Category: سياسي

كيف تحولت ثورة أكتوبر 1964 إلى معركة مستمرة لاستعادة الحكم الديمقراطي في السودان؟

“من غيرنا يعطي لهذا الشعب معنى أن يعيش وينتصرْ، من غيرنا ليقرر التاريخ والقيم الجديدةَ والسيرْ، من غيرنا لصياغة الدنيا وتركيب الحياةِ القادمةْ، جيل العطاءِ المستجيش ضراوة ومصادمةْ، المستميتِ على المبادئ مؤمنا، المشرئب إلى السماء لينتقي صدر السماءِ لشعبنا، جيلي أنا”. 

بهذه الأبيات وغيرها، وثّق الشاعر والدبلوماسي محمد المكي إبراهيم لثورة أكتوبر 1964م، والتي انطلقت شرارتها الأولى في يوم 21، لتطيح بحكم الجنرال إبراهيم عبود (1958-1964م)، أول نظام عسكري في السودان بعد الاستقلال، قبل أن تفتح الباب واسعاً أمام السودانيين في مسيرتهم لمقاومة الحكم العسكري وتأكيد رغبتهم في الحكم المدني الديمقراطي. حيث تعتبر ثورة أكتوبر 1964م، حدثاً فريداً من نوعه في العالمين العربي والأفريقي ومعلماً للشعوب التي تنشد التحرير من قيود القهر والاستبداد. 

تأتي الذكرى الـ 58 لأكتوبر والبلاد ما تزال تحت قبضة الحكم العسكري التي تراخت على وقع ضربات ثورة ديسمبر 2018م، لكن سرعان ما أعاد الجيش سيطرته على مقاليد السلطة مرةً أخرى في أكتوبر الماضي، وذلك بعد أقل من ثلاث سنوات على إسقاط أطول الأنظمة العسكرية بقاءً في السلطة، نظام الرئيس المخلوع عمر البشير (1989-2019م).

يوضح المكي، الذي كان مشاركاً في الثورة وأحد أصواتها البارزة، في كتابه (أكتوبر، نار الأمل ورماد الخيبة) دور ثورة أكتوبر بالقول : “إن الافتتان بأكتوبر ليس مصدره حكومتها قصيرة الأجل، ومنجزاتها الحقيقية والمتوهمة، إنما روحها العام ومبادئها المعلنة كحركة مناهضة للديكتاتورية ونجاحها الفريد في اجتثاث نظام عسكري مستعد للبطش وإراقة الدماء، ذلك على أيدي متظاهرين عزل من السلاح”.

شرارة البداية

 “بدأت شرارة ثورة أكتوبر 1964م، يوم الأربعاء 21 أكتوبر، عندما هاجمت الشرطة ندوة طلابية بداخلية جامعة الخرطوم، حيث انطلقت مكبرات الصوت من الشرطة داعية الطلاب إلى التفرق، رغم أن الندوة عُقدت بمنطقة سكنهم، لكن مدير الندوة رد طالباً من الحضور التشبث بأماكنهم والاستمرار في الندوة. عندها انقطع التيار الكهربائي بفعل القوات الأمنية وانهمر الغاز المسيل للدموع على الطلاب. وفي ذلك الظلام الدامس، اِلتحم الطلاب مع الشرطة منهالين عليها بالحجارة، فيما استخدمت الشرطة الرصاص الحي الذي كان بمثابة صيحة يأسهم الأخيرة، لكن الطلاب اختاروا الاستبسال في المقاومة مواجهين رصاص الشرطة لما يقارب الساعتين، أسفر ذلك عن جرحى وسط الطلاب ومقتل أول شهيد لحركة الطلاب السودانيين، الشهيد أحمد طه القرشي الطالب بكلية العلوم والذي أردته رصاصة غادرة وهو يقف مع رفاقه في الصفوف الأمامية بمواجهة الشرطة، لقد مات معه وبعده كثير من الشهداء ذلك المساء وما بعد ذلك المساء.

انطلاق الثورة

بعد مقتل القرشي، حُول جثمانه إلى مشرحة مستشفى الخرطوم الملكي، وفي صباح اليوم التالي الخميس 22 أكتوبر، شُيّع جثمانه بميدان عبد المنعم محمد بوسط الخرطوم بمشاركة عشرات الآلاف،  وردد المتظاهرون شعارات مناهضة للحكومة، كما قدم أعضاء هيئة التدريس في جامعة الخرطوم استقالاتهم، حيث قالوا إنهم لن يقوموا بسحبها إلا في حال انتهى النظام العسكري وتشكيل حكومة دستورية من شأنها حماية استقلال الجامعة. 

لم يتردد المشيعون وانطلقوا للتظاهر في غضب واحتقان عارم، امتد الحراك ليشمل معهد المعلمين والمعهد التقني وطلاب المدارس الثانوية مجتمعين في  مواكب حاشدة بوسط الخرطوم تعلم وجهتها جيدا وتردد بإصرار “نحو القصر حتى النصر”

تواصلت الاحتجاجات وبدأ انفجار ولايات السودان ثائرة واحدة تلو الأخرى بالرغم من قمع الاجهزة الأمنية وارتفاع أعداد المصابين والشهداء الذين تجاوز عددهم الثلاثين شهيداً.

في الأثناء، بدأت المعارضة في تنظيم صفوفها حيث انضمت النقابات المهنية والعمالية واستخدمت آليات مبتكرة كإجراءات الإضراب السياسي العام والتظاهر اليومي وغيرها، لم يضطر النظام أن يتعامل مع آليات مشابهة من قبل ما سبب شللا في الوضع العام بالبلاد، فصار نظاما مترنحا يقمع بقوة تارة و يرخي الحبل تارة أخرى.

تسارع الأحداث

مع استمرار التظاهرات، تسارعت الأحداث، حيث أصدر حزب الأمة في يوم الجمعة 23 أكتوبر، بيانا شجب فيه السياسة الاقتصادية للنظام وارتفاع تكاليف المعيشة في البلاد، وطالب بدستور ديمقراطي. في يوم السبت 24 أكتوبر استمرت التظاهرات الطلابية وامتدت إلى مدن أخرى، بما في ذلك أمدرمان وجوبا وبورتسودان، وفي هذا اليوم حاولت مجموعة من المهنيين بقيادة المحامين تقديم التماس ضد الأعمال الوحشية التي ارتكبتها حكومة عبود، لكن لم يُسمح للمهنيين بالمضي قدماً، ولكن قبل أن يتفرق الناس أعلنوا إضرابا عاما. 

تحت ضغط الثورة، أعلن الجنرال إبراهيم عبود، في يوم الاثنين 26 أكتوبر، حل المجلس العسكري الأعلى ومجلس الوزراء فيما وصفها “خطوة أولى على طريق إعادة تنظيم شؤون الدولة وإعداد دستور”. لكن في يوم الأربعاء 28 أكتوبر، صدر بيان عن مجموعة من ضباط الجيش أطلقوا على أنفسهم “الضباط الأحرار” أعلنوا فيه انضمامهم للشعب من أجل استعادة الديمقراطية والدستور.

وفي 30 أكتوبر دعا عبود إلى إجراء حوار وطني دون شروط وتشكيل حكومة جديدة يكون هو جزء منها، حيث تم تشكيل حكومة جديدة في نفس اليوم برئاسة مساعد وزير التربية والتعليم سر الختم الخليفة، لكن المؤسسة العسكرية السودانية قامت باعتقال الضباط الذين كتبوا بيان الضباط الأحرار، فتظاهر الناس تضامنا معهم، وسرعان ما انتشرت الاضطرابات ولم يستطع الفريق عبود مواجهتها، ليتقدم باستقالته في الخامس عشر من نوفمبر التالي ويسلم السلطة إلى المدنيين.

مع مرور الذكرى الثامنة والخمسون لثورة أكتوبر 1964م اليوم الجمعة، يكاد السودانيون يلمسون “نار الأمل”، غير أن “رماد الخيبة” يتجلى لهم واضحاً، فبعد كل هذه السنوات على اندلاع ثورة أكتوبر 1964م، ما تزال البلاد تحت قبضة الحكم العسكري، عقب انقلاب 25 أكتوبر 2021م. ليتجاوز عمر الحكم العسكري في البلاد الـ 53 عاماً، من مجمل 66 عاماً منذ الاستقلال، والتي انطلقت خلالها ثورة أكتوبر 1964م كميلاد جديد للسودانيين في مسيرتهم لمقاومة الحكم العسكري وتأكيد رغبتهم في الحكم المدني الديمقراطي.

يواجهون الموت والسجن والتجاهل.. ما مصير المهاجرين السودانيين بالمغرب؟

قتلى وجرحى ومفقودين، ومطاردين ومحكومين بالسجن لسنوات”، هكذا انتهى المطاف بغالبية المهاجرين السودانيين بالمغرب، في محاولتهم لتجاوز السياج الحدودي والعبور إلى إسبانيا. 

ويوم الأربعاء الماضي، أصدرت محكمة مغربية حكماً بالسجن على 15 مهاجراً سودانياً لفترات تراوحت بين سنتين إلى ثلاث سنوات. وكان المسجونون قد اعتقلوا قبل أربعة أشهر، إثر محاولة ما يزيد عن الـ 2000 مهاجر، غالبيتهم من السودان، والجزء الآخر منهم من جنوب السودان وتشاد، تخطي السياج الفاصل بين مدينة الناظور المغربية وجيب مليلية (منطقة تشهد تنازع على سيادتها بين المغرب وإسبانيا). 

ورغم مقتل عدد من المهاجرين السودانيين بالمغرب والأحكام القاسية بالسجن والمصير المجهول لبعضهم، إلا أن حكومة الأمر الواقع بالبلاد، لم تتخذ ما يكفي من الإجراءات السياسية والدبلوماسية، لمساعدة مواطنيها.

مأساة 24 يونيو

وفقاً للشرطة المغربية، فإن 23 مهاجراً لقوا مصرعهم في أحداث الرابع والعشرين من يوليو. حيث استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع والحجارة على المهاجرين المتشبثين بالسياج. فيما تقول الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، إن عدد القتلى بلغ 27 مهاجراً.  

وفي أعقاب التصدي العنيف للمهاجرين والذي أدى إلى مقتل العشرات منهم، خرجت تظاهرات في العاصمة المغربية الرباط، وعدة مدن إسبانية للتنديد بالعنف الذي مورس ضد المهاجرين. وطالب المحتجون بإجراء تحقيق حول الحادثة، قبل أن ينددوا بسياسات الهجرة وعنف الشرطة في الحدود.  

من جهتها، استنكرت الأمم المتحدة لجوء كل من: المغرب وإسبانيا لاستخدام العنف المفرط ضد المهاجرين، وقال الناطق الرسمي باسم الأمم المتحدة يوم الثلاثاء، الموافق 28 يونيو “لقد صدمنا بمشاهد العنف الذي وقع عند الحدود بين المغرب وإسبانيا في شمال أفريقيا في 24 يونيو، والذي أسفر عن مقتل العشرات من طالبي لجوء ومهاجرين”. وأكد على أن للمهاجرين حقوق واجبة الاحترام، إلا أنها تُنتهك في كثير من الأحيان. وخلال جلسة شهدتها محكمة الاستئناف بمدينة الناظور المغربية بتاريخ 12 أكتوبر الجاري، قال المعتقل العبيد عوض محمد، إنه وبعد اجتيازه السياج الحدودي نحو مليلية، قبض عليه الحرس المدني الإسباني وسلمه إلى الشرطة المغربية. الأمر الذي  يعتبر خرقاً لقانون اللجوء، وحق المهاجرين في طلب الحماية. نٌقل العبيد إلى مخفر الشرطة وحكم عليه بالسجن لثلاث سنوات.

مسارات بديلة

في العقد الأخير، ومع صعوبات الحياة وانعدام الفرص وتدهور الأوضاع الاقتصادية وتنامي النزاعات المسلحة في البلاد، ارتفع عدد الشباب الذين سلكوا طريق الهجرة، حاملين آمالاً وأحلاماً بعيش حياة كريمة، بعدما ضاقت عليهم الحياة وحاصرتهم في السودان. حيث يخاطر آلاف السودانيين بحياتهم، في سبيل الوصول إلى أوروبا وطلب اللجوء إليها، وبعدما جربوا لسنوات البحر والصحراء، ها هم يحاولون ركوب مخاطر جديدة للعبور إلى أوروبا عبر السياج الحدودي الفاصل بين المغرب وإسبانيا.

وغالبية المهاجرين السودانيين الموجودين في المغرب  قدموا من ليبيا والتي فروا منها بسبب الوضع الأمني المعقد، والتعرض المستمر للسجن والاعتقال والمعاناة اليومية، لتصبح المغرب مساراً جديداً في رحلة المهاجرين الذين يحلمون بالوصول إلى أوروبا. فمع استعصاء ذلك عن طريق بوابة ليبيا إلى إيطاليا، ها هم يحاولون الوصول إلى إسبانيا عن طريق بوابة المغرب.

وفي سبيل محاولتهم العبور إلى أوروبا، يعيش المهاجرون السودانيين في المملكة المغربية أوضاعاً قاسية عنوانها الفقر والتشرد، فيما يشتكي كثيرون بينهم من عمليات مطاردة واعتقال من قبل الشرطة. ويطمح المهاجرون في الحصول على وضعية لجوء تمكنهم من مواصلة حياتهم بشكل طبيعي.

استجابة خافتة

بعد انتشار خبر مقتل 23 مهاجراً أثناء محاولتهم عبور السياج الحدودي بين مدينتي الناظور ومليلية، ووجود معلومات عن أن من بين القتلى مهاجرين سودانيين، عقد وكيل وزارة الخارجية السودانية، دفع الله الحاج علي، اجتماعاً مع سفير المغرب، حيث طلب الحاج السفير المغربي موافاة وزارة الخارجية بما يتوافر لديهم من معلومات وتسهيل مهمة سفارة السودان في الرباط لزيارة مراكز الحجز وتوفير المعلومات من الجهات المختصة بشأن الضحايا جراء الأحداث. وحسب الحاج، فإن الخارجية لم تتوصل إلى معلومات موثوقة إذا ما كان من بين الضحايا مهاجرين سودانيين.

بالمقابل، تعيش أسراً سودانية حالة من الهلع والخوف على حياة أبنائها مجهولي المصير فيما تنشط عدد من المبادرات الفردية والجماعية لمعرفة مصير المهاجرين، والذين اُحتجز جزء منهم وأصدر في حقهم عقوبات بالسجن والغرامة. وفي حين أن الخارجية السودانية لم تقدم أي معلومات دقيقة حتى الآن، إلا أن الجمعية المغربية تتابع بصورة لصيقة أوضاع السودانيين في المغرب، وتنشر باستمرار أسماء المهاجرين المسجونين وتتابع قضاياهم في المحاكم المغربية. 

فيما لا يزال مصير كثير من المهاجرين السودانيين بالمغرب مجهولاً، حيث لا تتوافر بعد معلومات دقيقة عن القتلى في أحداث 24 يونيو الماضي، أو الجرحى وأماكن وجودهم. وفيما يعيش أهالي المهاجرين حالة من الترقب والانتظار، فإن الجهة الوحيدة التي تعمل برفقتهم حتى الآن هي الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، والتي تطالبهم بإرفاق أسماء وصور أبنائهم حتى تتمكن من مساعدتهم في البحث عنهم. 

بعد مرور عدة أشهر عليها وتفاقهما أخيراً، ما تزال مأساة السودانيين في المغرب مستمرة، والتي وصلت أوجها في الرابع والعشرين من يونيو الماضي، مع غياب كامل لتحركات سودانية رسمية حقيقية لاستجلاء أوضاعهم وتقديم المساعدة لهم، ولمعرفة المزيد حول الأمر حاول فريق (بيم ريبورتس) التواصل مع المتحدث باسم الخارجية عدة مرات لكنه لم يرد.

كيف مهّد اعتصام القصر الجمهوري الطريق أمام انقلاب 25 أكتوبر؟

الليلة ما بنرجع إلا البيان يطلع، هذا كان هتاف القيادي بمجموعة ميثاق التوافق الوطني، التوم هجو، من داخل منصة اعتصام القصر الجمهوري بالعاصمة السودانية الخرطوم في الفترة ما بين 16 إلى 25 أكتوبر 2021م، وسط مئات المؤيدين للإطاحة بالحكومة الانتقالية. 

مهّد الاعتصام الذي شاركت فيه إدارات أهلية قدمت من ولايات البلاد المختلفة، وجماعات وكيانات محسوبة على بعض الحركات المسلحة، الطريق أمام الجيش للاستيلاء على السلطة في 25 أكتوبر عبر انقلاب عسكري.

بدأ اعتصام القصر الجمهوري، بمظاهرات يوم السبت 16 أكتوبر 2021م، دعت إلى حل الحكومة الانتقالية وتشكيل حكومة جديدة، وسرعان ما وصل المئات إلى بوابة القصر الجمهوري الجنوبية بشارع الجامعة وبدأوا فوراً في نصب منصة للاعتصام. وقال قادة المتظاهرين، إنهم يعتزمون مواصلة الاعتصام أمام القصر حتى تحقيق مطالبهم، فيما تناوب قادة من مجموعة الميثاق الوطني على إلقاء خطب من منصات تم نصبها لهذا الغرض.

بالتزامن مع بداية اعتصام القصر، في السادس عشر من أكتوبر 2021م، أجازت مجموعة ميثاق التوافق الوطني، بالخرطوم ميثاقاً طالبت فيه بتوسيع قاعدة المشاركة في حكومة الفترة الانتقالية، وتنفيذ بنود الوثيقة الدستورية، وتشكيل حكومة كفاءات. كما طالب الميثاق، بضرورة استكمال هياكل السلطة الانتقالية، من بينها المحكمة الدستورية والمجلس التشريعي الانتقالي.

وكانت مطالب الاعتصام قد شملت: “تطبيق الوثيقة الدستورية، والعودة لمنصة التأسيس، وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية، وحل حكومة المحاصصات الحزبية، وتكوين حكومة كفاءات مستقلة، ضد الانقلابات العسكرية، وتكوين مفوضية مكافحة الفساد، وقيام المحكمة الدستورية، وتشكيل المجلس التشريعي الانتقالي، وترسيخ العدالة وحكم القانون، وتشكيل المجلس الأعلى لقضاء، وإسقاط هيمنة مجموعة الأربعة أحزاب”.

المطالب التي قدمها قادة اعتصام القصر والتي قالوا إنها ضرورية لاستكمال عملية التحول الديمقراطي، لم يتحقق من بنودها حتى بعد مرور عام عليها، اليوم الاثنين، سوى حل الحكومة الانتقالية عبر انقلاب عسكري.

في المقابل، تماثلت مطالب اعتصام القصر، مع وعود القائد العام للجيش، عبد الفتاح البرهان، في بيان انقلابه في 25 أكتوبر الماضي. قال البرهان “سنحرص على إكمال مطلوبات العدالة والانتقال، مفوضية صناعة الدستور، مفوضية الانتخابات مجلس القضاء العالي، المحكمة الدستورية، مجلس النيابة قبل نهاية شهر نوفمبر من العام الحالي”، مضيفاً “لذلك سنشرك الشباب والشابات الذين صنعوا هذه الثورة في قيام برلمان ثوري يراقب ويقف على تحقيق أهداف ثورته الذي ضحى من أجلها رفاقهم وإخوانهم”.

سياق الاعتصام

جاء اعتصام القصر الرئاسي، في خضم الأزمة السياسية بين المدنيين والعسكريين التي أعقبت المحاولة الانقلابية الفاشلة بالخرطوم في 21 سبتمبر 2021م، وبالتزامن مع توقيع مجموعة من الحركات المسلحة وجماعات سياسية أخرى ميثاق التوافق الوطني، حيث أصبحت بذلك فصيلاً مستقلاً عن قوى الحرية والتغيير.

سلسلة من الأحداث والتوترات سبقت اعتصام القصر الجمهوري، بينها إجازة قوى الحرية والتغيير، لإعلان سياسي بمشاركة رئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك، في الثامن من سبتمبر، أعقبه لاحقاً بعد منتصف الشهر نفسه إغلاق شرق البلاد، من قبل مجموعات موالية للزعيم الأهلي، سيد محمد الأمين ترك. أيضاً، كانت تُثار نقاشات محلية ودولية حول مستقبل الانتقال الديمقراطي، قبل أن يطرح حمدوك مبادرة لحل الأزمة، شملت تكوين خلية أزمة 6+1 برئاسته، تضم 2 من العسكريين، و2 من الحرية والتغيير و2 كذلك من مجموعة ميثاق التوافق الوطني.

مع تصاعد الأزمة السياسية بشكل غير مسبوق، بعد بداية اعتصام القصر، أعلنت، قوى دولية على رأسها الولايات المتحدة والأمم المتحدة، دعمها لمبادرة حمدوك لتجاوز الأزمة لضمان استمرار عملية التحول الديمقراطي. حيث رحب وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن بخريطة الطريق التي أعلن عنها حمدوك لإنهاء الأزمة في البلاد من أجل الحفاظ على الانتقال الديمقراطي في السودان.

وحث بلينكن جميع الأطراف على اتخاذ خطوات فورية وملموسة للوفاء بالمتطلبات الرئيسة للإعلان الدستوري.

لكن، في ظل الإصرار على حل الحكومة الانتقالية ودعوة الجيش للاستيلاء على السلطة من قبل قادة اعتصام القصر الجمهوري، الذي انفض تلقائياً مع انقلاب 25 أكتوبر 2021م، أرسلت واشنطن مبعوثها الخاص للقرن الأفريقي، جيفري فيلتمان، في محاولة على الأرض لإيجاد حل للأزمة التي كانت تعصف بالانتقال.

اتهامات

اتهمت مجموعة ميثاق التوافق الوطني قوى الحرية والتغيير بالسعي للانفراد بالسلطة من خلال إقصاء باقي التيارات المدنية في البلاد. وقال حاكم إقليم دارفور وأحد قادة التوافق مني أركو مناوي، إن قوى الحرية والتغيير اختطفت الثورة، مؤكداً أن مجموعتهم تدعو لتوسيع قاعدة المشاركة في الحكومة.

بالمقابل، قالت قوى الحرية والتغيير، إن الأزمة الحالية في البلاد تقف خلفها قيادات عسكرية ومدنية محدودة، تهدف إلى إجهاض الثورة عبر تجويع الشعب وتركيعه وإحداث انفلات أمني، وقفل الموانئ، وإغلاق الطرق. وأشارت الحرية والتغيير، إلى أن عناصر من النظام السابق، وراء الدعوات لمسيرات السبت، مشددة على أن حل الحكومة قرار تملكه قوى الحرية والتغيير، وبالتشاور مع رئيس الوزراء وقوى الثورة، ولا يتم بقرارات فوقية. 

ووصفت خطاب رئيس الوزراء وقتها عبد الله حمدوك، بأنه منحاز للتحول المدني الديمقراطي، وداعم لتفكيك النظام المعزول.

بينما شددت السفارة الأمريكية في الخرطوم، من جهتها، في تغريدة بحسابها الرسمي على موقع تويتر يوم السبت 15 أكتوبر 2021م، على أنها تدعم الانتقال المدني الديمقراطي في السودان بشكل كامل، بما في ذلك تنفيذ المؤسسات الانتقالية، والبدء في التحضير للانتخابات.

 وخارطة الطريق التي طرحها حمدوك دعت إلى وقف التصعيد والحوار، وقال حمدوك إن “الأزمة الحالية أسوأ وأخطر أزمة تهدد الانتقال الديمقراطي في البلاد”، مضيفاً أن المحاولة الانقلابية الفاشلة التي جرت الشهر الماضي أججت الخلافات، بدل أن تكون فرصة لتنبيه الجميع إلى المخاطر المحدقة بالبلاد.

وأشار إلى أنه وضع خريطة طريق لحل الأزمة الراهنة بناء على نقاشاته مع الأطراف المعنية، لافتاً إلى أن المدخل لتنفيذ هذه الخريطة هو وقف التصعيد بين الأطراف، والتأكيد على الحوار. 

ورأى حمدوك، أن الصراع الدائر الآن في البلاد ليس بين المدنيين والعسكريين، بل هو بين معسكر الانتقال الديمقراطي ومعسكر الانقلاب على الثورة.

بيئة الاعتصام وردود فعل العسكر

كان اعتصام القصر الجمهوري منصة للانتقادات والاتهامات الموجهة لقوى الحرية والتغيير باعتبار أنها منفردة بالسلطة، وسلطة اتخاذ القرار، وركزت المنصات في الهجوم عليها على اعتبار أنها المسؤولة من تردي الأوضاع الاقتصادية والسياسية وأنها تقف عقبة أمام اكتمال عملية التحول الديمقراطي.

أيضاً، شهد الاعتصام اعتداءات على الصحفيين والإعلاميين ومراسلي وكالات الأنباء، كما تم طرد ومنع العديدين منهم من التغطية.

مع وصول المتظاهرين المطالبين بحل الحكومة الانتقالية، إلى محيط القصر الرئاسي، وبدء اعتصامهم ونصب منصاتهم، التزم القادة العسكريين الصمت، فيما لم تبدِ السلطات المختصة أي ردود فعل تجاههم، رغم هجوم مسلحين بهراوات وعصي على وكالة السودان للأنباء ووزارة الإعلام، ومحاولة إغلاق كبري المك نمر.

تمويل وتنظيم الاعتصام

مع وصول قادة إدارات أهلية إلى الخرطوم بالتزامن للمشاركة في اعتصام القصر الجمهوري وتنامي الخطاب التحريضي ضد الحكومة الانتقالية في ظل تصاعد الخلافات بين القادة المدنيين والعسكريين وتعطل الاجتماعات الرسمية المشتركة في مجلسي السيادة والوزراء الانتقاليين، بدأت تثور الاتهامات حول الجهات المنظمة والممولة للاعتصام من الظل، في خضم المظاهر البذخية التي ظهرت في الاعتصام، وظهور رجال أعمال محسوبين على النظام البائد والعسكريين.

 عقب نجاح اعتصام القصر الجمهوري، في تقويض الحكومة الانتقالية والتمهيد لتنفيذ انقلاب 25 أكتوبر، وضعت العواقب السياسية والاقتصادية والدولية والإقليمية التي ترتبت عليه البلاد في مواجهة عزلة دولية جديدة وتعقيد المشهد الداخلي. بما في ذلك استشهاد حوالي 118 متظاهراً سلمياً وإصابة الآلاف، وتعليق عضوية البلاد في الاتحاد الأفريقي وتجيمد إعفاء الديون، ووقف المساعدات التنموية الغربية والتعاون مع صندوق النقد والبنك الدوليين. 

تبرير انقلاب 25 أكتوبر

بعد حوالي عام من بداية اعتصام القصر، قالت قوى التوافق الوطني (الميثاق)، في بيان صحفي، في الثالث عشر من أكتوبر الحالي، إن “الممارسة السياسية على الطريقة التي جرت بعد 2019م، أصبحت سبباً لحدوث ٢٥ أكتوبر”. 

وأشارت إلى أن “مبدأ الحوار السوداني-السوداني دون إقصاء“هو السبيل الوحيد إلى الوصول لحل سياسي للأزمة السودانية”. وحذر البيان، من “إعادة إنتاج الأزمة، سيسبب كوارث تهدد بقاء كيان الدولة السودانية ويهدد تماسك النسيج الاجتماعي كما يهدد السلام والاستقرار”. أيضاً رفض البيان، ما سماه “استمرار هذا الوضع الذي يكتنفه الغموض بحكم غياب نظام تنفيذي في البلاد مما تسبب في الإضرار بمعاش الناس وأمنهم ومس سيادة البلاد”.

وتأتي تصريحات مجموعة ميثاق التوافق الوطني، في خضم تسريبات صحفية، تتحدث عن قرب التوصل لاتفاق بين المدنيين (قوى الحرية والتغيير) والعسكر.

رغم مطالبتهم بتشكيل حكومة كفاءات مستقلة، ما قبل وبعد انقلاب 25 أكتوبر، إلا أن قادة الحركات المسلحة استمروا في مناصبهم الدستورية، وفي مفاصل الدولة المختلفة، فيما لم يحققوا أياً من المطالب التي دعوا لها أثناء الاعتصام. 

كيف وظّف القانون الجنائي كأداة لقهر النساء في السودان تحت غطاء (النظام العام)؟

في أحد مساءات ديسمبر 2017م، وبعد خروجها من مكان عملها بالعاصمة السودانية الخرطوم وانتظارها للمواصلات العامة رفقة زميلها، اعترض نظاميان يستقلان سيارة، الصحفية والناشطة ويني عمر واتهماها بإرتداء الزي الفاضح وفقاً للمادة 152 من القانون الجنائي. حوكمت ويني عمر في وقت لاحق ضمن قوانين النظام العام، وفي إفادة لها بشأن المحكمة قالت ويني عمر، إن أكثر شئ مذل ومهين كان حين طلبوا منها ارتداء الملابس واستعراضها في طابور عرض المحكمة.

لم تكن قضية ويني عمر هي الأولى ولا الأخيرة، التي طوردت فيها النساء السودانيات من قبل السلطة، في الفضاء العام والخاص، وتعرضنْ للضرب والابتزاز والقتل في بعض الأحيان.

وفي حين، أن قوانين النظام العام فيها جوانب متعلقة بالرجال أيضاً، إلا أن القضايا في العموم موجهة تجاه النساء وأجسادهنْ، والترصد المستمر بهنْ. ففي فبراير 2018م، وبعد ثلاثة أشهر من قضية الزي الفاضح، قامت الشرطة بمداهمة منزل  شهد اجتماعاً شاركت فيه ويني عمر رفقة آخرين، ووجهت لويني اتهامات بممارسة الدعارة، اعترضت عمر ووضحت للشرطة أنهم في اجتماع، لكنهم صادروا حاسوبها الشخصي واحتجزت لمدة 5 أيام.

قانون النظام العام

قانون النظام العام بولاية الخرطوم 1996، هو قانون خاص بولاية الخرطوم، حيث شُرّع في العام 1996 وبدأ العمل به من حينها. وتجدر الإشارة إلى أن قانون النظام الذي جاء في سبع فصول ركّزت على أحكام تتعلق بإقامة حفلات الغناء، وشروط فتح أماكن نسائية لتصفيف الشعر، وضوابط استخدام المركبات العامة، وحظر ممارسة التسول والتشرد، ومجموعة من الأحكام العامة. لكن المواد التي استخدمت للتضييق على الحريات الشخصية والتي صممت لمطاردة وقهر  النساء على وجه الخصوص، لم ترد في قانون النظام العام، بل ضمن القانون الجنائي في السودان للعام 1991م. وفي العادة ما يخلط الناس ما بين القانونين. 

قهر هيكلي

قُدم مشروع القانون الجنائي لأول مرة في 1988م من قبل الحكومة البرلمانية المنتخبة حينها، وسقط بعد مناقشته والتصويت عليه، لكن ومع سطو نظام الإنقاذ على الحكم، رأى القانون النور ووظف من قبل السلطة لقمع السودانيين والسودانيات، وترك مساحة وفراغ تشريعي واسع للاجتهاد الشخصي. ومثال لذلك، المادتين المتعلقتين بالأفعال الفاضحة والمخلة بالآداب العامة، حيث نجد “يعد الفعل مخلاً بالآداب العامة إذا كان كذلك في معيار الدين الذي يعتنقه الفاعل أو عرف البلد الذي يقع فيه الفعل”. ويذهب القانون ويعرف مرتكب الأفعال الفاضحة والمخلة بالآداب بأنه “من يأتي في مكان عام فعلاً أو سلوكاً فاضحاً أو مخلاً بالآداب العامة أو يتزيأ بزي فاضح أو مخل بالآداب العامة يسبب مضايقة للشعور العام يعاقب بالجلد بما لا يجاوز أربعين جلدة أو بالغرامة أو بالعقوبتين معاً”.

ويتكرر الأمر في مادة ممارسة الدعارة، حيث يعرف القانون مكان الدعارة بـ “أي مكان معد لاجتماع رجال أو نساء أو رجال ونساء لا تقوم بينهم علاقات زوجية أو صلات قربى وفى ظروف يرجح فيها حدوث ممارسات جنسية” حيث نجد أنه لا يوجد أي تفصيل لهذه الظروف التي يرجح فيها حدوث ممارسات جنسية.

تمنح هذه المواد سلطات تقديرية واسعة لمنفذيها، وطرق تفكيرهم وخلفياتهم ومعتقداتهم، وشُكِّلت محاكم خاصة وفرق شرطية تابعة لها، لتنفيذ القانون، عبر مطاردة النساء في الشوارع والأماكن العامة، لفحص ما إذا كان زيهنّ مطابقاً للشرع أم مخالفاً له، وفق تقديرات أفراد تلك الفرق، وأمزجتهم الشخصية، الأمر الذي نجم عنه كثير من التجاوزات والانتهاكات، والاستغلال، والابتزاز.

تعديلات الحكومة الانتقالية

بعد استلام نصر الدين عبد الباري مهامه كوزير للعدل خلال الحكومة الانتقالية التي أطاح بها انقلاب 25 أكتوبر، شهدت القوانين في السودان عدداً من التعديلات فيما عرف بـ قانون التعديلات المتنوعة لسنة 2020م (معني بإجراء تعديل دفعة واحدة في أكثر من قانون) وجاءت التعديلات في القانون الجنائي لسنة 1991 وتضمنت إلغاء حكم الردة، وإلغاء عقوبة الجلد في كل الأحكام القضائية؛ باستثناء العقوبات الحدية المستمدة من الشريعة الإسلامية، وإعفاء غير المسلمين من أي عقوبة لشرب الخمور والتعامل بها.

كما شملت التعديلات أحكام مواد أخرى في القانون الجنائي خاصة بممارسة الدعارة، مع تحديد سن 18 سنة للمسؤولية القانونية. وفي نوفمبر 2019م، أصدرت الحكومة الانتقالية قراراً بإلغاء قانون النظام العام، وأوضح وزير العدل نصر الدين عبد الباري حينها أن السودان ألغى قانون النظام العام الذي كان مستخدما خلال حكم الرئيس المخلوع، عمر البشير لفرض الآداب العامة ويعاقب المخالفين بالجلد.

وبالرغم من أن هذه التعديلات قد استبدلت بعضاً من المواد القانون الجنائي إلا أنها أبقت عليه فضفاضاً؛ فيما يتعلق بوضع تعريفات واضحة للعبارات الملتبسة فيه. وعقب انقلاب 25 أكتوبر، بدأت الممارسات السابقة تعود إلى السطح مرةً أخرى، ولكن هذه المرة وجهت للرجال، بشكل خاص الشباب، حيث أطلقت القوات العسكرية حملات مشتركة، استهدفت حلاقة شعر الشباب قسرياً في الأماكن العامة بطريقة مذلة ومهينة.

كما أعلنت الشرطة (استحداث) وحدة جديدة باسم الشرطة المجتمعية، وبعد الجدل الذي أثاره هذا الإعلان، وزارة الداخلية أن تكون هذه الوحدة معادلاً لشرطة النظام العام، وقالت إن الغرض منها حماية المجتمع.

في الذكرى الثانية لتوقيعه.. كيف أصبح مستقبل اتفاق سلام جوبا على المحك؟

“انقلاب 25 أكتوبر ومشاركة بعض قادة الحركات في تخطيطه وتنفيذه، وضع الاتفاق في أزمة سياسية يستحيل معها إيجاد مخرج أو تنفيذ أي مستوى من مستوياته. بل ويجعل وضعية ممثلي الحركات المسلحة في السلطة بعد الانقلاب وضعية غير قانونية”. يقول عضو مجلس السيادة السابق، وأحد كبار مفاوضي الحكومة الانتقالية في اتفاق سلام جوبا، محمد حسن التعايشي.

في 3 أكتوبر 2020م، وقعت الحكومة الانتقالية وفصائل الجبهة الثورية المسلحة، اتفاق سلام جوبا، في جنوب السودان، والذي تضمن 5 مسارات، بما في ذلك مناطق لم تشهد نزاعات مسلحة.

وحازت الفصائل المسلحة المتمركزة في إقليمي دارفور والنيل الأزرق، غرب وجنوب شرقي البلاد، بموجب هذا الاتفاق، على نسبة 25 في المائة من السلطة المركزية والإقليمية ومقاعد افتراضية في المجلس التشريعي الانتقالي الذي لم يتشكل، حتى انقلاب 25 أكتوبر 2021م.

خلفيات ما قبل التوقيع

قبيل توقيع اتفاق سلام جوبا بيومين، وتحديداً في 1 أكتوبر 2020م، غادر غالبية مسؤولي الحكومة الانتقالية، الخرطوم إلى مدينة جوبا، للاحتفال بتوقيع الاتفاق، الذي شهدته قيادات إقليمية ودولية، على أمل إنهاء واحدة من الحروبات الأهلية المعقدة التي عرفتها البلاد، بدايةً من إقليم دارفور في 2003م، وجنوبي كردفان والنيل الأزرق (المنطقتين) في 2011م.

ومع أن البلاد، شهدت تاريخياً توقيع عشرات اتفاقيات السلام، على مرّ الحقب ما بعد الاستقلال، بين الحكومة وفصائل مسلحة، غالبيتها فشل ولو بعد حين، إلا أن قطاعاً واسعاً من السودانيين، أبدى أمله في أن يضع اتفاق السلام هذه المرة نهايةَ لحقبة الحروب الأهلية التي ظلت تضرب البلاد منذ عام 1955م، وأودت بحياة الملايين.

الأمل الرئيسي الذي ساور السودانيين، كون الاتفاق، يأتي في ظل صفحة جديدة بعد إطاحة النظام البائد، الذي تسبب في تلك الحروب، وذلك رغم القلق والمخاوف والتحفظات، من أن الاتفاق، ضُمنت فيه مناطق لم تشهد نزاعات مسلحة، وعدم شموله لفصائل مسلحة رئيسية بكل من دارفور وجنوبي النيل الأزرق وكردفان (المنطقتين).

اتفاق بدون سلام

عقب توقيع اتفاق الوثيقة الدستورية بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري المحلول، الذي نجم عنه تشكيل مجلس السيادة الانتقالي في أغسطس 2019م، والحكومة الانتقالية بقيادة رئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك، تم الإعلان عن أنه في غضون  فترة 6 أشهر سيتم توقيع سلام نهائي وشامل، مع الفصائل المسلحة، باعتبار أن السلام يتصدر أولويات مهام الفترة الانتقالية العشرة التي كان حمدوك اتخذها برنامجاً لحكومته.

لكن، منذ توقيع اتفاق السلام في 3 أكتوبر 2020م، بمدينة جوبا عاصمة جمهورية جنوب السودان، قتل مئات المدنيين وحرقت منازل ودمرت مزارع ونزح عشرات الآلاف مجدداً في دارفور خلال هجمات متواترة لمليشيات مسلحة، فيما تلقي سلطة الأمر الواقع باللائمة دائماً على مجهولين.

ومع تواتر أعمال العنف هناك، تم تشكيل قوات مشتركة لحماية المدنيين في دارفور قبل عدة أشهر مكونة من ألفي جندي، فيما كان اتفاق السلام قد نص على تشكيل قوة مشتركة قوامها 12 ألف جندي من قوات الفصائل المسلحة والقوات الحكومة السودانية.

يتساءل المتحدث الرسمي باسم منسقية النازحين واللاجئين، آدم رجال، ما إذا كانت مطالب وتطلعات النازحين، قد تحققت بعد مرور سنتين على توقيع اتفاق سلام جوبا. يجيب رجال بنفسه، ويقول لـ(بيم ريبورتس): “بالطبع لم يتحقق أي مطلب من مطالب النازحين، أو حقوقهم، بل بالعكس زادت المعاناة والانتهاكات والجرائم، خاصة بعد انقلاب 25 أكتوبر”.

ورأى رجال، أن اتفاق سلام جوبا يمثل امتداداً لاتفاقيات السلام التي كان يعقدها نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، باعتباره سلاماً جزئياً. قبل أن يدعو إلى توحد السودانيين على كيفية إسقاط انقلاب 25 أكتوبر، ومن ثم إقامة سلطة مدنية لديها برنامج وشرعية من الشعب السوداني، لوضع لبنة أساسية لبناء السودان على أسس جديدة وقومية تمثل جميع السودانيين، بعيداً عن أي انتماءات، حسبما قال.

اتفاق سلام جوبا، الذي حوى 8 برتوكولات رئيسية و273 بنداً، لا يواجه معضلة عدم التنفيذ وحسب، وإنما يواجه تساؤلات حول مشروعيته نفسها.

“كل نص من نصوص الاتفاق يستوجب التزامًا صارمًا بالفترة الانتقالية ودستور الفترة الانتقالية، مثلما تربط الاتفاقية بين قضايا الانتقال الديمقراطي وقضايا السلام”. يوضح التعايشي في تصريح صحفي نشره بصفحته الرسمية على فيسبوك بمناسبة اليوم العالمي للسلام.

بين سبتمبر 2019، وأكتوبر 2020م، تنقل التعايشي كثيراً بين عاصمتي السودّانين، الخرطوم وجوبا، حيث كان ضمن قيادة الوفد الحكومي التفاوضي مع فصائل الجبهة الثورية المسلحة.

يقول التعايشي “يجب أن نؤكد أن السلام كعملية وكقيمة ليس هو التزامًا نصيًا فحسب، بل هو اتساق وإيمان نظري وسياسي وأخلاقي”. مضيفاً “أن المأزق الذي يواجه اتفاقية جوبا لسلام السودان هو مأزق سياسي وأخلاقي أكثر من كونه قانونيًا.”

واصل التعايشي انتقاداته، قائلاً “هناك مأزق أخلاقي أيضًا، حيث وضع بعض قادة الحركات أنفسهم في أول ظاهرة سياسية يتمرد فيها قادة ثورة مظالم على الحكومة والوضع الدستوري الذي تشكل بموجب اتفاق هم أحد أركانه”، قبل أن يشدد على أن العودة إلى الوضع الانتقالي الديمقراطي بقيادة مدنية؛ هو الطريق الوحيد لتنفيذ الاتفاق وإكمال نواقصه.

لكن، يبدو أن حديث التعايشي جاء متأخراً، مقارنة بالواقع، فبعد سنتين من توقيع الاتفاق وسنة على انقلاب 25 أكتوبر، ارتفع صوت المطالبات، بإلغاء الاتفاق، وفي أفضل الأحوال، تعديله مثّلما، دعا إلى ذلك رئيس الحركة الشعبية ـ شمال التيار الثوري ياسر عرمان، وهو أحد كبار مفاوضي فصائل الجبهة الثورية البارزين. أيضاً نص الميثاق الثوري لتأسيس سلطة الشعب، الذي صدر قبل عدة أيام ووقعت عليه أكثر من 50 لجنة وكياناً، على إلغاء اتفاق سلام جوبا.
في الوقت الذي تشدد فيه أطراف اتفاق السلام من فصائل الجبهة الثورية المسلحة، على عدم المساس بالاتفاق، تعديلاً أو إلغاءً، معتبرة أن ذلك يقود إلى عودة الحرب مجدداً.
“أي كلام أو دعوة لإلغاء الاتفاقية يعتبر بمثابة إعلان حرب أهلية شاملة في كل أرجاء السودان”، يقول المتحدث الرسمي باسم حركة جيش تحرير السودان ـ قيادة مناوي، الصادق علي النور.

ويضيف النور في حديثه لـ(بيم ريبورتس)، أن “دعوات إلغاء أو تعديل الاتفاقية يظل في إطار دعوات أصحاب المصالح الذاتية، ولكن حتى الآن لم نسمع من الأطراف التي وقعت الاتفاقية بأن طالبت بإلغاء أو تعديل، لذلك نقول لأصحاب المصالح الذاتية عليهم أن يبحثوا عن مصالحهم بعيداً عن الاتفاقية”.

“هل المشكلة في الاتفاقية أم هنالك أزمة اتفاق سياسي في البلاد التي أدت إلى ما نحن فيه”، يوجه النور سؤاله للداعين إلى إلغاء الاتفاقية. ومع ذلك، يقر النور أنه حتى وبعد مرور عامين على توقيعها لم يتحقق من الاتفاقية ولو نسبة خمسة في المائة.

“ما تحقق هو حصول الموقعين على مناصب في الدولة، ولكن لم يتحقق سلام واستقرار على الأرض، بل زادت معاناة المواطنين ومعدلات الجرائم والانتهاكات والقتل خارج نطاق القانون”. يقول محمد عبد الرحمن الناير المتحدث الرسمي باسم حركة جيش تحرير السودان، قيادة عبد الواحد النور.

يضيف الناير لـ(بيم ريبورتس): “للأسف لقد تمخض جبل اتفاق جوبا، فولد انقلاب 25 أكتوبر 2021م، بدلاً من أن يكون رافداً وداعماً للثورة وشعاراتها”.

وتابع: “هذا الاتفاق قام على منهج خاطئ ولا يمكن التعويل عليه في تحقيق سلام واستقرار بالسودان، وما بني على خطأ فهو خطأ.. أي اتفاق لا يخاطب جذور الأزمة التاريخية ويحقق التغيير وإعادة هيكلة جميع مؤسسات الدولة وفق أسس قومية جديدة لن يحقق السلام الشامل والعادل والمستدام بالسودان”.

“في إقليم دارفور زادت التفلتات الأمنية وبات المواطن في خطر داهم من المليشيات والمتفلتين الذين باتوا يستهدفون حتى منسوبي الحكومة، كما حدث قبل أيام في قلب مدينة الفاشر عندما اعتدوا على ضابط برتبة عميد يتبع للترتيبات الأمنية، فضربوه بالعصي ونهبوا سيارته عياناً بياناً وأمام مرأى حكومة إقليم دارفور وولاية شمال دارفور اللتين عجزتا عن توفير الأمن حتى لمنسوبيها، ناهيك عن المواطن البسيط”، يوضح عبد الرحمن.

ويقول “هذا هو حصاد سنتين عجاف من اتفاق المغانم الذي تم توقيعه في جوبا، وحينها قلنا إن هذا الاتفاق لن يحق السلام والاستقرار بالسودان ولا بالإقاليم المنكوبة بالحرب، لجهة أنه اتفاق معيب شكلاً ومضموناً، وصمم لمخاطبة قضايا الأشخاص ونزواتهم السلطوية وليس مخاطبة قضايا الوطن”.

فيما يعود التعايشي ويشير، إلى أن اتفاقات السلام التي تُوقع بين جماعات غير رسمية وحكومات تمثل الدولة، تتمتع بوضع قانوني سواء عبر القانون الدولي أو ضمن إطار القانون المحلي للدولة. حيث يوسع القانون الدولي الحديث بشكل عام ليشمل حماية اتفاقات السلام بين الدولة والجهة الفاعلة من غير الدولة. لقد حظيت الاتفاقية بتأييد دولي كبير من الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي، الاتحاد الأفريقي، ودول الترويكا والجامعة العربية، لكنه يربط ذلك بالعودة إلى المسار الديمقراطي بقيادة مدنية.

خلافات متصاعدة

مع وصول قادة فصائل الجبهة الثورية المسلحة، إلى العاصمة السودانية الخرطوم في 15 فبراير 2020م، وانضمامهم إلى هياكل السلطة الانتقالية (مجلسي السيادة والوزراء الانتقاليين)، في فبراير 2021م، بدا لوهلة، أن صفحة جديدة من الحياة السياسية قد تشهدها البلاد، خصوصاً فيما يتعلق بالأوضاع في إقليمي النيل الأزرق ودارفور، بالإضافة إلى ولاية جنوب كردفان.

ولكن، على عكس ما كان مأمولاً منها، بدأت الحكومة الانتقالية الثانية، التي أعاد تشكيلها حمدوك، وضمت أحزاباً سياسية وأطراف السلام، تأخذ طابعاً صراعياً سياسياً، ليس بدءاً بمقاعد المجلس التشريعي الانتقالي الافتراضية، أو انتهاء بتنامي العداء السياسي بين الحرية والتغيير وفصائل الجبهة الثورية المسلحة، والذي توّج باعتصام القصر الجمهوري في 16 أكتوبر 2021م، حتى وقوع الانقلاب بعد 9 أيام.

وصلت الخلافات بين الطرفين إلى الذروة، مع إطلاق قوى الحرية والتغيير، لإعلان سياسي بحضور حمدوك في الثامن من سبتمبر 2021م بقاعة الصداقة بالخرطوم، رأت مجموعة من الفصائل المسلحة، أن ما تم عمل إقصائي ضدها، لتصدر بدورها ميثاقاً سياسياً لاحقاً.

مرّ عام الاتفاق الأول، من أكتوبر 2020 إلى أكتوبر 2021، أي حتى وقوع الانقلاب، في خضم صراعات سياسية، في الوقت الذي لم يتم إحراز أي تقدم في اتفاق السلام، خاصة اتفاق الترتيبات الأمنية، ولم يعد أي من النازحين واللاجئين في دارفور إلى مناطقهم الأصلية.

تزامن ذلك، مع موجة نزاعات أهلية هي الأعنف منذ سنوات في دارفور، قتل فيها مئات الأشخاص برصاص مسلحين دون أن يتم تقديم المجرمين للعدالة.

في العام الثاني لاتفاق سلام جوبا، أي بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021م، تفاقمت الأزمة السياسية في البلاد، وبدلاً من أن تمضي عملية السلام قدماً، باتت البلاد تقف على حافة المجهول، في خضم صراع سياسي حاد وسيولة أمنية متنامية.

الإقالات والتعيينات في الجيش منذ 2019م حتى 2022م

الإقالات والتعيينات في الجيش منذ 2019م حتى 2022م

تستعرض (بيم ريبورتس) في الخريطة الزمنية أدناه قرارات التعيين والإحالة في قيادة الجيش السوداني عقب الإطاحة بـ(البشير)، في الفترة من 2019 -2022م

كيف قاوم السودانيون في هبة سبتمبر 2013م عنف النظام البائد؟

كان أحد قادة التظاهرة طالبًا جامعياً، لم يتجاوز الثانية والعشرين، يحتقب حقيبة على ظهره، أسمر اللون نحيل الجسد. أبدى حماسة عالية وهو يهتف “حرية سلام، وعدالة.. الثورة خيار الشعب”، كان في الصف الأول من المتظاهرين، سقط ضمن القتلى فيما بعد، يقول أحد المشاركين في التظاهرة لـ(بيم ريبورتس).

اليوم الأحد، تكون تلك التظاهرة، في هبة سبتمبر 2013م، وصلت كبري الفتيحاب بأمدرمان المؤدي إلى الخرطوم، والتي شارك فيها حوالي ألفي شخص، قد أكملت 9 سنوات تماماً، حيث وقعت هذه القصة في يوم الأربعاء 25 سبتمبر 2013م. يومها قتل أيضاً الشهيد هزاع عزالدين بمنطقة شمبات بالخرطوم بحري.

بدأت التظاهرات الحاشدة والمرتبطة برفع الدعم عن أسعار المحروقات، والتي عرفت لاحقاً بـ(هبة سبتمبر)، في يوم الاثنين الثالث والعشرين من سبتمبر 2013م، في مدينة ود مدني وسط البلاد، وذلك بعد ساعات فقط من إعلان النظام البائد، رفع الدعم عن المحروقات، قبل أن تخرج تظاهرات كبيرة في يومي الثلاثاء والأربعاء التاليين بمدن العاصمة الخرطوم ومدن ولائية أخرى، لكن قوات الأمن استخدمت القوة المميتة تجاه المتظاهرين السلميين، ما أسفر عن سقوط ضحايا.

في مثل هذا اليوم، قبل تسع سنوات تماماً، خرج آلاف السودانيين بأنحاء البلاد المختلفة للمطالبة بإسقاط النظام، التظاهرات الأكبر كانت بولاية الخرطوم، غير أن قوات الأمن قمعتها بعنف غير مسبوق.

سقوط مئات الضحايا، بين قتلى وجرحى، كان نتيجة حتمية لسياسة الحكومة التي قابلت بها التظاهرات الاحتجاجية منذ اندلاعها وروايتها لتبرير العنف.

“الحكومة ستضرب بيد من حديد على المخربين للممتلكات العامة”، هذا التصريح أدلى به والي ولاية الخرطوم وقتها، عبدالرحمن الخضر، مساء الأربعاء الخامس والعشرين من سبتمبر 2013م، في خضم تظاهرات حاشدة شهدتها عدة مناطق بالعاصمة احتجاجاً على رفع الدعم عن أسعار المحروقات.

لم تمر أكثر من 24 ساعة على تصريح الخضر، الذي جرّم فيه التظاهرات السلمية وبرر فيه للقتل، حتى نسجّت على منواله، صحف موالية للنظام البائد، رواية مغايرة لما كان يحدث منذ أيام وقتها على أرض الواقع، من قمع دامٍ.

عقب ذلك الأسبوع الدامي، والذي تناقلت حيثياته، وسائل الإعلام الدولية والمنظمات الحقوقية، حاولت السلطات، صنع رواية مغايرة لتبرير قتل المتظاهرين السلميين.

تبت يد المخرِّبين“، هكذا وضعت صحيفة الصحافة عنوانها الرئيس، في عددها رقم (7728) الصادر يوم يوم الجمعة السابع والعشرين من سبتمبر عام2013م، وذلك بعد نهاية أسبوع دامٍ شهدته البلاد، نتيجة قمع قوات الأمن السودانية لتظاهرات سلمية عمّت أنحاء واسعة من البلاد، احتجاجاً على رفع الدعم عن المحروقات.

صحيفة الصحافة، التي كان رئيس تحريرها، عبد المحمود الكرنكي، خصصت ذلك العدد لتغطية التظاهرات من وجهة نظره، ما أدى إلى استقالة عدد من صحافييها، بعد صدور العدد مباشرة.

مع إخماد السلطات شرارة (هبة سبتمبر) بالعنف المفرط، كانت محصلة القمع الأمني، مقتل أكثر من 200 شخص في أنحاء متفرقة من البلاد، بما فيها مدن العاصمة الخرطوم، حسب إحصاءات لمنظمات حقوقية محلية ودولية، في وقت تحدثت حكومة النظام البائد وقتها عن نحو 30 ضحية، ولاحقاً عن 80.

مع الصباح الباكر، بدا يوم الأربعاء ذاك، في منطقة الفتيحاب بأمدرمان، على غير العادة، حيث خرج المئات إلى الشوارع، لم تنحصر هتافاتهم في التنديد برفع الدعم عن أسعار المحروقات فقط، بل علت أصواتهم مطالبين بإسقاط النظام.

حوالي التاسعة صباحًا، انضم المئات القادمين من ناحية جامعة أم درمان الإسلامية جنوب الفتيحاب إلى التظاهرة، غالبيتهم من الشباب، كانوا مغبرين ويحملون علماً ضخماً للسودان، عندما وصلوا إلى الشارع الرئيس، بينما كان المتظاهرون يتقدمون تجاه تقاطع محطة سراج المؤدي إلى الخرطوم، تم الإعلان عن مقتل أحد المتظاهرين بالرصاص بالقرب من قسم الشرطة بأبوسعد مربع 6.

واصل المتظاهرون مسيرهم، على وقع الهتافات، عندما وصلوا قبالة سلاح المهندسين، بدأوا في ترديد هتافات مؤيدة للجيش، وكان منها “جيشنا معانا ومافي خيانة”، “وجيش واحد وشعب واحد”، لاقى هذا الهتاف ترحيبًا وسط جنود الجيش وضباطهم ورفع بعضهم إشارات النصر للمتظاهرين.

بعد تلك اللحظة، بدا أن الأمور ستتغير، حيث لاحت من على البعد عربات تتبع للشرطة قادمة من ناحية الكبري جهة الخرطوم، ومن الناحية الأخرى، تربض عربات دفع رباعي عسكرية تتبع على الأرجح لقوات خاصة. بينما تتقدم عربات الشرطة ببطء وحذر تجاه المتظاهرين، كان القلق قد عصف بهم واضطرهم للنزول عن الطريق الرئيسي المؤدي إلى الكبري، بينما واصل بقية المتظاهرين تقدمهم، وعربات الشرطة أيضاً فعلت ذلك.

مع تصميم المتظاهرين، في الطريق الرئيسي، على المضي قدماً واقتراب المسافة بينهم وعربات الشرطة، حبس بعض مواطني الفتيحاب من على شرفات منازلهم أو على أبوابها أنفاسهم، تخوفاً مما قد يحدث، ومع ذلك كان المتظاهرون يهتفون “جوة جوة” في إشارة إلى إصرارهم للوصول إلى الخرطوم، حيث مقار المؤسسات الحكومية الرسمية، بما في ذلك القصر الرئاسي.

بعدما أصبحت المسافة الفاصلة بين الطرفين لا تزيد عن الخمسة أمتار في الطريق الرئيسية، بدا المشهد أن عربات الشرطة تكاد تكون قد حوصرت، ليزيد إطلاق الرصاص في الهواء، لكن لم يتزحزح المتظاهرون.

يقول الشاهد الذي شارك في التظاهرات، إنه في اللحظة التالية سقط ستة من المتظاهرين دفعة واحدة، ثلاثة على الأقل من بينهم سقطوا قتلى برصاص أطلق دفعة واحدة في الصدر وفي الرأس، بتأكيد من عدد كبير من المتظاهرين.

عدد القتلى وأماكن سقوطهم برصاص قوات الأمن وثقته منظمات عديدة وشهود عيان، من بينها منظمة العفو الدولية التي قالت في بيان وقتها “كان معدل العنف والقتل بحق المتظاهرين في سبتمبر غير مسبوق في العاصمة”.

ومثّلت هبة سبتمبر 2013م، واحدة من أقوى الاحتجاجات التي واجهت النظام البائد منذ انقلابه على الحكومة الديمقراطية في 30 يونيو 1989م، كما أنها كسرت هيبة السلطة ودفعت الشعب للمقاومة السلمية.

يقول وزير التجارة والصناعة السابق، مدني عباس مدني “إذا كانت ثورة ديسمبر المجيدة هي أهم حدث في تاريخنا السياسي الحديث، فإن انتفاضة سبتمبر ٢٠١٣م، هي أهم معلم في الطريق إلى ديسمبر”. مضيفاً “الصدور العارية التي واجهت الرصاص، انتزعت أي شرعية كان يحتمي بها نظام البشير، لقد فضحت النظام المتأسلم وهشاشة قوته..  تشظى بعدها نظام المؤتمر الوطني وانقسم ولم يعد أبداً كما كان قبل سبتمبر”.

وتابع “وحشية نظام البشير و(الإخوان المسلمين) مع الشباب الثائر كانت النار التي اتقدت بها ثورة ديسمبر المجيدة.. بين سبتمبر وديسمبر جرت الكثير من المواكب والاعتصامات وأشكال الاحتجاج والمقاومة المختلفة، حتى انبلج فجر ديسمبر والذي رغم انقلاب الردة في ٢٥ أكتوبر سينتصر وسيعم نوره ديمقراطية ودولة مدنية”.

ومع ذلك، لم تنجح الحكومة الانتقالية، حتى الانقلاب عليها، في إعادة فتح التحقيقات بشأن ضحايا هبة سبتمبر. زار رئيس الوزراء السابق، عبدالله حمدوك والدة الشهيد هزاع عز الدين في منزلها، طالبته وقتها بتحقيق العدالة.

وبدلاً من أن يحقق بشأن ضحايا هبة سبتمبر، عمد النظام البائد على فتح تحقيق عن ما وصفه بتخريب الممتلكات، لاحقاً أعلن تقديم تعويضات لعائلات ضحايا سبتمبر، فيما قال وزير العدل السابق، محمد بشارة دوسة إنه لا يوجد ملف بطرف وزارته تحت مسمى (أحداث سبتمبر).

وتحفظ دوسة وقتها عن ذكر أي تفاصيل بشأن ملف أحداث سبتمبر التي شهدها العام 2013م، وقال في تصريحات صحفية “والله ماعندي فكرة” مضيفاً “لا يوجد ملف باسم أحداث سبتمبر وإنما بلاغات وشكاوى واستئنافات تتباين مستويات تقدمها من واحد لآخر”، نافياً علمه بأي تفاصيل في سير بلاغات سبتمبر.

يشهد فراغاً إدارياً وطبياً.. من المسؤول عن تدهور مستشفى زالنجي بوسط دارفور؟

“مستشفى زالنجي مشلول بالكامل.. ليس هناك أطباء ولا مدير طبي ولا إداري.. والضحية لكل ذلك هو مواطن وسط دارفور”، يقول رئيس معمل مستشفى زالنجي (وسط دارفور)، حيدر آدم.

ويعبر آدم الذي تم إيقافه عن العمل دون إبداء أسباب، عن خيبة أمله فيما وصلت إليه الحالة الصحية للمستشفى الذي يشهد ضغطاً كبيراً من حيث عدد طالبي الخدمة الصحية، مشيراً إلى أن المستشفى يستقبل في اليوم ما بين 400 إلى 500 شخص.

وفي يوليو الماضي، أصدرت وزارة الصحة والتنمية الاجتماعية بولاية وسط دارفور، قراراً بإيقاف 6 من العاملين بمعمل وبنك الدم عن عملهم بمستشفى زالنجي، علاوةً على إيقاف مستحقاتهم المالية ورواتبهم الشهرية.

وجاء قرار الوزارة، بإيقاف بعض العاملين بمعمل وبنك الدم، رغم النقص الكبير في الكوادر الذي يشهده مستشفى زالنجي، وهو الأمر الذي يزيد من معاناة طالبي الخدمة.

قرارات متخبطة

أتى قرار الإيقاف، على إثر تكوين العاملين بمعمل المستشفى، لجنة من 6 أشخاص للمطالبة بضرورة توفير احتياجات المعمل وبنك الدم من أجل توفير الخدمة وتسيير العمل. وطالب الموقوفون، بضرورة تكوين لجنة تحقيق لكشف أسباب الإيقاف، لكن قوبلت هذه المطالب بالتجاهل التام، وفي خطوة تصعيدية أضرب 22 من العاملين تضامناً مع زملائهم الموقوفين.

ويقول آدم في إفادته لـ(بيم ريبورتس): “رفعنا مطالب بضرورة مراجعة لماذا لا تأتي احتياجات المعمل كاملة، وحاولنا التواصل مع مدير المعامل، لكنه كان دائم التهرب ولا يأتي أو يرد على هاتفه”.

فيما يذهب مدير الإدارة العامة للتخطيط والسياسات والتنمية – وزارة الصحة والتنمية الاجتماعية – بوسط دارفور، بحر الدين عبد العزيز، في حديثه لـ(بيم ريبورتس)، إلى أن المشاكل التي يشهدها مستشفى زالنجي إدارية في الأساس، ويقول: “منذ بداية عملي بمستشفى زالنجي في العام 2006م، قدمت عدداً من الشكاوى لعدد من المؤسسات الاتحادية والولائية، بهدف إصلاح منظومة الصحة، إلا أن وجود أفراد ليس لهم علاقة بالصحة لا يُساعد في إحراز تقدم، وبالتالي، فإن عملهم لا يعتمد على قياس المؤشرات الصحية والدراسات المنهجية”.

ويرجع عبد العزيز التدهور الحالي الذي يشهده المستشفى إلى استعانة السلطة الحالية بعناصر من النظام البائد بعد انقلاب 25 أكتوبر، حيث يمارسون سياسات التشفي، مما أدى إلى تردي الأوضاع داخل المستشفى وتشريد الكوادر المؤهلة. ويضيف عبد العزيز أنه من ضمن القرارات “تصعيد 20 من الفراشات وتعيينهم كممرضات”.

مطالب مستمرة

التردي الكبير الذي يشهده مستشفى زالنجي والذي يشمل غياب كامل للكوادر الصحية المؤهلة، حيث لا يوجد أي طبيب عمومي أو أخصائي ليس مشكلة وليدة اللحظة. ففي سبتمبر من العام الماضي، تقدم تجمع العاملين بالمستشفى بعدد من المطالب المتعلقة بإصلاح البيئة داخل المستشفى وتوفير المعينات الضرورية لتقديم الخدمات الصحية، لكن لم تلقَ مطالبهم في ترقية بيئة العمل استجابة من السلطات، رغم أن مستشفى زالنجي، هو المستشفى الوحيد في ولاية وسط دارفور.

الحماية من العنف، كانت أيضاً من ضمن مطالب تجمع العاملين؛ حيث طالبوا بضرورة توفير الإدارة الجيدة والحماية من أعمال العنف التي تواجه الكوادر الطبية داخل المستشفى، بالإضافة إلى تأهيل المرافق وتوفير الأدوات الطبية اللازمة من أجل تقديم الخدمات التي يجب توافرها للمواطنين. لكن الأوضاع لم تتغير أبداً، حيث أشار التجمع في بيان له، إلى أنه لم يتلق أي استجابة من الجهات المسؤولة؛ ممثلة في والي الولاية ومديرة عام وزارة الصحة.

وفي الأصل، يعاني القطاع الطبي في السودان عامةً، وفي إقليم دارفور بشكل خاص، من تدهور كبير ومشكلات مركبة، بينها بيئة العمل المتردية ونقص الكوادر الطبية والإهمال الحكومي، وصغر حجم ميزانية الصحة، بالإضافة إلى تعرض مستشفيات إقليم دارفور إلى العنف من وقت لآخر.

يعود عبد العزيز ويقول، إن من ضمن الحلول المطلوبة، ضرورة تعزيز التنسيق بين الإدارات، واحترام المؤسسية. مضيفاً: “أما ما يحتاجه المستشفى فيتمثل؛ في توفير إمداد كهربائي مستقر، وتوفير المحاليل المعملية، والكوادر الطبية المؤهلة”.

هل يسهم تبادل السفراء في بداية حقبة جديدة للعلاقات بين الخرطوم وواشنطن؟

“أنا سعيد للغاية بوصولي إلى السودان.. أتطلع إلى تعميق العلاقات بين الشعبين الأميريكي والسوداني ودعم تطلعات الشعب السوداني في الحرية، السلام، العدالة، والتحول الديمقراطي”. هكذا عبّر أول سفير أميركي في السودان منذ نحو 25 عاماً، جون قودفري، على حسابه الرسمي بموقع تويتر، عن رؤيته للعلاقات بين الخرطوم وواشنطن، غداة وصوله إلى البلاد في الرابع والعشرين من أغسطس الماضي.

بوصوله إلى الخرطوم، سفيراً فوق العادة للولايات المتحدة في السودان، أنهى قودفري، حقبةً طويلةً من العداء بين البلدين، ليكون أول خلف لزميله، آخر سفير أميريكي بالخرطوم تيموثي م. كارني الذي غادر البلاد في 30 نوفمبر عام 1997م، إلى العاصمة الكينية نيروبي، بعدما قلصت الولايات المتحدة تمثيلها في السودان إلى قائم بأعمال.

لكن، نهاية الحقبة الطويلة من العداء بين الخرطوم وواشنطن، بتعيين سفير أميريكي في البلاد، كان تتويجاً لتطبيع العلاقات خلال حكومة الفترة الانتقالية المدنية سبتمبر 2019م – أكتوبر 2021م. 

وتمثل تطبيع العلاقات بين الخرطوم وواشنطن، في عقد اتفاق لتبادل السفراء، بين رئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك، ووزير الخارجية الأميريكي السابق، مايك بومبيو في عام 2019م، حيث قدّم أول سفير للسودان في واشنطن منذ أكثر من عقدين نور الدين ساتي، أوراق اعتماده للرئيس الأميركي السابق، دونالد ترمب في عام 2020م.

لم يكد يمر سوى عام على ذلك الاتفاق، وأقل من عامين على إطاحة نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، في ثورة شعبية في أبريل 2019م، حتى دخلت العلاقات بين البلدين إلى مرحلة جديدة، بعدما أزالت الولايات المتحدة في ديسمبر 2020م، السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، عقب مفاوضات بين الخرطوم وواشنطن بدأت منذ وصول الحكومة الانتقالية إلى السلطة.

وكانت واشنطن قد وضعت الخرطوم في قائمتها للدول الراعية للإرهاب، في أغسطس 1993م، في أعقاب تدهور العلاقات بين البلدين، وإيواء السودان لجماعات إرهابية متطرفة، حيث مثّلت تلك الخطوة متوالية انحدار سريعة وغير مسبوقة في تاريخ العلاقات بين السودان والولايات المتحدة.

تاريخياً، بدأت العلاقات السودانية ـ الأميركية، رسمياً، بعدما تم تأسيس أول بعثة دبلوماسية في الخرطوم في 15 فبراير 1956م، ليقدم رئيسها وأول قائم بالأعمال آرثر بيش أوراقه للحكومة السودانية، في السابع عشر من مارس 1956م، وذلك بعد شهرين على استقلال البلاد في الأول من يناير 1956م.

وشهدت العلاقات بين البلدين، صعوداً وهبوطاً، لكن أول منعطفاتها الحادة بدأت في أعقاب قمة اللاءات الثلاثة التي عُقدت بالخرطوم عام 1967م، بعد (النكبة) هزيمة مصر عسكرياً من دولة الاحتلال الإسرائيلي، حيث أغلقت السفارة الأميريكية بالخرطوم في يونيو من نفس العام، وانتقلت أعمالها إلى السفارة الهولندية، قبل أن يُعاد فتحها في 25 يوليو 1972م. 

أيضاً، قاد مقتل السفير الأميركي، كليو نويل، داخل مبنى السفارة السعودية بالخرطوم، في مطلع مارس 1973م، على يد جماعة (أيلول الأسود) الفلسطينية، إلى توتر العلاقات السودانية ـ الأميريكية، كما أنه سبب حرجاً بالغاً للأجهزة الأمنية السودانية. لكن ذروة تدهور العلاقات كانت مع وصول نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير إلى السلطة في عام 1989م.

مع انقلاب 25 مايو 1969م، أيضاً ساءت العلاقات بين الخرطوم وواشنطن، بسبب توجه النظام وقتها للمعسكر الشرقي واعترافه بألمانيا الشرقية، قبل أن تتحسن مرة أخرى، عقب انقلاب 19 يوليو 1971م.

لكن، بعد تطبيع العلاقات بين الخرطوم وواشنطن في 1972م مرة أخرى، جرى العمل على إحياء مشروع الرهد الزراعي عن طريق مؤسسة التنمية الدولية والحصول على تمويلات عبر برامج المعونة من مؤسسات ضمان الاستثمار الأميريكية لمشروعات النقل، (طائرات بوينج للخطوط الجوية السودانية، قاطرات لسكك حديد السودان)، بجانب مشروعات أخرى.

بالإضافة إلى العمل، على استكشاف النفط عبر شركة شيفرون الأميركية، والتي اكتشفت الغاز بكميات تجارية في البحر الأحمر وبدأ التنقيب عن النفط بصورة جادة في عهد عبود بموجب قانون تنمية المواد البترولية 1958م.

مع إعلان الرئيس المخلوع، جعفر نميري، قوانين سبتمبر في عام 1983م، تدهورت العلاقات بين البلدين، قبل أن تتحسن مرةً أخرى في أعقاب عملية نقل اليهود الفلاشا إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي عام 1985م.

عندما أطيح نظام نميري في ثورة شعبية في أبريل 1985م، كان في زيارة رسمية إلى الولايات المتحدة، حيث كان يجري محادثات مع الرئيس رونالد ريغان.

غير أنه، في فترة الحكومة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام نميري، تدنت المعونات الأميريكية إلى أقل من 25 مليون دولار في عام 1985م واعترف السفير الأميريكي الأسبق في الخرطوم، نورمان أندرسون، بأن حكومة بلاده خفضت مساعداتها بشدة للحكومة الديمقراطية، ولم يخف السفير خيبة أمله في حكومة الصادق المهدي. 

على الرغم من التحفظات الأميريكية، استمر التعاون الفني والاقتصادي في عهد حكومة رئيس الوزراء الراحل، الصادق المهدي، كما استمر التعاون بين الجيش السوداني والبنتاغون في تدريب كوادره، لكن في العام 1988م، تم تطبيق أول عقوبات أميريكية على السودان نتيجة لتراكم المتأخرات وعدم سداد الديون، وكانت فى شكل حرمان من المعونة.

المساعدات العسكرية الأكبر في أفريقيا

في عام 1979م، أقر مجلس الشيوخ الأميريكي إمداد السودان بمقاتلات جوية، كما أجريت لأول مرة عام 1981م، عمليات عسكرية بين الولايات المتحدة والسودان تحت اسم عملية النجم الساطع. وخلال الفترة، بين 1976-1982م، ارتفع حجم العون والمشتريات من الأسلحة الأميريكية إلى 154 مليون دولار و161 مليون دولار على التوالي. كما أصبح حجم المساعدات العسكرية الأميريكية للسودان بين 1976-1985م هو الأكبر في أفريقيا، حسبما يذكر وزير الخارجية السوداني الأسبق، والمؤرخ السياسي الراحل، منصور خالد.

ويضيف خالد في كتابه (شذرات من وهوامش على سيرة ذاتية) الجزء الرابع المعنون بـ(الدبلوماسية السودانية في نصف قرن)، إلى أن السودان وفر في مطلع الثمانينات تسهيلات على ساحل البحر الأحمر لمناورات أجرتها القيادة الوسطى للجيش الأميريكي مع الجيش السوداني.

في العام 1993م، أدرجت الولايات المتحدة الأميريكية السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب وتلقائياً حرمت البلاد من كل برامج المعونة الأميريكية الزراعية، برامج دعم السلام، القروض التفضيلية وغيرها، كما فرض الرئيس الأميريكي الأسبق، بيل كلينتون عقوبات اقتصادية على البلاد في 1997م، رفعت في عام 2017م، في عهد إدارة الرئيس باراك أوباما.

في أغسطس 1998م، قصفت إدارة الرئيس كلينتون مصنع الشفاء، بالخرطوم بحري بدعاوي إنتاجه أسلحة كيماوية، في نفس العام اتهمت الولايات المتحدة السودان بالضلوع في تفجير سفارتيها بكل من: نيروبي (كينيا)، ودار السلام (تنزانيا)، كما اتهمته في عام 2000م، بالضلوع في تفجير المدمرة كول باليمن.

لكن عقب تفجيرات 11 سبتمبر الإرهابية في عام 2001م بالولايات المتحدة الأميريكية، سارع نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، في عرض التعاون الأمني مع الولايات المتحدة، بعد تبني تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن تنفيذه التفجيرات. 

وقبل منتصف تسعينات القرن الماضي، استضافت الخرطوم، بن لادن ومجموعات جهادية أخرى، وإدراكاً منه للمخاطر المحدقة به، بادر النظام السوداني بالتعاون مع نظام بوش في القضية التي كانت تمثل في تلك اللحظة أولوية قصوى بالنسبة له: محاربة الإرهاب. لم يدافع النظام عن بن لادن وجماعته، بل غض الطرف عنه ونفض اليد منه.  كما اتخذت أجهزة الأمن السوداني قراراً بتمكين أجهزة الأمن الأميركية بالاطلاع على كل ملفات أسامة بن لادن والجماعات الأخرى التي كانت تتحرك في السودان. كما كشفت أجهزة الأمن السودانية عن كل ما كانت الأجهزة الأمنية الأميريكية تطمح في الاطلاع عليه بما في ذلك حسابات البنوك.

المساعدات الأميريكية والتعاون الاقتصادي

في عام 1961م، زار الرئيس السوداني الراحل، إبراهيم عبود الولايات المتحدة، بعدما تلقى دعوة من رئيسها جون كيندي، حيث ساد المحادثات جو ودي انتهى بموافقة الرئيس كنيدي على زيادة إسهام بلاده في مشروع الطرق السودانية.

وكانت الحكومة الأميريكية، قد قدمت مشروع معونة إلى الحكومة السودانية الائتلافية من حزبي الأمة والشعب الديمقراطي، في عام 1958م، إلا أنها قوبلت بمعارضة شديدة قبل أن يُفعلها عبود عقب زيارته إلى واشنطن.

وأيضاً، مع تسبب الجفاف الذي ضرب البلاد في نهاية السبعينات في مجاعة ضربت أنحاء واسعة من أقاليم السودان، بما فيها تلك المنتجة للحبوب، ساهمت إدارة الرئيس رونالد ريغان بفك تلك الضائقة الغذائية، إما عبر القانون 480، أو عن طريق برنامج الغذاء العالمي. أيضاً، برمجت الإدارة الأميركية، خلال فترة الحكومة الانتقالية 2019-2021م، عون غذائي كان يقدر بأكثر من 300 ألف طن قمح، توقف مع انقلاب 25 أكتوبر2021م. 

في فترات عديدة من حكم نظام نميري، كان هنالك تعاون عسكري بين الخرطوم وواشنطن يعد الأكبر في تاريخ البلدين، واستمر حتى الحكومة الديمقراطية الأخيرة. أيضاً، بدأ استكشاف البترول على عدة فترات، كان آخرها عمل شركة شيفرون على تنقيب البترول في أواخر عهد حكم نميري، ومحاولات أجرتها حكومة الصادق المهدي لعودة شركة شيفرون الأميركية.

ملف السلام

بدأ تدخل الحكومة الأميركية للمرة الأولى في الحرب الأهلية الدائرة في السودان، في ثمانينات القرن الماضي، قبل أن تتوج مشاركتها في إنجاز اتفاق السلام الشامل في عام 2005م، كذلك عملها المشترك مع دول أخرى في توقيع اتفاق سلام جوبا في عام 2020م.

عقب انقلاب 30 يونيو 1989م، أصدرت واشنطن بياناً أدانت فيه الانقلاب العسكري، وطالبت العسكر بالعودة إلى ثكناتهم، كما ألمحت إلى اتخاذ إجراءات أخرى. 

في الخامس من يوليو 1989م، أعملت الإدارة الأميركية المادة 518 من قانون الاعتمادات لتمويل عمليات الصادرات الخارجية، المعروف بتعديل بروك، قبل أن توقف المعونات العسكرية والعون الغذائي، فيما أبقت على المساعدات الإنسانية. 

يلخص وزير الخارجية السوداني الأسبق، والمؤرخ السياسي الراحل، منصور خالد، في كتابه آخر كتبه: (شذرات من وهوامش على سيرة ذاتية) الجزء الرابع المعنون بـ(الدبلوماسية السودانية في نصف قرن)، مسيرة العلاقات السودانية ـ الأميريكية منذ الاستقلال.

يقول خالد: “طوال الفترة التي امتدت من استقلال السودان في النصف الثاني من خمسينيات القرن الماضي حتى نهاية حكومة الصادق المهدي في يونيو 1989م، اتسمت العلاقة بين أنظمة الحكم المختلفة والولايات المتحدة بالحرص على تبادل المنافع مهما كان من اختلاف المواقف حول تلك العلاقة والتشويش الأيديولوجي عن السياسات الوطنية”.

ما معايير الإقالات والتعيينات في قيادة الجيش السوداني عقب الإطاحة بـ(البشير)؟

“الجيش جيش السودان، زي ما بقولوا الثوار”، كان هذا رد قائد القوات البرية السابق، بالجيش السوداني، عصام كرار، على سؤال حول مشاركة الجيش في قمع التظاهرات المناهضة لانقلاب 25 أكتوبر، في مقابلة تلفزيونية أجريت معه في فبراير الماضي، حيث نفى مشاركته رغم وجود دلائل على ذلك.

وفي 25 أغسطس الماضي، أقال القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، كرار من منصبه، ضمن إقالات شملت جنرالات رفيعين آخرين، بينهم نائبي رئيس هيئة الأركان للإدارة والتدريب، منور عثمان نقد وعبد الله البشير أحمد.

وبينما تمت ترقية كل من نقد وأحمد إلى رتبتي الفريق أول، أحيل كرار بنفس رتبته فريق، قبل أن يتم تعيينه أميناً عاماً لوزارة الدفاع.

أسفرت إقالة كرار ومنور، عن انعكاسات داخل وخارج الجيش. فبالنسبة لمنور، فقد وجد حديثه في مارس الماضي، بضرورة خروج الجيش من العملية السياسية صدى سياسياً كبيراً، فيما منحت تصريحات كرار بأن الجيش جيش السودان، وهي جزء من هتاف المتظاهرين “الجيش جيش السودان، ما جيش البرهان”، قبولاً في أوساط عديدة، بجانب ما بدا أنها علاقات جيدة مع نظرائه الغربيين، وتسريبات عديدة نظرت إليه على أنه خليفة محتمل للبرهان. 

وجاءت الإحالات والترقيات في أغسطس الماضي، ضمن سلسلة طويلة من هذه العملية التي بدأها البرهان منذ أبريل 2019م، عقب الإطاحة بنظام الرئيس المخلوع، عمر البشير.

بعد 4 أيام من إطاحة البشير، أصدر البرهان الذي كان يشغل رئيس المجلس العسكري، قرارات بالإقالات والتعيينات والترقيات، شملت هيئة أركان الجيش. بالإضافة إلى إقالة رئيس المجلس العسكري الانتقالي و وزير الدفاع السابق، عوض ابن عوف، ونائبه ورئيس هيئة أركان الجيش كمال عبد المعروف. 

في أكتوبر 2019م، شكل مجلس الوزراء، لجنة للنظر في ملف المفصولين تعسفيًا من الجيش والشرطة خلال 30 عاما من حكم الرئيس المخلوع، عمر البشير. عقب شهر واحد، قررت اللجنة إعادة كل من فُصلوا تعسفيًا خلال حكم البشير إلى وظائفهم، بشرط أن تقل أعمارهم عن 65 عاما وهو سن المعاش.

لاحقاً، في فبراير 2020م، أقال البرهان ضباطاً برتب صغيرة، كانوا قد دعموا الإطاحة بنظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، وفي ديسمبر من العام نفسه، أصدر البرهان قراراً بإعادة ضباط الجيش المفصولين تعسفياً وجبر الضرر لهم.

قبيل قراراته بإعادة تشكيل هيئة الأركان في الخامس والعشرين من أغسطس الماضي، بأيام معدودة، أصدر البرهان قراراً شمل ترقية 40 ضابطا وإحالة 30 آخرين إلى التقاعد بعد ترقيتهم إلى رتبة اللواء من خريجي الدفعة 40 بالكلية الحربية السودانية، سبق ذلك إحالة ضباط برتبة اللواء من الدفع: 35-39.

ومنصب القائد العام، الذي يتولاه البرهان، يُقصد به الضابط الأعلى الذي يتولى قيادة القوات المسلحة المعين بموجب المادة 10(1)، تم إلغاؤه في عام 2013م، ضمن تعديلات أجريت على القانون.

وحسب القانون الملغي، يعين القائد العام للجيش بواسطة رئيس الجمهورية، ودون المساس بسلطات القائد الأعلى ووزير الدفاع يختص القائد العـام بالآتي، تنفيذ سياسة الدفاع الوطنية والسياسات الأخرى ذات الصلة بالدفاع، تقدير الموقف الإستراتيجي العسكري وتنفيذ المهام الإستراتيجية، الإشراف على تنفيذ خطط الاستخدام والتوزيع الاستراتيجي للقوات وتولي التوجيه الإستراتيجي لتحقيق هذه الأهداف، الإشراف على إعداد الخطط والبرامج اللازمة لتمكين القوات المسلحة من أداء مهامها وواجباتها وتنظيمها وتحديثها لتحقيق ذات الأهداف، تعيين رئيس وأعضاء رئاسة الأركان المشتركة بالتشاور مع الوزير وموافقة القائد الأعلى، بجانب أي مهام أخرى تكلفه بها جهة أعلى مختصة. كما يجوز للقائد العام تفويض كل أو بعض سلطاته ومهامه الى أى فرد أو مجموعة من الأفراد الخاضعين لأحكام هذا القانون وفقاً للشروط والضوابط التي يقررها.

عندما أطاح رئيس المجلس العسكري السابق، عوض ابن عوف، بنظام الرئيس المخلوع، عمر البشير في الحادي عشر من أبريل 2019م، أعلن تعطيل الدستور الانتقالي لسنة 2005م.  

والآلية التي تقلد بموجبها البرهان الذي خلف ابن عوف في اليوم التالي، منصب القائد العام للجيش غير واضحة، حيث يتطلب ذلك تعيينه بواسطة رئيس الجمهورية، حسب القانون قبل إلغائه في التعديلات. 

أيضاً يبدو أن إطاحة البرهان بكل من: منور عثمان نقد، عبد الله البشير أحمد وعصام كرار، مثيراً للتساؤلات، بخاصة وأنه قد تمت ترقيتهم إلى رتبة الفريق في أكتوبر 2019م، حيث لم يكملوا ثلاث سنوات في مناصبهم، مع ترقية جنرالات آخرين، أحدهم ظل قريباً من البرهان ويدير إحدى أكبر شركات الجيش الاقتصادية.  

ويبدو واضحاً أن قرارات البرهان المتعلقة بتعيين وإقالة كبار الضباط بالجيش السوداني، منذ عام 2019م، لا تسنتد إلى معايير محددة، بما في ذلك الفترة الزمنية لشغل المناصب. 

ومع ذلك، ورغم أن البرهان، يتقلد منصب القائد العام للجيش السوداني، لم يصدر أي قرارات تتعلق بإحالات وترقيات وسط قيادة الدعم السريع، على الرغم من قيادتها بواسطة أخوين وبعض أفراد عائلتهما، وهو الأمر الذي يثير التساؤلات، حول جدية تبعية الدعم السريع للجيش، وعدم انطباق معايير الإقالة عليها، خاصة أنه تم تغيير قيادات الشرطة والمخابرات العامة بواسطة البرهان عدة مرات.

الإقالات والتعيينات في الجيش منذ 2019م حتى 2022م

تستعرض (بيم ريبورتس) في الخريطة الزمنية أدناه قرارات التعيين والإحالة في قيادة الجيش السوداني عقب الإطاحة بـ(البشير)، في الفترة من 2019 -2022م