

 

لكن زعيم الحركة الشعبية – شمال عبد العزيز الحلو، نفى وجود أي تنسيق لقواته مع الجيش السوداني، وقال إنه لا علاقة للحركة الشعبية بالحرب التي تدور حاليًا في السودان، مضيفًا «هذه حرب بين مؤسسات السودان القديم».  

 

وتابع في تصريح لموقع الحركة الشعبية على الانترنت إن هناك بعض الجهات تعمل على نشر الشائعات والترويج لتحالف الحركة الشعبية مع الدعم السريع تارة، والقوات المسلحة تارة أخرى. وهذا كله غير صحيح.

 

ولم يستبعد الحلو أن تتقسم البلاد إلى عدة دويلات في حال عدم تدارك القوى السياسية السودانية للوضع الراهن ومخاطبة ما وصفها بجذور المشكلة، مضيفًا «لقد ناقش وفدنا المفاوض جميع هذه القضايا مع وفد الحكومة الانتقالية دون الوصول إلى نتيجة».

 

من جانبه، أكد المدير التنفيذي لمحلية الدلنج، إبراهيم عبدالله عمر، في بيان تعاون وتضامن الجيش السوداني والجيش الشعبي والقوات النظامية الأخرى في حماية المدينة والمواطنين والسوق من السرقات والنهب وحفظ الأمن.

وطالب عمر التجار بفتح المحال التجارية، داعيًا المواطنين العودة إلى منازلهم بعد أن تم «دحر الدعم السريع ومليشيات الجنجويد منها الأسبوع الماضي». كما أصدرت المحلية قرارًا بمنع ترحيل المواد الغذائية إلى خارج المحلية تجنبًا لحدوث ندرة في المواد والسلع الاستراتيجية.

 

وتسببت هذه المعارك العسكرية في تصعيد آخر على المستوى الاجتماعي بين المجموعات الإثنية التي تسكن المنطقة وهو ما ينذر بتصاعد خطاب الكراهية والعنف الموجه بناء على الانتماء العرقي في مدينةٍ عُرفت تاريخيًا بالتنوع والتعدد الإثني والاجتماعي.

صورة عن الدلنج

يعود تاريخ مدينة الدلنج، الواقعة في أقصى شمال ولاية جنوب كردفان إلى القرن التاسع عشر، حيث كانت مجرد قرية صغيرة تقطنها إثنية النوبة لتتطور بعدها إلى سوقٍ موسمية للتجارة وتبادل السلع بين سكانها والرحل الذين يمرون بها. هذا النشاط التجاري فتح المدينة على الثراء الإثني وجعلها فضاءً للتعدد بين مختلف الإثنيات بما في ذلك النوبة والحوازمة والفلاتة والرزيقات والمسيرية.

 

وتعتمد المدينة في نشاطها الاقتصادي على قطاعي التجارة وهناك طيف من الحرف اليدوية. كما تشتهر بصناعة الجلود، والزراعة، والرعي، علاوة على الزراعة التي يمثلها مشروع هبيلا الزراعي (شرق المدينة) وهو أحد أكبر المشاريع الزراعية، وينتج الغلال؛ مثل الذرة البيضاء المعروفة محلياً باسم الفيتريته وكذلك الذرة الشامية، بالإضافة إلى السمسم.

تشكل الأفق السياسي للمدينة

برزت مدينة الدلنج إلى الفضاء السياسي السوداني في العام 1881، مع انطلاق الثورة المهدية في السودان ضد الاستعمار التركي – المصري، بزعامة الإمام محمد أحمد المهدي، حيث اعتصم ورابط رفقة قواته في جبال النوبة، لتمثل الدلنج قاعدة انطلاق وتقدّم عسكري لجيوش المهدية ضد القوات الاستعمارية. 

 

وبعدها، ما بين عامي 1912 – 1913، انطلقت مقاومة أخرى، وهذه المرة ضد الاستعمار البريطاني، بزعامة السلطان عجبنا، قبل أن تتمكن سلطات الاستعمار من إلقاء القبض عليه وإعدامه. 

 

تجدر الإشارة إلى أن الدلنج قد شهدت حركة مقاومة أخرى ترأسها الفكي على الميراوي، والتي كانت مقاومة مسلحة ضد الاستعمار البريطاني أيضاً، والتي استمرت في السنوات ما بين 1914 وحتى 1927.

جامعة الدلنج

مثَل معهد المعلمين بمدينة الدلنج، والذي أنشئ في العام 1948، أحد أهم منارات تدريب المعلمين السودانيين، وذلك بجانب معهد بخت الرضا في سنوات الخمسينيات والستينيات وحتى بداية التسعينيات. وفيما بعد أصبح المعهد نواة لكلية التربية بجامعة كردفان ثم جامعة الدلنج التي تأسست فى العام 1994 وتضم حوالى خمس كليات أبرزها كلية التربية وكلية تنمية المجتمع والعلوم الزراعية وكلية العلوم.

المدينة في ظل حرب 15 أبريل

أثرت الحرب، التي اندلعت في الخامس عشر من أبريل 2023، في العاصمة الخرطوم بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، على التحركات العسكرية وخارطة السيطرة على ولاية جنوب كردفان ككل. حيث شهدت عاصمة الولاية كادوقلي، اشتباكاتٍ مسلحة بين الجيش السوداني والجيش الشعبي والتي نزح على إثرها الآلاف من أحياء حجر المك الشرقية إلى أحياء أخرى داخل المدينة. 

 

أما في مدينة الدلنج، فكانت قوات الدعم السريع قد سيطرت على منطقة هبيلة الزراعية (شرق الدلنج) ضمن محاولاتها لدخول المدينة، إلا أن قوات الجيش الشعبي استبقها إلى المدينة لتدور بعدها اشتباكات بين الجيش السوداني والجيش الشعبي من جهة ضد قوات الدعم السريع، فيما لم يُعلن عن تحالف بشكل رسمي بين الطرفين. 

خطر التصعيد الإثني

بدأ، مزامنة مع تقدم الدعم السريع إلى منطقة هبيلا شرق الدلنج، صعود خطاب التصعيد الإثني والانحيازات القبيلة ما بين المجموعات الإثنية من النوبة والمجموعات العربية التي تعيش في نفس المنطقة من أزمان سحيقة وهو ما هدد النسيج الاجتماعي في المدينة، وأعاد رسم خارطة التحالفات الاجتماعية والعسكرية على أساس إثني. وهو ما انعكس في مهاجمة شرسة لحي أبو زيد بالدلنج والاعتداء على مواطنيه من مكون «الحوازمة» على أسس إثنية واتهامهم بالانتماء إلى الدعم السريع.

عربات الدفع الرباعي تنقل المأساة إلى «ود مدني» وأجزاء من ولاية الجزيرة

الجزيرة، 20 ديسمبر 2023 – لم يكن يتوقع سكان قرى شرق الجزيرة ومدينة ود مدني ونازحوها الذين فرّ غالبيتهم من الحرب في العاصمة السودانية الخرطوم، أن يستيقظوا صبيحة يوم الجمعة الماضي، على وقع اشتباكات بين الجيش وقوات الدعم السريع على بعد مسافة 15 كيلو مترًا، من إحدى أكبر مدن البلاد والتي تأوي مئات الآلاف من النازحين، فضلًا عن حوالي مليون من مواطنيها. 

 

يومها، لأول مرة منذ اندلاع الحرب دوى صوت رصاص قوات الدعم السريع على بعد حوالي 186 كيلو مترًا جنوب العاصمة السودانية الخرطوم المنكوبة بالحرب على مدى التسعة أشهر الماضية، على تخوم مدينة ود مدني عاصمة  ولاية الجزيرة وأكثرها احتضاناً للنازحين الفارين من حرب الخرطوم. 

 

انطلقت الرصاصات الأولى صبيحة الخميس في قرية أبو قوته الصغيرة ليُسمع صداها في وود مدني ورفاعة الجمعة، ناقلة بذلك قوات الدعم السريع الحرب إلى الولاية المجاورة للخرطوم، ومعلنةً  ميلاد مأساة جديدة على متن عربات الدفع الرباعي.  

 

ومع مغيب شمس اليوم نفسه تنفست أبو قوتة الصعداء بعد تراجع القوات التي عاثت فيها فسادًا لساعات، لتشرق شمس يوم الجمعة بحرب في شرق مدينة ود مدني شملت مناطق أبوحراز وحنتوب وأم عليلة والأخيرة بها مستودع للنفط حاولت الدعم السريع الحصول على إمداد منه قبل أن يلاحقها الطيران الحربي التابع للجيش وتتراجع إلى أبوحراز.

 

بالتزامن مع التصعيد الجديد، أصدر والي الجزيرة، الطاهر إبراهيم، أمر طوارئ قضى بحظر تجوال الأفراد والمركبات بداية من الساعة السادسة مساء وحتى السادسة صباحًا، فيما استثنى أمر الطوارئ الكوادر الصحية وعربات الإسعاف والنيابة والجيش.

 

وفيما توالت بيانات الإدانة المحلية لهجوم الدعم السريع، حثت الولايات المتحدة الأمريكية في بيان الدعم السريع لوقف تقدمها في ولاية الجزيرة فورًا والامتناع عن مهاجمة ود مدني، وطالبت الجيش السوداني بعدم الاشتباك معها أو ارتكاب أي أعمال تعرض حياة المدنيين للخطر.


إقليميًا، ناشد سكرتير الهيئة الحكومية للتنمية في أفريقيا (إيقاد)، اورقيني قبيهو، في تغريدة على حسابه بمنصة (X) طرفي القتال لوقف التصعيد، وقال : «إنني أدعو كلاً من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع إلى الاستجابة لدعوة الجمعية العمومية غير العادية الحادية والأربعين للإيقاد لوقف الأعمال العدائية وحل النزاع من خلال الحوار».

أزمة إنسانية جديدة:

 

بإستشعار المواطنين وخاصة النازحين الخطر للمرة الثانية وتوغل قوات الدعم السريع إلى تخوم ود مدني، بدأ تدفق النازحين منذ الساعات الأولى في اليوم الثاني للهجوم، بالقدر الذي عجز الطريق القومي ود مدني – سنار عن تحمله إذ علق عشرات المسافرين إلى سنار والقضارف في زحمة سير كبيرة مما أخر وصولهم إلى الوجهات الجديدة، كما ارتفعت أسعار التراحيل ثلاثة أضعاف.

 

وقالت الأمم المتحدة، إن 14 ألف شخص فروا من المنطقة، وإن بضعة آلاف وصلوا بالفعل إلى مدن أخرى، مشيرة إلى أن الولاية كانت قد استضافت نصف مليون شخص منذ بداية الحرب، معظمهم من الخرطوم.

 

وكان والي الجزيرة، قد أعلن في نهاية نوفمبر الماضي عن استضافة الولاية 7 ملايين و121 ألف و144 متأثر بالحرب.

 

ومن جانبها أعلنت لجان مقاومة مدني عن قطوعات في التيار الكهربائي  منذ ظهر الجمعة.  ونعت أحد سكان منطقة حنتوب قائلة إنه قتل أثناء دفاعه عن عرضه وماله أثناء اقتحام قوات تتبع للدعم السريع منزله.

 

بدوره، أصدر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (أوتشا) تحديثًا طارئًا حول الوضع في ولاية الجزيرة وأعلن عن تعليق كافة البعثات الإنسانية داخل الولاية.

 

وكشفت المنظمة أن الولاية كانت تحتضن عددًا من المنظمات التي تعمل في المجال الإنساني بما في ذلك 25 منظمة غير حكومية دولية و 21 منظمة غير حكومية وست وكالات تابعة للأمم المتحدة.

وقالت إن خمسة ملايين شخص يعيشون في ولاية الجزيرة من بينهم 700 ألف شخص في مدينة ود مدني وحدها، فضلًا عن وجود ما يقارب نصف المليون نازح في الولاية بينهم 86 ألف منهم في مدينة ود مدني.

 

في اليوم الثاني لسيطرة الدعم السريع على مدينة ود مدني ناشد أحد العاملين بدار الرعاية للاطفال فاقدي السند (المايقوما) في فيديو مصور الجهات المسؤولة لإنقاذ أكثر من مئتي طفل بينهم أطفال ذوي احتياجات خاصة. وعبر عن تخوفه من تكرار ما حدث للأطفال في الخرطوم، وطالب المنظمات الإنسانية للتدخل العاجل من أجل إخراج الأطفال إلى بر الأمان.  

ووجهت اللجنة التمهيدية لنقابة اطباء السودان نداءً عاجلاً اطفال المايقوما الى جانب 91 من الأمهات البديلات العاملات في الدار الذين تم ترحيلهم من الخرطوم إلى مدني، مشيرة إلى أن جميعهم في وضع خطير ويحتاجون إلى المساعدة الفورية.

يذكر أن أطفال المايقوما كانوا قد واجهوا ظروفًا عصيبة في أعقاب اندلاع الحرب في مدينة الخرطوم، حيث قبع الأطفال تحت مرمى النيران لأسابيع قبل أن يتم إنقاذهم و إجلائهم إلى مدينة ود مدني في يونيو السابق .

استهداف المراكز الصحية:

 الاثنين، أعلنت اللجنة التمهيدية لنقابة الأطباء السودانين عن إغلاق مستشفى رفاعة بعد اقتحامه من قبل قوات الدعم السريع، مشيرة إلى أن الوضع لم يعد آمنًا في المستشفى وما حولها، خاصة بعد ما أسفر الهجوم عن مقتل طبيب واختفاء طبيبين من كوادر المستشفى.

و السبت حذرت اللجنة من نتائج الحرب مشيرة الى اننا نواجه احد أكبر الكوارث الإنسانية في ظل الحرب، بعدما تحولت المدينة التي أضحت ملاذاً آمنًا لمرضى أمراض القلب والسرطان والكلى و الحالات الطبية المستعصية، بما في ذلك مصابي الحرب والمرضى بأقسام العناية المركزة على شفا كارثة صحية وإنسانية جديدة.

وبحسب اللجنة، فإن المستشفيات أضحت خاوية وغير قادرة على تقديم الخدمات الطبية، من بينها مستشفى الجزيرة للطوارئ والإصابات الذي خرج عن الخدمة عقب (احتلاله) بحسب بيان اللجنة، فضلًا عن إغلاق مركز ود مدني لأمراض وجراحة القلب لكونه يقع في مرمى نيران الاشتباكات العسكرية.

خسائر ميدانية:

 

لم تلبث ولاية الجزيرة التي تنفست الصعداء، أن تحظى بليلة هادئة على وقع خبر انتصار الجيش في معركة الليلة الثانية منذ هجوم الدعم السريع عليها، إذ تواردت الأخبار منذ عصر الأحد حول تراجع قوات الدعم السريع من مدينة ود مدني. 

وشهدت ليلة الأحد الموافق 17 ديسمبر اشتباكات وانتشار متفرق لقوات الطرفين في القرى المجاورة لمنطقة ود مدني. 

لكن، مع طلوع فجر الاثنين 18 ديسمبر عادت الاشتباكات لمنطقة حنتوب شرقي ود مدني. وأعلنت الدعم السريع سيطرتها على رئاسة اللواء الأول الفرقة الأولى مشاة و معسكر الاحتياطي المركزي بالقرب من كبري حنتوب. 

 

وبعد ساعات تواردت الأنباء عن انسحاب الجيش من مدينة ود مدني ومنطقة حنتوب بشكل كامل لتدخل بذلك ولاية الجزيرة في عداد الولايات الواقعة تحت وطأة سيطرة الدعم السريع وانتهاكاتها المتواصلة. 

 

وخلال يومين فر الآلاف من قرى ومدن الجزيرة بينما تمكنت بعض القرى من عقد اتفاق بين الإدارة الأهلية والدعم السريع للسماح لهم بفتح الأسواق وعدم التعرض للأهالي.

 

أما المواطنون في مدينة ود مدني يعيشون حالة من الهلع ويحاول الآلاف الخروج إما سيرًا على الأقدام أو عن طريق عربات خاصة وجميع وسائل النقل المتاحة، إلا أن عددًا كبيرًا من الأسر المتجهة جنوبًا نحو طريق مدني – سنار فوجئوا باعتراض قوات الدعم السريع طريقهم قبل الخروج من المدينة، إذ قامت بإرجاعهم ومنع الحركة جنوبًا. 

 

واليوم دخلت قوات الدعم السريع مدينة الحصاحيصا واستولت على رئاسة شرطة المحلية. 

وقالت لجان مقاومة الحصاحيصا في تحديث لها إن قوات الدعم السريع اقتحمت السوق ونهبت عددًا من الدكاكين و نفت وجود أي قوة عسكرية من الجيش في كامل المنطقة.

 وشهدت المنطقة أحداث نهب وتخريب طال منازل (المايقوما) وتعرض المواطنون إلى سرقة أموالهم وعرباتهم تحت تهديد السلاح.

تقارير بيم